الأزمة الاقتصادية في مصر: رفع أسعار الفائدة وأثره على التضخم

الإثنين 17/يوليه/2017 - 01:27 ص
طباعة الأزمة الاقتصادية
 
إبراهيم نوار

يخضع الاقتصاد المصري حالياً لأخطر عملية جراحية منذ بداية القرن الواحد والعشرين تهدف إلى تعديل آليات ومسار متغيراته الرئيسية نحو الاستقرار وزيادة معدلات النمو وخلق الوظائف الجديدة الكافية لاستيعاب أعداد متزايدة من طالبي العمل كل سنة. وتجري هذه العملية الجراحية تحت إشراف صندوق النقد الدولي وبمقتضى برنامج وصف بأنه برنامج نابع محلياً (homegrown program) وافق عليه الصندوق ووافق أيضاً على مساعدة مصر في تنفيذه وعلاج آثاره الجانبية. وقد بدأ الإعداد لدخول الاقتصاد المصري إلى غرفة العمليات بمفاوضات مع صندوق النقد الدولي بدأت في العام 2011 وترددت مصر فيها كثيراً إلى أن تم التوصل إلى اتفاق بين الطرفين وجرت الموافقة عليه بواسطة مجلس إدارة الصندوق في 11 نوفمبر 2016. وبمقتضى هذه الاتفاق إلتزمت الإدارة المصرية بتنفيذ حزمة متنوعة من الإجراءات مقابل التزام الصندوق بتقديم حزمة متنوعة من المساعدات على مدى ثلاث سنوات. ويعتبر هذا الاتفاق الأول من نوعة منذ تسعينات القرن الماضي.

ولسنا هنا بصدد دراسة الاتفاق الأخير بين مصر والصندوق، ولكننا بصدد دراسة بعض الانفجارات الاقتصادية التي نتجت عن الاتفاق، وتجاوزت قوتها وآثارها ما كان مقدراً حسب الاتفاق بين الطرفين. ومن أخطر تلك الانفجارات: انفجار التضخم، وانفجار الدين الخارجي، وانفجار الدين المحلي، وانفجار أسعار الفائدة، وانفجار أسعار الصرف. وكان الاتفاق بين مصر والصندوق قد توقع حدوث آثار قوية لصدمة تغيير سعر صرف الجنيه، وصدمة رفع أسعار الفائدة، لكنه توقع أن تظل آثار هذه الصدمات داخل نطاق السيطرة. وتشير متابعة تقديرات وتصريحات المسؤولين عن السياستين المالية والنقدية في مصر إلى خطأ في التقديرات قد يكون قد نتج إما عن خطأ أولي في المعلومات أدى إلى التقليل من قوة آثار الصدمات، أو عن إفراط في التفاؤل بقدرة الإدارة الاقتصادية على كبح هذه الآثار والسيطرة عليها.

 

ولبيان طبيعة الموقف الحالي بعد ثمانية أشهر من البدء في تنفيذ الاتفاق ونهاية السنة المالية الأولى وبداية السنة المالية الثانية من عمر الاتفاق، فإننا سنحاول بيان العلاقة بين عدد من المتغيرات الرئيسية المرتبطة بصدمات الإصلاح، وبشكل خاص العلاقة بين صدمة رفع أسعار الفائدة وبين التضخم، والعلاقة بين صدمة رفع أسعار الفائدة وبين الدين العام، والعلاقة بين صدمة تخفيض سعر صرف الجنيه وبين التجارة الخارجية والإحتياطي النقدي من العملات الدولية، ثم تأثير الناتج النهائي لصدمات ما تم وصفه بأنه "برنامج الإصلاح الاقتصادي المحلي" على التوازن المالي والاقتصادي وعلى معدلات البطالة والنمو بشكل عام.

أولاً- أسعار الفائدة والتضخم

تعلمنا في دراستنا للمالية العامة وعلوم النقود والبنوك أن "سعر الفائدة هو ثمن النقود"، لكن النقود قد تتجسد في أكثر من صورة، فالنقود المكتنزة مثلاً لا ثمن لها، إنها هناك قابعة "تحت البلاطة" أو في "بطن مرتبة"، وهذه النقود المكتنزة تلعب دوراً في إشباع نهم صاحبها فقط للإكتناز ولا تؤدي أي وظيفة في الاقتصاد، بل إنها تلعب دوراً سلبياً يتمثل في اقتطاع جزءاً من مكونات دورة الدخل من الدوران في الاقتصاد، ومن ثم، فإن سعر الفائدة في هذه الحالة لا يكون ثمناً للنقود. ولذلك، فإنه يكون من الأدق أن نقول إن "سعر الفائدة هو ثمن السيولة النقدية"، فسعر الفائدة لها علاقة مباشرة بالسيولة، يؤثر فيها ويتأثر بها، ومن ثم، فإنه يرسم بقوة طبيعة العلاقة بين الاقتصاد النقدي والاقتصاد الحقيقي العيني. وفي هذه العلاقة يكون للسيولة ثمن يرتفع أو ينخفض، فيتحرك الاقتصاد الحقيقي في الاتجاه المقابل انخفاضاً أو ارتفاعاً، فإذا زاد الطلب على السيولة ارتفع سعر الفائدة، وإذا انخفض الطلب على السيولة انخفض، وإذا زاد عرض السيولة انخفض سعر الفائدة، وإذا قل العرض فإن سعر الفائدة الذي هو ثمن السيولة يرتفع.

ولذلك فإن سعر الفائدة أصبح هو الأداة الرئيسية في صندوق الأدوات النقدية التي يستخدمها البنك المركزي من أجل تحقيق التوازن الاقتصادي. ففي حالات تسارع نمو الاقتصاد (overheating economy) يلجأ البنك المركزي إلى رفع أسعار الفائدة بغرض كبح تسارع النمو ووقاية الاقتصاد من التعرض لخطر التضخم. أما في حالات تباطؤ النمو الاقتصادي (slowing economy) فإن البنك المركزي يعمد إلى تخفيض ثمن السيولة (سعر الفائدة) بغرض تشجيع الطلب على الإسثمار والاستهلاك، ومن ثم رفع معدلات النمو الاقتصادي.

لكن الأمر ليس دائما بهذه السهولة، فكما في الدين مذاهب تختلف فيما بينها، في الاقتصاد أيضاً مدارس تختلف في تحديد الأولويات واختيار الأدوات. وفي حالتنا هذه فإن المدرسة النقدية (ميلتون فريدمان ورفاقه في مدرسة شيكاجو للإقتصاد) تعتبر أن خطر التضخم هو الأسوأ على الإطلاق لأي اقتصاد، ومن ثم فإنها تتوسع في استخدام سعر الفائدة للوقاية من خطر التضخم والحد منه. وفي المقابل فإن أنصار المدرسة الكينزية (مثل أمارتيا سين وستيجليتز وكروجمان) يعتبرون أن خطر البطالة هو الأسوأ على الإطلاق، ومن ثم فإنهم يشجعون التوسع في الإنفاق لغرض زيادة النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل كافية وذلك بتيسير سعر الفائدة بما يكفي لزيادة الإستثمار والإستهلاك بالقدر المطلوب. وفي كل من الحالتين، فإن الحبل لا يترك على الغارب، وإنما يتم استخدام سلاح سعر الفائدة وفق معايير الرشادة الاقتصادية، بما يحقق في نهاية الأمر نمواً اقتصادياً مستمراً خالياً من عوامل الإضطراب.

في إطار هذه الرؤية لطبيعة سعر الفائدة والغرض من استخدامه، نستطيع أن نبدأ عملية تقييم للعلاقة بين سعر الفائدة والتضخم في مصر على ضوء برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي بدأ تطبيقه في حقيقة الأمر منذ أول يوليو 2014، ولكننا سنقتصر على النسخة الأخيرة منه التي تم الاتفاق عليها مع صتدوق النقد الدولي، ومن ثم فإننا سنحاول الكشف عن حقيقة العلاقة بين أسعار الفائدة وبين التضخم خلال السنة المالية الأخيرة، وتوقعات مسار أو مسارات هذه العلاقة خلال السنة المالية الجديدة 2017/2018 ومقارنة المؤشرات الفعلية بالتوقعات أو المستهدفات في برنامج الإصلاح نفسه.

أ- ثلاث صدمات لأسعار الفائدة

لجأ البنك المركزي المصري إلى استخدام سلاح أسعار الفائدة ثلاث مرات منذ أعلن البنك تعويم سعر الصرف للعملة المحلية في 3 نوفمبر 2016. في المرة الأولى التي ترافقت مع قرار التعويم تم رفع سعر الفائدة بنسبة 3% مرة واحدة، ليرتفع سعر العمليات الرئيسية للبنك إلى 15.25% مقارنة بـ 12.25%. وكان سعر الفائدة الرئيسي قد استقر حول معدل 12.25% طوال السنة المالية 2015/2016 التي انتهت في آخر يونيو 2016. لكن يلاحظ أن البنك المركزي كان قد لجأ إلى استخدام سلاح سعر الفائدة بصورة ملحوظة بالزيادة أو النقصان منذ السنة المالية 2011/2012 عندما رفع سعر الفائدة في المتوسط بمقدار 1% خلال تلك السنة (إلى 9.5% مقابل 8.5% في 2010/2011)، ثم اضطربت سياسة البنك في السنوات التالية بين رفع لسعر الفائدة وتخفيض حتى نهاية السنة المالية 2015/2016. وأسفرت الصدمات الثلاث (نوفمبر 2016 و مايو 2017 ويوليو 2017) عن رفع سعر الفائدة الرئيسي لعمليات البنك المركزي بنسبة 57.1% ليصل إلى 19.25% بعد قرار 6 يوليو 2017.

وقد لفت نظري في قرار لجنة السياسة النقدية للبنك المركزي الصادر في 6 يوليو 2017 ثلاث نقاط، الأولى أن قرار رفع سعر الفائدة طبقا لتقدير اللجنة لم يتخذ بسبب ارتفاع معدل التضخم، ولكن لتحجيم الآثار المتوقعة لزيادة التضخم بعد الزيادات التي استقرت عليها الحكومة في أسعار الوقود والكهرباء والكثير من الرسوم والخدمات. والثانية أن رفع سعر الفائدة هو قرار مؤقت، ولست أدري على وجه اليقين ماذا تعني اللجنة بوصف القرار بأنه مؤقت؟ ومن غير المألوف أن تندرج هذه العبارة في بيان للجنة مختصة بالسياسات النقدية، لأن ذلك يطلق العنان لتاثيرات حالة عدم اليقين أو يخلق حالة عدم يقين بشأن قرارات اللجنة في المستقبل المنظور. أما الملاحظة الثالثة فإنها تتعلق بما جاء في البيان بشأن التزام البنك المركزي باتخاذ كل القرارات التي تدخل ضمن سلطاته القانونية لتحقيق السيطرة على التضخم وتخفيض معدل التضخم في نهاية العام 2018 إلى 13.3%. وأستطيع أن أستنتج أن هذه الملاحظة الأخيرة هي المفتاح الذي يفسر قرار لجنة السياسة النقدية برفع سعر الفائدة دفعة واحدة بنسبة 2% بعد أقل من شهرين من قرارها برفع السعر بنسبة مماثلة في 21 مايو 2017.

صدر بيان لجنة السياسة النقدية بعنوان "استهدافاً لتحجيم التضخم والحفاظ على القيمة الشرائية للجنيه المصري، رفع سعر الفائدة 2% لفترة مؤقتة". وجاء في نهاية البيان "يؤكد البنك المركزي أنه سيتخذ من القرارات التي تمكنه وبحكم صلاحياته القانونية من تخفيض التضخم إلى 13% في الربع الأخير من العام القادم". وكما ذكرت فإن هذه العبارة الختامية تقدم لنا المفتاح لفهم الموقف النتعلق بالقرار بأكمله. لماذا؟ ببساطة لأن البنك المركزي بذلك يكون قد وضع نفسه في موضع المساءلة إذا هو فشل في تحقيق المعدل المستهدف للتضخم خلال فترة مقبلة لا تتجاوز 18 شهراً. أما لماذا وضع البنك نفسه داخل هذا الإطار الضيق؟ الإجابة نجدها في الاتفاق بين مصر وبين صندوق النقد الدولي الذي يحدد بوضوح شروط المراجعات المرتبطة بالإفراج عن شرائح قرض الصندوق إلى مصر. وينص أحد الشروط على أن السلطات النقدية والمالية يجب أن تتخذ من السياسات والإجراءات ما يضمن تخفيض معدل التضخم إلى 13.3% في ديسمبر 2018 على أقصى تقدير.

وقد أوقف مجلس إدارة صندوق النقد الدولي مؤقتاً الإفراج عن الشريحة الثانية من قرض الصندوق إلى مصر (1.25 مليار دولار) حتى إجراء مناقشة أكثر جدية لتقرير المراجعة الأولى للقرض والذي كان قد تأخر عن موعده المقرر (ديسمبر 2016) بسبب تباطؤ الحكومة المصرية في تنفيذ إجراءات كان متفقاً عليها بين الطرفين. وقد تم الانتهاء بالفعل من المراجعة الأولى في 12 مايو 2017 وأصدرت بعثة الصندوق بياناً بهذا الخصوص. وكانت التوقعات في كل من البنك المركزي ووزارة المالية أنه سيتم الإفراج عن الشريحة الثانية من القرض بعد أسبوعين من سفر بعثة الصندوق إلى واشنطن. وقد تضمن اتفاق المراجعة أن يقوم البنك المركزي برفع سعر الفائدة بسبب زيادة معدل التضخم عن التوقعات السابقة. وقد قام البنك المركزي بالفعل بعد سفر البعثة برفع سعر الفائدة بنسبة 2% في 21 مايو 2017. لكن إعادة مناقشة تقرير البعثة في واشنطن أسفر كشف عدد من الثغرات ونواحي القصور مما أدى إلى تأخير سداد الشريحة الثانية. وبعد القرار الأخير برفع سعر الفائدة مرة ثانية منذ سفر بعثة الصندوق تتوقع وزارة المالية الإفراج عن الشريحة الثانية من القرض في منتصف شهر يوليو الحالي.

ومن الواضح أن البنك المركزي يأمل أن يؤدي القرار الأخير للجنة السياسة النقدية إلى كبح جماح التضخم، وتوفير أرضية صحية لتحقيق نمو اقتصادي يتوافق مع التوقعات الواردة في الاتفاق مع صندوق النقد الدولي. وسوف تكون مؤشرات الأداء في الربع الأول من السنة المالية (يوليو- سبتمبر 2017) حاسمة في بيان ما إذا كان البنك المركزي قد تمكن فعلاً من احتواء التضخم وإخضاعه داخل نطاق السيطرة، وهو ما يسمح بعد ذلك باستخدام حزمة من الأدوات النقدية والمالية لتخفيض التضخم إلى 13% حسبما تعهد البنك المركزي في بيانه. أما إذا أثبت التضخم قدرته على العناد ومواجهة السياسة النقدية المتشددة، فإن البنك المركزي سيجد نفسه لا محالة أمام رفع أسعار الفائدة من جديدة، فوق 20% بغرض محاربة التضخم. ولا شك في أن إدارة صندوق النقد الدولي هي الأخرى تضع عينيها على مؤشرات الأداء الاقتصادي بشكل عام ومؤشرات التوازن المالي بشكل خاص من أجل ضمان نجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي في تحقيق أهدافه، وضمان قدرة الخزانة العامة في مصر على سداد التزاماتها تجاه الدائنين ومنهم الصندوق نفسه.

ب- أسعار الفائدة على أذون الخزانة

وينعكس سعر الفائدة لدى البنك المركزي على أسعار الفائدة المصرفية بشكل عام. وتقوم البنوك في العادة بتعديل أسعار التمويل (الإيداع والإقتراض) طبقاً لسعر العمليات الرئيسية لدى البنك المركزي. ومن المنتظر أن تقوم المصارف في مصر برفع أسعار الفائدة لعملائها حتى تتمكن من جذب السيولة اللازمة لمواصلة الإكتتاب في عطاءات أذون الخزانة العامة التي تمثل الآن النشاط المصرفي الرئيسي في مصر. وتحقق المصارف من الإكتتاب في عطاءات الخزانة أرباحاً إضافية كانت تبلغ في المتوسط 2.25% فوق سعر العمليات الرئيسية للبنك المركزي حتى أكتوبر 2016 لكن هامش الربح الذي تحصل عليه المصارف من الإكتتاب في سندات الخزانة التي يطرحها البنك المركزي لصالح وزارة المالية راح يتسع تدرجياً حتى تجاوز 4% في مارس 2017 وهو ما مهد الطريق لرفع سعر الخصم في مايو 2017. وبسبب زيادة الطلب الحكومي على السيولة المحلية اتسع هامش الربح الذي تحصل عليه البنوك من وزارة المالية إلى نحو 4% من جديد في يوليو 2017 ليتجاوز العائد على أذون الخزانة حاجز 21% قبل صدور قرار البنك المركزي في 6 يوليو برفع سعر الخصم إلى 19.25%.

ومن الواضح أن هناك علاقة طردية قوية بين زيادة طلب الحكومة على السيولة المحلية وبين أسعار الفائدة. ويلعب معدل العائد على أذون الخزانة دوراً محورياً في رسم الطريق نحو زيادة أسعار الفائدة أو انخفاضها؛ فكلما زاد الطلب الحكومي على التمويل بالإقتراض من البنوك كلما زادت قوة دفع أسعار الفائدة إلى أعلى عبر عطاءات أذون الخزانة العامة. وليس لدينا شك على الإطلاق في أن الطلب الحكومي على السيولة هو المحرك الرئيسي لارتفاع أسعار الفائدة في مصر.

جدول (1): تطور سعر الخصم والعائد على أذون الخزانة

التاريخ

متوسط سعر الخصم

متوسط العائد على أذون الخزانة (91)يوما

أكتوبر 2016

12.25%

14.55%

نوفمبر 2016

15.25%

18.25%

ديسمبر 2016

15.25%

18.68%

يناير 2017

15.25%

18.69%

فبراير 2017

15.25%

18.32%

مارس 2017

15.25%

19.48%

المصدر: الأرقام مأخوذة من جداول التقرير المالي الشهري لوزارة المالية (مايو 2017)

 

وتظهر أرقام الأشهر التالية حتى نهاية السنة المالية أن العائد على أذون الخزانة إستمرار ارتفاع العائد على أذون الخزانة. وفي بداية السنة المالية الحالية (2017/2018) قفز العائد فوق معدل 21% حتى جاء قرار رفع سعر الفائدة الأساسي بواسطة البنك المركزي إلى 19.25%. وبلغ سعر تمويل أذون الخزانة لأجل 91 يوما بعد رفع سعر الفائدة الأخير (6 يوليو) 22.5% أي أن الهامش الذي تحصل عليه البنوك من وزارة المالية يبلغ 3.25% فوق سعر الفائدة الأساسي. وهذا يعني من الناحية العملية استمرار الضغوط على السيولة المحلية نتيجة الطلب الحكومي القوي، وهو ما يعزز احتمالات رفع أسعار الفائدة مرة أخرى قبل نهاية الربع الأول من السنة المالية أو في أوائل الربع الثاني.

ج- علاقة الطلب الحكومي بالتضخم

من الضروري عند إجراء تحليل اقتصادي أن نحترس من خطورة أخذ القيم الكلية للمتغيرات على حالها واختبار العلاقات بين المتغيرات مباشرة على هذا الأساس؛ فكل المتغيرات الحية الاقتصادية وغيرها تتكون من متغيرات أصغر من أنساق أدنى أو أعلى. وعلى سبيل المثال فإن التضخم قد ينتج عن زيادة الطلب بسرعة تتجاوز سرعة العرض، ولكنه قد ينتج عن زيادة تكلفة بعض مكونات الإنتاج بعيداً تماماً عن الزيادة في الطلب، بل إن التضخم نفسه قد يستمر مصاحباً لظاهرة ركود اقتصادي وهو ما تعرضت له الدول الصناعية الغربية بعد الصدمة النفطية الأولى وهو ما أطلق عليه الاقتصاديون ظاهرة "الركود التضخمي" (stagflation)، كذلك فإن تخفيض أسعار الفائدة على سبيل المثال وهو الذي كان يقود تقليدياً إلى زيادة الإستثمار قد لا يحدث هذا الأثر، وهو ما أنتج الظاهرة التي تعيشها الدول الصناعية الغربية منذ أكثر من عقدين من الزمان واتسمت بانخفاض معدلات النمو على الرغم من أن أسعار الفائدة هبطت تقريباً إلى الصفر. 

أقول هذا لكي أنبه إلى أن رفع أسعار الفائدة قد لا يقود بالضرورة إلى تخفيض التضخم. فالتضخم في مصر قفز قفزة كبيرة نتيجة تعرضه لصدمتين شديدتين في وقت واحد، كانت واحدة منهما فقط كافية لإشعاله، صدمة تخفيض الجنيه وتعويم سعر الصرف، وصدمة رفع أسعار الفائدة معا في نوفمبر 2016.

جدول (2) تطور أسعار الفائدة والتضخم

المتغير

2011/2012

2012/2013

2013/2014

2014/2015

2015/2016

معدل التضخم (في الحضر)

8.7%

6.9%

10.1%

10.9%

10.2%

العائد على أذون الخزانة (91 يوما)

13.4%

13.4%

10.9%

11.4%

11.8%

سعر الصرف: جنيه/دولار

6.00

6.45

6.97

7.42

8.15

المصدر: وزارة المالية، التقرير المالي الشهري (مايو 2017)

يبين جدول (2) أن معدل التضخم ظل تقريباً داخل نطاق السيطرة حتى نهاية السنة المالية 2012/2013 ثم قفز فجأة بنسبة كبيرة (3.2%) في السنة المالية التالية أي أنه زاد عملياً بنسبة 46.3% خلال سنة واحدة. وهي أعلى زيادة سجلها معدل التضخم خلال فترة المقارنة حتى نهاية السنة المالية 2015/2016. وفي السنة المالية التالية قفز معدل التضخم قفزة هائلة متأثراً بصدمتي تعويم سعر الصرف ورفع أسعار الفائدة ليبلغ 33% تقريباً في أبريل 2017 أي أكثر من ثلاثة أمثال ما كان عليه في السنة المالية 2013/2014. وهذا يشير إلى حقيقة مهمة وهي أن الاقتصاد المصري ظل يقاوم الضغوط التضخمية بنجاح حتى العام 2014 ثم فلت التضخم من الزمام بسرعة  كما تبين الأرقام الربع سنوية لوزارة المالية ليرتفع بسرعة من 10.6% في الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر2015 حتى وصل إلى 18.8% في الربع الأخير من العام 2016 مدفوعاً في نوفمبر برفع أسعار الفائدة وتخفيض الجنيه وتعويمه ليبغ 31.4% في المتوسط خلال الربع الأول من العام 2017 (يناير-مارس) ثم إلى 31.9% في الربع الثاني من العام نفسه مهدداً بذلك برنامج الإصلاح الاقتصادي بأكمله.

ولا يوجد دليل واحد يربط زيادة التضخم بقوة اندفاع سابقة للإستهلاك الخاص، لكن هناك أدلة قوية على العلاقة الطردية بين زيادة الإستهلاك الحكومي غير المعزز بموارد حقيقية وبين زيادة معدل التضخم. كما توجد كذلك علاقة قوية بين زيادة التضخم وبين تعويم سعر الصرف وتخفيض قيمة الجنيه. وتؤكد المؤشرات في نعاية السنة المالية أن معدل التضخم قفز إلى نحو ثلاثة أمثال ما كان عليه في نهاية يونيو 2014، وأن العائد على أذون الخزانة يعادل أكثر من ضعف ما كان عليه وأن سعر صرف الجنيه مقابل الدولار يعادل أقل مما كان عليه بنسبة 258% تقريبا. وهذا في حقيقة الأمر يلقي بالمسؤولية على الحكومة في خلق الأزمة الاقتصادية الحالية بسبب التوسع في الإقتراض المحلي والأجنبي. وهذا يعني أيضاً أن الاستمرار في الطريق نفسه سيفرز نتائج أشد فظاعة ولن يسفر أبدا عن نتائج أفضل من تلك التي نتجت عن السياسات الاقتصادية المتبعة حالياً وخصوصا السياسة المالية والنقدية.

وسوف يكون من تداعيات إعادة إنتاج الفشل تعقيد الاتفاق مع صندوق النقد الدولي؛ فالحكومة تستطيع أن تقدم حججاً واهية إلى الرأي العام وإلى البرلمان، وهي تستطيع أيضاً أن تقدم بيانات كاذبة، لكنها لن تستطيع أن تفعل ذلك مع الدائنين الذين يمثلهم نادي باريس ومع صندوق النقد الدولي الذي يستطيع أن يمنح أو يمنع شهادة بالثقة للإقتصاد المصري تساعده على المضي قدماَ. إن البرنامج المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي يقضي بتخفيض عجز الميزانية وإعادة التوازن إلى ميزان المعاملات الجارية وإلى تخفيض معدل التضخم بنسب محددة. واعتباراً من السنة المالية الحالية فإن مؤشرات المالية العامة يجب أن تبدأ في تحقيق نتائج إيجابية كثمرة لبرنامج الإصلاح. وتتضمن هذه المؤشرات تخفيض التضخم إلى 13.3% في عام 2018 ثم إلى 9.6% في العام 2019. كما تتضمن تخفيض أسعار الفائدة وعجز الميزانية وتحويل النسبة الأعظم من العجز المالي إلى أوراق مالية متوسطة وطويلة الأجل ورفع معدل النمو إلى ما يتراوح بين 5.5% إلى 6% .

وسوف يتعين على الحكومة بالتالي أن تعيد النظر في السياسة المالية والنقدية وليس مجرد القص من هنا واللصق هناك. وتوجد خطورة شديدة من توسع الحكومة في السحب على المكشوف لأن مثل ذلك ربما يضع المالية العامة للدولة في وضع يصعب إصلاحه بتكاليف معقولة يمكن للإقتصاد وللناس تحملها. وربما يستلزم ذلك التفكير بجدية في ترشيد برامج الإنفاق الحكومي المظهري أو الإنفاق على مشروعات ليست ذات جدوى إقتصادية ملائمة، أو بعيدة العائد. كما يجب وضع نماذج واضحة ودقيقة للتشابكات الاقتصادية بين القطاعات المختلفة يتم على أساسها وضع خطط التنمية الاقتصادية والإجتماعية.

شارك