المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads
عميد د. محمد حجاب
عميد د. محمد حجاب

استراتيجية حافة الهاوية: صراع الشرعية القانونية وإعادة تشكيل النفوذ بين واشنطن وطهران

السبت 09/مايو/2026 - 08:22 ص
المركز العربي للبحوث والدراسات

في ظل تصاعد التوترات في الخليج، يتجاوز الصراع الأمريكي–الإيراني البعد العسكري ليصبح معركة على الشرعية والقواعد الحاكمة للنظام الإقليمي.

الملخص

تتناول هذه الدراسة التحول البنيوي في طبيعة الصراع الأمريكي–الإيراني في منطقة الخليج العربي خلال عام 2026، حيث لم يعد الصراع مقتصرًا على المواجهة العسكرية التقليدية، بل أصبح يُدار عبر مزيج مركّب من الأدوات القانونية والجيوسياسية والاقتصادية. وتركّز الدراسة على تحليل "مشروع الحرية" بوصفه آلية أمريكية لإعادة تأطير الشرعية العسكرية وتجاوز القيود القانونية الداخلية، مقابل "مبادرة الـ 15 بنداً" الإيرانية التي تمثل محاولة لإعادة التموضع الاستراتيجي وفرض معادلة جديدة للأمن الإقليمي.

وتعتمد الدراسة على أطر نظرية متعددة تشمل الواقعية الجديدة، ونظرية الردع، والجيواقتصاد، لتحليل سلوك الطرفين، كما تناقش دور القانون الدولي كساحة صراع موازية، وتبرز أهمية أمن الطاقة كمحدد رئيسي للتفاعلات. وتخلص الدراسة إلى أن جوهر الصراع يتمثل في إعادة تعريف قواعد النظام الإقليمي، مع ترجيح سيناريو "الاحتواء المتوتر" كمسار أكثر واقعية في المدى القريب.

الكلمات المفتاحية

الصراع الأمريكي–الإيراني، الخليج العربي، الردع، الجيواقتصاد، القانون الدولي، أمن الطاقة، إدارة الحافة، الشرعية الدولية

مقدمة: الخليج كمرآة لتحولات النظام الدولي

تشهد منطقة الخليج العربي في عام 2026 تحولًا بنيويًا عميقًا في طبيعة الصراع الأمريكي–الإيراني، بحيث لم يعد هذا الصراع يُفهم ضمن الإطار التقليدي للمواجهة العسكرية المباشرة، بل بات يعكس ديناميات أعمق ترتبط بإعادة تشكيل النظام الإقليمي في سياق تحولات النظام الدولي. ففي ظل تراجع الأحادية القطبية وصعود بيئة دولية أكثر سيولة، تتزايد أهمية الأقاليم الاستراتيجية بوصفها ساحات لإعادة توزيع القوة وإعادة تعريف قواعد النظام.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم "إدارة الحافة" (Edge Strategy) بوصفه الإطار التفسيري لسلوك الطرفين، حيث يتم العمل ضمن هامش دقيق يفصل بين الردع والتصعيد، مع توظيف أدوات متعددة تتجاوز القوة العسكرية التقليدية. كما يتقاطع هذا النمط مع مفاهيم "الصراع دون العتبة" و"التصعيد المسيطر عليه"، وهو ما يعكس تطورًا في طبيعة الصراعات المعاصرة.

أولاً: "مشروع الحرية" وإعادة إنتاج الشرعية القانونية

يمثل "مشروع الحرية" محاولة أمريكية لإعادة إنتاج الشرعية العسكرية في ظل القيود التي يفرضها قانون صلاحيات الحرب لعام 1973، حيث تسعى الإدارة الأمريكية إلى إعادة توصيف عملياتها العسكرية باعتبارها جزءًا من منظومة الأمن الجماعي، وليس حربًا تقليدية، وهو ما يسمح بتوسيع هامش الحركة دون الاصطدام بالمؤسسات التشريعية.[1]

ويعكس هذا التوجه استخدام القانون كأداة قوة، فيما يُعرف بالتسليح القانوني، حيث يتم توظيف القواعد القانونية لإضفاء شرعية على قرارات سياسية. ومن منظور الواقعية الجديدة، يمكن تفسير هذا السلوك باعتباره محاولة لتعظيم المصالح الوطنية مع الحفاظ على مظهر الالتزام بالقواعد الدولية.[2]

كما يعكس المشروع تحولًا في مفهوم الردع نحو نموذج متعدد الأبعاد، يدمج بين الأدوات العسكرية والاقتصادية والتحالفية، مع التركيز على الردع بالحضور بدلًا من الردع بالعقاب. ويرتبط ذلك بمحاولة تقليل كلفة الهيمنة عبر تقاسم الأعباء وتحويل أمن الخليج إلى منفعة عامة دولية، بما يعكس تحولًا في نمط القيادة الأمريكية للنظام الدولي.

ثانياً: المبادرة الإيرانية وإعادة التموضع الجيوسياسي

في المقابل، تمثل "مبادرة الـ 15 بنداً" تعبيرًا عن تحول في السلوك الإيراني نحو البراغماتية الاستراتيجية، حيث تسعى طهران إلى التكيف مع الضغوط من خلال تقديم تنازلات تكتيكية مقابل تحقيق مكاسب استراتيجية أوسع. ويمكن فهم هذا التحول في ضوء نظرية بقاء الأنظمة، التي تفترض أن الأنظمة السياسية تحت الضغط تميل إلى التكيف للحفاظ على استمراريتها.[3]

ومن خلال هذه المبادرة، تسعى إيران إلى تثبيت نفسها كفاعل لا يمكن تجاوزه في معادلة الأمن الإقليمي، عبر الجمع بين المرونة في الملف النووي والسعي للحصول على اعتراف بنفوذها الإقليمي. كما تعتمد على نموذج اقتصاد المقاومة التكيفية، الذي يمنحها القدرة على الصمود في مواجهة العقوبات وإعادة إنتاج أدوات القوة الاقتصادية.

ثالثاً: القانون الدولي كساحة صراع بين الشرعية والمشروعية

لم يعد القانون الدولي إطارًا محايدًا لتنظيم العلاقات بين الدول، بل أصبح ساحة صراع موازية يتم فيها توظيف النصوص القانونية لخدمة أهداف سياسية. ففي حين تستند الولايات المتحدة إلى مبدأ حرية الملاحة، تطرح إيران مفهوم السيادة الأمنية للمضائق، وهو ما يعكس صراعًا بين نموذجين مختلفين في العلاقات الدولية.

ويتجلى هذا التباين في الاستخدام الانتقائي لاتفاقية قانون البحار، حيث يتم توظيف القواعد القانونية بشكل يخدم المصالح الوطنية لكل طرف، وهو ما يُعرف بالانتقائية القانونية. وفي قلب هذا الجدل، تبرز إشكالية شرعية استخدام القوة، حيث يتم توسيع تفسير مفهوم "الدفاع" ليشمل حالات غير تقليدية، وهو ما يعكس التوتر بين مفهومي الشرعية والمشروعية في القانون الدولي.[4]

رابعاً: الجغرافيا السياسية للطاقة كعامل حاسم

يمثل أمن الطاقة البعد الأكثر حساسية في هذا الصراع، حيث يمر عبر الخليج ما يقارب خمس إمدادات النفط العالمية، ما يجعل أي اضطراب في هذه المنطقة ذا تأثير مباشر على الاقتصاد العالمي. وفي هذا السياق، تتحول الطاقة إلى أداة جيوسياسية تُستخدم لإعادة تشكيل التوازنات الدولية.

كما أن الممرات البحرية في الخليج تمثل نقاط اختناق استراتيجية، تمنح من يسيطر عليها قدرة كبيرة على التأثير في تدفقات الطاقة العالمية، وهو ما يجعل الصراع في هذه المنطقة جزءًا من التنافس على إدارة النظام الاقتصادي العالمي، وليس مجرد نزاع إقليمي محدود.

خامساً: السيناريوهات المستقبلية للصراع

تتراوح مآلات الصراع بين ثلاثة سيناريوهات رئيسية. يتمثل الأول في "التسوية الكبرى"، التي تقوم على اتفاق شامل يعيد توزيع النفوذ ويؤسس لنظام أمني إقليمي جديد. أما السيناريو الثاني، وهو الأكثر ترجيحًا، فيتمثل في "الاحتواء المتوتر"، حيث يستمر الصراع دون حسم في إطار من التوازن الهش والاستنزاف المتبادل.

في المقابل، يظل سيناريو "الانفجار الكبير" قائمًا كاحتمال منخفض لكنه عالي التأثير، حيث قد يؤدي حدث مفاجئ إلى كسر قواعد الاشتباك والدخول في مرحلة تصعيد شامل، بما قد ينعكس على استقرار النظام الإقليمي والدولي.

خاتمة: صراع على قواعد النظام الإقليمي

في المحصلة، لم يعد الصراع الأمريكي–الإيراني صراعًا على الجغرافيا بقدر ما هو صراع على قواعد النظام الإقليمي. فواشنطن تسعى إلى الحفاظ على نظام مفتوح منخفض التكلفة، بينما تسعى طهران إلى تحويل نفوذها إلى اعتراف مؤسسي دائم.

وبين هذين المسارين، يبقى أمن الطاقة العالمي هو العامل الأكثر حساسية، والنقطة التي تتقاطع عندها المصالح الدولية، ما يجعل هذا الصراع أحد أهم محددات شكل النظام الدولي في المرحلة المقبلة.

الهوامش

[1] War Powers Resolution, 1973.

[2] Waltz, Kenneth. Theory of International Politics.

[3] Bueno de Mesquita, The Logic of Political Survival.

[4] Brownlie, Principles of Public International Law.

المراجع

  • Nye, Joseph. Soft Power.
  • Buzan, Barry. People, States and Fear.
  • Kissinger, Henry. World Order.
  • International Energy Agency Reports.
  • UNCLOS.

 


إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟