داعش في أوروبا: وجود محدود وخطير وسياسات جزئية

السبت 16/سبتمبر/2017 - 01:27 ص
طباعة داعش في أوروبا: وجود
 
د. محمود عبد الله

تشير أصابع الاتهام عادة إلى الغرب باعتباره هو مشعل الأعمال الإرهابية الإسلاموية عبر العالم، أو هو المستفيد الوحيد من ورائها. ولعل أي نظرة فاحصة ومتأنية قد تشير إلى صحة هذه الرؤية ليس فقط من حيث مجمل العمليات ولا أماكن تركزها، ولكن من حيث مردودها، وقلة تأثيرها في السياق الأوروبي والغربي. فالملاحظ أن البلدان الغربية لا تزال هي الأكثر قدرة على حماية نفسها من هذه العمليات التي تستهدف بلدان العالم في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وفي جنوب آسيا. وربما لا ينسى أن الغرب هو المستفيد الوحيد مما يحدث، حين استخدمت الولايات المتحدة كما هو معروف الإسلام الراديكالي للقضاء على الوجود الشيوعي في بلدان عديدة عبر العالم، ثم تحول الشبل الأمريكي إلى وحش غامض مستتر قابل للاستعادة والاستعمال لتقويض أي أحلام للنهضة والصعود والمنافسة. فهذه المناطق المنذورة بالإرهاب هي مصدر القوة الطبيعية، التي تعتمد عليها الحداثة الغربية، وبدون النفط والموارد الطبيعية لا تستطيع هذه البلدان الحركة قيد أنملة. ومن ثم فإن الحفاظ على تدفق هذا النفط على النحو القائم ضرورة بقاء، وليس اختيارا، وأن أي محاولة للثورة على النظم السياسية في هذه المناطق بهدف إعادة توزيع الثروة أو النهوض السياسي والاجتماعي، هو أمر موضع قلق دائم.

        وعلى الرغم من أن التوصيف "إرهاب" كان هو التوصيف الذي أطلقته بلدان أوروبية مستعمرة على الحركات التحررية، مثلما فعلت فرنسا وبريطانيا مع كافة الحركات الوطنية في بلدان عربية عديدة، إلا أن ذلك لا يلغي القول بأن حضور هذا الوصف على الحركات الناشئة في أوروبا بوجه خاص لم يكن وليد الفترة الاستعمارية، لكنه بالأخص وليد النزاع بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، بين الرؤية الشيوعية للعالم والرؤية الرأسمالية، فلزم توصيف التنظيمات الشيوعية المسلحة المهددة للنظام السياسي الأوروبي بالتنظيمات الإرهابية، ما أدى في نهاية المطاف إلى ولادة عدو جديد يعيد في الواقع ذات الخطاب السياسي القائم على نفس المقولات الفكرية التي تهتم بالعدالة وسيطرة القطب الواحد على العالم. فالمتأمل لخطاب داعش ومن قبلها القاعدة، لسوف يجد نفس المقولات الفكرية السابقة التي حملتها التنظيمات الشيوعية حول التبعية للنظام الأمريكي والخضوع لنظام عالمي تهيمن فيه قوة واحدة تنهب ثروات العالم، ولكنها بثوب جديد، ثوب إسلاموي. ولقد استطاعت هذه التنظيمات أن تكون البديل النوعي للشباب الحالم بتغيير العالم، بعدما سقطت المشروعات الفكرية الفلسفية الكبرى، وقيام حركات فكرية عدمية تحقر من قدرة الإنسان على الفعل والتغيير، وتؤسس لخطاب عدمي وعبثي، وجدنا أثره فيما يعرف بالحركات الأناركية. فإما شباب عدمي أو شباب متطرف يهدد استقرار العالم، فيما تعجز السياسة عن لملمة أطراف نظر وحمية الشباب الأوروبي، لدرجة دعت بعض المفكرين للتنديد بالسياسة الديموقراطية، وبالتحديد بالديموقراطية النيابية، والمطالبة بالعمل على بناء تصور نظري لسياسة جديدة، قادرة على استيعاب الفئات الاجتماعية المتمردة، بعدما اجتاحت العالم حركات الاحتجاج الشبابية. ولقد لاحظ مانويل كاستلز عالم الاجتماع المعروف أن السمة العامة التي يشهدها العالم هو الاحتجاج العابر للدول، احتجاج يقوده شباب متحمس، وحالم بالتغيير، أمام قوى سوق عمياء، حولت إلى كل شيء إلى سلعة قابلة للشراء والبيع، وقللت فرص العمل أمام الطامحين له، وفرضت سياقا فرديا، انهارت معه المؤسسات التقليدية كالأسرة، وخضعت بموجبها المرأة الأوروبية لظروف قاسية: آباء غير مسئولين وفرص عمل محدودة.

        إن محاولة فهم الإرهاب وبواعث وعوامل نشوئه وانتشاره وامتداده، مسألة تتطلب النظر في الظاهرة من حيث جذورها التاريخية وأنماط المتطرفين، وحجم العمليات وامتدادها وأسلوبها المعتمد، والمقاربات التي سعت لتفسيرها، والسياسات المتبعة لمواجهتها.    

أولاً- المتطرفون في أوروبا: جذور تاريخية

علينا أولاً أن نميز بين نوعين أساسيين من المتطرفين: الأول من أصل عربي، أي أنهم أبناء الجاليات العربية من الجيل الثاني والثالث، وتربى داخل أسرة عربية، وورث عنهم الدين والعادات والتقاليد العربية، والثاني المتحولون عن المسيحية للإسلام من أبناء الجيل الثاني والثالث.

والملاحظ مبدئياً أن النمط الثاني هو نتاج طبيعي لجهود النمط الأول، سواء تعلق الأمر بجهوده الدعوية، أو علاقاته الشخصية المعقودة به. حيث لم ينشأ المتحولون من فراغ لكنهم تربوا دينيا ومعرفيا على يد العرب الوافدين إلى أوروبا، وفي المساجد والمراكز الإسلامية التي نشأت هناك. ولعل الملاحظة الملفتة هنا أنه كلما كان المركز الإسلامي قويا، وقادرا على إرسال دعوته لعدد كبير من المترددين عليه، زاد عدد الجهاديين في البلد المضيف. ومع ذلك ينبغي التنبيه هنا أن الجهاديين استطاعوا مد مساحة حضورهم بفضل إجادتهم للغة البلد المضيف، بينما تحرص أكثر المساجد على الخطابة باللغة العربية. فاللغة المستخدمة في الخطابة تجذب نوعا بعينه من الجهاديين، بينما ساعد التقدم الحاصل في آليات الجذب أن يأتي بعناصر جديدة، ما يهدد النسيج الاجتماعي للمجتمع المضيف، خاصة إذا كانت هذه العناصر لم تحمل من قبل الأفكار المتطرفة، ولم يعرف عنها التصرف بعدوانية، بل عرف عنها السلوك القويم، والتجرد، والتميز الدراسي لبعضها، والطموح للمستقبل.

-       المواطنون من أصل عربي

يمثل المنحدرون من أصول عربية في الوقت الحاضر أعلى نسبة من العرب المقيمين في أوروبا، بحيث تتجاوز نسبتهم في بلدان مثل فرنسا وبريطانيا وبلجيكا وألمانيا بكثير نسبة المهاجرين.

ويعيش أبناء هذه الفئة أزمة هوية حادة، حيث عليهم أن يختاروا بين الاندماج والذوبان في المجتمع المضيف أو أن يظلوا مقيمين في الثقافة الأصلية التي تربى عليها آباؤهم. فإن اختار الواحد منهم الانحياز للثقافة الغربية، تغير مظهره في الملبس والمأكل وطريقة التفكير، وفي تغيير اسمه او تحريفه، وفي عدم إيلاء أي اهتمام باللغة العربية، والابتعاد عن الجالية العربية، وتكون غالبية صداقاته من غير المنحدرين من أصول عربية. أما من يختار الثقافة الأصلية فيفعل العكس، يقرب من الجالية، ويقيم صداقات منها، فيتشكل بناء على ذلك مجتمع هوياتي مستقل، له ثقافته الخاصة. (1)

ورغم أن بعض البلدان الأوروبية كفرنسا تطبق قانون الأرض، الذي يقضي بأن كل من ولد بالأرض الأوروبية يحمل جنسية مكان مولده، بحيث لا يتم الاعتراف "بشيء اسمه منحدر من أصل أجنبي أو منتم إلى الجيل الثاني، وإنما هناك مواطنون ينتمون إلى البلد نفسه، رغم أنهم مختلفون ثقافيا وعرقيا ودينيا، وهناك مهاجرون" (2)، إلا أن واقع الممارسة يقول شيئا آخر، حيث لا يشعر المواطن من أصل أجنبي بهويته وانتمائه الوطني. ففي بلد كفرنسا، ووفقا لدراسة ميدانية، نجد أن 90% منهم يحسون أنهم فرنسيون، ولكن 17% يحسون أن الآخرين ينظرون إليهم كفرنسيين، و14% يحسون أنهم، وبسبب أصلهم، يعاملون داخل المدرسة بطريقة أسوأ من غيرهم. ويعتبر 61% من العرب أنفسهم ينتمون إلى أقلية من أصول مهاجرة، ويقول 69% بأن فرنسا بها عنصرية، كما صرح 43% بأنهم عرضة لتصرف عنصري على الأقل مرة واحدة في حياتهم. (3)

ونظراً لأن هؤلاء يرفضون أن يقارنوا بالمهاجرين، يرفضون مزاولة المهن التي كان يزاولها آباؤهم، رغم محدودية تكوينهم الدراسي والمهني، فيجدون بناء على ذلك صعوبة في الحصول على عمل. فيظل موجودا بالحي الذي يعيش فيه لا يغادره، ويشكل مع غيره من الأقران تحالفا ضد "الغريب والعنصري"، ويتزايد عدد الأحياء التي يعيش فيها من هم على شاكلته، بحيث يتجاوز في فرنسا وحدها ثمانمائة حي. ويعتبر حي "زولا" zola بباريس، وحي "سلوتيفارت" slotevaart بأمستردام، وحي "كرينزبيرك" kreuzberg ببرلين، وحي "شاياربك" schaerbeek ببروكسل أمثلة معبرة. وفيها تنتشر الجريمة واستهلاك المخدرات، ويصعب على قوات الأمن أحيانا دخولها. وتقع فيها مواجهات مع هذه القوات تمتد بسرعة إلى مختلف المدن، كما حدث في فرنسا على إثر مقتل مراهقين فرنسيين، أحدهما منحدر من أصول جزائرية والآخر من أصول مالية. ولعل هذه الوضعية الإقصائية تدفع المنحدرين من أصول عربية إلى البحث عن هوية بديلة، يجدونها أحيانا في الدين، ويتحول الدين إلى تدين، أي لرغبة في إبراز الخصوصية الثقافية والتميز الثقافي، من خلال عدد من المظاهر الملفتة للعين الناظرة، مثل إطلاق اللحية، أو ارتداء اللباس الأفغاني أو النقاب. وبسبب من غياب سياسة دينية رشيدة، وانتشار المساجد التي يخطب فيها المتطرفون، فيتشبعون على الفور بالفكر الجهادي، ويتوجه بعضهم إلى أفغانستان أو باكستان أو العراق أو سوريا، يزداد المجاهدون يوما بعد آخر. (4)        

-       المتحولون

بدأت أولى مراحل تحول الأوروبيين إلى الدين الإسلامي أواخر القرن الثامن عشر. وكان المتحولون من أبناء الطبقة الوسطى أو العليا. كان يمثل الإيمان بالإسلام في وقت الإمبراطورية البريطانية نوعا من الشغف بالآخر.

أما المرحلة الثانية فهي التي تلت ستينيات القرن العشرين ويبرر ذلك بعدة أسباب: هجرة المسلمين بعد الحرب ، ونشوء الحركات الاحتجاجية وحركات الثقافة المضادة أوانها. حيث ظل الجيل الأول عازفا عن الانخراط في المجتمع، فقد تجنبوا الزواج المختلط من الأوروبيين. فيما تزوج الجيل الثاني والثالث من خارج جماعتهم الدينية. ففي فرنسا مثلا ارتفع معدل الزواج المختلط ارتفاعا مذهلا، فنصف المسلمين تزوجوا سيدات غير مسلمات، وخمس المسلمات تزوجن رجالا غير مسلمين. (5)

وتأتي المرحلة الأخيرة بعد سقوط الشيوعية أواخر الثمانينات من القرن العشرين. حيث كان ينظر للدين الإسلامي، بعد الحرب العالمية الثانية، باعتباره دين المتمردين. على أنه يمكن تقسيم هؤلاء المتحولين الجدد بعد الثمانينات إلى أربعة فئات: المسيسون الذين بهرهم بلاغة الإسلام السياسي المضادة للإمبريالية، والمتحولون للإسلام بعدما مروا بأديان أخرى غيره، والمجرمون أصحاب السجل الجنائي ممن رأوا في الدين الجديد ملجأ لهم، وأبناء الجماعات الأقلوية من الزنوج واللاتين ومختلطي الأعراق، الذين جذبهم في الإسلام نزعته الإنسانية. علاوة على بعض الماركسيين السابقين، كما في حالة روجيه جارودي. (6)

فيما يقسم الباحث الإيراني فرهاد خسروخفار المتحولين إلى صنفين، وفقا للهدف من التحول للدين الجديد: صنف دخل الإسلام ليفرض على حياته نظاما، في ظل الفوضى العارمة التي يحيا بها، دون أن يخل ذلك بعلاقته بالشأن السياسي، فيما يمثل الدين الجديد للصنف الثاني أداة يتخلص بها من هويته، وينشئ بمقتضاها علاقة جديدة بعالم السياسة. والفئة الثانية هي المرشحة للانضمام للعمل المتطرف، وأفرادها يأتون عادة من المذهب الكاثوليكي في فرنسا ومن المذهب البروتستانتي في شمال أوروبا وأمريكا. (7)

وتتعدد آليات التطرف، أولها الشعور بالهامشية والاستبعاد، حيث تبين السير الذاتية لبعض المتطرفين ما تعرضوا له من ظروف، جعلتهم يشعرون بالرغبة في الانتقام والبحث عن بديل للتحقق الذاتي. ذلك أن "التمييز والإساءة يتسببان في الغضب، الذي يتحول إلى كراهية ورغبة في الرد والانتقام". ومن هذه الحالات حالة الأرامل السود، اللاتي قمن بعمليات إرهابية في روسيا انتقاما لاعتداء الأمن الروسي على أزواجهن، وحالة ريتشارد ريد Richard Reid الفتى الأسود الذي لم يجد جماعة مرجعية يجد ذاته فيها، ووجدها في انضمامه للجماعات الإرهابية في أفغانستان. وكذلك حالة ديفيد سينكلير الموظف في شركة حاسب آلي الذي تحول للإسلام وتعرض للطرد من عمله بسبب إسلامه، فسافر للبوسنة للحرب ضد الصرب والكروات. (8)  

وقد يكون الدافع من زاوية ثانية هو تلبية الرغبة في الدفاع عن المسلمين الذين يتعرضون للاضطهاد. حيث يستغل المروجون للجهاد صورة المسلمين المعذبين في الشيشان وفلسطين والبلقان. (9) ومن أمثلة هؤلاء ليونيل دامونت وديفيد فالات وإريك بريننجر الذين شاركوا في الشيشان، ردا على ما تعرضت له المسلمات من تعذيب واغتصاب وسجن.

فيما يوجد آلية ثالثة، وهي آلية " الوقوع في المنحدر الزلق"، حيث يتحول الأوروبي إلى مسلم على أيد أفراد من الجهاديين، ثم يتدرج دوره من القيام بأعمال هامشية حتى الوصول للأوضاع القيادية، مثل حالتي ديفيد كورتيللر وإبراهيم جانكراسكي.

أما الآلية الرابعة فهي قوة المحبة، حيث يتم اختيار الأعضاء من الأقارب، هربا من المراقبة الأمنية.

 ثانياً- لماذا ينضم الشباب الأوروبي لداعش: مقاربات متنوعة لظاهرة معقدة

عوامل عديدة يرصدها التراث البحثي في موضوع التطرف، عوامل تشمل الفقر والبطالة وقلة فرص العمل والتهميش الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ودور الفكر الديني السلفي وتأثير العلاقات الاجتماعية المصطنعة أو ما يسمى بالأخوية، علاوة على أزمة الهوية والإنتماء. كلها عوامل تسهم معا في نشوء الظاهرة الجهادية في أوروبا. ولا يمكن بحال الاستناد إلى أحدها وإغفال العوامل الأخرى. الأمر الذي يتعبن بناء عليه القيام بوضع سياسات مركبة تتجاوز الحلول السطحية المختزلة للظاهرة في بعد دون آخر.

        لقد حاول الباحثون الأوروبيون مقاربة ظاهرة التطرف، وكان نتاج ذلك نشوء مقاربات عديدة أبرزها ثلاث مقاربات: المقاربة النفسية، المقاربة الاجتماعية، المقاربة الثقافية. واعتمدت الأولى على معاينة التطرف كنتاج لخلل سيكولوجي، أو خلل في البنية الإدراكية والتصورات التي يتبناها المتطرف عن نفسه وعن العالم الذي يحيا فيه. ذلك أن مجموعة التصورات النمطية التي يتلقاها عبر عملية التنشئة الاجتماعية تحول دون التوافق مع العالم الذي وجد نفسه فيه. ولذلك كان مفهوم القالب النمطي هو المفهوم الأساسي في تحليل التطرف سيكولوجيا. بينما اهتمت المقاربة الاجتماعية بمسألتين: أولها الصراع الجيلي، وثانيها التهميش الاجتماعي. فهناك بحسب أوليفيه روى صراع بين الجيل الثاني والثالث من الشباب الأوروبي وآبائهم، صراع بين الخبرات التي يخبرونها يوميا والثقافة الأصلية التي ينحدر منها آباؤهم، فيما لا يوجد بديل ثقافي، أو بالأدق هوية بديلة، خطاب آخر وثقافة مغايرة قادرة على تلبية مطالب واحتياجات الجيل الجديد، وتحقق في الآن ذاته حق هذا الجيل في الاختلاف. فلا يوجد أمام هذه الأجيال الشابة سوى الجماعات الراديكالية التي تستطيع عبر شبكاتها الاجتماعية وتصوراتها الفكرية. وبحسب أوليفيه روى، يصعب الرهان على تبريرات من قبيل أن الشباب المسلم غير قادرين على الاندماج مع المجتمع الغربي والنظام الدولي، أو أن لدى هؤلاء الشباب رغبة في التماهي مع القضايا العروبية والإسلامية كالقضية الفلسطينية أو معارضة التدخل الغربي في الشرق الأوسط.(10) في مقابل طرح أوليفيه روى الأخير يبدو أن التهميش الاجتماعي له دور رئيسي في عملية التجنيد، فالملاحظ على الشباب الأوروبي المنضم للجماعات المتطرفة هو أن عامل الهوية ليس فقط هو الجوهري باستثناء حالات أبناء الطبقة الوسطى العليا الذين يحققون ضمنيا تماهيهم مع الصور الذهنية لأبطال السينما في بعض الأفلام الأمريكية العنيفة، أي فكرة البطل المهدد والمخيف. بل هناك عوامل أخرى هامة كظهور اليمين المتطرف وأيديولوجيته المروجة لتصورات خاطئة ومغلوطة عن المسلمين وإشاعته زيادة عدد المسلمين في أوروبا واحتمالية ابتلاعهم لأوروبا مع الزيادة السكانية الكبيرة لهم. علاوة على قدرة هذا اليمين على الوصول إلى نسب كبيرة في الانتخابات المحلية، بل والمنافسة بقوة. هذه التصورات لها ما يؤسس لوجودها وانتشارها الكبير، ذلك في ظل زيادة نسبة البطالة بين الشباب الأوروبي، بل وبين الشباب عبر العالم، وهذا راجع بالأساس إلى تغير في منظومة الرأسمالية المعاصرة التي قللت من اعتمادها على العمالة غير الماهرة، واعتمادها على أنظمة عمل مرشحة للانتقال في أي لحظة، وبناء سياق عمل غير ثابت وغير مؤمن. علاوة على ذلك، فإن هناك تخوفا ديموجرافيا ناجما عن قلة عدد السكان من "الأوروبيين الخلص"، إذا كان هذا المفهوم صحيحا من الأساس، في مقابل ثقافة إسلاموية سلفوية تحرض على الإنجاب كجزء من أيديولوجيتها.

        في مقابل هذه المقاربة الاجتماعية، توجد مقاربة أخرى هي المقاربة الثقافية التي تعول بشكل أساسي على دور الأيديولوجيا في بناء جماعات الإسلام السياسي، وتشكيل التطرف في عقول ووجدان الشباب. وأبرز ممثلي هذه المقاربة هو جيل كيبل. إذ يرى كيبل أننا لا يجب أن نغفل دور الجماعات السلفية ووعيها بما طرأ من تطورات على الساحة الأوروبية، ونشوء التمرد الشبابي واسع النطاق. ويضرب كيبل مثلا على الحالة الفرنسية، وما حدث فيها من احداث. ففي أحداث الشغب التي عاشتها فرنسا عام 2005، كان جيل المهاجرين من الشباب، جيل ما يعرف بالجيل الثالث لأبناء المهاجرين، هو الذي يحتل الصفوف الأمامية للتظاهرات، واعتبر لاعبا أساسيا في المجال العام الفرنسي.(11) وبالطبع فإن الجماعات السلفية استفادت من هذه الأجواء. فهم الذين يحتلون الفضاء المشار إليه سلفا، هم الملجأ لفئات عديدة من الشباب الذين لا يجدون بديلا يستطيع استيعابهم ويعمل على دمجهم. فيجدون لديهم علاقات متخيلة بديلة لأسرهم التي لم تستطع استيعابهم، فمن خلال مفهوم مثل "الأخ"، وهو مفهوم شائع بين هذه الجماعات، تتسع شبكة الوافدين. ومن جهة أخرى ساهم التطور الذي لحق شبكة الانترنت بالانتقال مما عرف بالجيل الأول لشبكة الإنترنت إلى شبكة الجيل الثاني الذي ظهرت معه وسائل للتواصل وتطبيقات تمكن من التواصل الخارج والمستعصى على الرقابة المباشرة.  

ثالثاً- منهج العنف الإرهابي: أسلوب الذئاب المنفردة

وعلى الرغم مما يشير إليه مؤشر السلام العالمي من أن أوروبا هي أقل المناطق في العالم تعرضا للتهديدات والأخطار، وعلى الرغم من قلة العمليات الإرهابية التي حدثت في هذه المنطقة من العالم مقارنة بغيرها في المنطقة العربية، كما هو الحال في العراق وسوريا ومصر وليبيا، إلا أن ذلك لا ينفي خصوصية الظاهرة الإرهابية في أووربا، بل ويمكن القول بصعوبة محاصرتها والتنبؤ بها قبل حدوثها.

ويوضح الجدول التالي حجم العمليات الإرهابية التي شنت من التنظيمات الإرهابية خلال الفترة من عام 1970 حتى عام 2016. ويتبين أن أوروبا حافظت على المرتبة الثالثة في الترتيب العالمي حتى عام 2010 (بواقع 21338 عملية من مجموع 170350، وبنسبة 12.5%)، وتراجعت مرتبتها منذ الربيع العربي إلى المرتبة الرابعة مع نشوء زيادة في حجم العمليات في إفريقيا جنوب الصحراء، مع اتساع مساحة حضور تنظيم داعش في هذه المنطقة وزيادة عدد عملياته. فيما حافظت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على أكبر عدد من العمليات طوال الفترة، ويليها منطقة جنوب آسيا  كمناطق مهددة بالعمليات الإرهابية. وتقل العمليات تماما في قارة أستراليا وشرق آسيا.

العمليات الإرهابية عبر العالم خلال الفترة من (1970-2016)

المنطقة

الفترة من 1970-2010 

النسبة

الفترة من 2011-2016

النسبة

الإجمالي

النسبة

جنوب آسيا

6097

3.6

5356

7.6

11453

6.7

أمريكا الوسطى وجزر الكاريبي

10315

6.1

25

0.04

10340

6.1

شرق آسيا

694

0.4

100

0.1

794

0.5

أمريكا الشمالية

3095

1.8

251

0.4

3346

2.0

أستراليا وجزر المحيط

230

0.1

34

0.05

264

0.2

أمريكا الجنوبية

17754

10.4

1008

1.4

18762

11.0

آسيا الوسطى

492

0.3

62

0.1

554

0.3

الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

18931

11.1

27580

39

46511

27.3

أفريقيا جنوب الصحراء

6554

3.8

8937

12.6

15491

9.1

جنوب آسيا

17756

10.4

23741

33.5

41497

24.4

أوروبا

17665

10.4

3673

2.2

21338

12.5

الإجمالي 

99583

8.8

70767

100

170350

100

المصدر: قاعدة بيانات الإرهاب العالمية

إن الخطر الحقيقي للإرهاب لا يتصل فقط بزيادة عدد المصابين أو المعرضين للأمن، لكنه أقرب إلى التأثير النفسي والثقافي. فهذا الخطر يهدد المناعة النفسية للمواطنين الأوربيين ويؤسس لعلاقات من العداء الحقيقي لأبناء وطنهم من المسلمين. فالملاحظ أن جل الحالات التي يتم القبض عليها، يقال عادة بأنها لم يسبق لها أن عرف عنها الميل للعنف، أو ما يرمز لاحتمال اتباع الأيديولوجيا السلفية: الصلاة في مساجد السلفيين، ارتداء الملابس على الطريقة السلفية، إطلاق اللحى وحلق الشوارب، وعدم ارتياد أماكن الترفيه كالبارات. وهو ما يرسل رسالة ضمنية للمواطن العادي بأن "كل مسلم هو إرهابي محتمل". إن هذه النوعية من الرسائل الإعلامية المتسرعة والمتسارعة والمتدفقة بغزارة تخدم في النهاية زعزعة الثقة في المهاجرين، وفيمن هم غير أوروبيين ووفدوا منذ زمن بعيد.

أما الخطر الثاني الحقيقي هو تخلي أوروبا عن استراتيجياتها الأمنية القائمة على احترام حقوق الإنسان والحرية الشخصية. فلقد ظهرت التقنية الحديثة لتوسع حق الخصوصية إلى أقصى درجة بحيث يمكن للفرد الحفاظ على محادثاته ومراسلاته وحواراته وصوره وفيديوهاته بعيدا عن الأعين. ومع وجود برامج وتطبيقات تحفظ هذه الخصوصية وتجعل من الصعوبة بمكان تتبعها ومراقبتها، ومع ازدياد العمليات الإرهابية التي يثبت اعتمادها على هذه التطبيقات في التخطيط والتنفيذ، يصبح من الصعب الحفاظ على مبدأ "حق الخصوصية"، ويصبح هذا الحق مهددا على الدوام.

        إن مصطلح "الذئاب المنفردة" حسب الكثير من المتتبعين للشأن الأمني، أطلقه تنظيم داعش عام 2010، في إحدى الروايات، حيث يتم تحريض مجموعة من الأشخاص على تنفيذ أعمال إرهابية بشكل منفرد، بسبب صعوبة النشاط أو تحرك الإرهاب في شكل جماعات، وبالتالي فإن القيام بأعمال إرهابية بشكل منفرد يكون أمرا أسهل. والذئاب المنفردة هم أفراد يعيشون في عدة دول لا تقع تحت سيطرة داعش، أي لا يعيشون في ليبيا أو سوريا أو العراق، مثل المتطرفين الذين يعيشون في بلجيكا أو فرنسا أو ألمانيا أو غيرها من الدول. حيث يعتمد ذلك على وعي الذئب المنفرد بإمكانية الفعل المتطرف أو الإطلاع على طرق صنع أدوات الهجوم، ففي عام 2010 قدم تنظيم القاعدة في اليمن وصفة إرهابية بعنوان : كيف تصنع قنبلة في مطبخ أمك؟ ودعا المتعاطفين معه في الدول الغربية إلى القيام بعمليات إرهابية فردية هناك. فيما تشير رواية أخرى إلى ما نقلته وسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية المختلفة من أن أمير داعش أبوبكر البغدادى أطلق مصطلح "الذئاب المنفردة"، في منتصف نوفمبر 2014 عندما دعا إلى استهداف المواطنين الشيعة في المملكة العربية السعودية، ثم قالت مواقع إلكترونية تابعة لداعش أنها تخوض حربا جديدة عنوانها "الذئاب المنفردة جيش الدولة الإسلامية". وعلى هذا الأساس شكك الكثيرون في كون الأعمال الإرهابية الأخيرة التي شهدتها بعض الدول الأوروبية أحداثا معزولة، يكفي أن يقوم تنظيم داعش بتبني العملية، وتصويرها وبثها في مواقعه الإلكترونية. والحقيقة أن الذئاب المنفردة أضحت أخطر على أوروبا، لأنه من السهل تفكيك جماعات إرهابية، لكن من الصعب أن يصبح كل مواطن أو مهاجر أو لاجئ إرهابي لدى
أجهزة الأمن الأوروبية، ومن الصعب جدا توقع العمليات الإرهابية بسبب بدائية الطرق التي تستعملها الذئاب المنفردة في عملياتها الإرهابية، مثل الدحس بالشاحنات وإطلاق النار داخل التجمعات، أو الطعن بالخناجر أو زرع المتفجرات وغيرها. ولأن الحرب الإرهابية الجديدة تعرف باسم "الذئاب المنفردة"، فإن التنظيمات الإرهابية لم تعد تعتمد على الوسائل التقليدية للتجنيد، بل أضحت تعتمد على وسائل إعلام فردانية وليست جماهيرية مثل الإنترنت وشبكات التواصل الإجتماعي. (12)

لقد اعتمدت الحركات المتطرفة بشكل أساسي إذن على أسلوب قطعان الذئاب المنفردة. وهو أسلوب يمارسه أفراد لا صلة لهم بالتنظيم، ويبادرون من تلقاء أنفسهم بالتنفيذ، مستخدمين أدوات بسيطة، قد تحدث بعضها أثرا كبيرا. منهم من اعتمد على عمليات الطعن بالآلات الحادة، أو استخدم السيارات لدهس المارة. ويتم عادة استهداف ما يعرف بالمناطق الرخوة أو الأهداف الناعمة، كأماكن الترفيه، والمواصلات العامة، وأماكن الزحام، والأماكن العامة، التي يسهل الدخول إليها.

رابعاً- سياسات المواجهة: سياسات نوعية وغياب الرؤية الشاملة

لقد اتخذت الحكومات الأوروبية سياسات متنوعة على المستوى الأمني والتشريعي لمواجهة الظاهرة. ومع ذلك، وبحسب معن حمية في مقال له بعنوان " أوروبا في مرمى الإرهاب"، فإن هذه الحكومات ذاتها ارتكبت خطأ فادحا حينما رفعت العناصر الإرهابية عن كونترول المراقبة الأمنية، إنطلاقا من استراتيجية تستهدف إسقاط النظام السوري. إن الأجهزة الأمنية الأوروبية اعتقدت أن ترك هذه العناصر لأتون الحرب كفيل بالتخلص منها. هذا أتاح الفرصة أمام هؤلاء للحركة بحرية ويسر.

ولعل الناظر في الوضع الراهن لسوف يجد عددا من التهديدات: أولها التهديد الذي تتعرض له المناطق الرخوة: أي المناطق المزدحمة، والتي يصعب تأمينها مثل المواصلات العامة، وبهدف إسقاط أكبر عدد ممكن من الضحايا. ثانيها، عدم كفاية الإجراءات الأمنية: إذ إن الشرطة البريطانية، على سبيل المثال، تستطيع أن تتجسس على 3000 شخص، غير أنها لا تستطيع أن تقوم بمراقبة سوى 40 شخصاً بصورة لصيقة على مدار 24 ساعة. ثالثها استخدام برامج الاتصال المشفرة: مثل "التليجرام"، فضلاً عن عدم الاعتماد على برنامج واحد، بل يتم الجمع بين عدة برامج واستخدامها، حتى لا يكون من السهل رصدها. رابعها عودة المقاتلين الأجانب: حيث تتحسب الدول الأوروبية لمخاطر عودة المقاتلين الأجانب، والذين يقدر عددهم بحوالي 5 آلاف فرد من إجمالي 30 ألف مقاتل أجنبي. 

والواقع أن الدول الأوروبية اتخذت على مستوى السياسات ثلاثة سبل للتعامل مع المهاجرين من المسلمين، ما بين سياسات الدمج الكلي وتذويب الهوية وسياسات التعبير الحر عن الهوية الثقافية، والسياسة النسبية.

إن سياسة التذويب الكلي للهوية تتطلب التوجه نحو توحيد الهوية القومية للقطر الواحد، بحيث تذوب الهويات جميعا في هوية واحدة، وتستبعد أي محاولة للتعبير عن التعدد الثقافي. هذا النموذج ينتج، في نهاية الحال، مفهوما مختلفا للعلمانية كأسلوب حياة. في هذه الحالة، تصبح العلمانية هي الفصل المطلق بين الدين والسياسة، ولا يكون لرأس المال الديني وصناعه أي دور في الحياة السياسية وبنائها. وهو النموذج المعتمد في بلدان أوروبية كفرنسا، وانعكس دوره في بعض الدول العربية كتونس. هذا النموذج لا يسمح بوجود أحزاب دينية، أو على أساس ومرجعية دينية.

وفي مقابل هذا النموذج، يأتي مفهوم التعددية الثقافية، وفيه يمكن للأقليات التعبير عن خصوصياتها الثقافية بحرية، بحيث تستطيع أن تمارس شعائرها وتعلن هويتها في العلن. ويستند هذا النموذج لتصور للديمقراطية كوسيلة لإنتاج التعدد وتأكيده، وإبراز حق الاختلاف، وبناء عليه تتبنى الدولة تصورا للعلمانية، يسمح بالتعبير الديني أن يجد مكانا له في السياق العام، كما هو الحال في إنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية. ففي إنجلترا، تسهر الحكومة على توفير الآليات التي تضمن نوعا من العلاقة السلسة بين مختلف الأقليات الدينية والعرقية والثقافية، مثل تشجيع إنشاء المدارس التي تسمح بالحفاظ على الثقافة الأصلية لهذه الأقليات. وتفوض من أجل ذلك الجمعيات والهيئات الدينية التابعة للأقليات، والسهر على وضع برامج التعليم ومراقبته بها، كما تقدم الدعم المالي اللازم. ورغم هذه التسهيلات التي تقدم الحكومة البريطانية، لا يزال عدد المدارس التي تقوم بتدريس الثقافة العربية والإسلام محدودا. أما السبب فهو طابعها الانعزالي، إذ تحولت إلى "جيتوهات ثقافية"، كما أن مردوديتها أضعف من تلك الموجودة في المدارس الحكومية البريطانية، ويجد أطفالها صعوبة في إتقان الإنجليزية، مما يجعلهم منعزلين عن المجتمع المضيف، ولا تتجاوز من يصل منهم إلى الجامعة 13%.(13) بيد أن هذه السياسات لم تنجح، فالكثير من المسلمين يعيشون في أماكن تجمعهم معا، ويعانون الفاقة، وعدم القدرة على توفير عمل، أو في السجون. (14) 

وتنتهج مجموعة أخرى من الدول الأوروبية سياسة ثالثة. وتشمل المجموعة بلاد ألمانيا والنمسا واسكندنافيا، والبعد الرئيسي المميز لها هو دمج المهاجرين في دولة الرفاه ونظام السياسة الاجتماعية. ويوجد قوانين مخصصة لعملية الدمج على المستوى المحلي.(15)

على أنه بشكل عام فإن السياسات المنتهجة هي سياسات نوعية وفئوية على أساس توجيهها بشكل أساس باتجاه "القطعان الفارة" أو "جيش الاحتياط من الشباب المسلم"، دون غيره من الشباب. هذا دون الأخذ في الاعتبار أن المشكلة هي نتاج أوضاع اجتماعية واقتصادية قاسية يعاني منها الشباب الأوروبي بشكل عام، وتتجلى بقوة لدى شباب الجيل الثالث من المهاجرين الذين يعانون البطالة والاغتراب في مجتمع يعد مواطنيه بالحرية والمساواة. ومن ثم تتوجه السياسات بمجملها صوب فئة بعينها من السكان، وهم السكان المستهدفين من التجنيد. حيث تعمل السياسات فقط باتجاه تقليل حجم ومدى انتشار الأفكار المتطرفة وتقليل مساحات حضورها في المجال العام. وتتركز المقاربة هنا على تغيير التوجهات والوعي الذي يحمله الشباب عن الدين الإسلامي، ويأتي ذلك في صيغة برامج نوعية. ومن ذلك ما تشهده فرنسا من تنفيذ برامج ومبادرات لمواجهة الفكر المتطرف. ومن بين هذه البرامج برنامج "مركز العمل ومنع التطرف لدى الأفراد". ويعود الفضل في قيامه إلى الإمام طارق أوبرو، الذي استطاع بمساعدة مجلس مدينة بوردو، أن يوجه جهوده لوضع هذا البرنامج بهدف نزع التطرف والراديكالية عن الشباب المسلم الصغير والمشتبه في ظهور الميول العنيفة لديهم في أعمار مبكرة. والإمام زعيم الجالية المسلمة في مدينة بوردو، وعرف عنه الأراء الجريئة والمخالفة للمعتقدات الدينية السائدة لدى المواطنين العاديين، مثل انتقاده العلني للحجاب، وهو الذي يدعو لما يسميه بـ"الإسلام الفرنسي" الذي يعرفه في كتاب له على أنه "التصالح بين قيم الإسلام الروحية التي تعبر عن نفسها عبر لغة الجمهورية الفرنسية المتأصلة، وعلى وجه التحديد ثالوث الثورة الفرنسية: الحرية والمساواة والإخاء". ولقد الرجل لانتقادات عنيفة، وأصبح تحت نيران التنظيم الإرهابي داعش الذي أطلق على الرجل لقب "إمام الفجور"، ودعت لقتله.

ومن بين أشكال هذه السياسات أيضا السياسات الموجهة نحو المسجونين، وتسعى لتقليل احتمالية انضمامهم وتجنيدهم في الجماعات المتطرفة. وهناك صور عديدة لهذه السياسات. منها على سبيل المثال في الحالة الإسبانية ما يتم من مراقبة السجناء وتعقب سلوكهم بعد الخروج من السجن. وفي هذا الصدد يتم تقسيم هؤلاء المساجين إلى ثلاثة مجموعات: مجموعات خطرة وهي التي مارست السلوك الإرهابي وأدينت بسببه، ومجموعة متوسطة الخطورة ممن يظهرون سلوكا عنيفا ولم يمارسوا عملا إرهابيا. والأخيرة هي المجموعة التي لها علاقة بجرائم تجارة المخدرات والسرقة ومن المحتمل الانتماء لتنظيمات تكفيرية. كذلك تلجأ السلطات الإسبانية لخدمة وقف التطرف، وهي خدمة موجهة للإبلاغ عن حالات التطرف والأنشطة الإرهابية من خلال موقع أو بريد إليكتروني أو الاتصال عبر رقم هاتف. كذلك يتم تأهيل السجناء وإعادة دمجهم مجتمعيا بالاستعانة ببعض الأئمة المعتدلين، حيث يتم تعليمهم اللغة الإسبانية وتحسين مستواهم التعليمي.  

إجمالا، يمكن القول بأن هذه السياسات تضع ظاهرة الإرهاب في إطار ضيق، باعتبارها ظاهرة تتصل بالمهاجرين وأبنائهم المتمردين، وليس باعتبارها نتاج سياق مجتمعي أوسع، يتطلب هو ذاته المراجعة على نحو يضمن مساعي لترسيخ المواطنة، وتضييق حيز الإفقار، وتفكيك بنية الجيتوهات والضواحي، وتقويض حضور الخطاب الديني المتطرف بعدما بات عدد المساجد التي تضخ الفكر الإرهابي كبيرا، مقارنة بغيرها. لقد بات الأمر صعبا بالنسبة للدول التي تعتمد على نظام علماني صلب على النحو القائم في فرنسا، أو نظام علماني مرن كما هو الحال في ألمانيا وانجلترا. فالدول العلمانية الصلب عليها مراجعة سياساتها ما يتطلب تعاونها مع رجال الدين المعتدلين في العالم العربي والأوروبي، والعمل على مواجهة محاولات تشويه المسلمين، باعتبار ذلك عملا تمييزا يستحق العقاب، وليس عملا يضر بحرية التعبير. في المقابل، على البلدان المعتمدة على سياسة التعددية الثقافية (العلمانية المرنة) أن تدرك أن المساجد السلفية التي تتركها تعمل بحرية كاملة، اعتقادا بأن ذلك يجعلها قيد المراقبة غير المباشرة وإمكانية التحكم، بفضل وجود ما تسميه بالقوى المعتدلة (كجماعة الإخوان المسلمين)، إنما هي دون أن تدري تؤسس لوجود التطرف وتدعمه.

المراجع

(1) عبد الواحد أكمير، العرب الأوروبيون: الهوية والتربية والمواطنة، مجلة المستقبل العربي، ص78-79.

 (2)المرجع السابق، ص 79.

 (3)المرجع السابق، ص80.

 (4)المرجع السابق، ص 81.

(5)Emmanuel Karagiannis, European Converts to Islam: Mechanisms of Radicalization, Politics, Religion & Ideology, 13:1, 2012, P. 101.

(6)Ibid, P. 102.

(7)Farhad Khosrokhavar, Suicide Bombers, Translated by David Macey, Pluto Press, London, 2005, p.207

(8)Emmanuel Karagiannis, Opcit, P. 106-107.

(9)Ibid, P. 107.

10 ) Paolo Maggiolini, Jihadist hotbeds and local radicalization processes, in “global terrorism index 2016”, institute for economics and peace, 2016, p.81-82. 

11 ) ibid,p.82. 

(12) محمد لعقاب، الذئاب المنفردة ودلالات التصعيد الإرهابي في أوروبا، جريدة صوت الأحرار، الساعة 2:33، يوم 8-18-2017.

(13)عبد الواحد أكمير، مرجع سابق، ص 83.

(14)George T. Rankin and Kennth M. Cowen (eds), Muslims In Europe, Nova Science Publishers,inc., New York, 2012, P.10

(15)Maren Borkert and Othersm Local integration policies for migrants in Europe, European Foundation for the Improvement of Living and Working Conditions, 2007, PP65-66.

شارك