الفشل الحتمي: العنف بين مبررات الإخوان وواقع الحركة الإسلامية (1-2)

الأحد 20/يوليه/2014 - 10:55 ص
طباعة الفشل الحتمي: العنف
 
منير أديب

انقسم الناس حول عنف الإخوان؛ بين من يرى أن تنظيم الإخوان المسلمين هو من زرع بذرة العنف الأولى وما زال يرعاها بأدبياته واحتضانه للجماعات والتنظيمات الدينية ويشجعها على ذلك، فرغم أنهم لم يمارسوا عنفًا واضحًا يماثل ما كانت تمارسه الجماعات الجهادية في التسعينيات من القرن الماضي عندما رفعت السلاح على الدولة، وقامت بتسليح أعضائها وأنشأت لذلك جناحًا عسكريًا؛ فإن التنظيم مازال يحتضن تيارات العنف السياسي ويقدم لها الدعم اللوجستي، وتقف جماعة الإخوان في الضفة الأخرى لتراقب وتشاهد الموقف من بعيد، كأن الناس لا تفهم سر وشكل العلاقة مع تيارات العنف الديني، بينما هناك علاقة وثيقة بهذه الجماعات يسمّيها المراقبون علاقة دعم، وهناك من يرى أن الجماعة مارست عنفًا حقيقيًا وإن كان محدودًا، وإن لم تكن قد أنشأت جناحًا عسكريًا، ولكنها مارست كل أشكال العنف الحقيقية التي تؤدي بها في النهاية إلى ممارسة العنف الجنائي.

نحاول في هذه الدراسة أن نرصد ونحلل جماعات العنف السياسي في مصر، وبخاصة التي نشأت بعد 30 يونيو، وعلاقة هذه التنظيمات بالجماعة الأم؛ سواء كانت هذه العلاقة في مرحلة نشأتها الأولى أم في الدعم سواء الخفي أو العلني، ودور التنظيم الأكبر الذي نشأ في نهاية العشرينيات من القرن الماضي في تكون مثل هذه التنظيمات ورعايتها فيما بعد. ولعل الساحة امتلأت بالعديد من التأويلات غير الصحيحة وغير المنطقية في ذات الوقت، كما تفتقد للتحليل السياسي العميق القادر على البحث في أصول هذه التنظيمات التي امتلأت بها الساحة السياسية في مصر. ومن أوائل هذه الجماعات التي نتناولها بقدر من التحليل لتوضيح شكل العنف ومبرراته في مصر مع الإخوان وواقع الحركة الإسلامية التي تمر بحالة من المأزومية، جماعة أجناد مصر، وكتائب أنصار الشريعة بأرض الكنانة، وكتائب الفرقان، وكتائب الذئاب المنفردة وجماعة جند الإسلام. 

أجناد مصر عبارة عن خلايا صغيرة؛ نشأت في مطلع عام 2014 بشكل تنظيمي، بعد أن طال أمد الصراع بين المطالبين بعودة مرسي للسلطة وبين النظام السياسي الذي نشأ على خلفية عزله

أولا: جماعة أجناد مصر

ظهرت هذه الجماعة بشكل حقيقي في بدايات عام 2014، وإن قامت ببعض العمليات في نهاية 2013، ولكن الجزء الأكبر من عملياتها كان في مطلع 2014، والذي شهد ثاني استحقاق انتخابي ممثلًا في الانتخابات الرئاسية بعد الاستفتاء على الدستور الجديد.

أجناد مصر، ليست جماعة بالمعنى المتعارف عليه، وإن كانت عبارة عن خلايا صغيرة؛ فأرجح الأقوال، أنها نشأت في مطلع عام 2014 بشكل تنظيمي، بعد أن طال أمد الصراع بين المطالبين بعودة مرسي للسلطة وبين النظام السياسي الذي نشأ على خلفية عزله، بناء على خارطة للمستقبل وضعتها القوات المسلحة، وهم يشعرون أنهم لم يحققوا ما كانوا يؤمّلونه أثناء وجود الإخوان على رأس السلطة التنفيذية.

فقد قام الشباب المتحمس الذي شكل نواةً للجماعة بتنفيذ بعض العمليات المسلحة التي غلب عليها طابع قلة الخبرة من خلال التفجير عن بُعد، واستخدام عبوات ناسفة محلية الصنع وليست كبيرة الحجم ولا التأثير بطبيعة الحال كحال جماعات أخرى ظهرت على الساحة قبل أو بعد ظهور أجناد مصر؛ فالعمليات التي تم رصدها استخدمت فيها قنابل ذات تأثير محدود مقارنة بعمليات أنصار بيت المقدس التي كانت تستخدم عشرات الكيلو جرامات من المتفجرات، وعملياتهم لم يكن مخططًا لها فهي ذات أهداف محدودة مقارنة بأنصار بيت المقدس.

من خلال رصد العمليات التي قامت بها أجناد مصر لم تكن من بينها عمليات انتحارية على سبيل المثال، فالعمليات التي قامت بها كانت عبارة عن عبوات تفجيرية فقط وبدائية الصنع تنم على أن أصحابها لم تكن لديهم أي خبرة من قبل، كما لم يكن للعمليات التي قاموا بها الأثر الكبير كغيرها من العمليات التي تشنها تيارات جهادية أخرى، وبالتالي كانت نتائج هذه العمليات ضعيفة الأثر، ولم تُخلف وراءها سوى مصابين وقليلٍ من القتلى، وكان ظاهرًا بشكل لافت للنظر في العمليات الأولى غير أنها نجحت فيما بعد في إحداث أثر محدود لبعض العمليات، ولكنها تبقى محدودة مقارنة بعمليات أنصار بيت المقدس.

تميزت عملياتهم كما ذكرنا بالبساطة الشديدة مقارنة بعمليات جماعة أنصار بيت المقدس التي يتم التخطيط لها على مستوى أعلى من خلال التدريب الذي يتلقاه أتباعها، فقد سافر بعضهم للمناطق ذات الصراع الملتهب مثل، سوريا والعراق واليمن وأفغانستان، أو ما تلقاه أتباعها من تدريب في صحراء سيناء الواسعة، وبالتالي وجدنا هذه الجماعة تكتفي بإصدار بيان فقط ولم تصدر تسجيلات مرئية إزاء كل عملية؛ إلا بعد تنفيذها ثماني عمليات، وعندما أصدرت أول تسجيل مرئي كان للعمليات الثماني مجتمعة.

أجناد مصر تمتلك رغبة قوية للانتقام ممن يظنون أنهم وقفوا أمام الإسلام وحاربوه أو ناصبوه العداء

وعند قراءة التسجيل المرئي الذي خرج لهذه العمليات تكتشف أنه لم يتعرض لطريقة تنفيذ العمليات المسلحة أو التجهيزات التي سبقتها، كما في حالات كثيرة لتيارات جهادية داخل أو خارج مصر، ولعل أنصار بيت المقدس كانت مختلفة عن هذه الجماعة كثيرًا؛ فلم تقم بتصوير جزء من الاستعدادات قبل تنفيذ العملية ولا أثناء تنفيذها أيضًا، فقط اكتفت ببعض الصور التي نشرت في تليفزيونات عدة وقامت في بعض المشاهد بحذف "لوجو" القناة من على الشاشة أو "لوجو" الموقع الإلكتروني وجمعت هذه الصور في التسجيل المرئي المشار إليه، وبالتالي لم يخرج على نفس مستوى التسجيلات المرئية لجماعة أنصار بيت المقدس.

معظم الذين تم استهدافهم في العمليات الأولى على يد أجناد مصر كانت إصابتهم طفيفة، ولم يكن هناك قتلى بين الضحايا نتيجة الخبرة المنعدمة، ولأن المتفجرات المستخدمة تم تصنيعها بطريقة بدائية، كما سبق القول؛ وهي عبارة عن قنابل محلية الصنع ولم تقم هذه الجماعة التي نظن أنها عبارة عن خلايا تم تشكيلها على عجل عندما اشتد الصراع بين السلطة الحاكمة وبين التيارات الإسلامية التي وجدت في هذه السلطة عدوًا لها، من خلال تلغيم سيارات ربما تحمل عشرات الكيلو جرامات من المتفجرات، كجماعة أنصار بيت المقدس حتى يكون هناك ضحايا أكثر.

هذه المجموعات التي نشئت فجأة تمتلك رغبة قوية للانتقام ممن يظنون أنهم وقفوا أمام الإسلام وحاربوه أو ناصبوه العداء، ولكن هذه الرغبة محدودة بإمكانيات ضعيفة ومتواضعة وخبرة منعدمة لم تساعدهم على تحقيق ما أرادوه، وبالتالي ظهرت عملياتهم أقل تأثيرًا من غيرها، ولكننا لمحنا تطورًا في عملياتها فيما بعد اكتساب الخبرة التي لم تستغرق وقتًا طويلًا، وربما كان ذلك واضحًا من خلال تفجيرات جامعة القاهرة سواء من خلال زرع المتفجرات أو تكنيك التفجير ذاته أو عملية ميدان لبنان والتي تحايلوا فيها على ضابط المرور عندما وقفت سيارة ميكروباص تسأل الضابط عن عنوان ليقوم آخرون بزرع المتفجر في كشك المرور من الشباك الخلفي أثناء انشغال الضابط مع السائل.

والجدير بالقول، إن عملية جامعة القاهرة تميزت بالتخطيط بعض الشيء؛ حيث فجرت أجناد مصر عبوتين ناسفتين في توقيت واحد ثم قامت بتفجير العبوه الثالثة بعد تجمع المسعفين وقوات الشرطة التي هرعت لمكان التفجير كمحاولة لحصد أكبر عدد من الضحايا ورغم ذلك كان ضحايا الثلاث قنابل قتيلين فقط أحدهما مات في الحال والثاني مات متأثرًا بإصابته بخلاف غير المصابين. وقد نجحت الجماعة في زرع العبوات الناسفة بالأشجار المحيطة بالتمركز الأمني الموجود أمام الجامعة بعيدًا عن أعين الضباط، ولأن قطاعًا ليس بالقليل من أعضاء هذا التنظيم خريجو كلية الهندسة جامعة القاهرة، وقد أنهوا دراستهم منذ سنوات قليلة، فهم يحفظون جغرافيا المكان، وبالتالي ربما يكون ذلك سر نجاح العملية مقارنة بسابق عملياتهم، وربما يكون ذلك السر وراء زرع ثلاث عبوات ناسفة وليست عبوة واحدة.

تركزت أغلب عمليات هذه الجماعة في محيط القاهرة الكبرى وتحديدًا بمحافظة الجيزة، بما يؤكد محدودية هذا التنظيم من حيث الكم والكيف معًا، وأنه قد يكون مكونا من عدة خلايا بخلاف جماعات أخرى لها أتباع في محافظات عدة وأرجح الأقوال، أن هؤلاء إما أنهم ينتمون للداعية السلفي حازم صلاح أبو إسماعيل أو من تلامذته أو المتأثرين بخطابه، ولعل التسجيل المرئي الذي خرج فيما بعد وكان أول تسجيل مرئي للتنظيم يؤكد ذلك؛ حيث أفردت الجماعة فيه شهادة أحد المتهمين بارتكاب حادث كنيسة القديسين بالإسكندرية، والذي أفرد تعليقًا وتعقيبًا طويلًا على ما حدث لـ "سيد بلال"، أحد السلفيين الذين قتلوا أثناء التحقيق معهم لنفس التهمة، وهو ما يدلل على أن هؤلاء سلفيون ولا علاقة لهم بجماعات العنف في سيناء مثلًا.

من المفارقات العجيبة لهذا التنظيم، أنه يصدر بياناته التي يتبنى فيها العمليات التي يقوم بها في نفس يوم العملية، ما بين الساعة السادسة إلى السابعة مساءً، وظهر ذلك في أول 8 عمليات للجماعة بما يؤكد ملاحظة مهمة نؤكد عليها للمرة الثانية، قلة الخبرة أو انعدامها والتي قد تكشفهم لو تتبعت أجهزة الأمن المكان الذي تُحمّل منه هذه البيانات على شبكة الإنترنت في توقيت محدد، فقد يكون خيطًا رفيعًا يكشف عن أماكن وجودهم والتي يخططون منها للعمليات العسكرية، وفي أغلب الأحيان تقوم هذه الجماعة بإرسال البيان بشكل مشفر عبر البريد الإلكتروني إلى جهة أخرى، ويتم الاتفاق معهم على رفع البيان على المنتديات والمواقع من خارج مصر، وبالتالي يهربون من عملية الرصد الأمني والتي قد تكشفهم أو تكون سببًا في القبض على بعضهم، من الملاحظات التي يمكن أن تذكر في هذا الإطار أن أجناد مصر من أهم الجماعات التي تنشر بياناتها على موقع التواصل الاجتماعي، الفيس بوك، ولا تقتصر فقط على المنتديات الجهادية، وبالتالي تصل هذه البيانات لقاعدة عريضة من الناس ووسائل الإعلام في التو و اللحظة.

ومن أهم العمليات التي قامت بتنفيذها أجناد مصر تفجير عبوتين ناسفتين في بديات شهر فبراير 2014 بمنطقة الجيزة أصابت 6 أشخاص بينهم 4 من رجال الأمن. ويقال إنهم قد يكونون وراء استهداف كمين عبود في 20 نوفمبر 2013 وكمين السواح في 25 نوفمبر من نفس العام، فضلًا عن استهدافهم نقطة محور 26 يوليو في 27 يناير 2014، كما استهدفوا أيضًا قوات الأمن المركزي بمنطقة البحوث بالقرب من مترو الأنفاق في 24 يناير، بالإضافة لقسم شرطة الطالبية بمنطقة الهرم، كما استهدفوا يوم 31 يناير 2014 معسكر قوات الأمن المركزي على طريق الإسكندرية الصحراوي بعبوتين ناسفتين عقب التمكن من عمل اختراق أمني لأحد جنبات المعسكر الموجود على الطريق الصحراوي، ويوم 7 فبراير استهدفت هذه الجماعة قوات الأمن المركزي المتمركزة أعلى كوبري الجيزة بعبوتين ناسفتين.

يوم 2 إبريل من نفس العام استهدفت قوات الأمن المتمركزة أمام جامعة القاهرة بثلاثة تفجيرات أسفرت عن مقتل عميد شرطة في الحال ومجندًا متأثرًا بإصابته بعد يومين من الحادث، فضلًا عن إصابة لواء شرطة وإصابات أخرى في صفوف الجنود، فقد زرعت القنابل بالقرب من القوة الأمنية الشرطية الموجودة بشكل ثابت أمام جامعة القاهرة ووسط ميدان النهضة الذي جرى فضّه من قبل الضابط المقتول، كما جاء عبر بيان أجناد مصر فيما بعد.

وجاء في أحد بيانات هذه الجماعة الصغيرة والتي أطلقت على نفسها "أجناد مصر" وأعطت لنفسها شعار "حماة الدين والدم والعرض والمال"، والذي حمل رقم 4 بتاريخ 7/2/2014 الذي استهدفت من خلاله قوات الأمن المركزي المتمركزة أعلى كوبري الجيزة،: أنهم استطاعوا الوصول إلى المرتكزات الأمنية ضمن حملة «القصاص حياة»، حيث تم رصد تحركات قوات الأجهزة الإجرامية وتمت مراقبة أماكن تمركزها التي تنطلق منها كل يوم جمعة لاستهداف الأبرياء بالقتل والتنكيل، فتم زرع عبوتين ناسفتين حيث تتمركز قواتهم الإجرامية في ميدان الجيزة وتم متابعتهم حتى وصولهم إلى تمركزهم وتم استهدافهم بالعبوتين الناسفتين، وكانت الإصابة مباشرة حسب تعبير الجماعة في البيان الذي أعلنت مسئوليتها عن العملية.

واستطردت الجماعة الوليدة التي نشأت عقب عزل «مرسي» من السلطة، تأتي هذه العملية للتأكيد على الرسائل السابقة، وهي أنهم ليسوا في مأمن من القصاص الذي يطاردهم، ولو أن رسائلنا إليهم تحملها الكلمات لما أرسلناها إليهم بالعبوات وأن الرسالة المراد إيصالها إليهم أننا بإذن اللـه سنحيا كرامًا، ولن نساق من أي طاغوت مستبد وأننا لن يقر لنا قرار حتى يعم العدل وتبسط الشورى وتقام الدولة على ما يرتضيه اللـه عز وجل في كتابة وفي سنة رسوله صلى اللـه عليه وسلم.

توعدت هذه الجماعة التي يغلب على أعضائها منهج السلفية الجهادية، بأنها ستواصل غاراتها وأنها مستمرة فيما أقدمت عليه وسوف تواصل ذلك على كافة الأصعدة، وأن الانتفاضة تشتعل يومًا بعد اليوم، وعلى من يتبقى فيه بقية شرف داخل الأجهزة الأمنية أن ينشق عنها، وأن يتوب إلى اللـه وأن يكف عن حرب أهله وليوجه سلاحه تجاه أجهزة الأجرام! ومن عجز عن نصرة الحق فلا ينصرن الباطل ولا يكن في صف المجرمين فيخسر الدنيا والدين، وليبادر بالخروج من تلك الأجهزة قبل القدرة عليه، فإن الأحداث تتسارع والفرصة قد لا تستمر طويلًا.

نشأ كتائب أنصار الشريعة بأرض الكنانة مطلع 2014 وإن كان متأثرًا بتنظيم الطليعة السلفية المجاهدة التي أنشأها أحمد عشوش في نوفمبر 2012 أثناء حكم الرئيس محمد مرسي

وبقراءة تحليلية في مضمون خطاب هذه الجماعة، نستطيع أن نقول إنها مُشكلة من مجموعات صغيرة من السلفيين ذوي الخلفية المتواضعة بالعمل العسكري، وقد يكون بعضهم ليست لديهم خبرة أصلًا بالعمل العسكري، وظهر ذلك جليًا في العمليات التي نفذوها أولًا مطلع عام 2014، والتي يمكن الحكم عليها بأنها كانت فاشلة من الناحية الأمنية، كما أن هذه المجموعات نشأت عقب المواجهة التي تمت بين أجهزة الأمن ومتظاهري الإخوان المسلمين. واستخدم أتباعها في بعض بياناتها عبارات كان يستخدمها الداعية السلفي، حازم صلاح أبو إسماعيل، منها، سنحيا كراما، ومعروف أنها كانت شعاره حملته الانتخابية للرئاسة عام 2012، والتي تم استبعاده منها بسبب جنسية والدته، فهو من نحت هذه العبارة في القاموس السياسي المصري بعد ثورة 25 يناير 2011 وأثناء حكم المجلس العسكري، فضلًا على طريقتهم في الكتابة والتي تشبه لحد كبير تعبيرات نفس الداعية ومنها أيضا، ما ورد في البيان وأتى على لسان «أبو إسماعيل» قبل ذلك في خطبه التي كان يلقيها في المحافل السياسية وبخاصة مسجد أسد بن الفرات بمنطقة الدقي،: « ولن نساق من أي طاغوت مستبد، وأننا لن يقر لنا قرار حتى يعم العدل وتبسط الشورى وتقام الدولة على ما يرتضيه اللـه عز وجل في كتابه وفي سنة رسوله صلى اللـه عليه وسلم»، فأغلب عملياتها كانت أيام الجمع من كل أسبوع، وهي تلك التي تنشط فيها مظاهرات الإخوان والمطالبين بعودة مرسي للسلطة، وبالتالي تعمدت ضرب ما سمّته بمرتكزات أجهزة الأمن والتي تقف أمام هذه المظاهرات.

وقد نشرت الجماعة تسجيلا مرئيًّا أعلنت فيه مسئوليتها عن 8 عمليات، قالت فيه إن العملية الأولى كانت في 20/11/2013 واستهدفت من خلاله كمينًا أمنيًا بعبود، وكانت العملية الثانية استهداف كمين أمني بمنطقة السواح في 25/11/2013، كما كانت العملية الثالثة باستهداف نقطة للقوات الأمنية بمحور 26 يوليو بتاريخ 7/1/2014، وكانت العملية الرابعة باستهداف القوات الأمنية بقسم شرطة الطالبية في 24/1/2014، وكانت العملية الخامسة في نفس اليوم من خلال استهداف القوات الأمنية لمنطقة البحوث، ولم تمر سوى أيام حتى كانت العملية السادسة في 31/1/2014 والتي استهدفت فيها القوات الأمنية على طريق الإسكندرية الصحراوي، بعدها تمت العملية السابعة بميدان الجيزة وكان ذلك في 7/2/ 2014، عندما تم زرع عبوات ناسفة بهدف ضرب المرتكزات الأمنية، وتلاها العملية الثامنة والتي استهدفت القوات الأمنية من خلال ثلاث عبوات بميدان النهضة أمام جامعة القاهرة.

ما يؤكد حداثة نشأة الجماعة وقلة خبرتها، أنه لم يكن لها شعار يُعرف عنها أو يعبر عن مضمونها أو حتى يُكتب على بياناتها المحدودة التي خرجت عنها، ولم تمتلك أدوات للتصوير المرئي لعملياتها، كما هو شأن جماعات آخري وعندما خرجت بتصوير مرئي كان متواضعًا ولكن الهدف منه تبرير عملياتها وليس توضيح الطريقة التي قامت من خلالها بتنفيذ هذه العمليات، كما أن عملياتها متفرقة ضمن أماكن لا تتطلب خبرة في التعقب والتعامل معها بالسلاح ضمن محافظة الجيزة.

 

ثانيا: كتائب أنصار الشريعة بأرض الكنانة

هذا التنظيم نشأ مطلع 2014 وإن كان متأثرًا بتنظيم الطليعة السلفية المجاهدة التي أنشأها أحمد عشوش في نوفمبر 2012 أثناء حكم الرئيس محمد مرسي، والتي كانت ترى في كل الآليات الديمقراطية كفرًا بواحًا وأعلنت كفرها بكل هذه الوسائل من منطلقات شرعية.

جماعة أنصار الشريعة بأرض الكنانة اتخذت العمل الدعوي والخيري حاضنه للأفكار التي ظلت كامنة بعد ثورة 2011 وحتى صعود مرسي للسلطة، واضطر أصحابها أن يعبروا عن الوجه الآخر فور سقوطه؛ ومعروف أن هذا التنظيم له أصول في عدة أقطار أخرى في مقدمتها، تونس وليبيا والمغرب واليمن.

تمثل هذه الكتائب المجموعات الجهادية التي دخلت السجون نتيجة استخدامها لأعمال عنف، ولم تشترك في أي مبادرات فكرية أو فقهية، بل ظل صامدة على مبادئها وأفكارها حتى قيام ثورة يناير، ترى أن الدين الحقيقي في حرب أعدائه وجهادهم بالنفس والمال حتى إقامة الشريعة، استطاعت أن تؤثر في قطاعات شبابية أخرى سواء داخل السجون أو بعد أن خرجوا منها على خلفية الثورة.

تستخدم العنف سبيلًا لها من أجل تطبيق الشريعة الإسلامية، ينتمي أعضاؤها لأفكار القاعدة، فقد خرجت جماعات وتنظيمات كثيرة بعد ما يسمى بالربيع العربي؛ تنتمي إلى القاعدة فكريًا وإن كانت خرجت بمسميات مختلفة وبعيده عن اسم القاعدة؛ فكر القاعدة دون أن تحمل اسمها. أحد أبرز الأسماء الموجودة في هذا التنظيم وتجمعه علاقة مع قياداته، محمد الظواهري، شقيق زعيم تنظيم القاعدة، وأحد زعماء قاعدة الجهاد في مصر؛ وهذا إن دل فإنما يدل على العلاقة بين هذا التنظيم والقاعدة في الإطار الفكري والتنظيمي معًا.

وعلى أرجح الأقوال، تشكلت هذه الكتائب في شكل سرايا، فأغلب أعضائها سافروا مناطق الصراعات المسلحة بدعوى الجهاد في سبيل اللـه، واكتسبوا خبرات حاولوا من خلال تنفيذ عمليات مسلحة، تميزت عملياتهم بالقنص المباشر وكان أغلبهم على ما جاء في البيان الثاني لها والذي تبنت من خلالها قتل عدد من رجال الشرطة من محافظة الشرقية وتلتها محافظة بني سويف، أصحاب خبرة في العمل العسكري، وغالبًا عمليات القنص تحتاج إلى خبرة لها علاقة بالتدريب وهو ما حصلوا عليه من قبل وليس لديهم مشكلة فيه، وأن يكون لديه قدرة على التخفي سواء قبل أو أثناء العملية أو بعدها، وهذا الأمر يحتاج لقدر كبير من التدريب والممارسة لا يمكن أن يجمعها شخص إلا ذو خبرة أو تلقى تدريبًا متميزًا.

هذه الجماعة لا تعترف بالدولة ولا بالانتخابات وتدعو من أسمها والشعار الذي ترفعه إلى إقامة الخلافة الإسلامية على اعتبارها مظلة تجمع المسلمين تحتها.

أول ما ظهرت هذه الجماعة في اليمن عام 2008 على يد أبو المنذر الشنقيطي، فقد كان فقيهًا، والعجيب أن التنظيم حمل عدة أوجه في عدة دول وكان أخطرها الوجه الدعوي والخيري في مصر، وما هو إلا وجه جديد لتنظيم القاعدة، مثل الوجه الخدمي والدعوي، السيد أبو خضره من خلال جمعيته أنصار الشريعة بالإسكندرية تلك المدينة الساحلية التي ينتمي إليها قائدها، أحمد عشوش.

واللافت أن شعار التنظيم عبارة عن يد تمسك بمسدس في إطار بروازي، وعلم أسمر يأخذ نفس الشكل بلون أسمر ومكتوب عليه عبارة التوحيد، لا إله إلا اللـه محمد رسول اللـه، وضعت الجماعة شكل آخر في خلفية البيان عبارة عن سيفين تتوسطهم من فوق عبارة التوحيد، لا إله إلا اللـه محمد رسول الله، وتحت السيفين كتائب أنصار الشريعة. والجدير بالذكر أنه من خلال عملياتها التي قامت إحدى السرايا بتنفيذها أنها موجودة في عدة محافظات أشهرها، الشرقية والدقهلية ودمياط والبحيرة والإسكندرية؛ فمحافظة الشرقية هي المحافظة التي تتميز بوجود التيار الجهادي فيها بكثرة، وبالتالي كوّنوا من هذا التيار كتائب أنصار الشريعة، ورغبوا في التمايز عن التيارات الأخرى خارج حدود الوطن فألحقوا ذلك بكلمة، بأرض الكنانة، ليصبح الاسم، كتائب أنصار الشريعة بأرض الكنانة.

صدر البيان التأسيسي الأول في 4 مارس 2014، تلاه البيان الثاني والذي أعلنت فيه قتل أمناء الشرطة، والعجيب أن ذات البيان كشف على أن محاولتهم التي نجحت والتي فشلت أيضًا كانت ضد أمناء الشرطة فقط.

أطلقت على نفسها سرية أبو بصير، القائد: أحمد عبد الرحمن، وعبرت عن مبرراتها لقتل من سمّتهم بالأمناء الخونة خدام الطواغيت من الشرطة والجيش، أن ذلك انتقامًا لعرض حرائرنا اللائي انبرت لهن سرية من سرايانا على عجالة من أمرهم، لما رأينا ورأوا من تطاول أفراد الشرطة النجسة وتطاول كلابهم الذين يسمّون بالأمناء الخونة على أخواتنا. وقد عدد، أحمد عشوش، الأهداف التي من أجلها شكل الطليعة السلفية المجاهدة ولخصها في البيان التأسيسي في عدة نقاط وهي:

1- تحقيق التوحيد وتعبيد الناس لربهم، وذلك يكون بمتابعة النبي صلى اللـه عليه وسلم في كل أمر من أمور الإسلام، وذلك بإقامة حكم الكتاب والسنة.

2- بيان نواقض التوحيد وحقائق الشرك وتحذير المسلمين من ذلك والإنكار بمراتبه على من قام في ذلك.

 3- محاربة البدع وأهلها وهتك أستارها وبيان ما فيها من الباطل، ودعوة المسلمين إلى التمسك بالسنة وترك البدع وأهلها.

4- دعوة المسلمين إلى القيام بأمر العبادات والالتزام بأركان الإسلام من صلاة وصيام وزكاة... إلخ.

5- دعوة المسلمين إلى التمسك بآداب الإسلام وهديه في السلوك والعادات, ومحاربة التهتّك والفسق والمجون والعري والاختلاط.

6- الدعوة إلى تحرير بلاد المسلمين من الاحتلال الأجنبي ومقاومة الاستعمار الحديث، لاسيما الاستعمار الصهيو صليبي الذي تقوده أمريكا والغرب.

7- محاربة الشرك السياسي المتمثل في الليبرالية والشيوعية، ونقد الأسس الفلسفية التي قامت عليها هذه النظريات الجاهلية، وبيان ما فيها من شرك وضلال.

8- مقاومة الأنظمة الطاغية الحاكمة بغير الشريعة الإسلامية، والدعوة إلى تحكيم الشريعة ونبذ القوانين الإباحية الكافرة الجاهلية المستوردة من أوربا وكل بلاد الكفر.

9- دعم وتأييد الثوار ذوي الأهداف الإسلامية المشروعة.

10- دعم المجاهدين وحركاتهم وجماعاتهم في مختلف بلاد المسلمين لمقاومة الاستعمار الصهيو صليبي، ويأتي هذا على رأس أولوياتنا.

11- السعي في فكاك أسرى المسلمين ودعم قضاياهم ودفع الظلم الواقع عليهم.

12- التفاعل مع المطالب المشروعة للشعوب المسلمة من الحرية والعدل وسائر الحقوق المنضبطة بالشريعة الإسلامية.

13- دعم القضايا الإسلامية في الداخل والخارج والتصدي للمناهج والتيارات الفكرية المنحرفة والمنكرات الشائعة في المجتمع.

14- مقاومة عمليات التنصير وغسيل العقول في المناهج التعليمية والتربوية على مستوى مصر وسائر بلاد العالم الإسلامي.

15- الاستقلال بنظام تربوي يستمد أصوله وتصوراته من العقيدة الإسلامية الصحيحة لمنهج أهل السنة والجماعة, وهذا هدف رئيس للتيار الجهادي، يبذل فيه قصارى جهده.

16- إشاعة العلم الشرعي بمفاهيمه السلفية الصحيحة لعموم الجماهير المسلمة دون استثناء لأحد من المسلمين. وقد أكد بأنه ينطلق في تحقيق ذلك كله من عقيدة إسلامية راسخة، هي عقيدة سلفنا الصالح، فلا نصدر في قول أو فعل إلا عن هذه العقيدة.

إن ظهور هذه الكتائب واختفاءها فجأة يدل على ضعف الإمكانات وقلة أتباعها؛ فرغم الزخم الذي يميز هذا التنظيم على اعتبار أن قياداته لهم خبره في العنف، فإنه يفتقد لعنصر الشباب بعد أن أحيل بينهم وبين الدعوة بسبب سنوات السجن الطويلة. وربما هذا يفسر اختفاء التنظيم، فما بين الوقت والآخر يظهر بعميلة ولكن هناك فوارق زمنية كبيرة بين هذه العمليات؛ وربما استطاعت أجهزة الأمن أن ترصد هذا التنظيم بسهولة، فهناك معلومات متوفرة عن أعضائه منذ أن كانوا في السجون وبعد أن خرجوا يمارسون نشاطهم بخلاف جماعة أجناد مصر والتي تتكون من مجموعة شباب في مقتبل العمر، ولم يشارك قطاع كبير منهم في العنف من قبل، ولم يذهبوا لمناطق الصراع في أفغانستان وغيرها، وبالتالي فهم غير مرصودين أمنيًا وهو ما يُصعب من مهمة مواجهتهم.

 هذا المقال جزء من دراسة نشرت في مجلة آفاق سياسية

شارك