غموض وملفات شائكة .. أي مستقبل لألمانيا بعد "ميركل"؟

الخميس 01/نوفمبر/2018 - 06:35 م
طباعة غموض وملفات شائكة
 
ميرال حسين عبد الغني

"لقد حان الوقت اليوم لبدء فصل جديد، لن أعود بعد الآن لرئاسة الحزب، ولن أترشح كمستشار، ولا لأي منصب سياسي آخر"، بهذه الكلمات أسدلت المستشارة الألمانية "أنجيلا ميركل" الستار على أكثر من 18 عام من هيمنتها على السياسة الأوروبية خلال مؤتمر صحفي في برلين يوم 29 أكتوبر 2018.

            وجاء إعلان "ميركل" لهذا القرار عقب تعرض ائتلافها اليميني المحافظ إلى خسارتين مدويتين خلال الانتخابات المحلية، كانت الأولى قبل أسبوعين في 14 أكتوبر 2018 خلال انتخابات مقاطعة "بافاريا"؛ حيث خسر الائتلاف فيها الأغلبية المطلقة التي كان يتمتع بها منذ عقود، ثم أتت الخسارة الأخيرة التي شهدها الحزب في انتخابات ولاية "هيسن" -التي تضم مدينة "فرانكفورت" العاصمة المالية للبلاد- يوم الأحد 28 أكتوبر 2018 لتكون القشة التي قصمت ظهر البعير؛ إذ وصف المتابعين للشأن الألماني هذه النتائج بأنها "انتكاسة" لـ"الاتحاد الديمقراطي المسيحي" –المُكون من الحزب الديمقراطي المسيحي والحزب الديمقراطي الاجتماعي- الذي تتولى "ميركل" رئاسته منذ عام 2000 .(1)

ملفات ينتظرها مستقبل غامض

                سرعان ما كان لخبر استقالة "ميركل" المعروفة بـ"المرأة الحديدية" الكثير من التداعيات، إذ تساءل الكثيرين عن مستقبل الملفات التي كانت تتبناها "ميركل" بشكل شخصي، من أبرز هذه الملفات:

·       المهاجرين واللاجئين: على الرغم من تنامي اليمين المتطرف والشعوبيين الرافضين لإدماج المهاجرين داخل المجتمع الأوروبي سواء داخل فرنسا وهولندا والدنمارك والسويد أو حتى ألمانيا، تصدت "ميركل" إلى أزمة اللاجئين في ذروتها عام 2015 وساهمت في تقنين أوضاعهم، الأمر الذي جعلها تُلقب بـ"مهندسة سياسات الهجرة"؛ وجعلها تواجه انتقادات خارجية وداخلية من داخل أعضاء حكومتها، فعلى الصعيد الخارجي: عارضت "ميركل" تعنت معظم العواصم الأوروبية في أزمة استقبال اللاجئين لعدة عوامل أهمها:  أنها تضر بالمصلحة الأمنية الأوروبية، وتفرض عليهم عدد من التحديات الاقتصادية، خاصًة في ظل تنامي عدد المهاجرين إلى أوروبا الذي وصل في 2018 إلى ما يقرب من 32 ألفًا من المهاجرين، من بينهم أكثر من 19 ألف مهاجر قصد فقط برلين.(2)

بينما على الصعيد الداخلي: تقدم "هورست زيهوفر" وزير الداخلية الألماني وزعيم حزب "الاتحاد الاجتماعي المسيحي بخطة عمل تفرض قيودًا تجاه المهاجرين، الأمر الذي قوبل بالرفض من قبل المستشارة الألمانية، لذا أعلن "زيهوفر" عن نيته بتقديم استقالته، لكنه تراجع بناءًا على التفاهمات التي حدثت مع "ميركل" التي حاولت احتواء الموقف؛ حيث توصلت إلى لاتفاق يقضي بموجبه إقامة مراكز إعادة المهاجرين إلى دول أوروبية قدموا منها.(3)

·       الاتحاد الأوروبي: عُرفت "ميركل" بإيمانها بأهمية العمل داخل إطار الاتحاد الأوروبي؛ وهذا تجلى في أزمة اللاجئين حتى مع اختلافها مع السياسة الأوروبية؛ إذ رفضت مقترح "زيهوفر" بوقف التنسيق مع الدول الأوروبية باعتباره أحادي الجانب، مؤكدة على ضرورة تبنيها سياسة أوروبية معتدلة وشاملة لجميع دول الاتحاد.

كما ساعدت في توجيه الاتحاد الأوروبي وقت أزمة الديون بمنطقة اليورو التي بدأتها اليونان في 2009، وأدت إلى حدوث انقسامًا بين أعضاؤه أدى إلى تهديد إيطاليا بالانسحاب من التكتل، وانسحاب بريطانيا بالفعل حفاظًا على استقرار عُملتها، فمن جانبها، حاولت "ميركل" تقديم رؤية لإصلاح منطقة اليورو، بما يشمل إنشاء ميزانية للاستثمار وصندوق للنقد الأوروبي من أجل تحقيق التقارب الاقتصادي بين الدول الأعضاء، ومساعدة الدول الأوروبية التي تعاني أزمات مالية، وسد العجز في الميزانية الذي من شأنه أن يحدث بعد الخروج البريطاني.(4)

وبالتالي، قد يعرقل انسحاب "ميركل" من العمل السياسي من قدرتها على القيادة على مستوى الاتحاد الأوروبي في وقت الذي يتعامل فيه التكتل مع عدد من التحديات مثل: خروج بريطانيا، وأزمة تتعلق بالميزانية في إيطاليا، واحتمالات تحقيق أحزاب شعبوية مكاسب في انتخابات البرلمان الأوروبي في مايو 2019. (5)

·       التعاون الألماني - الفرنسي: على الصعيد الآخر، يشوب مستقبل المحور الفرنسي الألماني الكثير من الغموض بعد تنحي "ميركل"؛ حيث تتقارب دائمًا وجهة النظر الفرنسية مع نظيرتها الألمانية، فكلاهما رفضوا تعنت بعض الحكومات الأوروبية في التعامل مع ملف الهجرة إلى أوروبا، ودائمًا ما تؤكد "ميركل" على رغبتها في التنسيق مع باريس في كثير من الملفات منهم منع الانقسام داخل التكتل الأوروبي، وخلق آليات جديدة بما يحقق حماية للحدود والأمن القومي الأوروبي، وهو ما يلاقي قبول الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" الذي يؤكد كثيرًا على رغبة بلاده في التعاون مع برلين.

ردود فعل مُرحبة

كان أول المتأثرين بقرار "ميركل" هو الاقتصاد الألماني؛ إذ تسبب في تراجع سعر اليورو لكن لفترة وجيزة بنسبة 0.4% وارتفاع العوائد على السندات الحكومية الألمانية؛ حيث قفزت عوائد السندات الآجلة لعشر سنوات بحوالي 4 نقاط، أما على صعيد تعاملات الأسهم الأوروبية، فارتفع مؤشر "داكس" الألماني بنسبة 0.7%، في حين قفز مؤشر "ستوكس 50" بنسبة 0.5%.(6)

وعلى الصعيد السياسي، بدا الأمر وكأن الساسة مستعدون لهذا القرار؛ فعلى الرغم من قلق "مايك موهرينج" رئيس الاتحاد الديمقراطي المسيحي في ولاية "ثورنجن" الألمانية من هذا القرار واصفًا إياه بأنه "نقطة تحول"، وهو ما اتفق معه "نوربرت لامرت" الرئيس السابق للبرلمان الألماني الذي قال أنه مقبول كجزء من "مرحلة انتقالية"، لكن أغلب ردود الفعل الأخرى جاءت مُرحبة ورأت أنها فرصة للتجديد في الحزب، وهو ما عبر عنه "ديفيد مكاليستر" العضو البارز في الحزب الديمقراطي المسيحي قائلًا لصحيفة الـ"جارديان" أن ما فعلته "ميركل" اليوم هو منح حزبنا فرصة لبداية جديدة، لكنه طالب جميع الأطراف بتنحية خلافاتهم جانبًا لمواصلة التحالف الكبير.(7)

بينما على صعيد الصُحف الألمانية، فوصف أغلبها هذه الخطوة بأنها نهاية حقبة في تاريخ ألمانيا، وأشار البعض إلى أن اختيار "ميركل" موعد خروجها جاء ضمن سماتها الشخصية المعروفة عنها كالقوة والحسم؛ إذ أنها بهذا الإعلان ظهرت وكأنها قائدة السيارة وليست مُقادة أو مُجبرة، بينما سلطت صحيفة "Kölner Stadt-Anzeiger" الضوء على جانب آخر؛ حيث ذكرت أن "ميركل" شخصية تتمتع بالذكاء الشديد لأنها أرادت أن تُنهي حقبتها كشخصية تاريخية، فإلى جانب كونها أول امرأة تتدرج حتى تكون مستشارة ألمانيا، فهي تريد أن تكون أول رئيسة حكومة ألمانية تتترك منصبها من تلقاء نفسها وليس عن طريق العزل مثلًا.(8)

خليفة "ميركل" من يكون؟!

                في ظل حالة التوتر التي تعيشها ألمانيا منذ إعلان "ميركل" قرارها بالانسحاب، يتسارع الساسة والشخصيات العامة لتقديم أنفسهم للناخب الألماني، وجاء أبرزهم:

·       أنجريت كرامب: الأمين العام لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، فهي الاسم الأكثر تداولًا؛ حيث تُعتبر الخليفة الأقرب في وجهات النظر مع "ميركل" من الناحية السياسية، لذا فهي المرشح المفضل لأنصار الاستقرار، لكن على الرغم من أنها من مؤيدي سياسة الهجرة التي كانت تتبناها "ميركل"، إلا أنها تختلف معها في بعض السياسات الاجتماعية كالتبني والزواج.(9)

·       فريدريش ميرز:  خِصم "ميركل" المباشر، وكان أول من أعلن أنه سيحل محلها، فهو أحد الرجال الذين أجبرتهم المستشارة الألمانية من قبل على ترك منصبهم لأنهم رشحوا أنفسهم أمامها كمنافسين على مقعد الحزب، اختلف مع "ميركل" بسبب اقتراحها بتخفيض النظام الضريبي؛ إذ أنه مستقل من الناحية الاقتصادية.(10)

·       ينس سبان: وزير الصحة في الحكومة الحالية، لكنه أكثر المنتقدين بشكل علني لسياسة اللاجئين منذ عام 2015، فهو مرغوب فيه في صفوف حزب المحافظين، وأصبح في 2002 أصغر عضو ينتخب مباشرة للبرلمان، ثم حصل على مقعد في مجلس إدارة الحزب المحافظ(11).

·       ارمين لاشيت: يُعرف بأنه "صوت العقل"، هو نائب زعيم الحزب المسيحي الديمقراطي، لذا يُتداول اسمه كخليفة لـ"ميركل"، وانتُخب في 2017 زعيمًا لأكبر ولاية في ألمانيا من حيث عدد السكان وهي "ولاية شمال الراين- ويستفاليا"، لكنه حذر من تحويل الحزب إلى اليمين أكثر من اللازم.

وستبقى دائرة الترشيحات مفتوحة وتنتظر المزيد من الأسماء، إلى أن يأتي شهر ديسمبر 2018 الذي بات قريبًا ليُسدل الستار عن هذه التكهنات، بانعقاد مؤتمر الحزب لاختيار رئيس جديد له، ويُحسم الجدل.

وإجمالًا لما سبق، وضعت "ميركل" الجمهورية الألمانية أمام تحدٍ كبير بإعلانها عدم رغبتها في الاستمرار في العمل السياسي، وهو إما الاستقرار والسير على نفس النهج باختيار أحد حلفائها ليكون خليفًا لها، أو اختيار أحد منافسيها كنوع من أنواع ضخ دماء جديدة في البلاد، وهي وجهة النظر التي تلقى قبول لدى كثير من الألمانيين؛ حيث مازال يُحمل الكثير منهم "ميركل" مسئولية ارتفاع عدد العمليات الإرهابية ومعدلات التحرش كالتي حدثت في احتفالات رأس السنة عام 2016 وغيرها من الأزمات إلى استقبال "ميركل" للمهاجرين.

الهوامش:

1-      "ألمانيا: حزب أنجيلا ميركل يمنى بخسارة كبيرة في انتخابات محلية بمقاطعة هيسن"، فرانس24، متاح على الرابط التالي:

                                                                                                                                                                 http://cutt.us/pGkzl

2-      أيه عبد العزيز، "أولويات متصاعدة: عودة ملف الهجرة على أجندة القمم الأوروبية"، المركز العربي للبحوث والدراسات، 31/10/2018، متاح على الرابط التالي:

http://www.acrseg.org/40814?fbclid=IwAR1gviipfY2eUv0_V3cPT0oVo4m7FepC6AmOIMQ6yqft6X1YnmEpcTU6aEQ

3-      آية عبد العزيز، " "ميركل" مهندسة سياسات الهجرة: بين تحدي البقاء والمواجهات الحادة"، المركز العربي للبحوث والدراسات، 30/10/2018، متاح على الرابط التالي:

http://www.acrseg.org/40814?fbclid=IwAR05dexer5pFSz9HYkHtXF95uJ5NLsYF3_hKMfjY8wVuCOsADwcIc8ZL170

4-      حسام صادق، " ميركل تعلن لأول مرة رؤيتها لإصلاح منطقة اليورو"، العربية، 1/11/2018، متاح على الربط التالي:

                         http://cutt.us/5wYPl

5-           Bianca Britton,” Angela Merkel says she will not seek re-election as German Chancellor”, CNN, 30/10/2018, available on:

 https://edition.cnn.com/2018/10/29/europe/angela-merkel-germany-election-intl/index.html

6-           Josie Le Blond, “German chancellor Angela Merkel will not seek re-election in 2021”, The Guardian, 30/10/2018, available on:

 https://www.theguardian.com/world/2018/oct/29/angela-merkel-wont-seek-re-election-as-cdu-party-leader  

7-            “German chancellor Angela Merkel will not seek re-election in 2021”, 1/11/2018, available on: https://www.theguardian.com/world/2018/oct/29/angela-merkel-wont-seek-re-election-as-cdu-party-leader

8-           Andreas Rinke, Paul Carrel, “Germany's under-fire Merkel plans era-ending exit in 2021”, Reuters, 30/10/2018, available on:

https://www.reuters.com/article/us-germany-politics-merkel/germanys-under-fire-merkel-plans-era-ending-exit-in-2021-idUSKCN1N3119

9-      "ميركل لن تسعى لفترة زعامة جديدة لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي"، 30/10/2018، متاح على الرابط التالي:

https://arabic.euronews.com/2018/10/29/merkel-will-not-seek-a-new-lead-for-the-cdu

10-  أحمد عبد الحميد، " فريدريش ميرز.. خليفة ميركل المحتمل"، مصر العربية، 1/11/2018، متاح على الرابط التالي:

http://cutt.us/Q22BB

11-   Melissa Eddy, “Who Could Possibly Replace Merkel?”, 1/11/2018, New york Times, available on:

https://www.nytimes.com/2018/10/29/world/europe/angela-merkel-replacements-candidates.html 

شارك