الاختبار الصعب: أزمة الخليج والمراوغة القطرية

الثلاثاء 04/يوليه/2017 - 02:34 م
طباعة الاختبار الصعب: أزمة
 
د. محمد السعيد إدريس

وضعت الأزمة الخليجية المتفجرة الآن العديد من أطرافها إضافة إلى الولايات المتحدة أمام مأزق صعب عندما جعلت من "الحرب على الإرهاب" أحد أهم معالمها. فالمحرك الأساسي للموقف القطري المتمرد على شركاء قمم الرياض (20- 21/5/2017)، وفي المقدمة منهم المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية هو تخوف قطر من أن تكون مستهدفة من الدعوة إلى محاسبة الأطراف الداعمة للإرهاب سواء كان الدعم المقصود تمويلاً مالياً أو تسليحياً. هذا التخوف إلى جانب لدوافع الأخرى وبالذات الإصرار على إدراج حركة "حماس" وجماعة الإخوان ضمن قوائم التنظيمات المتهمة بأنها "منظمات إرهابية". تحركت قطر ضد "تحالف الرياض" الذي أرسى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعائمه وحدد أهدافه بالحرب على الإرهاب والعداء لإيران، وكان التحرك القطري استباقياً في البيان المنسوب إلى أمير قطر الذي فجر الأزمة مع الدول العربية الخليجية شريكة قطر في مجلس التعاون الخليجي، هذا التحرك الاستباقي الذي ألمح إلى نوايا قطرية للتعاون مع إيران كوسيلة ضغط لوقف أي تحرك متوقع ضدها بتهمة تمويل الإرهاب الأمر الذي زاد من تعقيد الموقف ودفع السعودية والإمارات والبحرين ومصر إلى التصعيد ضد قطر وشاركها في التصعيد دول أخرى قررت جميعها قطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر وفرض حصار جوي وبري ضدها كانت له أصداء هائلة على قطر ودفعها إلى محاولة "تدويل الأزمة" على نحو لم تتوقعه الأطراف الأخرى.

وهكذا تتفاقم الأزمة وتدخل في طريق مسدود بسبب المأزق الذي دخل فيه الجميع الخاص بمدى جدية الالتزام بالحرب ضد الإرهاب، حيث أن السؤال المهم بهذا الخصوص الذي يواجه الولايات المتحدة والأطراف الأخرى هو إذا كانت قطر متهمة بتمويل الإرهاب ودعمه، أو هكذا صورت قطر الأزمة، فهل الولايات المتحدة والأطراف الأخرى مستعدة لفتح ملف دعم الإرهاب وتمويله؟ وهل هذه الأطراف جادة في محاسبة قطر على تهمة دعم الإرهاب؟ وهل هي مستعدة لنفي أي اتهامات مماثلة لها هي الأخرى بدعم الإرهاب خصوصاً وأن أطرافاً أساسية ليست مبرأة من هذه التهمة؟ أم أن الجميع سيتراجعوا عن الدفع بهذه القضية كأولوية للأزمة عندها تكون قطر هي الفائز في المواجهة، لأنها قد تحصل على قرار بتجميد مثل هذا الاتهام وهذا كل ما تأمله وما كان يشكل الخلفية الأساسية لبيان أميرها تميم بن جمد آل ثاني يوم 24/5/2017، أي بعد يومين فقط من اختتام القمم الثلاث: السعودية – الأمريكية، والخليجية- الأمريكية، والعربية- الإسلامية- الأمريكية التي عُقدت يومي السبت والأحد (20- 21/5/2017) في الرياض، التي وضعت قواعد جديدة لعلاقة واشنطن بدول المنطقة ترتكز على شراكة إستراتيجية من خلال التأسيس لتحالف إقليمي جديد حمل اسم "تحالف الشرق الأوسط الإستراتيجي" مقره مدينة الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية لمحاربة الإرهاب والصراع ضد إيران.

ففي هذا البيان انتقد أمير قطر بحدة السياسة الأمريكية والرئيس ترامب وشكك في إمكانية استمراره في السلطة ومن ثم هشاشة ما يؤسسه من تحالفات مع السعودية، لكنه أيضاً تعمد أن يواجه الإدارة الأمريكية بإثارة أولوية وأهمية مكانة القواعد العسكرية الأمريكية المقامة على الأراضي القطرية بالنسبة للدفاع عن المصالح الأمريكية، كما تعمد أن يؤكد أن إيران التي سيؤسس التحالف الجديد لإدارة الصراع معها ليست عدواً وليست مصدراً للتهديد، "وليس من الحكمة التصعيد معها"، وأنها "قوة كبرى تضمن الاستقرار في المنطقة عند التعاون معها"، ما يعني أن التحالف الأمريكي سيؤسس على "أكاذيب"، ومن ثم يبقى مستقبله مشكوكاً في جدارته.

فقد ذكر الشيخ تميم في هذا البيان أن علاقة بلاده مع الولايات المتحدة قوية ومتينة "رغم التوجهات غير الإيجابية للإدارة الأمريكية الحالية" مشيراً إلى أن المصاعب التي تواجه الرئيس الأمريكي داخل الولايات المتحدة والتي قد تفضي إلى "ووترجيت جديدة" في البيت الأبيض تضع نهاية مبكرة لرئاسة ترامب للولايات المتحدة بقوله "مع ثقتنا ان الوضع القائم (رئاسة ترامب) لن يستمر بسبب التحقيقات العدلية تجاه تجاوزات ومخالفات الرئيس الأمريكي"، وفي الوقت نفسه تعمد أن يتحدث عن مكانة قطر والقواعد العسكرية الأمريكية المقامة على أراضيها وأن يضع الرئيس الأمريكي أمام الاختيار الصعب بين قطر أو التحالف الجديد مع السعودية بتوضيحه أن "قاعدة العُديد، مع أنها تمثل حصانة لقطر من أطماع بعض الدول الخليجية "يقصد السعودية بالتحديد) فإنها هي الفرصة الوحيدة لأمريكا لامتلاك النفوذ العسكري بالمنطقة، في تشابك للمصالح الذي يفوق قدرة أي إدارة على تغييره".

هذا الكلام المهم والخطير لأمير قطر بقدر ما يمكن أن يؤيد إلى ارتباك في السياسة الأمريكية ولسياسة الدول العربية الحليفة إذا ما فتحت ملفات القواعد العسكرية في الدول العربية، ما هي هذه القواعد، وما هي أهدافها؟ وما هي أدوارها، ومن يدفع تكاليفها، ولماذا الحاجة إليها؟ بقدر ما يمثل تحدياً للسياسة الأمريكية وبالتحديد لإدارة الرئيس الأمريكي ومشروعه التحالفي في الشرق الأوسط، خصوصاً مع تداعي روابط الولايات المتحدة مع الحلفاء الأوروبيين على نحو ما تكشف أثناء وأعقاب قمتي ترامب مع قادة دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي عُقدت في بروكسل، ومع قادة الدول الصناعية السبع الكبرى في جزيرة صقلية الإيطالية عقب اختتام جولته الشرق أوسطية، وهي تداعيات قد تقود إلى افتراق في علاقات أوروبا بالولايات المتحدة.

هل يمكن أن يخسر ترامب تحالفه الشرق أوسطي أيضاً والذي لم يولد بعد والمعرض للتفكك، وأن يخسر في ذات الوقت تحالفه مع الشركاء الأوروبيين؟ أم أنه سيقاتل للدفاع عن الحالف مع الشرق الأوسط، وأنه سيجد وسائل أخرى للتفاعل مع الشركاء الأوروبيين؟

السؤال أربك الأمريكيين وبالذات سؤال العلاقة مع قطر، وبقدر ما أثار الموقف القطري استياءً أمريكياً، فإن التعبير عن هذا الاستياء كشف بعض خطايا الشراكة القطرية- الأمريكية في رعاية منظمات وجماعات إرهابية كثيرة، لكن الاستياء من الموقف القطري كان له مردود آخر لدى أطراف أمريكية أخرى أكدت حرصها على استمرار العلاقة القوية مع قطر.

من أبرز معالم هذا الاستياء ما نقلته وسائل إعلام عالمية عن "إد رويس" رئيس لجنة الشئون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي من دعوة "لنقل القاعدة العسكرية الأمريكية من قطر إلى بلد آخر" إذا لم تغير الدوحة من تصرفاتها الداعمة لجماعات متشددة، وقوله أن "التعريف الوحيد الذي استخدمه لقطر هو أنها دولة ساعدت في تمويل القاعدة وداعش وجماعة الإخوان وطالبان، ولا يمكنني أن أفهم لماذا؟"، واعتبر رويس أنه "من غير الملائم أن تستضيف قطر القوات الأمريكية في منطقة العُديد وفي ذات الوقت تدعم فيه قطر حركات متشددة".

واضح أن الأمريكيين يعرفون جيداً الأدوار القطرية لكنهم تستروا عليها إما لأنهم شركاء وإما أن هذه الأدوار تخدم مصالحهم بدليل صمتهم عليها طيلة السنوات الماضية، ومن هنا جاءت الرؤية المغايرة التي عرضها "روبرت جيتس" وزير الدفاع الأمريكي الأسبق الذي اعتبر أن "مغادرة القوات الأمريكية مراكزها في قطر مسألة معقدة" رغم اعترافه بأن "هناك تاريخاً طويلاً في قطر يؤكد ترحيبها بالإخوان وتوفيرها ملجأ لهم". هذا الموقف عارضه دينيس روس منسق السياسة الأمريكية الأسبق في الشرق الأوسط الذي تحمس لدعوة نقل قاعدة "العُديد" من قطر واستبدالها بقاعدة أخرى في دولة خليجية وفضل الإمارات كبديل مأمون وأكثر كفاءة لذلك.

هذا التباين حسمه "ناثان تك" المتحدث باسم الخارجية الأمريكية لشئون الشرق الأوسط الذي أوضح بجلاء أن قطر التي تستضيف مركز القيادة المركزية الأمريكية "تعد شريكاً مهماً في الحرب على الإرهاب"، ما يعني أن إدارة ترامب ليست في معرض تفكيك تحالفها مع قطر، في الوقت الذي أكد فيه أمير قطر تمسك بلاده بسياسات تتعارض مع القواعد المقترحة لتأسيس التحالف الإقليمي الجديد وبالتحديد تصنيف الإخوان وحركة "حماس" ضمن المنظمات الإرهابية، ورفضه العداء لإيران وإصراره على التعامل معها كشريك.

 

الارتباك الأمريكي سوف يتفاقم مع تفاقم حدة الأزمة ضد قطر ومع تباين الأهداف لدى كل من السعودية والإمارات بالتحديد مع دعوة الحرب ضد الإرهاب وفتح ملفات تمويل ودعم الإرهاب على نحو ما تكشف من البيانات التي صدرت لتبرير قرارات مقاطعة قطر والتي تضمنت قائمة ممارسات قطرية مباشرة ضد أمن وسيادة البلدين بعيداً عن موضوع الإرهاب ومنظماته التي تضرب في أنحاء متفرقة من دول المنطقة وامتدت جرائمه خارج الأرض العربية وخاصة في أوروبا وأخيراً في إيران.

فقد أوضح البيان السعودي أن قرارات المملكة بقطع العلاقات وإغلاق المنافذ أمام قطر يعود "لأسباب تتعلق بالأمن الوطني السعودي" بهدف "حماية أمنها الوطني" من مخاطر الإرهاب والتطرف. وعدد البيان الممارسات القطرية التي استهدفت الأمن الوطني السعودي ووصفها البيان بأنها "انتهاكات جسيمة تمارسها السلطات في الدوحة سراً وعلناً" طوال السنوات الماضية بهدف شق الصف الداخلي السعودي والتحريض للخروج على الدولة وشملت احتضان جماعات إرهابية وطائفية متعددة تستهدف ضرب الاستقرار في المنطقة ومنها جماعة الإخوان المسلمين و"داعش"، والقاعدة، والترويج لأدبيات ومخططات هذه الجماعات عبر وسائل إعلامها بشكل دائم، ودعم نشاطات الجماعات الإرهابية المدعومة من إيران في محافظة القطيف، فضلاً عن أن قطر دأبت على عدم الوفاء بالتزاماتها وخرق الاتفاقيات التي وقعتها تحت مظلة دول مجلس التعاون بالتوقف عن الأعمال العدائية ضد المملكة.

لم يختلف الموقف الإماراتي كثيراً حيث اتهمت قطر بزعزعة أمن واستقرار المنطقة والتلاعب والتهرب من الالتزامات والاتفاقيات، خاصة "اتفاق الرياض" لإعادة السفراء والاتفاق التكميلي له عام 2014، ومواصلة دعمها واحتضانها وتمويلاه التنظيمات الإرهابية المتطرفة والطائفية وعلى رأسها جماعة الإخوان، وعملها المستمر على نشر وترويج فكر تنظيم "داعش" والقاعدة عبر وسائل إعلامها المباشر وغير المباشر، وهذا ما أكدته مملكة البحري هي الأخرى التي اتهمت قطر بتهديد أمنها واستقرارها والتحريض الإعلامي ودعم الأنشطة الإرهابية المسلحة وتمويل الجماعات المرتبطة بإيران للقيام بالتخريب ونشر الفوضى في البحرين.

واضح أن كل الاتهامات هي من نوع التدخل القطري المباشر في الشئون الداخلية لهذه الدول وتهديد أمنها واستقرارها، بشكل مباشر أو عبر دعم تنظيمات إرهابية تعمل داخل هذه الدول، لكنها لا تتسع لتشمل قضايا تمويل ودعم الإرهاب خارج أراضي هذه الدول على النحو الذي يشغل العالم كله، هذا معناه أن هذه الدول لا تريد ان تفتح ملف دعم وتمويل الإرهاب على مصراعيه، الأمر الذي قد يكون ورقة مهمة في يد قطر إذا شاءت، في اللحظة المناسبة، أن تدع المركب يغرق بمن فيه وفي المقدمة الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، ولعل هذا ما يمثل ورقة ضغط قطرية في يد قطر للضغط على الرئيس الأمريكي وإدارته للتدخل لاحتواء الأزمة قبل أن يتطاير شررها ليصيب الجميع، وربما هذا ما يفسر خلفيات الارتباك الأمريكي في إدارة الأزمة بين الرئيس من ناحية ووزارتي الخارجية والدفاع منة ناحية أخرى، ريكس تليرسون وجيمس ماتيس اللذين استبعدا أن يؤثر قطع العلاقات مع قطر على "محاربة الإرهاب"، لكنهما حثا الجانبين على حل خلافاتهما، حيث دعا تيلرسون، في سيدني، دول مجلس التعاون الخليجي إلى "حل خلافاتها"، معرباً عن رغبة بلاده في "المساعدة في ذلك".

شارك