الانتكاسة البيئية: الحقائق البديلة لانسحاب ترامب من إتفاق باريس للمناخ

الأحد 18/يونيو/2017 - 11:15 م
طباعة الانتكاسة البيئية:
 
إيمان زهران

انطلاقاً من مفهوم "الحقائق البديلة" والنزعة القومية للشعار الترامبي "أمريكا أولا"، أعلن دونالد ترامب انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من اتفاقية باريس للمناخ، وفقاً لاعتبار إقتصادى دون النظر لأى خلفية سياسية أو تداعيات بيئية، حيث رسخ منظوراً عبَّر عنه المستشار ستيفن بانون بـ : " أن الاتفاقيات الدولية ومتعددة الأطراف جاءت على حساب مصالح الولايات المتحدة الاقتصادية، وأن حركة العولمة بشكل عام تسببت في خسائر اقتصادية ملموسة".  ليضع أمريكا فى مأزق داخلي ودولي قد يدفع بها لعزلة دبلوماسية خلال فترة الرئيس دونالد ترامب. 

أولاً- ماهية اتفاق باريس

في 2015، توافق أغلب زعماء العالم بتقنين محاولاتهم فى التقليل من تأثيرات التغيرات المناخية؛ وذلك بتوقيع 195 دولة من أصل 197 هي مجموع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بغياب سوريا ونيكاراجوا فقط على اتفاقية باريس للمناخ Paris Climate agreement .

وتنص بنود الاتفاق على تعهد الجميع بحصر ارتفاع درجة حرارة الأرض وإبقائه "دون درجتين مئويتين"، و"بمتابعة الجهود لوقف ارتفاع الحرارة عند 1.5 درجة مئوية" تُحدد  قياسًاً بعصر ما قبل الصناعة في كوبنهاجن عام 2009، ويعني ذلك  تقليصًا شديدًا لانبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، عبر انتهاج  إجراءات للحد من استهلاك الطاقة، والاتجاه نحو الطاقات البديلة والاستثمار فيها والعمل على إعادة تشجير الغابات.

وقد أقرت الاتفاقية آلية لمراجعة تلك الالتزامات كل خمس سنوات، تبدأ أولها في 2025، كما يجب أن تساهم الدول الأكثر تقدمًا بتمويلات تقدمها إلى الدول النامية لمساعدتها في مواجهة آثار التغير المناخي، والانتقال إلى  مصادر الطاقة المتجددة.

ثانياً- أسباب انسحاب ترامب 

على الرغم من إنتشار أهمية قضية التغيرات المناخية ما بين صفوف الولايات المتحدة الأمريكية وخاصة بالنسبة للديموقراطين وعلى رأسهم الرئيس السابق باراك أوباما، كما أن إستطلاعات الرأى الأمريكية قد كشفت أن نسبة من يؤيدون إستمرار الولايات المتحدة الأمريكية فى إتفاقية باريس قد بلغ حوالى 70% من إجمالى الشعب الأمريكى.

بالمقابل، نجد إن إستدعاء ترامب لمصطلح " الحقائق البديلة " قد أضفى من خلاله منظوراً عبّر من خلاله عن وجهه نظره للانسحاب الأمريكى من الاتفاق؛ لتجنيب الولايات المتحدة تداعيات ومسئوليات قانونية في حال عدم التزامها ببنودها، وهو ما يتناقض مع حقيقة أن تلك اتفاقية طوعية، ولا تنص على أي عقوبات، بل إنها تركت لكل دولة تحديد المعدل الذي تلتزم به في تخفيض نسبة الانبعاثات الكربونية.

وبالتالي، لم يكن "ترامب" في حاجة إلى الانسحاب من الاتفاقية إذا أراد أن يغير من الالتزامات التي اختارتها بلاده لنفسها تحت إدارة الرئيس السابق "أوباما". ولكن الإنسحاب يضفى إتجاهاً آخر  بالتحليل  من منظور الحقائق البديلة، حيث:

·   نزعة ترامب القومية إلى نظريات المؤامرة وتقزيمه من التقارير العلمية لأزمة التغيرات المناخية، بما وصل به من التصريح حول أن التغيير المناخي "خدعة" من الصين، فضلاً عن تصريحه: "لا يعتقد أن ستستمر في الوفاء بتعهداتها للحد من استخدامها للوقود الحفري".

·   إستنادا لنظرية المؤامرة؛ فدائماً ما يشكك ترامب بشكل مستمر في الاتفاقيات والمؤسسات الدولية بشكل عام، وينتقد ترامب قيام حلفائه بالعديد من الاتفاقيات والتحالفات العسكرية. فضلاً عن كونه يمقت الاتفاقيات واللوائح ويقزم من الاتفاق الذى اقترحته الإدارة السابقة مُعلناً بذلك: "أن إتفاقية باريس غير عادلة بالنسبة للولايات المتحدة ولا تهتم بالمناخ، وإنما بتنمية الموارد المالية لبعض الدول".

لم تكن النزعة القومية فقط  وتحليلات "الحقائق البديلة" هى من تستدعى الانسحاب الترامبى من اتفاقية باريس للتغيرات المناخية؛ فالحبكة السياسية  تستدعي مزيداً من الأسباب الأكثر إقناعاً للترويج بالشارع الأمريكى وإنهاء حالة الإنقسام الداخلي، حيث:

1- دعاوى اقتصادية: أعلن ترامب أن اتفاق باريس يُقيد الولايات المتحدة في كثير من تحركاتها في المجال الاقتصادي، وتجعلها ملزمة بالعديد من الأعباء. لكن تلك الدعاوى غير صحيحة  خاصة وأن هذه الاتفاقية غير مُلزِمة، ولا توجد أي عقوبات يتم تطبيقها في حال عدم الالتزام بمتطلباتها؛ فهي مجرد آلية للتشاور لمساعدة الدول في إيجاد استراتيجيات للمحافظة على البيئة ومكافحة التغير المناخي، كمان أنه كان من الممكن إضفاء بعض التعديلات ببنود الاتفاقية بدلا من الخروج منها.

كذلك؛ ركز ترامب فى أسبابه على الترويج لإشكالية تراجع الناتج المحلي الإجمالي فضلاً عن أن الإلتوام بالاتفاقية سيؤدى إلى  مزيداً من التراجع للناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة الأمريكية بما يقدر بحوالي 2.5 تريليون دولار وذلك بحلول عام 20355، لكن بالمقابل، فقد أغفل العديد من الجوانب الإيجابية التي تعود على الولايات المتحدة نتيجة تخفيض حجم الانبعاثات الكربونية، والمزايا الاقتصادية لصعود صناعات الطاقة المتجددة، فضلاً عن انخفاض ما يتم إنفاقه في القطاع الصحي لمعالجة الأمراض المرتبطة بالتلوث الناتج عن الوقود الأحفوري.

2- دعاوى إجتماعية: أولى تلك الدعاوى أن ارتباط الولايات المتحدة بإتفاق باريس للتغيرات المناخية من شأنه أن يؤدى إلى تزايد نسبة البطالة في بعض القطاعات التقليدية الأكثر إضرارًا بالبيئة (Job killer)، خاصة قطاعي الفحم والنفط اللذان تحذر منهما الإتفاقية، كما أن انسحاب ترامب يأتى فى إطار تنفيذه  لوعده خلال حملته الانتخابية بدعم هذه الصناعات الأحفورية.

بالمقابل، فالأجدر بالحديث هو إيجاد حلول فعليه لأزمة الوظائف كاستبدال هذه الوظائف بعدد من الوظائف الأخرى غير التقليدية في مجالات التكنولوجيا وغيرها من المجالات التي تحتاجها العديد من الشركات الأمريكية التي كانت قد حثت ترامب على عدم الخروج من هذه الاتفاقية.

ثالثاً- ردود الأفعال الدولية والإقليمية

حالة من الإجماع الدولى الرافض لقرار ترامب الأحادى بالانسحاب من اتفاقية باريس للحد من أثر التغيرات المناخية، وكذلك الشعور المتبادل بخيبة أمل معلنين جميعا تمسكهم بالاتفاقية  والسعي لإنجاز متطلباتها؛ حيث:

·   دولياً: أعلن الجميع تمسكهم باتفاقية باريس للحد من التغيرات المناخية، كذا أكد الاتحاد الأوربى بجميع دوله على أنه يمكن للعالم أن يعتمد على أوروبا من أجل قيادة العالم في مكافحة تغير المناخ من خلال سياسات مناخية طموحة، وعن طريق تقديم الدعم المستمر لتحسين البيئة وتقليل مخاطر تغير المناخ. وهو ما توافقت معه ألمانيا بتصريح ميركل من أن اتفاقية باريس تمثل أداة حيوية للكوكب كله وبلادها واقتصادها بشكل خاص، فضلاً عن كون تنفيذ اتفاقية باريس سيوفر فرصة اقتصادية كبيرة للازدهار والنمو على الصعيدين الوطني والعالمي، وشددت على أن ألمانيا ستضاعف جهودها من أجل دعم البلدان النامية، لا سيما الأكثر فقرًا منها، في تحقيق أهدافها بتقليل الانبعاثات وتحسين البيئة.

كذلك بريطانيا والتى مثلت تصاعدا للتيار اليمينى وسجلت موقفاً توافقياً من الأفكار القومية بوجود تيريزا ماى؛ إلا أنها برغم ذلك أعلنت عن خيبة أملها بانسحاب أمريكا من اتفاقية باريس، مؤكدة على أن: "الاتفاقية تمثل الإطار الصحيح لحماية الأجيال القادمة وضمان للحفاظ على طاقة آمنة". وذلك بالإضافة لتأكيد الروسى ديمتري بيسكوف: "أن بلاده تولي أهمية كبيرة لهذه الاتفاقية، إلا أن فعالية هذا الاتفاق قد تتضاءل في ظل غياب أبرز مشاركيها". ووافقهم بالرأى دول قارة آسيا وفى مقدمتهم الهند والصين الذين أكدا عزمهم على المضى قدماً والمشاركة بقيادة العالم نحو الحد من آثار التغيرات المناخية.

·   إقليمياً: لم يختلف الإقليم الشرق أوسطي بردود أفعاله عن الإطار الدولي، فالجميع توحد حول الشعور الدهشة من القرار الأمريكى وخيبة الأمل لعدم مسئولية ترامب تجاة الإشكالية البيئية التى تواجهه المجتمع الدولى ككل، والتى اتخذ فى شأنها القادة العديد من الإجراءات.

·   مصرياً: حالة من الإستنكار من القرار الأمريكى وتخلية عن المسئولية تجاة الخطر البيئى المشترك، فقد سبق وأن طرح الرئيس عبدالفتاح السيسي فى مؤتمر باريس للمناخ بالعام المنصرم "المبادرة المصرية – الأفريقية للتكيف مع المناخ"، حيث تستهدف تنمية قدرات الدول الأفريقية، ومساعدتها فى وضع أنظمة الرصد والإنذار المبكر للتنبؤ بالكوارث قبل وقوعها وسرعة الاستجابة لها وطرق التعامل معها، وكذلك تكوين ودعم البناء المؤسسي والسياسات الرامية لدعم القدرة على اتخاذ القرار في مواجهة التغير المناخي، وتبني مشروعات وإجراءات محددة للتأكد من النمو المضطرد فى مشروعات التكيف، وأخيراً التمويل والاستثمار للتأكد من تدفق الموارد المالية لمشروعات التكيف فى المناطق الهشة بيئياً فى أفريقيا .

لعل الأهمية المصرية باتفاقية باريس وتعزيزها للحد من آثار التغيرات المناخية، إنما في مضمونها العام تنعكس على الحد من تهديدات سد النهضة والأمن المائي المصري؛ فالتطرف الحراري ينعكس سلباً على معدلات البخر، ومن ثم التقليل بحجم المياة المتدفقة، ومن ثم فالكيان التعاونى والاندماجى ما بين بيئة حوض النيل من شأنه دعم سيناريوهات التكاتف الإقليمي لمواجهة تحديات المناخ وتهديدات المياه فى ظل مشروعات السدود والتنمية المستدامة بدول حوض النيل. 

رابعاً- نعكاسات مستقبلية

هناك عدد من الانعكاسات المستقبلية على موقف الإدارة الأمريكية دولياً وإقليمياً جراء قرار انسحاب ترامب من اتفاق باريس، حيث قد يظهر من خلال: 

1.    التباطؤ حد الإخفاق بالإجندة الأمريكية دولياًهناك احتمالية من أن الانسحاب الترامبي قد يؤدي إلى توتر في العلاقات الأمريكية الأوروبية، وهو التوتر الذي ستستغله كل من روسيا والصين لتحقيق مصالحهما. فعلى سبيل المثال، تزامن قرار ترامب المتعلق بالانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ مع زيارة "لي كي تشيانج" رئيس مجلس الدولة الصيني لألمانيا وبلجيكا، وهو ما استغله في إعلان تأييده لاتفاقية باريس للمناخ، والتأكيد على أن بلاده ستعمل لتحقيق أهداف الاتفاقية، وهو المنطلق الذى ستتخذه الصين كوسيلة لتسريع المفاوضات حول اتفاقية الاستثمار بين الصين والاتحاد الأوروبي.

2.    تنامى التهديدات الغير تقليدية للأمن: لاشك أن هناك تأثيرات سلبية على قرار انسحاب ترامب على المناخ العالمي، فالتطرف المناخي سيؤدى إلى تعاظم ظاهرة "اللاجئ البيئي" والملحق بها العديد من المجاعات والصراعات والإرهاب، وهو ما يمثل تهديدًا للأمن القومي الأمريكي لا يمكن تجاوزه.

3.    تصاعد أدوار الفاعلين الجدد: لا شك أن القضية البيئية تخلق حيزاً من الاهتمام العالمي؛ ونظراً لخروج ترامب المصحوب بالاستياء الدولي؛ سيعمل قراره على إعادة توزيع أدوار فاعلين القوى المتوسطة بأجندات بيئية تخدم السلام العالمي. فعلى سبيل المثال، ستفضل العديد من الشركات  العاملة في مجال الطاقة المتجددة الاتجاه إلى الصين التي بدأت تشهد صعودًا ملحوظًا في قطاع "الاقتصاد الأخضر"، خاصة مع تأكيد الصين على بقائها بالاتفاقية حتى وإن انسحبت الولايات المتحدة منها، في محاولة منها لاستغلال هذه الفرصة لمنازعة الولايات المتحدة الأمريكية على مركز القيادة العالمية، وبالإضافة إلى الصين؛ كذلك قد تستغل الهند ذلك الانسحاب الأمريكي لتظهر كقوى متوسطة صاعدة في مجال الطاقة النظيفة.

4.    هشاشة التحالفات الدولية: استمراراً لسياسات عدم الإدراك بالإدارة الأمريكية الجديدة بأهمية الاتفاقيات الدولية بشكل عام وتلك التى تلتزم بها الولايات المتحدة الأمريكية من موقعها القيادى بالعالم، فقد يتسبب ذلك القرار بالانسحاب من إتفاقية باريس بفقدان المصداقية فى علاقات الولايات المتحدة المستقبلية مع حلفائها، مما يؤثر سلبًا على مصالح البلاد.

تأسيساً على ماسبق، ونتيجة لقرار الرئيس الأمريكى دونالد ترامب الانسحاب من أهم الإتفاقيات الدولية المُرسخة للمضمون العام للحفاظ على البيئة والحد من آثار التغيرات المناخية، مما قد يتسبب ذلك القرار الغير رشيد بالتراجع حد العزلة الدبلوماسية فى ظل الإدارة الجديدة، فضلاً عن إحداث خرق بالتوازنات الدولية، فقد يظهر تصاعد ملموس بأدوار الكيانات من غير الدول، مثل الشركات العالمية العابرة للقارات، وكذلك ستتزايد أهمية القوى الصاعدة الجديدة مثل الصين والهند، ليخلق بذلك خريطة تحولات جديدة يسعى النظام الدولي ككل للتكيف معها وفقاً لاعتبارات بيئية موحدة. 

شارك