الدبلوماسية التجارية في الشرق الأوسط: الحمائية الأمريكية والحقائق البديلة لترامب

الأحد 12/فبراير/2017 - 02:28 م
طباعة الدبلوماسية التجارية
 
إيمان زهران

شهد منتدى دافوس في دورته الـ 47 لعام 2017 تخوفاً ملموساً حول إمكانية تنفيذ الرئيس الأمريكى المنتخب دونالد ترامب تهديدة  بتفعيل سياسات "الحمائية الاقتصادية" والتخلي عن اتفاق التبادل التجاري الحر عبر المحيط الهادى، وإقامة حواجز جمركية مع جيرانه ومع الصين. ولم يكاد ينتهى المنتدى حتى سجل ترامب فور تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة بأجندة الـ (100 يوم رئاسى) قراراً تنفيذياً بانسحاب بلاده رسميًا من الاتفاقية. كما وقع قرارًا أيضًا للبدء في إعادة التفاوض على اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا) بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك تمهيدًا لتغيير شروط الاتفاقية كخطوة نحو إعادة هيكلة السياسات الاقتصادية الأمريكية داخلياً وخارجياً.

أولاً- الحمائية الأمريكية وبداية تراجع الإمبريالية الأمريكية

انغلاق الاقتصاد الأمريكي والحد من تدفقات الاستثمارات ورؤوس الأموال الأمريكية إلى الخارج، وتقييد حركة الدخول والخروج للأسواق، يعرف في الأدبيات الاقتصادية بالسياسات الحمائية في مقابل سياسات الانفتاح والتبادل الحر المرن الذى عمل بالتوازي مع القوة الصلبة الأمريكية على "أمركة" الاقتصاد العالمي وجعل هذا الأخير في خدمة المشروع  الإمبريالي الأمريكي أو ما عٌرف بـ  "مشروع القرن الأمريكي".

الحمائية الأمريكية تتمثل فى شعار دونالد ترامب الإنتخابى "أمريكا أولاً" ؛ فوفقاً لسياسة ترامب القومية، فإن اتفاقية التبادل التجارى الحر عبر المحيط الهادى تفتح السوق الأمريكي على المنتجات الأجنبية بكثافة، كما تسمح للصُناع الأمريكيين بالعمل في الخارج وتوظيف عمالة غير محلية، الأمر الذي وعد ترامب بمقاومته في أحاديثه خلال الحملة الأمريكية. وبدأ تنفيذ  ذلك الوعد بأولى الخطوات بالتصديق على الإنسحاب من تلك الإتفاقية.  

ثانياً- الحقائق البديلة للدبلوماسية التجارية

على الرغم من إعلان الرئيس المنتخب دونالد ترامب إنسحاب بلاده من اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا) بما يرمى نحو إعادة تعريف الدبلوماسية التجارية من الإنفتاح والتمدد للإنغلاق على الداخل؛ إلا أن ترامب وضع مصطلحاً جديداً فى العلاقات الدولية وأطلق علية (الحقائق البديلة)، وإن كان مقتبس من رواية جورج أويل (رواية 1984) إلا أنه يحمل فى مضمونه المسارات المستقبلية لتكيف السياسية الترامبية؛ ومنها السياسات الاقتصادية والتى بدأها بالإنسحاب من النافتا؛ مقابل تغير البوصلة الإقتصادية لإتجاة منطقة الشرق الأوسط بالعديد من التصريحات تكشف عن التخطيط لاتفاقيات تجارة حرة بين الولايات المتحدة الأمريكية ودول المنطقة الشرق أوسطية.

الدبلوماسية التجارية تعمل فى مضمونها البيني على خلق نوع من التقارب السياسي بين مختلف العواصم وتعزيز السلام العالمي، وذلك كحالة اتفاقة المناطق الصناعية المؤهلة (كويز) بين مصر وإسرائيل، والتي عقدت برعاية أمريكية عام 2004، بهدف تعزيز عملية السلام بين البلدين وفقاً لإطار اقتصادي حيث استشهد العديد من الخبراء والمحللين الدولين بتلك الإتفاقية كرمز فاعل لنجاح الدبلوماسية التجارية.

اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة ( الكويز –QIZ):  تُعد تلك الإتفاقية امتداداً لاتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل المُصدَّق عليها عام 1985. وتهدف الإتفاقية إلى تفضيل التعامل مع الأسواق الأمريكية للصادرات من مناطق محددة في مصر. فضلاً عن كون مصر سعت لتفادي الانتكاسات المستقبلية الناجمة عن التغيرات في نظام الحصص الخاص بالمنسوجات لدى منظمة التجارة العالمية وذلك بالإحتذاء بالنموذج الأردني فى إتفاقيتة الخاصة بالمناطق الصناعية المؤهلة، وضمان اتفاق للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة. كذلك إسرائيل كانت تتطلع بتدشين اتفاقية الكويز إلى إضفاء الشرعية على العلاقات التجارية التي كانت قائمة لسنوات بين كلاً من مصر وإسرائيل دون اعتراف علني.

الدبلوماسية التجارية في إطار بروتوكول الكويز تم التصديق عليه عام 2004 لإنقاذ صناعة الغزل والنسيج في مصر. فقد كانت "اتفاقية الأنسجة المتعددة" التي ترعى تجارة المنسوجات العالمية قد أوشكت على الانتهاء، مما عني آنذاك أنه كان سيتم فرض الرسوم على الصادرات المصرية. وبالتالي قد تجد مصر صعوبة كبيرة في منافسة بنجلاديش والصين والهند وباكستان في السوق الأمريكية. ولكن بعد إنشاء المناطق الصناعية المؤهَّلة، ارتفعت صادرات الملابس الجاهزة المصرية من 288,3 مليون دولار تقريباً في عام 2005 إلى 636,2 مليون دولار تقريباً في عام 2006 لتصل إلى 842,4 مليون دولار تقريباً في عام 2015. بما دفع بالجانب المصري بالمطالبة فى إطار الدبلوماسية التجارية بما يلى: 

1.       توسيع النطاق الجغرافي لبروتوكول الكويز ليشمل مناطق صناعية أخرى خلافاً للمناطق الجغرافية المُحدَّدة سلفاً وهى: القاهرة الكبرى، الإسكندرية، وسط الدلتا، قناة السويس، الصعيد (المنيا وبني سويف).

2.       تخفيض نسبة المكوِّن الإسرائيلي بهدف زيادة الصادرات المصرية إلى السوق الأمريكي. حيث تمثل الصادرات المصرية إلى السوق الأمريكي في إطار هذا البروتوكول حوالي 80% من إجمالي الصادرات المصرية معظمها صادرات من الملابس الجاهزة والمنسوجات.

3.                   إضافة سلع أخرى بخلاف الملابس والمنسوجات تحظى بالإعفاء الجمركى فى إطار بروتكول الكويز.

ثالثاً- هل سيستفيد الاقتصاد المصري من الحمائية الأمريكية؟

بشكل عام؛ منذ فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر الماضي وقد تراجعت مؤشرات الدولار الأمريكي في البورصات العالمية بدافع الخوف من هوية خطط الرئيس الجديد وسياساته الإندفاعية والتى صُنفت فى أكثر من حدث بعنصريتها وإفتقادها للمؤسساتية الأمريكية.

بالمقابل؛ نجد أن قرار ترامب انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية التجارة الحرة عبر المحيط الهادئ سيؤدي إلى تراجع الدولار عالمياً نظراً لحالة العزلة والانكفاء الذي سيعيشه الاقتصاد الأمريكي لفترة قد تطول. وبالتالي، فإن ذلك الانخفاض في قيمة الدولار من شأنه أن يحسن من وضع العملات المحلية على مستوى العالم، وفى مقدمتهم الجنيه المصري الذي سجل أسوأ أداء لعملة محلية على مستوى العالم في العام 2016.

كذلك الاستفادة من علاقة المودة بين الرئيس الأمريكي المنتخب والرئيس عبد الفتاح السيسي، في دعم العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وزيادة الدعم والاستثمار الأمريكي بمصر، وزيادة التبادل التجاري بينهما في إطار تفعيلي لاتفاقيات التبادل التجاري كالكويز QIZ ومفاوضات إقرار اتفاقية التيفا TIFA وغيرهم، لتشجيع وزيادة حجم التبادل التجاري تمهيداً لإقامة منطقة تجارة حرة بين البلدين فضلاً عن أطروحات ترامب حول إقامة منطقة تجارة حرة بين أمريكا ومنطقة الشرق الأوسط بالكامل.

رابعاً- عواقب مستقبلية للداخل الأمريكي

مما لا شك فيه أن الخطاب الإقتصادى لترامب يفتقر لإدراك آليات صنع القرار فى البيت الأبيض المحكومة بمؤسسات اقتصادية عتيقة وخبراء مال يخططون للاقتصاد المحلي والعالمي. وبالتالي، أصبح هناك عدد من العواقب الناتجة عن ذلك الخطاب المُوجه الغير رشيد اقتصادياً، ولعل منها:

·   السياسات الحمائية التي يطرحها ترامب تهدد موقع الدولار كعملة احتياط دولية، وقد تقود خطط الإنفاق التي يقرها في سياساته إلى رفع الدين العام في أمريكا إلى معدلات عالية جدًا قد تنهي جاذبية سندات الخزانة الأمريكية التي تعتمد عليها أميركا في تمويل العجز في الميزانيات في ظل خفض معدلات الضرائب التي ينوي فعلها.

·   السياسات الهجومية بالخطاب الاقتصادي لترامب ستقود تلقائياً إلى نزاع تجاري مع الصين في آسيا. وربما تكون نتيجة مثل هذا النزاع تخلي الصين عن ربط عملتها بالدولار وانفكاك البترودولار، فضلًا عن تراجع دور الدولار في تسوية الصفقات التجارية في دول البريكس ومجموعة دول العام النامي.

تأسيساً على ذلك ..، 

التنافسية الاقتصادية بالعالم هي في واقع الحال وفقاً للقواعد التى وضعتها الولايات المتحدة عقب انتصارها بالحرب العالمية الثانية وفرضها على العالم سياساتها الاقتصادية النيو ليبرالية؛ لكن بسياساتها الحمائية الجديدة تترك المجال للصين وغيرها من الاقتصاديات الناشئة لإعادة هيكلة النظام الاقتصادي العالمي من الأحادية للتعددية القطبية.

بالمقابل؛ فالتهديدات الاقتصادية الأمريكية لن تنجح في استنزاف موارد وقدرات إلا الدول الهشة  كدول العالم العربي، أما الدول القوية فهي تمتلك من أوراق الضغط والمناورة ما يمكنها من كبح جماح الإدارة الأمريكية الجديدة ومحاصرتها اقتصادياً وتجارياً عبر نفس الآليات التي اعتمدتها أمريكا في السابق لتحقيق مشروعها الإمبريالى، فالصين وغيرها من الاقتصاديات الصاعدة، تستطيع استناداً لآليات منظمة التجارة العالمية من اتخاذ نفس التدابير الحمائية وفقا لمبدأ المعاملة بالمثل؛ وسيظل الخاسر الأكبر هو العالم العربي الذي لازال يعيش بعصر الفوضى السياسية والهشاشة الإقتصادية.

ومن ثم؛ فالدبلوماسية التجارية كحقائق بديلة للحمائية الترامبية تهدف لإعادة المسارات الداعمة لعملية السلام الرامية للإستقرار بين

الدول،خاصة في منطقة الشرق الأوسط التي تسيطر عليها الفوضى بشكل ممنهج بداية من 2003 وسقوط العراق بدعوى "الفوضى

الخلاقة"، وصولاً ليومنا هذا وسيطرة الفواعل العابرة للقومية وفى مقدمتهم (تنظيم داعش) على إعادة ترسيم خريطة السلام والإستقرار بالشرق

الأوسط. فالدول التي تقوم بينها علاقات تجارية مهما كانت مختلفة في الاتجاهات والرؤى السياسية، يمكنها تجاوز الخلافات والتواصل بلغة

المال والتجارة كبديل فعال عن لغة الحروب والصراعات حيث تعود تلك اللغة بالنفع اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً على كافة أطراف المنطقة.

شارك