التداعيات المستقبلية لخروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي

الأربعاء 09/مايو/2018 - 05:01 م
طباعة التداعيات المستقبلية
 
علي عاطف حسان

    بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الخروج من الاتفاق النووي مع إيران الذي تم التوصل إليه عام 2015، وبعد "تأكيده" على فرض الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات شديدة على الجانب الإيراني، كان أولها اليوم الأربعاء، بات من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولاً جديداً غير معلومة تفاصيله بدقة حتى هذه اللحظة.

               إلا أن الأحداث التي سبقت توقيع الاتفاقية النووية عام 2015، بالإضافة إلى الأيام القليلة الماضية التي سبقت إعلان ترامب الخروج من الاتفاقية النووية من الممكن لها أن تنبئ بمستقبل بات من الممكن توقعه.

السيناريوهات المتوقعة بعد خروج واشنطن من الاتفاق النووي الإيراني

    ينبغي أولاً الأخذ في الحسبان أن الصراع القادم بين إيران والغرب سيكون في الغالب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران؛ وذلك لعدم اقتداء الدول الغربية بالإدارة الأمريكية وخروجها من الاتفاق النووي، مما سيحفظ إلى حد كبير العلاقات بين الدول الغربية مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا  وإيران. وعلى الجانب الآخر، ينبغي النظر إلى تداعيات الخروج الأمريكي من الاتفاقية النووية داخل إيران وتأثيرها على التيارات السياسية المستقبلية، وذلك كله على النحو التالي:

أ‌-       تأثيرها على الداخل الإيراني:

  إذا ما نظرنا إلى الداخل الإيراني فيما قبل الإعلان عن الاتفاقية النووية في يوليو 2015 وحتى أثناء المفاوضات النووية ذاتها، سنجد أن هناك كثيرين من التيار المتشدد داخل إيران كانوا يعارضون بالأساس الاتفاقية النووية وتحقيق مزيد من الانفتاح مع الدلو الغربية والولايات المتحدة الأمريكية. فنحن لا يمكن بأي حال من الأحوال القول بإن التيار الإصلاحي داخل إيران هو الحاكم، لأن التيار المتشدد هو المسيطر على مقاليد الأمور في إيران.

    وبالتالي فمن الممكن لخروج الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاقية النووية أن يعمل على:

1-      تعظيم دور المتشددين مرة أخرى داخل إيران، فمن المحتمل أن يظهر دور أكبر من ذي قبل للمتشددين داخل المشهد السياسي الإيراني، ويجيء ترحيب قائد الحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري وقائد الجيش الإيراني وعدد من نواب البرلمان بخروج الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي كأول دليل على التعاظم المتوقع لدور المتشددين داخل إيران.

 بل إن هؤلاء المسئولين الإيرانيين أرادوا الخروج الكلي من الاتفاق النووي. وانتقد محمد علي جعفري خطاب الرئيس الإيراني روحاني أمس قائلاً:" من الواضح أن الأوروبيين لا يستطيعون اتخاذ القرار بشكل مستقل فيما يتعلق بإيران، فهم مرتبطون بالولايات المتحدة، ولذا فإن مصير الاتفاق النووي بات واضحاً".

2-      تراجع دور الإصلاحيين، وهذا أمر متوقع بنسبة أكبر؛ حيث إن انتماء الرئيس الإيراني الحالي حسن روحاني للإصلاحيين وتيارهم من جانب وفشل الاتفاقية النووية من جانب آخر سيعمل على التأثير بشكل أو بآخر على مصداقية أو إمكان نجاح واستمرار التيار الإصلاحي داخل إيران.

 

فروحاني نفسه كان يتعرض لانتقادات حادة من جانب المتشددين لإبرامه الاتفاق النووي مع الغرب، إذاً وقد فشل الاتفاق بشكل واضح فماذا يحتاج إذاً التيار المتشدد بإيران أكثر من ذلك لمهاجمة الإصلاحيين وعلى رأسهم روحاني.

3-       التأثير بشكل كبير على اختيار المرشد والرئيس الإيرانيين القادمين. فإذا سارت الأمور على هذا النهج، فمن المتوقع أن تشهد الانتخابات الرئاسية الإيرانية وعملية اختيار المرشد توجهاً كبيراً إلى التيار المتشدد في اختيار رأس النظام الإيراني "الرسميين".

فإذا نظرنا إلى تاريخ الرؤساء في إيران منذ عام 1979، سنجد أن كل رئيس يأتي تقريباً متوائماً مع المشهد السياسي والسياسة الخارجية لإيران. فمحمد خاتمي (1997-2005) ومن قبله هاشمي رفسنجاني قد جاءا متوائمين مع حاجة السياسة الداخلية والخارجية لإيران. ومن جانب آخرَ، فإنه من المتوقع أن تتعالى الأصوات داخل مجلس الخبراء الإيراني مطالبة باختيار خليفة لخامنئي يسلك مسلكاً أكثر تشدداً من خامنئي نفسه.

4-       إعادة واستئناف البرنامج النووي الإيراني. وذلك أمر جدي، وإن كان فرض مزيد من العقوبات على إيران، كما أشار إليه ترامب ليلة أمس في خطابه، سيؤثر بالطبع على عملية استئناف البرنامج النووي.  

5-      تصاعد حدة التجارب الصاروخية داخل الأراضي الإيرانية، ومحاولة إيران تطوير صواريخ ذات مدى أكبر؛ وربما تحاول طهران التركيز على هذا الملف كثيراً؛ وذلك للتهديد الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل "التي ساهم رئيس وزرائها في خروج واشنطن من الاتفاق النووي".

ب‌-   تأثيرها على السياسة الخارجية الإقليمية والدولية لإيران:

    إن كان خروج الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي سيؤثر بشكل ما على المشهد السياسي الداخلي في إيران، فإن الأكثر خطراً من ذلك، والذي بالطبع يترتب جزئياً على النقاط السالف ذكرها، هو تداعيات خروج واشنطن من الاتفاق النووي على الأمن الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط.

الأوضاع الإقليمية في الشرق الأوسط والعلاقات الأوروبية

    إن أهم ما يمكن الحديث عنه من تداعيات جرّاء الخروج الأمريكي من الاتفاق النووي  هي النتائج المتوقعة حدوثها في الشرق الأوسط. فإذا كانت إيران وتحت بنود الاتفاق النووي تقوم بدعم العديد من الميليشيات المسلحة في الشرق الأوسط، من العراق إلى اليمن، وغيرهما، فإنها وبعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، من المحتمل أن تزيد من دعمها لهذه الجماعات، وذلك من الممكن أن يكون عن عمد؛ لمحاولة ردع الولايات المتحدة من المساس بالنظام الإيراني.

    ففي العراق، من المحتمل أن يعود الدور الإيراني ثانية في استهداف المصالح الأمريكية، من عسكريين ومنشآت تابعة لهم. وأن تفاقم إيران من حدة الصراع في العراق وتصدير التوتر إليه. ويتشابه الوضع في اليمن كثيراً مع العراق، حيث إنه من المتوقع أن تعزز طهران من دعمها لميليشيات الحوثيين واستهدافها للتحالف العربي، وأن تخلق مزيداً من التوترات والتصعيد على الحدود السعودية.

    أما في سوريا، التي باتت بعد العراق تشهد تمركزاً للقوات الأمريكية، فإنه من السهل إذاً على إيران أن تحاول استهداف الجنود والقوات الأمريكية المتمركزة فيها، خاصة وأن لإيران نفوذاً كبيراً وملحوظاً فيها.

    وعلى الجانب الآخر، ستحاول طهران الدفع بحزب الله اللبناني أو غيره لإحداث مزيد من الاضطرابات في الجنوب اللبناني وضرب وتهديد الاحتلال الإسرائيلي، وذلك بغية خلق حالة من التهديد للولايات المتحدة الأمريكية التي تربطها بإسرائيل مصالح كبري، وليس لصالح القضية الفلسطينية. فإيران تحسن اللعب على هذه الأوتار المتضاربة.

أما من الزاوية الأوروبية، فإن عدم انسحاب الدول الأوروبية من الاتفاق النووي ودفاعها عنه سيجعل هنالك توازناً في العلاقات المستقبلية بينهما. فلطالما رجّحت الدول الأوروبية مصالحها الاقتصادية كثيراً في علاقاتها الدولية.

المسار الدولي لما بعد الاتفاق النووي من زاوية أخرى

      ينبغي القول إن كل ما ذُكر هي احتمالات لتداعيات مستقبلية للقضية المثارة، وهي انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي. إلا أن المذكور سيتم فقط في حالة استمرار الأوضاع كما هي أي "بدون مفاجآت". وهنا، وعند الحديث عن المنظور الدولي للخروج من الاتفاق النووي، ينبغي الإشارة إلى نقطة في غاية الأهمية، ألا وهي التطورات المتلاحقة في الإدارة الأمريكية وتعيين فريق يهدد صراحة بعدم إعطاء النظام الإيراني الفرصة للبقاء حتى عام 2019.

   فتعيين مستشار الأمن القومي الجديد، جون بولتون، ووزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو وعلى رأسهم دونالد ترامب، يجعل من إمكان سير القضية الإيرانية دولياً كما كان في السابق في عهد باراك أوباما أمراً غير متوقع، فبولتون يهدد بإزالة النظام الإيراني إما عن طريق الحل العسكري أو عن طريق دعم الاحتجاجات والمعارضة الإيرانية سواء في الداخل أو الخارج.

 فمن غير الممكن توقع عدم إدراك الولايات المتحدة الأمريكية لما يمكن أن تقوم به طهران إذا ما خرجت واشنطن من الاتفاق النووي. ولذا، فإن الإدارة الأمريكية تأخذ في حسبانها هذه النقطة وتعمل محاولة تفاديها.

شارك