النظام الرئاسي الأردوغاني يقسم تركيا: ملاحظات أولية على نتائج الاستفتاء

الثلاثاء 18/أبريل/2017 - 04:19 م
طباعة النظام الرئاسي الأردوغاني
 
د.أحمد موسى بدوي

معركة حامية الوطيس، جرت بين مؤيدي التعديلات الدستورية ومعارضيها، وجاءت النتائج كسكين حاد قسم تركيا إلى شطرين، شطر قرر التعامل مع أردوغان بوصفه السلطان العثماني الجديد، وشطر حائر لم يستطع الحسم في هذه الجولة ولا في الجولات السابقة (الانتخابات: البلدية، الرئاسية، البرلمانية الأولى والثانية) التي تمت في الأعوام الثلاثة الماضية، على الرغم من قوة المنافسة. ونقدم في هذا المقال ملاحظات أولية على نتائج هذا الاستفتاء.

التعديلات الدستورية ونظام دولة بلا مثيل

دعاة الترويج للتعديلات على أنها تحول من النظام البرلماني إلى الرئاسي، يغالطون الحقائق والوقائع، فالتعديلات الدستورية لا تمت للأنظمة الرئاسية المعروفة في العالم بصلة، إنما هي تعديلات تؤسس لنموذج يمكن أن نطلق عليه من الآن وصاعداً "النظام الرئاسي الأردوغاني". ويمكن إيجاز أهم التعديلات التي تم إقرارها فيما يلي:

·       ينص مشروع التعديل الدستوري على نقل السلطة التنفيذية من رئيس الحكومة إلى رئيس الدولة، كما قد يتيح لرئيس الجمهورية المنتهية ولايته في 2019، التمتع بإمكانية الترشح على المنصب لولايتين أخريين، والبقاء في السلطة حتى 2029. ولن يضطر الرئيس بعد إقرار التعديلات إلى قطع روابطه بحزبه السياسي عند انتخابه، وتشمل صلاحياته تعيين الوزراء وإقالتهم، وتعيين  نائب رئيس أو أكثر، كما سيكون بوسعه إصدار قرارات بقوة القانون. ولا مشكلة في البنود السابقة، فهي بنود معمول بها في نظم رئاسية عديدة على مستوى العالم.

·       ينص المشروع على تنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية متزامنة في نوفمبر 2019، على أن يتم انتخاب الرئيس لولاية من خمس سنوات قابلة للتجديد لمرة. وهذا النص مصنوع على مقاس الحزب الأقوى، على معنى أن الحملة الانتخابية البرلمانية والرئاسية، ستتيح للحزب القابض على السلطة، استغلال النفوذ والقوة وامكانات الدولة لحصد كل المكاسب دفعة واحدة.

·       ينص التعديل على رفع عدد نواب البرلمان من 550 إلى 600 وتخفيض سن التأهل للترشح من 25 عاماً إلى 18 عاما. على ألا يقل مستوى تعليم المترشح عن الشهادة الابتدائية، ولا شك أن إتاحة الفرصة للشباب أمر جيد في أي دستور، لكن المبالغة في خفض سن المترشح إلى 18 عام، هو تملق لهذه الفئة، ولا يخدم المصلحة العامة، وكان من الأفضل ربط سن الترشح بسن التخرج من الجامعة، حتى يتيح الفرصة لأصحاب المهارات التخصصية بإثراء الأداء البرلماني.

·        لم يقترب التعديل من أهم مشكلة في الحياة البرلمانية التركية، ألا وهي قانون العتبة الانتخابية  الصادر في عام 1980، ويقضي بضرورة حصول أي حزب سياسي على نسبة 10% من مجموع الأصوات كشرط  لدخول البرلمان. ومن المعلوم أن هذه العقبة وٌضعت في الماضي  بهدف منع الأكراد وقوى الإسلام السياسي من الدخول إلى البرلمان في ذلك الوقت. غير أن حزب العدالة والتنمية بعد وصوله للسلطة في عام 2002، لم يبادر بتغيير هذا القانون، ولم يستجب لمطالب المعارضة في عام 2010، بتخفيض العتبة الانتخابية إلى 5% ضمن التعديلات الدستورية المقترحة آنذاك، وأصر الحزب الحاكم على الإبقاء على نسبة الـ 10% التي لا يوجد لها مثيل على مستوى العالم. لأنه الرابح الأول من وجود العتبة الانتخابية، التي تمنحه غالبية أصوات الأحزاب الصغيرة التي لا تتجاوز العتبة في الانتخابات.

·       بعد إقرار التعديلات، أصبح من صلاحيات الرئيس تعيين 12 قاضياً في المحكمة الدستورية من أصل 15، وهؤلاء القضاة هم الذين سيحاكمون الرئيس في حال توجيه أي تهمة إليه. كما سيعين  معظم أعضاء اللجنة العليا للقضاة ووكلاء النيابة، وهي اللجنة التي تعين القضاة وترقيهم وتقوم بنقلهم ومحاسبتهم. وعليه، فإن هذه التعديلات تؤدي إلى تغول السلطة التنفيذية على السلطة القضائية بشكل سافر.

·       بعد إقرار التعديلات، أصبح بإمكان للرئيس حل البرلمان في حال سعى البرلمان لإصدار قوانين، أو تعديل دستوري يحد من سلطات الرئيس. بينما البرلمان يمكنه حل نفسه وإنهاء فترة حكم الرئيس، لكن من خلال أغلبية ثلثي النواب.

·       تنص التعديلات على منح الرئيس صلاحية إعلان حالة الطوارئ دون العودة إلى البرلمان لستة أشهر يستطيع خلالها إصدار قوانين تشريعية، إلى جانب تعديلات أخرى تركز السلطة في يد فرد واحد بلا قيود. وتكسبه صلاحيات لم يتمتع بها أي رئيس تركي منذ تأسيس الجمهورية في عام 1923. إنه باختصار نظام يضعف السلطتين التشريعية والقضائية لصالح سلطة تنفيذية يتحكم فيها شخص واحد.

أجواء الاستفتاء على التعديلات الدستورية

لم يستطع حزب العدالة والتنمية أو أردوغان، أن يقدما تبريرات منطقية وواقعية تدفع لقبول هذه التعديلات، وعوضاً عن ذلك لم يتورع أردوغان عن استغلال المغالطة تلو الأخرى لحشد الأصوات، تارة بافتعال الأزمة مع الدول الأوربية، وتارة بمهاجمة الكتلة العلمانية التركية والأكراد وشيطنة جماعة الخدمة. لقد لعب على وتر القومية التركية وأصوات الإسلاميين، محتكراً الفضاء الإعلامي بصورة مطلقة.  حتى أن رئيس الوزراء صرح أكثر من مرة إلى أن أردوغان هو الحاكم الفعلي، ويتمتع بكافية الصلاحيات، والتعديل الدستوري يأتي لشرعنة الوضع القائم، وحتى يمكن للشعب أن يحاسب رئيس الجمهورية، لم يجد رئيس الوزراء سوى هذا التبرير لكي يدفع الأتراك للتصويت بنعم للتعديلات. وهو تبرير يوضح بجلاء أن الجميع يدافعون عن هذه التعديلات دون اقتناع ودون وجود حاجة ماسة لها، وأن تأثيرها السلبي على مستقبل تركيا أكبر بكثير من الآثار الايجابية.

المتابع للشأن التركي، على علم بأن الحزب الحاكم يملك القدرة على تقييد حرية المعارضين أثناء الحملات الانتخابية، وهو ما حدث بالفعل أثناء حملة الاستفتاء التي لم تكن متكافئة بحسب التقارير الدولية، وجرى التضييق على الحملة المعارضة للتعديلات بطرق غير قانونية. ومع ذلك، فإن الحزب الحاكم لا يملك القدرة على التلاعب بصناديق الاقتراع، فمن حق أكبر خمس أحزاب في تركيا مراقبة اللجان الفرعية وحضور عملية الفرز وإعلان النتيجة داخل اللجنة الفرعية قبل إرسالها إلى اللجان العامة. ومن ثم، فإن أي حديث عن التشكيك في نتائج الاستفتاء لا سند له على أرض الواقع إلا في حالة وجود أدلة ثبوت دامغة.

عملية الاقتراع وأهم النتائج

تركيا تمتلك كتلة تصويتية ضخمة قوامها أكثر من 55,3 مليون ناخب، موزعين على 167 الف لجنة اقتراع فرعية، بدأ الاستفتاء من الساعة الثامنة صباح الأحد 16 أبريل وانتهى في الخامسة من مساء نفس اليوم، فيما عدا جنوب شرق تركيا حيث بدأ الاقتراع في السابعة صباحاً وانتهي في الرابعة. وقد جرت عملية الاستفتاء دون خروقات أمنية كبيرة، باستثناء الاشتباكات التي تمت في ديار بكر صبيحة الاستفتاء، وأسفرت عن قتيلين وعدة مصابين.

وبصفة عامة، فإن نسبة مشاركة الأتراك في الفعاليات الانتخابية والاستفتاءات هي الأعلى على مستوى العالم، وتعد هذه النسبة المدهشة في حد ذاتها ضمان أساسي لعدم العبث بالصناديق. وقد بلغت نسبة المشاركة في استفتاء الأحد تقترب من 86% ممن لهم حق التصويت، وعملياً لا يستطيع أحد أن يزور إرادة هذا العدد الضخم من المشاركين.

ويبدو من تحليل نتائج المحافظات التركية الكبرى، التي تجاوزت عتبة المليون صوت، وعددها 7 محافظات من 81 محافظة، وتملك 44% من جملة الأصوات أن معركة المدن الكبرى، حسمت لصالح المعارضين للتعديلات الدستورية بنسبة 51,8%  وأن العاصمة أنقرة وأربعاً من المدن والمحافظات الكبيرة (إسطانبول، إزمير، أنطاكيا، أضنة)، صوتت جميعاً ضد التعديلات الدستورية، في حين صوتت مدينتي بورصا وقونيا تأييداً للتعديلات.

أما على مستوى المحافظات المتوسطة والصغيرة، فقد فاز التحالف المؤيد للتعديلات بمعركة المدن والمحافظات الصغيرة في وسط تركيا بنسبة عالية، بينما فاز التحالف المعارض للتعديلات بغالبية محافظات الشرق والجنوب الشرقي والغرب التركي بنسبة عالية. وهذه النتائج لها دلالة عميقة تبرهن على  الانشطار الذي أحدثه الاستفتاء.

ويبدو أن حملة أردوغان التي شنها على دول أوروبا، وخاصة ألمانيا، قد أتت بثمار إيجابية، فارتفعت نسبة المشاركة لتصل إلى 1,4 مليون ناخب في الخارج، وجاءت النتائج غريبة، حيث أيد أتراك الخارج التعديلات بنسبة تقترب من 60% ، بزيادة ثمانية نقاط مئوية كاملة عن نسبة التأييد في الداخل، رغم أن غالبية أصوات الخارج تتركز في أوروبا وأمريكا، أي أنهم يعيشون في وسط ديمقراطي حر، ومع ذلك فضلوا التصويت بنعم للتعديلات، تأثراً بالحملة المذكورة التي قامت على حشد أصوات الخارج باستغلال العاطفة الوطنية والدينية معاً، وتجنب الحديث عن أية مبررات سياسية أو اجتماعية لهذه التعديلات.

المحافظات الكبرى

عدد المشاركين

نسبة المؤيدين

نسبة المعارضين

إسطنبول

9207487

48.6

51.4

أنقرة

3415276

48.9

51.1

إزمير

2789286

31.2

68.8

بورصا

1856277

53.2

46.8

أنطاكيا

1402302

40.9

59.1

أضنة

1281286

41.85

58.15

قونيا

1273963

72.8

27.2

جملة

21225877

48.2

51.8

 

أزمة حزب العدالة والتنمية بعد الاستفتاء

الحزب الحاكم كان يطمح في فوز كبير في معركة الاستفتاء على الدستور تمكنه من استعادة الثقة المفقودة الناجمة عن الاخفاقات العديدة في إدارة الملفات الداخلية والخارجية مع روسيا وأمريكا والاتحاد الاوربي، وبعض دول إقليم الشرق الأوسط وعلى رأسها مصر، واندفاعه المستمر نحو التدخل السافر في الشأن العراقي والسوري، كل ذلك يضاف إلى الانقسام في الشارع التركي حول الملف الاقتصادي والملف الكردي وحركة الخدمة. ويبدو أن العدالة والتنمية لم تعد لديه أوراق جديدة يلعب بها، وفوز هكذا بطعم الهزيمة يعني أن تركيا في أمس الحاجة إلى فاعل سياسي جديد، ولا يبدو في الأفق أن حزب الشعب يستطيع أن يكون ذلك الفاعل.

ويجري الحديث في الأروقة السياسية التركية حول الخروج من هذه الحالة السياسية العقيمة، متوقعين تأسيس حزب جديد من رحم العدالة والتنمية، كما حدث منذ سنوات بعد حل حزب الفضيلة، وانقسام أعضاءه إلى فريقين، الأول سار على  نهج نجم الدين أربكان، وأسس حزب السعادة، أما فريق الشباب فأسسوا حزب العدالة والتنمية في 2001، واستطاع هذا الحزب حكم تركيا من 2002 حتى الآن.  وهناك تيار معارض موجود بالفعل داخل الحزب، على رأسه أحمد داود أغلو، وعبدالله غول، وبولنت أرينك، وعلي بابا خان، وجميعهم تم اقصاءهم بطريقة أو بأخرى من دوائر صنع القرار في الحزب.  وبإمكان هذه النواة تقديم طرح جديد، يلقى قبولاً داخلياً وخارجياً على السواء، خاصة في وجود داود أغلو  فهو فيلسوف وعالم بارز في العلوم السياسية، ولديه الخبرة الكافية، ويتمتع بقبول شعبي، ويتميز بخصائص ليبرالية وإسلامية بينما تنقصه المبادرة، لكن إذا توفرت الشروط ، يمكن لهذا الحزب الجديد أن يؤسس لعقد سياسي جديد، ويتبنى طرحاً مختلفاً في كافة الجوانب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية.

حزب الحركة القومية أكبر الخاسرين

من لحظة تحالف حزب الحركة القومية مع العدالة والتنمية من أجل إقرار التعديلات الدستورية، بدا أنه سيكون الخاسر الأكبر في هذه المعركة، أياً كانت نتيجة الاستفتاء، فخلال تصويت الجمعية العامة للبرلمان، رفض 45% من برلماني الحركة القومية هذه التعديلات، ضاربين عرض الحائط بقرار رئيس الحزب الطامح في منصب نائب رئيس الجمهورية، وتتمثل خسارة الحركة القومية وأزمتها القادمة فيما يلي (1) تأييد التعديلات الدستورية، سيؤدي إلى تآكل شعبية الحزب بين أوساط الكتلة التركية العلمانية والليبرالية. (2) لن يجني حزب الحركة القومية شيئا يذكر من تحالفه مع العدالة والتنمية في الانتخابات البلدية والبرلمانية القادمة، لأن العدالة والتنمية يدخل هذه الاستحقاقات كامل العدد في كل المناطق، ولا يمكن أن يترك للحركة القومية مقاعد كمكافاة له على هذا التحالف، لسبب جوهري، وهو أن تماسك العدالة والتنمية وقدرته العالية على الحشد، سببها التفاف القيادات المحلية (الطامحة في المناصب السياسية البلدية أو القومية)، والتحالف مع الحركة القومية في حال حدوثه، سيكون على حساب هذه القيادات المحلية، بمعنى آخر أن العدالة والتنمية في وضع لا يسمح له بالمغامرة، فيفقد تماسكه، من أجل إرضاء أو مكافأة حزب الحركة القومية. (3) أقصى ما يمكن أن يقدمه العدالة والتنمية بعض المناصب الجديدة المترتبة على التغيير الدستوري، مثل منصب نائب رئيس الجمهورية.

دلالات النتيجة الانشطارية

(1) أثبتت النتائج، أن حركة الخدمة ما تزال موجودة داخل الشارع التركي، ولكنها لا تملك القدرة على ترجيح الكفة في الفعاليات السياسية. (2) استمرار الاحتقان والتوتر بين الأتراك من أصول كردية والحزب الحاكم، فقد أشارت النتائج إلى أن جميع المناطق التي يقطنها الأكراد قد صوتت بأغلبية مريحة ضد هذه التعديلات. (3) تزايد شعبية حزب الشعب على حساب مغامرة حزب الحركة الوطنية بالتحالف مع العدالة والتنمية، وهذه المكاسب، لن تتضح بجلاء إلا مع الاستحقاقات القادمة. (4) استمرار أزمة أنصار حقوق الإنسان والحركات الاجتماعية الديمقراطية، وهي شريحة مهمة داخل الفضاء العام التركي، وتنتشر في أروقة الأحزاب السياسية جميعاً. حيث ترى هذه الشرائح أن أردوغان أفسد الحياة السياسية فى تركيا، وفرض نظام الحكم الرئاسي فى البلاد، دون الاستعانة أو الاسترشاد برأي مؤسسات المجتمع المدني أو الجماعات الحقوقية.(5) برهنت النتائج تراجع شعبية العدالة والتنمية بصورة ملحوظة، ولولا تحالفه مع القوميين الأتراك لما تمكن من حسم جولة الاستفتاء بأي حال من الأحوال.

وختاماً، فإن التعديلات الدستورية، منحت أردوغان ما يريد بأغلبية هشة وضعيفة، وانشطرت تركيا شطرين لا ثالث لهما، فهل يهدأ أردوغان بعد تمتعه بصلاحيات السلاطين العثمانية، ويراجع كل الملفات الداخلية والخارجية بطريقة جديدة، أم أن هذا النجاح المحدود وغير المقنع سيجره إلى المزيد من الاندفاع؟ إجابات لن يتأخر أردوغان نفسه في الإجابة عليها خلال الشهور القليلة المقبلة.

 

شارك