أفكار ملتبسة: الإخوان بين الصراعات الفكرية والتنظيمية

الأربعاء 27/يناير/2016 - 11:32 ص
طباعة أفكار ملتبسة: الإخوان
 
أحمد بان
تابع العديد من المراقبين ما يجري داخل التنظيم الأقدم في الحركات الإسلامية من خلافات، بين من اعتبرهم البعض جيلا قديما وآخرجديد ضج من طريقة إدارتهم وفشلهم، الذي أورد الجماعة المهالك وعاد بها إلى الوراء لعقود،تاركا أعضاءها ما بين مقتول ومسجون ومطارد في الداخل أو الخارج،  تحدث البعض عن انقلاب إخواني على القيادة المنتخبة وانقلاب على الانقلاب، وتراشق بين مجموعتين وصراع على المكاتب الإدارية للجماعة والمنابر والأموال وولاء القواعد الإخوانية.
دعت ظروف تأسيس الجماعة للتماهي مع المزاج السائد للشارع وكان القناع المناسب هو القناع الصوفي الذي أسهم في توسع تجنيد الأعضاء إلى حد كبير
أولا: الخلاف حول منهج التغيير
البعض اختزل الصراع في الفجوة الجيلية بين الأعضاء، أو في الخلاف حول طريقة مقاومة النظام السياسي بين الثورة أو الإصلاح، لكن الخلاف في تقديري أعمق بكثير مما يطرحه البعض حول الخلاف على طريقة العودة للمشهد ،سواء للفضاء السياسي أو الدعوي أو لهما معا، في تقديري أن الخلاف وصل إلى منهج التغيير وهل التزم الأعضاء بالخط الفكري للجماعة، أم أن انحرافا في الإستقامة على الأهداف هو الذي خلف هذه الهزيمة الشاملة، بمعنىآخر هل الجماعة في حقيقة أفكارها وفي منهجها تؤمن بالتغيير من خلال التوسل بالثورة والقوة والعمل المسلح كما فهم بعض أفرادها؟ أم أن الخط الصحيح للجماعة هو الخط الهادئ السلمي المتدرج من خلال المؤسسات القائمة، ومحاولة التسلل لها بهدوء وبدأب والتغيير من خلال امتلاك السلطة فيها.
نحن أمام تيارين تقاسما الفشل بامتياز، الأول قاد الجماعة منذ العام 1947 ممثلا في النظام الخاص الذي تمرد على سلطة البنا حتىوصلت الأمور إلى طرد عبدالرحمن السندي للبنا من أحد اجتماعات النظام الخاص، وامتد عمر تلك الفئة بأفكارها وسلوكها في مجموعة القطبيين التي ظلت تدير الجماعة من وراء ستار منذ مقتل البنا وحتىوفاة الهضيبي، حتىظهرت للعلن في الخلافات بينهم وبين التلمساني الذي لم يفلح من الخروج من قبضتهم وقبضة مصطفىمشهور، الذي كان المرشد الفعلي للجماعة منذ وفاة الهضيبي في العام 1973 وحتىوفاته في العام 2002 دون أن تتراجع سلطة رجال التيار القطبي، الذين عادوا للمشهد بشكل سافر مع نهاية ولاية محمد مهدي عاكف وظهور أحد رجالهم محمد بديع كمرشد عام للجماعة في 2010، حيث شارك مع أركان مجموعته في النزول بالجماعة إلى حضيض السياسة والدعوة، بخياراتهم في الحكم والسياسة التي عكست خيالهم الفقير ورؤيتهم المغلقة التي قادتهم إلى هذا السلوك، منذ صعودهم في أعقاب مشاهد يناير إلى سدة الحكم سواء عبر امتلاكهم الأغلبية في البرلمان أو جمعهم السلطة التنفيذىة مع التشريعية بوصول أحد رموزهم لحكم مصر، على خلفية تشوه البنيان السياسي المصري، هذا الفريق لاشك فشل بامتياز منذ تبدت انحيازاته وطمعه في الاستحواذ على السلطة ودخوله في لعبة التوظيف المتبادل مع المجلس العسكري السابق، بدءا من مشهد التعديلات الدستورية في مارس وصولا إلى مشهد النهاية بالإعلان الدستوري الذي أصدره مرسي في 22/11/2012، والذي كتب نهاية تجربة هذا الفريق بثورة 30/6/2013 التي كتبت تلك النهاية الشعبية التي انحاز لها الجيش المصري، أما الفريق الثاني من قيادة الجماعة والذي أدار الجماعة بعد فض اعتصام رابعة العدوية بدءًا من سبتمبر 2013 وليس فبراير 2014 كما يتصور البعض، فقد حرّكته مشاعر الغضب والثأر التي فسرت سلوكه المراهق في التعويل على العنف والصدام مع الشعب والمؤسسات، حتىبعد رسالة فض الاعتصام القوية التي لم يفهمها هذا الفريق مراهنا على العديد من الأوهام، قبل أن تقوده أفعاله إلى الانتحار والفشل هو الآخر،  حتىشهدنا في الأخير مشهد  الصراع بين من تشاركوا الفشل في إدارة الجماعة، يتشاركون إلى جانب الفشل السياسي الفشل الأخلاقي الكامل بالصراع على قمرة القيادة في سفينة تغرق وكل منهم يدعي التمسك بقواعد السلامة التي كتبها المؤسس حسن البنا.

أظهرت الفكرة الإخوانية أنها فكرة سياسية تدعو لعودة الخلافة كإطار سياسي لوحدة المسلمين واستدعاء الشكل الإمبراطوري الذي تصور البنا نفسه من خلاله خليفة المسلمين
ثانيًا: التنازع حول الالتزام بخط حسن البنا
الحقيقة أن كلا التيارين معذور في ادعاء الالتزام بخط حسن البنا المؤسس، حيث لايعدم كل فريق نصوصا ومواقف للبنا تؤكد سلامة موقفه وصدق تمثيله لأفكار الرجل، الذي صمم جماعته وصك أفكارها ومقولاتها الرئيسية لتكون الحية التي تلتهم كل الحيّات الصغيرة،فهو دائما كان يتماهىمع المحيط الذي يجعله قريبا من العقول والقلوب بخطاب يغازل المزاج العام، حين دعت ظروف التأسيس للتماهي مع المزاج السائد للشارع المصري، كان القناع المناسب هو القناع الصوفي الذي قدم نفسه وجماعته من خلاله، باعتبارها جماعة دعوية تهتم بمكارم الأخلاق ومساعدة الناس على الاتصال بربهم والحفاظ على الأذكار والأوراد،وعدم الانشغال بالسياسة والاهتمام بالتزكية الفردية والجماعية وترديد الأذكار والمأثورات الفردية والجماعية، أسهم هذا القناع في توسع تجنيد الأعضاء إلى حد كبير، باعتبار أن هذا التدين الصوفي الهادئ هو الأقرب ولا يزال منسجما مع طبيعة الشعب المصري، الذي يحب آل البيت ويتبرك بالأولياء والصالحين وعندما امتلك القلوب والعقول وتصور أنه جند العدد الكافي من الأتباع، ثم انتقل إلى خطوة التكوين، بمعنىتعبئة نفوس وعقول الأتباع بحقيقة فكرته التي فصلها في رسائله، حيث أظهر أنها فكرة سياسية تتوسل بكل الوسائل في بلوغ أهدافها، وهي الوصول إلى حكم مصر مقدمة لحكم كل بلدان العالم الإسلامي، والدعوة لعودة الخلافة كإطار سياسي لوحدة المسلمين واستدعاء الشكل الإمبراطوري القديم الذي تصور البنا نفسه من خلاله خليفة المسلمين، وتبدىذلك في اختياره لنفسه لقب المرشد العام، صارح البنا أتباعه بالقول "نحب أن نصارح الناس بغايتنا وأن نجلي أمامهم منهاجنا"، وبعد أن مهد بكثير من الكلمات المنمقة أطلق أول كلماته التكفيرية قائلا: "وكل الذي نريده من الناس أن يكونوا أمامنا واحدا من أربعة، مؤمن بدعوتنا ندعوه أن ينضم الينا،وإما متردد نتركه لتردده ونوصيه أن يتصل بنا عن كثب ويطالع كتاباتنا ويزور أنديتنا ويتعرف إلى إخواننا فسيطمئن إن شاء الله، وكذلك كان شأن المترددين من أتباع الرسل من قبل ( تأمل المعني أتباع الرسل من قبل، كأنه يدعو لدين جديد أو يتهم الناس بأنهم خرجوا من الدين وعليهم أن يعودوا إليه) وإما شخص نفعي نقول له حنانيك ليس عندنا من جزاء إلا ثواب اللـه إن أخلصت والجنة إن علم فيك خيرا، أما نحن فمغمورون جاها فقراء مالا والعقبة للمتقين، وإما شخص متحامل ساء ظنه فينا وأحاطت بنا شكوكه وريبه فهو لا يرانا إلا بالمنظار الأسود القاتم ولا يتحدث عنا إلا بلسان المتحرج المتشكك ويأبإلا أن يلج في غروره ويسدر في شكوكه ويظل مع أوهامه"(1).

حسن البنا: "... لسنا حزبا سياسيا، وإن كانت السياسة على قواعد الإسلام من صميم فكرتنا ولسنا جمعية خيرية إصلاحية، وإن كان عمل الخير والإصلاح من أعظم مقاصدنا
بيان واضح في اعتقاد البنا أنه يمثل وأتباعه جماعة المسلمين التي يجب أن يكون الناس في مواجهتها بين عضو آمن بما تطرحه فعليه أن يلحق بها، أو متردد سرعان ما سيزول تردده ويلحق بها، وإما نفعي لاتشغله الدعوة ولا الأخلاق، فهذا لانفع فيه وإما متحامل على دعوة الحق لا مجال لنصحه، انتهت أصناف الناس الرجل يطرح ما يطرحه باعتباره صحيح الدين الذي يجب أن يستقيم الناس عليه، لا صيغة تدين فهو يرىالإيمان بالدين إيمانين يقول: "والفرق بيننا وبين قومنا بعد اتفاقنا في الإيمان بهذا المبدأ يعني الإسلام أنه عندهم إيمان مخدر نائم في نفوسهم لايريدون أن ينزلوا على حكمه ولا أن يعملوا بمقتضاه، على حين أنه إيمان ملتهب مشتعل قوي يقظ في نفوس الإخوان المسلمين"(2). يزكي الرجل أفكاره وجماعته دون مواربة ويعتبرهم الفئة المنصورة هذا التصور راسخ في نفوس كل الإخوان، إنهم أمناء الأرض على منهج السماء دعاة الحق في مواجهة كل باطل وحين يهيأ نفوس الأتباع أنهم كذلك رسل العناية الربانية المستخلفون في الآرض لتحقيق الخلافة والعمران، وحين تتجه نفوس بعضهم إلى السياسة ونفوس آخرين إلى الدعوة وآخرين إلى العمل يقول لهم في بيان طبيعة فكرته:
"أيها الإخوان، بل أيها الناس أجمعون لسنا حزبا سياسيا، وإن كانت السياسة على قواعد الإسلام من صميم فكرتنا ولسنا جمعية خيرية إصلاحية، وإن كان عمل الخير والإصلاح من أعظم مقاصدنا، ولسنا فرقا رياضية وإن كانت الرياضة البدنية والروحية من أهم وسائلنا، لسنا شيئا من هذه التشكيلات فإنها جميعا تبررها غاية موضعية محدودة لمدة معدودة، ولكننا أيها الناس فكرة وعقيدة ونظام ومنهج، نحن أيها الناس ولا فخر أصحاب رسول اللـه صلىاللـه عليه وسلم، وحملة رايته من بعده، ورافعوا لواءه كما رفعوه وناشروا لواءه كما نشروه ، أيها الإخوان هذه منزلتكم فلا تصغروا أنفسكم فتقيسوا أنفسكم بغيركم"(3). وحين تصاغ نفوس الإخوان على هذا النحو تتملكهم روح الاستكبار على غيرهم والتي سماها قطب الاستعلاء بالإيمان، ولا أفهم ماهذا الإيمان الذي يدعو صاحبه للاستعلاء على الخلق! وحين تستعلي على الناس وتتعزز قطيعتك معهم تنشأ العداوة التي تستدعي الصراع والنزال وهو ما يوضحه البنا بقوله: "متىتكون خطوتنا التنفيذية أيها الإخوان المسلمون، وفي الوقت الذي يكون فيه منكم معشر الإخوان المسلمين ثلاثمائة كتيبة قد جهزت كل منها نفسها روحيا وفكريا وجسميا، في هذا الوقت طالبوني أن أخوض بكم لجج البحار واقتحم بكم عنان السماء واغزو بكم كل عنيد جبار فإني فاعل إن شاء اللـه" (4). وفي موضع آخر وتحت نفس المعنىلكن بشكل أوضح يقول: "ويتساءل كثير من الناس هل في عزم الإخوان المسلمين أن يستخدموا القوة في تحقيق أغراضهم والوصول إلى غايتهم؟ وهل يفكرون في إعداد ثورة عامة على النظام السياسي أو النظام الاجتماعي في مصر؟ ولاأريد أن أدع هؤلاء المتسائلين في حيرة، إن الإخوان المسلمين سيستخدمون القوة العملية حيث لايجدي غيرها، وحيث يثقون أنهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة الغريب أنه يختم الفقرة بالقول، وأما الثورة فلا يفكر الإخوان المسلمون فيها ولا يعتمدون عليها ولا يؤمنون بنفعها ونتائجها"(5).ما يبدو أنه تناقض في فقرة واحدة من كلامه مقصود، فالرجل يطرح صيغا غامضة متناقضة تتيح له ولأتباعه الاحتجاج بالشيء وضده، مادام في صالح تحقيق الهدف الأسمىوهو الوصول للحكم، لذا لا تستغرب حين تجده يقول بعدها: "وعلىهذا فالإخوان أعقل وأحزم من أن يتقدموا لمهمة الحكم ونفوس الأمة على هذه الحال، فلابد من فترة تنتشر فيها مبادئ الإخوان وتسود ويتعلم الشعب كيف يؤثر المصلحة العامة على المصلحة الخاصة"(6).
كل الصيغ في كلام الرجل تصلح لأن يستشهد بها فريق من الأتباع، من يؤمن بالعنف سيجد من نصوص كلامه ما يدعمه، ومن يؤمن بالتدرج والصبر والتقية سيجد ما يؤيد موقفه، لذا هذا الصراع بين فريقين هو نتاج هذا التاقض والازدواج في أفكار الرجل، وهو مقصود فقد تكفلت براعته الحركية والتنظيمية في قمع هذه الأفكار وتناقضاتها وصهرها في بوتقة التنظيم المحكم، الذي تراجعت لياقته بفعل الفشل السياسي والأخلاقي ثم الضربات الأمنية التي تعرض لها، وحين اختفت البوتقة والسياج الواقي ظهرت الخلافات التي ستتعاظم وسينضجها الجدل إلى شق فكري كامل بعد أن حدث واتسع الشق التنظيمي، الذي قد يؤشر لتشظٍّ كبير بعد الانقسام فحقيقة أفكار الجماعة أنها بلا مشروع فكري حقيقي، وهذا مقتلها الحقيقي أما امتداد عمرها لكل هذه العقود فكان بفعل صيغة تنظيمية بارعة فقدت قوتها وتأثيرها بدليل من نراه من مشاهد الصراع.
*باحث في الشئون الحركات الإسلامية
المراجع:
1-    حسن البنا، رسالة دعوتنا – مجموعة الرسائل، (الإسكندرية: دار الدعوة، 1990)، ص 20.
2-    المرجع السابق، ص 21.
3-    المرجع السابق،ص 122.
4-    المرجع السابق، ص 181.
5-    المرجع السابق، ص 190.
6-    المرجع السابق، ص 191.

شارك