المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads

أزمات متجددة: محددات الدور الإيراني في المنطقة العربية

الأحد 29/يوليو/2018 - 06:20 م
المركز العربي للبحوث والدراسات
مصطفى صلاح

غدت إيران الآن أحد أهم الفاعلين الإقليميين في المنطقة العربية، ونظرًا لتنامي هذا الدور في أعقاب الثورات العربية والتي اندلعت شراراتها في أواخر العام 2010، كان من الأهمية دراسة ملامح هذا الدور وآلياته ومحدداته خاصة وأن المنطقة العربية تعد المسرح الدائم لتفاعلاتها، وذلك في ظل التحولات والتغيرات الاستراتيجية التي مست كيانات عديدة في المنطقة.

يأتي ذلك في إطار قيام عناصر الحوثيين التابعين لإيران باستهداف ناقلة نفط سعودية في مضيق باب المندب، عوضًا عن تهديد قائد فيلق القدس الجنرال "قاسم سليماني" بإغلاق مضيق باب المندب أمام الملاحة الدولية، كما  أعلنت إيران  مسئوليتها عن الهجوم، وذلك ردًا على التهديدات الأمريكية الأخيرة وفرض العقوبات الاقتصادية عليها؛ حيث أقدمت إيران على مهاجمة مصالح دول المنطقة الاقتصادية وخاصة السعودية ودول الخليج العربي بعدما شهدت العلاقات السعودية الأمريكية تقاربًا فيما يتعلق بمواجهة إيران وميليشياتها في المنطقة.  

إن الأطماع الإيرانية في الشرق الأوسط وخصوصاً المنطقة العربية هي أطماع تاريخية استمرت إلى أن وصلت أوجهها بعد الثورة الإيرانية 1979، وبعد استلام الخميني الحكم في إيران لم يكن هناك موقف عربي موحد ضد السياسة الإيرانية في المنطقة.

كما زادت إيران من نفوذها في العراق واستطاعت أن تفرض نفسها كلاعب إقليمي مؤثر في المنطقة العربية، وخاصة بعد تحالفها مع سوريا وفي نفس الوقت لها أذرع قويه فى لبنان و اليمن متمثلة في حزب الله و جماعة الحوثي اللذان يسعيان إلى تحقيق مصالح إيران الإقليمية. وفيما يلي أهم تلك المحددات(1)

1) المحدد الأيديولوجي والسياسي

شكلت السياسة الإيرانية ومن خلال قادتها بعد سقوط الشاه في عام 1979، سياسة راديكالية متطرفة استندت من خلالها علي قاعدة دينية وفقاً للمذهب الشيعي ومن هنا بدأ التأثير للقيادة الجديدة ينعكس علي توجهات سياسة إيران الخارجية والأمنية ولهذا فقد جاء تصور إيران للأمن في المنطقة العربية انعكاساً لفكرها السياسي المستند للمذهب الشيعي، ولهذا فإيران تستند في استراتيجيتها تجاه المنطقة العربية علي أنها الدولة الإسلامية الوحيدة في العالم العربي وبالتالي فهي الوصي علي الإسلام.

حيث اتبعت إيران سياسة خارجية طائفية قائمة على تصدير الفكر الشيعي ومساندة الجماعات التابعة لها, ولهذا فإن إيران ولتحقيق طموحاتها الفكرية استندت في استراتيجيتها على مبدأ تصدير الثورة وخصوصاً لدل الجوار الجغرافي والاستفادة من التيارات الدينية الناشئة أو التي تحاول إنشاءها ودعمها بكل الوسائل المتاحة المالية والعسكرية وخصوصا تلك التي تعتنق المذهب الشيعي، مستندة بذلك إلي مبدأ تصدير الثورة الذي برز بعد قيام الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1979، وتقوم إيران بتوظيف البعد الديني في تحقيق أهدافها السياسية، وتتبني إيران ما يعرف باستراتيجية "أم القري" التي صاغها محمد لاريجاني، والتي تعتبر إيران نفسها مركز العالم الإسلامي الذي يجب على باقي الدول العربية والإسلامية الدوران في فلكه، وعلى ذلك رأت إيران أن الثورات العربية بمثابة امتداد للصحوة الإسلامية في إيران قبل 3 عقود، حيث عملت على تمكين الأقليات الشيعية في العديد من بلدان الوطن العربي لتحقيق دور أكبر في المستقبل السياسي.

2) المحدد الاقتصادي والعسكري

تعتمد إيران على استراتيجية شاملة لحيازة المكانة والنفوذ الإقليميين، قائمة على تعزيز عناصر القوة وملء فراغاتها الناشئة عن التغيرات الحادثة في اختلالات التوازن المستمرة التي تشهدها المنطقة باضطراد.

كما أن إيران تستخدم في رسم دورها العسكري العديد من السبل، أهمها دعم الحركات الشيعية دون مستوي الدول، مثل حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن وقوات الحشد الشعبي في العراق، وتمدهم بالأسلحة وتوفر لهم التدريبات اللازمة، إلي جانب ذلك، تصدرت القوات النظامية والمتمثلة في قوات الحرس الثوري المشهد داخل سوريا داعمة للنظام السوري وبشار الأسد، كما احتلت إيران الجزر الثلاث الإماراتية(طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسي)، عوضا عن سعيها إلي امتلاك القوة النووية وتطوير صناعتها الدفاعية، وتدعيم اقتصادها الوطني من أجل مواجهة العقوبات الدولية المفروضة عليها، وتستغل أيضا كونها أكبر احتياطي للنفط في العالم، في التحكم في أسعار النفط ورسم سياستها الاقتصادية بما يتناسب مع طموحها الإقليمي.

إضافة لذلك، شرعت إيران في امتلاك الأسلحة النووية ومواصلة برنامجها النووي الذي هو موضع اعتراض إقليمي ودولي، لما له من دور في تأجيج الصراعات وعدم الاستقرار في المنطقة، بل أنه يزيد من سباق التسلح بين دول المنطقة.(2)

إيران والسيطرة على العواصم العربية

1) البحرين

تعد البحرين إحدى دول الخليج العربي، جزيزة تقع في منتصف الخليج تقريباً بين الشمال والجنوب, مما جعلها مركزاً مهماً للمواصلات بين الخليج والعالم الخارجي، وهي تبتعد عن ساحل المملكة العربية السعودية 12 ميلاً تقريباً، وتبتعد عن الساحل الإيراني 18 ميلاً تقريباً. وقد عمل اكتشاف البترول بها عام 1932، علي زيادة أهميتها الاستراتيجية وبالتالي زادت فيها المطامع الإيرانية مما جعل البحرين تترك أثرها الواضح والكبير في أهميتها على محاولات إيران للهيمنة عليها.(3)

كما أن إيران تعبر عن أطماعها الجغرافية في دولة البحرين المجاورة بزعم أنها المحافظة الرابعة عشر والتي اقتطعت منها في حقبة تاريخية ماضية، وقد قامت الجامعة العربية بمناقشة مسألة البحرين والادعاءات الإيرانية فيها لأول مرة، ففي مجلس الجامعة المنعقد بتاريخ 6 نوفمبر 1954، أصدر مجلس الجامعة قراراً يؤكد علي أن البحرين بلد عربي وغير خاضع لسيادة إيران ولا تربطه به أي علاقات تبعية.

ولم تقف إيران عند هذا الحد بل قامت بدعم المكون الشيعي داخل البحرين أبان الاحتجاجات التي شهدتها البلاد منذ أوائل 2011؛ حيث تشهد البحرين أزمة سياسية واجهت خلالها السلطات البحرينية مرحلة خطيرة من عدم الاستقرار، والشغب والاضطراب الأمني من قبل بعض القوى الشيعية المدعومة من إيران، ومؤخراً في 10 يوليو 2018، تم إعلان منظمة "سرايا الأشتر"، منظمة إرهابية وهي تنتمي لإيران وقامت بالعديد من العمليات الإرهابية؛ حيث أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، أنها صنفت تنظيم ما يسمى "سرايا الأشتر"، وهي جماعة إرهابية مدعومة من إيران في البحرين، منظمة إرهابية، كما أدرجت عضوين في المنظمة على لائحة الإرهاب، في خطوة قالت إنها جاءت في إطار لجم تصرفات إيران الخبيثة ووقف دعمها للإرهابيين في أنحاء العالم.

إن إيران سوف تنتهز أي فرصة للتأثير على البحرين. وسوف يستمر الاضطراب الطائفي، في ظل دعمها للمكون الشيعي هناك، وفي هذا الإطار أرسلت المملكة العربية السعودية قوات عسكرية إلي البحرين للمساعدة في حفظ الأمن، كما  اتخذت المملكة رداً عملياً علي ادعاءات إيران في البحرين، حيث بدأت مفاوضات مباشرة مع حكومة البحرين لتحديد الحدود البحرية معها علي أساس كونها دولة غير تابعة لأحد، مما دعم موقف البحرين ووجه ضربة للادعاءات الإيرانية فيها ومن ناحية أخري كان تحديد الحدود عاملاً مساعداً للشركات البترولية العاملة في البلدين.

2) اليمن

لم تسلم اليمن من المحاولات الإيرانية للسيطرة عليها؛ حيث وجدت إيران الفرصة سانحة أمامها لدعم جماعات شيعية على رأسها "جماعة أنصار الله الحوثي"، للتأثير في مجريات الأحداث هناك، وعلى ذلك قامت جماعة الحوثي بعملية انقلاب على الشرعية الدستورية في اليمن بقيادة عبدربه منصور هادي، وما نتج عن ذلك من تأجيج لصراعات داخلية وخارجية؛ حيث بات الحوثيين اليوم في قلب المواجهة التي تقودها طهران ضد الدول العربية باعتبار أن اليمن  إن إيران لا تقوم بأي دور إيجابي في اليمن ولا يمكن أن يسمح لها بأي دور مستقبلي هناك.

وتعود الأهمية الاستراتيجية لليمن في الفكر السياسي الإيراني كونها تحتل موقعاً استراتيجياً وذلك بوقوعها علي معبر مائي يربط بين المحيط الهندي والبحر الأحمر والمتوسط من خلال خليج عدن وباب المندب المؤدي إلي قناة السويس. لذا تلعب اليمن دوراً مهما في الإسهام في تأمين الخطوط الملاحية العابرة من تلك المنطقة، التي تشكل عصب الاقتصاد العالمي. حيث يمر 30% من النفط والغاز المستخرج من الخليج العربي إلي الأسواق العالمية عبر منطقة باب المندب ومضيق عدن.

واتبعت إيران سياسة من شأنها اختراق اليمن بتقديم الدعم لتلك الجماعات المسلحة، ففي بداية العام 2012م، كُشف عن إرسال عدد من شحنات الأسلحة والعبوات الناسفة الإيرانية التي أرسلتها طهران بواسطة قوات النخبة في الحرس الثوري (فيلق القدس) إلي المسلحين الحوثيين، كما تطورت الأحداث في اليمن بتقدم جماعة الحوثيين حتي سيطرتها علي العاصمة اليمنية صنعاء، وتحركاتها العسكرية؛ وذلك بالسيطرة علي دار رئاسة الجمهورية في العشرين من يناير 2015.

ولعل هذه السياسات الإيرانية دفعت العديد من دول المنطقة وخاصة السعودية والإمارات لتأمين عمقها ضد الاختراقات الإيرانية عبر عملية عاصفة الحزم في مارس 2015؛ حيث صعدت هذه التطورات من حدة الصراع الإقليمي بين إيران الداعمة للحوثيين والدول العربية من جهة أخرى؛ حيث تشكل الأزمة اليمنية بالنسبة للعرب مسألة أمن قومي ضد الاختراقات الإيرانية.

3) سوريا

تأتي سوريا علي رأس أولويات مشروع إيران الإقليمي، فمن طريقه يمكن لطهران ربط سلسلة جغرافية متصلة من النفوذ الإقليمي تبدأ من غرب إيران مروراً بالعراق وصولاً إلى سوريا التي تنظم سلسلة النفوذ الإيراني وصولاً إلي لبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة؛ حيث تعد العلاقات الإيرانية السورية  أكثر ثباتاً وديمومة من أي علاقة أخري في المنطقة العربية تقريباً.

وتتمثل أهم العوامل المؤثرة في طبيعة العلاقات بين البلدين على النحو التالي:

- المصالح المشتركة بين الدولتين والدور الحيوي للشيعة في سوريا وبالقرب منها لبنان.

- الاعتبارات المتعلقة بميزان القوى الإقليمية والحفاظ على المصالح الاستراتيجية للدولتين، خاصة في ظل الاحساس الثنائي المتعلق بالمخاطر المحيطة بهم.(4)

حيث مثلت سوريا الحليف العربي الأقرب لإيران، وعند اندلاع الثورة في سوريا في 2011، حيث ساندت إيران النظام السوري في كل الإجراءات وقدمت له كافة أنواع الدعم، خوفاً من تغيير النظام السوري الذي قد يكون البديل له مناوئ للسياسات الإيرانية في المنطقة.

وعلى خلفية هذه التخوفات، كانت إيران بالنسبة لسوريا أهم الموردين للنفط؛ حيث استوردت دمشق ما يقرب من 4 مليون برميل من طهران منذ عام 2012، بتخفيض 10%، عبر خط ائتمان قدره 3.6 مليار دولار، لمواجهة حالة العجز المالي للنظام السوري، كما وقع الطرفان اتفاقية بموجبها تتمكن إيران من الاستحواذ على حصص ضخمة من استثمارات ومشروعات سوريا المستقبلية.

هذه الاجراءات توضح أن الدور الإيراني في سوريا تجاوز تأسيس وتدريب الميليشيات العسكرية ودعم الجيش النظامي السوري وتعزيز الأجهزة الأمنية إلى ممارسة دور أكبر في قطاعات الاقتصاد السوري، وفي حال التوصل إلى اتفاق لتسوية الأزمة السورية سيكون لإيران النفوذ الأكبر هنالك.(5)

إجمالاً: إن إيران تسعى إلى تكريس نفوذها في المنطقة من خلال حالة الفراغ الاستراتيجي التي وفرت لها البيئة المناسبة للتوغل الداخلي وذلك من خلال دعمها لبعض الأطراف المواليين لها في تهديد أمن واستقرار تلك الدول، كما تستخدم إيران الموقع الاستراتيجي والموارد الاقتصادية والعسكرية كأدوات في تحقيق مصالحها القومية الخارجية، بما يعزز نفوذها الإقليمي، أيديولوجياً وسياسياً وعسكرياً. 

المراجع:

(1) مصطفى صلاح، السعودية وإيران: صراع الأدوار في الشرق الأوسط: البحرين، سوريا، واليمن نموذجاً، المركز الديموقراطي العربي، بتاريخ 22 أبريل 2017، على الرابط: https://democraticac.de/?p=45532

(2) مصطفى صلاح، التدخلات التركية والإيرانية في المنطقة العربية: توافقات استراتيجية ومسارات مختلفة، المركز العربي للبحوث والدراسات، بتاريخ15 أبريل 2018، على الرابط:  http://www.acrseg.org/40699

(3) دار الوثائق القومية: محافظ وزارة الخارجية, وثائق البحرين، المحفظة رقم 7، الملف رقم448/1037/5 ج2 : وثيقة بشأن مشكلة البحرين بتاريخ 7/12/1954.

(4) باتريك سيل، الأسد الصراع علي الشرق الأوسط، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، 1992، ص 573.

(5) و. أندرو تيريل، أوراق استراتيجية » التنافس السعودي ـ الإيراني ومستقبل أمن الشرق الأوسط، ديسمبر2011، علي الرابط:

http://www.rsgleb.org/article.php?id=284&cid=18&catidval=0

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟