فرص وتحديات ميركل: قراءة في نتائج الانتخابات الألمانية

الخميس 05/أكتوبر/2017 - 01:31 م
طباعة فرص وتحديات ميركل:
 
ماري ماهر ملاك - إيمان محمد سيد*

اتجهت الأنظار مؤخراً إلي جمهورية ألمانيا الاتحادية لمتابعة الانتخابات البرلمانية التي جرت في الرابع والعشرين من سبتمبر وما أسفرت عنها من نتائج، نظراً لأهمية تلك النتائج في تحديد سياسة ألمانيا في الأربعة سنوات القادمة، وتأتي أهمية الانتخابات الألمانية الأخيرة من كونها الأولى بعد الجدل الكبير الذي حدث في المجتمع الألماني إزاء سياسة "الباب المفتوح" التي اتخذتها المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل حيال اللاجئين العرب، وقد طغت هذه القضية علي الانتخابات الألمانية ومثلت محور تنافس الأحزاب وجعلت حزب ميركل يقدم وعوداً بمزيد من التشديد على شروط استقبال اللاجئين.

     وفيما يلي سوف نلقي إطلالة سريعة على نتائج الإنتخابات الألمانية، وسوف نسلط الضوء علي التحديات التي سوف تواجه المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل في المرحلة المقبلة فيما يتعلق بصعود اليمين المتطرف وتشكيل الحكومة الألمانية الجديدة.

نتائج الانتخابات الألمانية

     أسفرت الإنتخابات عن فوز المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل بفترة رابعة، حيث حصل الإتحاد الديمقراطي المسيحي والذي يتكون من الحزب الديمقراطي المسيحي الذي تتزعمة إنجيلا ميركل وحزب الإتحاد الاجتماعي المسيحي، علي العدد الاكبر من الأصوات بنسبة 33% وبذلك يحصل علي 246 مقعداً في البوندستاج، إلا أن هذه النسبة تعد تراجعاً عن النسبة التي حصل عليها الاتحاد في انتخابات 2013 حيث حصل علي نسبة 41% من الأصوات. وأتى في المركز الثاني حزب الاشتراكيين الديمقراطيين بنسبة 20.5% وهي أسوأ نتيجة انتخابية له منذ عام 1949، وحل حزب البديل من أجل ألمانيا في المركز الثالث بنسبة 12.6% بعد أن فشل في دخول البرلمان عام 2013، ثم جاء الحزب الديمقراطي الحر بنسبة 10.7% بعد أن فشل أيضاً في الدخول للبرلمان عام 2013، ثم الحزب اليساري الألماني بنسبة 9.2%، وأخيراً حزب الخضر بنسبة 8.9%.(1)

التحديات التي سوف تواجه المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل

صعود اليمن المتطرف

     يعد التحدي الأهم والأكثر خطورة الذي سوف يواجه ميركل هو الظاهرة صعود اليمين المتطرف التي كشفت عنها الانتخابات الألمانية الأخيرة، حيث تمكن حزب "البديل من أجل ألمانيا"، وهو حزب يميني متطرف، من الدخول إلي البوندستاج لأول مرة بعد أن فشل قبل ذلك في انتخابات 2013، وقد حل الحزب في المركز الثالث بنسبة 12.6% بعدد 94 مقعداً في البرلمان، وبذلك يكون أول حزب يميني قومي يدخل البوندستاج منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.    

     ومن الجدير بالذكر هنا أن ظاهرة صعود اليمين المتطرف في أوروبا لم تقتصر فقط علي ألمانيا، بل كانت لها مظاهر في العديد من الدول الأوروبية الأخرى كبريطانيا حيث نجح التيار المؤيد للخروج من الاتحاد الأوروبي في الفوز في الاستفتاء الذي جرى في يونيو من العام 2016 بنسبة 52%، وتجلت مظاهر صعود اليمين المتطرف مرة أخري في الانتخابات الفرنسية الأخيرة حيث تمكنت مارين لوبان زعيمة حزب "الحركة الوطنية" اليميني المتطرف من الحصول علي نسبة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية بنسبة 33.9%. وهنا يجب أن نشير إلي أن مارين لوبان هنأت حزب البديل من أجل ألمانيا علي النتيجة التي حققها في الانتخابات الأخيرة وقالت لوبان في تغريدة لها على تويتر: "مبروك هذه النتيجة التاريخية لحلفائنا هذه إشارة جديدة على صحوة الشعوب الأوروبية".(2)

     وتعد ولاية سكسونيا هي الأعلى تصويتا لحزب "البديل" من أجل ألمانيا بنسبة 27%، وهي الولاية ذاتها التي نشأت فيها حركة "بيغيدا" في أكتوبر 2014، وتعني "وطنيون أوروبيون ضد أسلمة الغرب"، وتعتقد هذه الحركة بأنه يجب طرد المسلمين من أوروبا نظرًا لعددهم المتزايد الذي قد يؤدي إلى أسلمة أوروبا مستقبلًا وتحولها إلى قارة ذات أكثرية إسلامية(3) ، وهو ما يفسر ارتفاع نسبة التصويت لحزب البديل من أجل ألمانيا في هذه الولاية بالتحديد.

     وتعد سياسة ميركل والتي تعرف "بالباب المفتوح" التي أتبعتها منذ 2015 وأدت إلى دخول نحو مليون لاجيء إلى ألمانيا معظمهم من السوريين والعراقيين، هي السبب الرئيسي لصعود هذا الحزب نتيجة لتخوف البعض في المجتمع الألماني من تبعات زيادة تدفق اللاجئين على ألمانيا نظراً لحجم التكاليف الاقتصادية التي تحملها الاقتصاد الألماني والتي سوف يتحملها مستقبلاً من أجل توفير الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية للاجئين، بالإضافة إلي النظرة السلبية التي ينظر بها بعض الألمان إلي العرب.

     وفي الواقع سوف يؤثر صعود حزب "البديل من أجل ألمانيا"، بشكل أو بآخر، على السياسة الألمانية وبخاصة تجاه اللاجئين فالبرغم من أنه لم يحصل على أعلى نسبة من التصويب إلا أن صعوده إلى المركز الثالث سريعاً يعني أن هناك قطاع ليس بالقليل من المجتمع الألماني غير راض عن سياسة ميركل تجاه اللاجئين، وسوف يكون من الأفضل أن تسعى ميركل إلى التعديل في سياستها وفرض المزيد من القيود على دخول اللاجئين استجابة لمخاوف هؤلاء وسعياً لجذبهم مرة أخرى إلى أحزاب الوسط بعيداً عن النزعة القومية المتطرفة، حيث أن استمرار ميركل في سياستها تجاه الاجئين سوف تؤدي إلى مزيد من تمدد التيار اليميني المتطرف في ألمانيا، وهو ما لا يصب في مصلحة الديمقراطية الألمانية.

تشكيل الحكومة الجديدة

     ويعد ثاني أبرز تحدي سوف يواجه المستشارة الألمانية في الفترة القادمة، هو محاولة تشكيل حكومة جديدة، وخاصة بعد أن عاد الحزب الاشتراكى الديمقراطي شريكها الرئيسي إلى صفوف المعارضة ورفض المشاركة فى تشكيل الحكومة المقبلة، حيث أعلن زعيم الحزب مارتن شولتز عن نهاية "التحالف الكبير" مع ميركل، وذلك بعد الهزيمة التي مُني بها في الانتخابات.(4)

     ومع استحالة تحالفها مع حزب "البديل" اليميني المتطرف، ومع التباعد بينها وبين حزب اليسار، فإنه لن يكون أمامها سوى التحالف مع الحزب الديمقراطي الحر وحزب الخضر، من أجل تحقيق أغلبية برلمانية، فيما يعرف بتحالف "جاميكا" في إشارة إلى التوافق بين ألوان الأحزاب الثلاثة –الأسود، والأصفر، والأخضر- وبين ألوان علم جاميكا.

     إلا أن هذا التحالف المتوقع لن يكون يسيراً نظراً للخلافات الكبيرة بين ميركل والحزب الديمقراطي الحر وحزب الخضر من ناحية، والخلافات بين حزب الخضر والحزب الديمقراطي الحر من الناحية الأخرى، في عدد من القضايا وعلى رأسها قضايا الهجرة والاندماج، والضرائب، والدفاع، والبيئة.

     فبالنسبة لقضية الهجرة يرى الاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي تتزعمه ميركل ضرورة العمل على تخفيض عدد اللاجئين بشكل مستمر، ويطرح البرنامج مشروع قانون يتيح للكفاءات الأجنبية إمكانية الهجرة إلى ألمانيا بعد الحصول على عقد عمل، ولكن دون سن قانون للهجرة، كما يسعى الاتحاد المسيحي لترحيل سريع للاجئين المرفوضة طلبات لجوئهم، في حين أن حزب الخضر يعارض صراحةً ترحيل اللاجئين الأفغان إلى بلادهم، ويسعى إلى تسهيل طريقة الاعتراف بشهادات المهاجرين.(5) ومن ناحية أخرى يسعى الحزب الديمقراطي الحر لسن قانون للهجرة لجذب الكفاءات العلمية وهو ما يرفضه حزب الخضر الذي يطالب بدمج اللاجئين في سوق العمل.(6)

     كما أن الاتحاد الديمقراطي المسيحي لا يؤيد استمرار الجنسية المزدوجة للأجيال اللاحقة من أبناء المهاجرين، حيث يرى أن الآباء المهاجرين وأبناؤهم لهم الحق في الجمع بين جنسية البلد الأصلي والجنسية الألمانية، أما الأجيال التي تأتي بعد ذلك فعليها الاختيار بين جنسية البلد الأصلي أو الجنسية الألمانية، في حين أن حزب الخضر يدعم فكرة ازدواج الجنسية. بالإضافة إلى أن الاتحاد المسيحي يؤيد ما يسمي "ريادة الثقافة الألمانية" في حين أن حزب الخضر يرفض هذا المسمى.(7)

     وفيما يتعلق بقضية الضرائب، فإن الاتحاد المسيحي يسعى إلى تخفيض الضريبة على الدخل بمقدار 15 مليار يورو، بينما يسعى الحزب الديمقراطي الحر إلى خفض الضريبة على الدخل بنسبة أكبر تقدر ب 30 مليار يورو، في حين أن حزب الخضر يطالب بزيادة الضريبة على كل من يتجاوز دخله السنوي 100 ألف يورو وهو ما يرفضه الاتحاد المسيحي والحزب الديمقراطي الحر.(8)

     وفي قضية الدفاع يسعى التحالف المسيحي لرفع مستوى النفقات على الجيش لتصل إلى 2 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، وكذلك يريد الحزب الليبرالي زيادة الإنفاق الدفاعي، في حين يرفض حزب الخضر أي زيادة على النفقات الدفاعية.(9)

     وأخيرا،ً بالنسبة لقضية البيئة وحماية المناخ يطالب حزب الخضر بإغلاق 20 مفاعلاً نووياً والاعتماد على الطاقة المتجددة لتوليد الكهرباء بحلول عام 2030 وهو ما يرفضه الحزب الديمقراطي الحر وحزب ميركل.(10)

     وبالتالي، فإن مهمة تشكيل الحكومة الألمانية الجديدة سوف تمثل تحدياً كبيراً، حيث ستضطر ميركل إلى تقديم عدد من التنازلات لتحقيق التوافق مع الحزبين الديمقراطي الحر والخضر، كما سيضطر كل من الحزب الديمقراطي الحر وحزب الخضر إلى تقديم عدة تنازلات، من أجل تشكيل حكومة ائتلافية جديدة، ومن المتوقع أن عملة المفاوضات سوف تستمر لعدة شهور قادمة لحين تحقيق بعض التوافق في القضايا الخلافية.

     وفي النهاية، يمكن القول أن ميركل سوف تواجه العديد من التحديات في الفترة المقبلة، في التعامل مع حزب البديل، وفي محاولة تشكيل حكومة ألمانية جديدة، إلا أن المستشارة التي قادت ألمانيا علي مدار 12 عاماً وتمكنت خلالهم من جعل ألمانيا صاحبة أكبر اقتصاد في أوروبا، سوف تكون قادرة على تجاوز تلك العقبات والتعامل معها بما يحقق مصلحة الدولة الألمانية.


الهوامش

(1)  "المانيا تختار"، متاح علي: http://www.dw.com/ar، 29 سبتمبر 2017.

(2) "مارين لوبان تهنئ اليمين الألماني بالنتيجة التاريخية في الانتخابات"، متاح علي: https://arabic.rt.com/world/900774-، 29 سبتمبر 2017.

(3) استيفان فايدنر، رشيد أبو طيب (مترجم)، خطاب ضد الإسلامبوفوبيا في المانيا والغرب: مناهضة بيغيدا، قطر، الطبعة الأولي، 2016، ص ص 12-13.

(4) "انتخابات ألمانيا: حزب "البديل من أجل ألمانيا" يتعهد بمكافحة غزو الأجانب"، متاح علي: http://www.bbc.com/arabic/world-41385079، 30 سبتمبر 2017.

(5) "الإنتخابات البرلمانية الألمانية..أبرز ما في برامج الأحزاب"، متاح علي: http://www.dw.com/ar  30سبتمبر 2017.

(6) "تحديات صعبة تواجه ميركل بعد فوزها بولاية رابعة في الانتخابات الألمانية"، متاح علي: http://akhbarelyom.com/news/newdetails/2540864/1، 30 سبتمبر 2017.

(7) "الإنتخابات البرلمانية الألمانية..أبرز ما في برامج الأحزاب"، مرجع سابق.

(8) المرجع السابق.

(9) المرجع السابق.

(10) "تحديات صعبة تواجه ميركل بعد فوزها بولاية رابعة في الانتخابات الألمانية"، مرجع سابق.


* باحثتان مساعدتان في العلوم السياسية

شارك