مأزق الانقسامات: مستقبل الإخوان في الجزائر بعد المؤتمر السابع

الإثنين 28/مايو/2018 - 11:46 م
طباعة مأزق الانقسامات:
 
محمود جمال عبد العال

شهد المؤتمر السابع لحركة مجتمع السلم (حمس) في الجزائر صراعًا حادًا حول قيادة الحركة في الفترة المقبلة، بالإضافة إلى حسم الخط السياسي الذي ستتبعه الحركة في التعاطي مع نظام الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة ما بين إبقاء الحركة في صفوف المعارضة التي تتبناها منذ يونيو/حزيران 2012، أو الدفع للعودة إلى التحالف مع السلطة والمشاركة في التشكيل الحكومي. ويبدو أن انتخاب عبد الرزاق مقري رئيسًا للحركة بالأغلبية قد حسم هذه الإشكالية لصالح إبقاء الحركة في صفوف المعارضة. في هذا السياق، سيتطرق هذا التقرير إلى لمحات عن الحركة وانتمائها الفكري لجماعة الإخوان المسلمين، والانشقاقات والتحولات التي تعرضت لها وصولًا إلى المؤتمر السابع للحركة، وما انبثق عنه من قرارات تتعلق بانتخاب رئيس الحركة الجديد، وكذلك الخط السياسي الذي ستنتهجه الحركة في الفترة المقبلة تجاه النظام السياسي الجزائري.

النشأة والأيديولوجيا لحركة مجتمع السلم (حمس)

بدأت حركة الإخوان المسلمين في الجزائر عام 1976 تحت مسمى "حركة الموحدين" ولكن تم التنكيل بهم وتم حل الحركة في عام 1980 في عهد بومدين بسبب رفضهم للميثاق الوطني وسياسات إقرار قوانين الاشتراكية، والتوجه الاشتراكي للدولة الجزائرية في ذلك الوقت. وشهدت الحركة عدة محاولات للإحياء، ولكن ما قام به محفوظ نحناح بإعادة تأسيس الحركة مرة أخرى أوائل التسعينيات كان الأهم على الإطلاق(1).

تُعرِف الحركة نفسها بأنها "حركة سياسية شعبية إصلاحية شاملة، تعتمد منهجًا تغيريًا سلميًا وسطيًا معتدلًا، يستهدف بناء الفرد والأسرة والمجتمع، وتشارك في العملية السياسية من أجل استكمال بناء الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة في إطار المبادئ الإسلامية، من خلال التداول السلمي للسلطة بالوسائل الديمقراطية". على المستوى الاقتصادي، وتدعو الحركة إلى العودة إلى نظام الوقف الإسلامي، والعمل بمنظومة الاقتصاد الإسلامي في المعاملات البنكيّة(2). ورغم ذلك، خسرت الحركة من رصيدها الشعبي نتيجة التحول الأيديولوجي الذي تبنته الحركة، فبعد أن كانت تتبنى المشروع الإسلامي للدولة الجزائرية تخلت عنه متحججة في ذلك بأن دستور دولة الجزائر يحترم الإسلام.

جذور الخلافات السياسية بالحركة

تدور جوهر الخلافات الداخلية بالحركة منذ مرحلة التأسيس في أوائل التسعينيّات حول فكرة المشاركة في الحكومة والعمل وفق مطالب الاصلاح السياسي، أو الاستمرار في نهج المعارضة للوصول إلى السلطة كبديل للمشاركة الشكلية. هيمنت هذه الجدلية على الحركة طوال فترة نحناح الذي استطاع أن يحافظ على علاقاته مع النظام الجزائري، ولكن تزايدت وتيرة هذه الجدلية في الفترة التي أعقبت وفاة نحناح. وانخرطت حركة مجتمع السلم في الحكومة الجزائرية منذ 1994 حتى يونيو/حزيران 2012؛ حيث زاد طموح قيادات الحركة خاصة بعد الثورات العربية، وفوز تيار الإخوان المسلمين بالانتخابات الرئاسية والتشريعية في مصر، وتمكن النهضة من حصد أغلبية مقاعد المجلس التأسيسي بتونس، فزادت طموحات الحركة وتمردت على المشاركة الشكلية في الحكومة الجزائرية، وقررت الانسحاب منها خاصة مع ما شهدته الانتخابات التشريعية في مايو/أيار 2012 من تزوير وفق ما أعلنته الحركة آنذاك.

رفض التيار المعارض في الحركة الانخراط في الحكومة ودعا إلى التمسك بالعمل المشترك مع أعضاء "تنسيقية التحالف الديمقراطي" التي نشأت بعد انتخابات الرئاسة عام 2014 بهدف الدفع نحو التغيير السياسي بالبلاد.

المسار السياسي للحركة بعد الثورات العربية

هيمنت البراجماتية على فكر الحركة السياسي، وهو ما برز في تعاطيها مع الحكومة، واستفادت في ذلك من التجربة المريرة التي مر بها الإسلام السياسي بعد انقلاب الجيش على المسار السياسي في الثمانينيات. وعملت الحركة وقياداتها على التفاعل مع الدولة ومؤسساتها وفق المنهج البراغماتي. واستفادت الحركة من هذه الاستراتيجية على مستوى اكتساب الخبرة السياسية، وذلك نتيجة مشاركتها في الحكومات الائتلافية المتعددة. واكتسب أعضاء الحركة خبرة مهنية وسياسية كبيرة؛ حيث بات أعضاؤها سياسيين ومسؤولين حكوميين تعلموا من تجربة العمل في مؤسسات الدولة،  وانعكس ذلك على اسباغ التوجه الوطني على أيديولوجيتهم وخطابهم السياسي(3).

 في هذا السياق، لم تتمكن حركات مثل جماعة الإخوان المسلمين في مصر من بناء كوادر مهنية وسياسية خاصة بها نتيجة سلوك المعارضة الذي انتهجته منذ مرحلة التأسيس. لذا، لم تستطع الحركة تحمل أعباء حكم مصر لمدة أكثر من عام نتيجة غياب هذه الكوادر.

ورغم قوة تيار المشاركة في حركة مجتمع السلم، إلا أنه بات عبئًا عليهم فيما بعد؛ حيث عملت الحركة على تبني المعارضة كمنهج عمل لها خاصة بعد أن خسرت رهانها في الربيع العربي عام 2011؛ حيث حصلت على المركز الرابع في الانتخابات التشريعية التي عُقدت في النصف الأول من عام 2012 بعدد 48 مقعدًا من أصل 462، وكذلك فوزها في الانتخابات البلدية التي انعقدت في العام نفسه ب10 بلديات من أصل 1541 بلدية(4). أدركت الحركة تراجع شعبيتها، لذا عملت على تطوير منهجها السياسي، وفضلت خط المعارضة عن المشاركة. وعمل رئيس الحركة عبد الرزاق مقري  للانضمام إلى تيار المعارضة المُشكَل تحت مسمى "تنسيقية التحالف الديمقراطي" التي نشأت بعد انتخابات الرئاسة عام 2014 بهدف الدفع نحو تحقيق التغيير السياسي، إضافة إلى ذلك قاطعت الحركة هذه الانتخابات ودعت إلى عدم ترشيح بوتفليقة لرئاسة الجمهورية.

المؤتمر السابع للحركة: محاولة للخروج من مأزق المواجهة

                شهد المؤتمر السابع الاستثنائي المنعقد في 10 مايو/أيار صراعًا حادًا في توجه الحركة خلال الفترة المقبلة خاصة في ظل وهن الرئيس الجزائري الحالي عبد العزيز وبوتفليقة، والشكوك التي تحيط بحالته الصحية، وما إذا كان سيتمكن من خوض الانتخابات الرئاسية في 2019 أم أن الحزب الحاكم سيدفع بمرشح بديل. برز في المؤتمر نقاشًا حول ثلاثة اتجاهات سياسية مختلفة هم جناح الرئيس الفائز برئاسة الحركة عبد الرزاق مقري، وجناح أبو جرة سلطاني، وجناح التوافق الذي يتزعمه الدكتور نعمان لغور، وفيما يلي سنتناول بالتفصيل هذه الاتجاهات.

الاتجاه الأول: يطلق على هذا الاتجاه "جناح الصقور"، ويتزعمه رئيس الحركة الحالي "عبد الرزاق مقري"، ويميل هذا التيار إلى المعارضة. ورغم ما أعلنه مقري من تشدد تجاه النظام السياسي في أوقاتٍ سابقة وصلت حد المطالبة بالإعلان عن شغور منصب رئيس الجمهورية بسبب مرض عبد العزيز بوتفليقة، قدم خلال المؤتمر خطابًا هادئًا، وهو ما رآه البعض نتيجة لضغوطٍ تعرض لها مقري داخل مجلس الشورى الوطني للتخفيف من حدة مواقفه تجاه السلطة.

 الاتجاه الثاني: يطلق على هذا الاتجاه "جناح الحمائم"، ويتزعمه "أبو جرة سلطاني"، ويدعو هذا التيار إلى المشاركة في الانتخابات الرئاسية القادمة، والانخراط في تشكيل الحكومة. وطرح "سلطاني" فكرة ما أسماه "العودة من المعارضة إلى المشاركة الناصحة بخطاب المشاركة الناقدة" في الحكومة، والمساهمة في عملية الاصلاح السياسي. ويرى "سلطاني" أن هذه العملية قد تكون شاقة لذا تحتاج إلى وجوه جديدة من الصف القيادي الثاني للحركة. ويعتبر "جناح الحمائم" ان الحركة استفادت من المشاركة؛ حيث جالست أكبر الأحزاب، وشاركت في عملية صنع القرار. وانتقد زعيم هذا الاتجاه مبدأ المعارضة الذي ينتهجه الرئيس الحالي للحركة "مقري" منذ 2012، ويرى أن اتجاه المعارضة أحد أهم عوامل إضعاف الحركة في الفترة الأخيرة.

الاتجاه الثالث: نتيجة للصراع ما بين الاتجاهين السابقين، برز "اتجاه التوافق" بزعامة الدكتور نعمان لعور، الذي طرح فكرة "المشاركة المشروطة" للعودة إلى الحكومة في الجزائر.

خاتمة

                لم يتغير اتجاه الحركة السياسي بعد انعقاد المؤتمر السابع كثيرًا عمّا قبله؛ حيث لم يتمخض عن المؤتمر انتخاب قيادة جديدة، فلا زال "مقري" على رأس حركة مجتمع السلم باعتباره الرجل الأقوى في الحركة، وهذا فتح أفاقًا تتعلق بإمكانية ترشحه في انتخابات الرئاسة عام 2019 خاصة أنه وضع شروطًا مسبقة لمشاركة الحركة تتعلق بنزاهة الانتخابات وحياديتها.

الهوامش

1-      هل يتصاعد الخلاف بين الأحزاب الإسلامية والسلطة في الجزائر؟، (15/7/2015)، السياسة الدولية، الرابط

2-      الموقع الإلكتروني للحركة، الرابط

3-      دالية غانم يزيك، مستقبل الحزب الإسلامي الرئيس في الجزائر (14/4/2015)، مركز كارنيجي للشرق الأوسط، الرابط

4-      المرجع السابق.

شارك