المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads
مرﭬت زكريا
مرﭬت زكريا

كيف تتعامل طهران مع الوساطة الأوروبية؟

الأربعاء 31/يوليه/2019 - 12:52 ص
المركز العربي للبحوث والدراسات

كان الملف الإيراني أحد الملفات الرئيسية على جدول أعمال وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في 15 يوليو/حزيران من 2019 في بروكسل، على خلفية التصعيد الإيراني الأمريكي في الخليج واتهام طهران في تخريب عدد كبير من السفن في المياه الاقتصادية للإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية.

في السياق ذاته، كانت طهران حريصة على عدم رفض المساعي الأوروبية، سيما المبادرة الفرنسية والتي اتضحت في استقبال طهران لكبير مستشاري الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" خلال الأسابيع الأولي من يوليو /حزيران 2019 لتهدئة الأوضاع وحالة التصعيد الموجودة في إطار العلاقات الأمريكية الإيرانية.

وعليه، أشار عدد من المحللين إلى أن السلوك الإيراني المتبع مع الولايات المتحدة الأمريكية متوافق مع الأساليب التي تتبعها الدول الإقليمية في التعامل مع القوى العظمي، والتي تتمثل في الضغط من خلال الرعب النووي وتهديد مصالح القوي الكبرى، فضلاً عن تأمين بعض التنازلات التي تخدم مصالحها بشكل كبير. 

أولاً- أساليب الدول الإقليمية في المراوغة نظرياً

يشير بعض الباحثين إلى أن الدول الإقليمية تمتلك الكثير من الاستراتيجيات التي يمكن أن تعمل على تعزيز موقفها تجاه القيود المفروضة عليها من قبل القوي الكبرى، والتي يتمثل أبرزها في الاستقلال الاقتصادي، بناء جيش قوي وقادر على حمايتها في كل الظروف، إقامة تحالفات مع القوي العظمى المناوئة للقوى المتنازع معها، فضلاً عن القيام ببعض الأعمال التي من شأنها تعريض مصالح الخصم للخطر وإشعاره بالتهديد.

كما تعد فكرة الأمن الجماعي أو التحالف الإقليمي بين أكثر من قوة من الاستراتيجيات الهامة التي يمكن الأخذ بها في مواجهة القوي الكبرى، بما يعمل على تقييدها ورخوضها إلى مطالب القوي الإقليمية أو على الأقل أخذ مصالحها بعين الاعتبار. ومن هنا، من شأن هذه الفكرة القائمة على التوازن أن تحمي العالم من خطر الدخول في الحروب)1).  

ولكن من الواضح أن هناك تراجع فيما يتعلق بنظرية توازن القوي وبروز قوي لما يعرف بنظرية الهيمنة التي باتت مسيطرة على التفكير الاستراتيجي لمعظم القوي الإقليمية الموجودة سيما في منطقة الشرق الأوسط، التي تعرضت لموجات كبيرة من الفوضى أبان أحداث الربيع العربي في عام 2011. ومن شأن ذلك أن يسمح للقوي الإقليمية بالاحتفاظ بنفوذها ليس فقط في المحيط الإقليمي المتواجدة فيه، بل على الصعيد العالمي.

على صعيد أخر على القوي الإقليمية أن توازن بين المصالح طويلة وقصيرة الأجل من حيث حجم الخطورة والمكاسب المتوقعة، أيضاً فيما يتعلق بالتحالفات مع القوي الكبرى، مع تجنب فكرة أن تصبح القوي الإقليمية مجرد تابع لقوي عظمي لا تملك حرية التصرف حتى في شئونها الخاصة)2).   

ثانياً- الوساطة الأوروبية والقيادة الفرنسية

بذلت فرنسا بصفتها قائد عملية المفاوضات والوساطة الأوروبية الكثير من الجهود أبان زيارة مبعوث الرئيس "إيمانويل ماكرون" إلى طهران بعد جولات من المحادثات التي شملت عدد لا بأس به من المسئولين الإيرانيين بما فيهم الرئيس "حسن روحاني"، للتخفيف من حدة الوضع المتصاعد في الشرق الأوسط بصفة عامة والخليج العربي بصفة عامة، فضلاً عن توفير مساحة للحوار بين الطرفين الأمريكي والإيراني.

ولكن على الرغم من الجهود المبذولة من قبل فرنسا إلا أن كلا الطرفين الإيراني والأمريكي مازال متمسك بوجهة نظره وحقوقه التي يري أنها مشروعة بنسبة كبيرة وعلى الطرف الأخر أن يقبل بها كما هي، ومن هنا، اتضح أن لا نية للتنازل من قبل الطرفين. حيث صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تغريده على موقع توتير أبان وجود المبعوث الفرنسي "إيمانويل بون" في طهران إلى عزم الإدارة الأمريكية علي فرض المزيد من العقوبات على الجمهورية الإسلامية، في إشارة إلى اتهامها بتخصيب اليورانيوم بشكل سري)3).   

في المقابل، قامت القوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني بمحاولة السيطرة على ناقلة نفط بريطانية في الخليج.  كما قوبلت زيارة رئيس الوزراء الياباني "شينزو أبي" للوساطة مع إيران باستهداف ناقلة نرويجية وأخري يابانية في خليج عمان.

كما صرح عدد من المسئولين بأن المبادرة الفرنسية يمكن اختصارها في مقولة "التجميد مقابل التجميد" أي دعوة إيران إلى التراجع عن القيام بالأعمال الاستفزازية وتخليها عن بعض التزاماتها التي يتمثل أبرزها في نسبة تخصيب اليورانيوم. وفي المقابل يجب على واشنطن التخفيف من بعض العقوبات الاقتصادية على الجمهورية الإسلامية سيما المفروضة على تصدير النفط، وقيام الدول الأوروبية بطرح الألية المالية "إنتكس" لتعويض طهران عن الخسائر الاقتصادية التي منيت بها على خلفية العقوبات الأمريكية)4).

ثالثاً- محدودية الخيارات

اتساقاً مع الجانب النظري الذي قمنا بعرضه في السابق، تحاول طهران تضييق الخيارات أمام الولايات المتحدة الأمريكية وشركائها الأوروبيين، في رغبة منها لتراجع واشنطن عن قرار الخروج الأمريكي من الاتفاق النووي ورفع العقوبات الاقتصادية. حيث اشترطت طهران وجود عدة محددات حتى تستطيع العودة مرة أخري إلى طاولة المفاوضات مع دول (5+1) تمثل أبرزها في استبعاد الملفات الإقليمية مثل النفوذ الإيراني في عدة دول عربية تتمثل في العراق، سوريا، اليمن، لبنان وأخيراً البحرين.

حيث تعتبر طهران أن النفوذ الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط هو بمثابة حق مشروع لها، فضلاً عن أنه يعزز موقفها في مواجهة خصومها سيما الولايات المتحدة الأمريكية وتهديد مصالحها في المنطقة، من ناحية أخري، يستمد النظام الإيراني نسبة كبيرة من شرعيته في الداخل من فكرة النفوذ الخارجي القائم في الفكر السياسي الشيعي على مساندة المستضعفين ومحاربة قوي الشر والاستكبار)5).

نتيجة لما سبق، ترغب الجمهورية الإسلامية في حصر الملفات المطروحة على طاولة المفاوضات مع القوي الغربية فيما يتعلق بالبرنامج النووي فقط دون التطرق إلى أي من الملفات الأخرى، سيما برنامجها الصاروخي الباليستي. في الوقت الذي تصر فيه طهران على ضرورة رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، خاصًة الموجة الثالثة من العقوبات والمفروضة على النفط ومشتقاته وقطاع البتروكيماويات الذي كان يعد بمثابة ثغرة تستطيع من خلالها الجمهورية الإسلامية الحفاظ على السيولة الدولارية لديها. 

حيث أدت العقوبات الاقتصادية المفروضة على الجمهورية الإسلامية إلى تدهور حالة الاقتصاد الإيراني، ارتفاع معدل التضخم والبطالة، على خلفية الخروج الأمريكي من الاتفاق النووي ورغبة واشنطن في تضييق الخناق على كل مصادر التمويل الإيرانية وظهر ذلك بشكل واضح مع فرض وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على النائبين من حزب الله " أمين شري" و" محمد رعد" بعد توجيه اتهامات لهما بـاستغلال النظام السياسي والمالي اللبناني لصالح جماعة "حزب الله" وإيران، في إشارة إلي محاولة طهران لتضييق الخناق ليس فقط علي الجمهورية الإسلامية و لكن علي الميليشيات التابعة لها أيضاً)6).

ختاماً: تتبع طهران ما يعرف بسياسة "النفس الطويل" مع الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها الأوروبيين لتعزيز وضعها التفاوضي في حالة حدوثه لتحقيق أكبر قدر من المكاسب واقل قدر من الخسائر الممكنة؛ بما يتضمن عدم المساس بنفوذها المتصاعد في المنطقة وحصر المفاوضات مع دول (5+1) فيما يتعلق بالبرنامج النووي. من ناحية أخري، تحاول الجمهورية الإسلامية الضغط على الأوروبيين والحفاظ على قنوات التواصل المتاحة معهم لتشجيع واشنطن علي رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.   

الهوامش

1.             Choi, Insu, Small states and the balance of power, Master Thesis, Naval  Postgraduate  SchoolMonetary, California, 1995, pp 19-27, 119-123.

2.             Daniel H. Nexon, The Balance Of Power in the Balance, world politics, 2009, pp 11-14.

3.             بريطانيا، فرنسا والمانيا يدعون إلى العودة إلى طاولة المفاوضات، BBC عربي، 14/7/2019، متاح على الرابط التالي http://www.bbc.com/arabic/middleeast-48985619

4.       رؤى متباينة: كيف تعاملت إيران مع الوساطة الفرنسية؟ مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 15/7/2019، متاح على الرابط التالي:

 https://futureuae.com/ar-AE/Mainpage/Item/4858. Macron's

5.              Iran initiative: French envoy in Tehran amid efforts to save nuclear deal, 9/7/2019, FRANCE 24, available at:

 https://www.france24.com/en/201909076-debate-iran-nuclear-power-weapon-energy-deal-negotiations-mediator-france-macron-trump-rou

6.             Parisa Hafezi, Tuqa Khalid, Iran ratchets up tensions with higher enrichment, draws warnings, 15/7/2019, Reuters, available at:

 https://www.reuters.com/article/us-mideast-iran-usa/iran-ratchets-up-tensions-with-higher-enrichment-draws-warnings-idUSKCN1U205V.


إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟