بعد قمة أكتاو: هل ستستمر التوترات في منطقة بحر قزوين؟

الأربعاء 15/أغسطس/2018 - 01:47 ص
طباعة بعد قمة أكتاو: هل
 
وفاء الريحان

عُقدت الأحد الموافق 12 أغسطس 2018 قمة دول بحر قزوين، التي يُشارك فيها قادة الدول المطلة على البحر وهم أذربيجان وإيران وكازاخستان وروسيا وتركمانستان، بهدف التوصل إلى اتفاقيات حول التعاون في استثمار ثروات هذا البحر. وتُمثل تلك القمة حدثاً فريداً من نوعه لكونها متعلقة بالتوقيع على الاتفاقية الخاصة بالوضع القانوني لبحر قزوين، والمُعلقة منذ حوالي 20 عاماً.

وتُعد هذه القمة هي الخامسة من نوعها ضمن سلسلة من اللقاءات جمعت دول المنطقة، كان أولها في أبريل 2002 في مدينة عشق أباد عاصمة تركمانستان، ثم تلاها قمة أكتوبر 2007 في طهران، وجاءت الثالثة في نوفمبر 2010 في مدينة باكو الأذربيجانية، والرابعة في سبتمبر 2014 بمدينة أستراخان الروسية.(1)

الأهمية الاستراتيجية

يُعتبر بحر قزوين أكبر بحيرة مغلقة في العالم، وتبلغ مساحته بحوالي 371 ألف كم مربع، ويصل طوله إلى نحو 1030 كم، ويقع في غرب قارة آسيا، يحده من الشمال روسيا، ومن الغرب أذربيجان، ومن الجنوب إيران، ومن الشرق كازاخستان وتركمانستان.

  يتسم بأنه ذي ثروة نفطية هائلة لذا كان تاريخياً نقطة خلاف بين الدول المُطلة عليها؛ حيث يوجد به حقل تنجيز النفطي بدولة كازاخستان، الذي يُعد ثاني أكبر حقل في العالم من حيث المساحة، وذلك بعد حقل الغوار في السعودية، كما يحتوي على مجموعة من الجزر بعضها مأهول بالسكان وبعضها خالي منهم. ويصب فيه عدد من الأنهار التي يأتي 30% من مياهها من إيران و50% من روسيا، ورغم ذلك يٌعاني البحر من انخفاض مستوى المياه به، نتيجة عملية التبخر.

ووفقاً لوكالة الطاقة الدولية، فإن احتياطي بحر قزوين من النفط تُقدر بنحو 15-40 مليار برميل، أي يُشكل من 1.5% إلى 4% من الاحتياطي العالمي، أما احتياطات الغاز الطبيعي في المنطقة فتُمثل حوالي 6.7 - 9.2 تريليونات متر مكعب، إلى جانب 8 تريليونات أخرى محتمل وجوده، وهو ما يجعله يحتوي على نحو من 6% إلى 7% من احتياطات الغاز العالمية.(2)

خلفية تاريخية

مع بداية التسعينيات من القرن العشرين تصاعد الحديث حول أهمية آسيا الوسطى كمورد عالمي للطاقة، اعتماداً على البيانات التي تصدر عن بعض مراكز الأبحاث الدولية، التي تُقدر احتياطات النفط والغاز الطبيعي في بحر قزوين بأنها تتقارب مع مثيلاتها في الخليج العربي، وهو ما وضع حكومات دول المنطقة أمام تحديات هائلة متعلقة بالاستخدام العادل لثروات البحر وبما لا يُشكل تعدى على حق بعضهم البعض، ثم تزايدت تلك الإشكالية مع انهيار الاتحاد السوفيتي الذي خلف ثلاث دول مطلة على البحر وهي أذربيجان وتركمانستان وكازاخستان.

                ويتنافس على هذه المنطقة عدد من الفاعلين الاقليميين والدوليين، وفي مقدمتهم روسيا التي فقدت هيمنتها على بحر قزوين بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، بالرغم من أهمية المنطقة لها بسبب غناها بمصادر الطاقة من جانب، ولأهمية آسيا الوسطى والقوقاز للأمن القومي الروسي من جانب أخر.

وتزايدت المخاوف الروسية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر والاحتلال الأمريكي لأفغانستان، من أن الأمريكيين يحاولون السيطرة على مصادر الطاقة بالمنطقة.

ثم جاء الانتعاش الاقتصادي الذي حققته روسيا مع قدوم الرئيس بوتين إلى السلطة بفضل الاستفادة من صادرات النفط والغاز من ناحية، وإعادة تصدير شحنات الطاقة القادمة من قزوين والقوقاز من ناحية أخرى، ليُمثل مصدر قلق لموسكو مرة أخرى لرغبتها في الحفاظ على هذا الوضع، عن طريق استمرارها كممر رئيسي للطاقة القادمة من آسيا الوسطى والقوقاز، وبالنظر إلى مشروع ممر الغاز الجنوبي الذي بموجبه يتم تصدير الغاز من حقل "شاه دنيز" في أذربيجان إلى أوروبا برعاية بريطانية وأمريكية، تتأكد تلك المخاوف بأن واشنطن تُزاحم موسكو على هذه المنطقة الحيوية من العالم.

ويرجع اهتمام واشنطن بالمنطقة إلى عام 1993 عندما قامت مجموعة من شركات النفط الأمريكية بعمل عقود مع حكومات كازاخستان وأذربيجان للاستفادة من النفط الموجود بأراضيها، وتطور الأمر مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة، ولكن مع تحول في الهدف، فبالإضافة إلى السيطرة على واحد من أهم منابع النفط في العالم، حرصت أيضاً على التواجد العسكري لتأمين مصالحها السياسية والاقتصادية، وعلى رأسها تحديها لنفوذ الصين وروسيا وإيران بالمنطقة.(3)  

ماذا عن الاتفاقية؟

بدأت الدول المعنية بالبحث عن اتفاق جديد حول الوضع القانوني للمنطقة في عام 1996؛ حيث تم تشكيل فريق عمل من نواب وزراء خارجية الدول الخمس، وتعاقبت المحاولات واللقاءات رفيعة المستوى إلى أن وصلت للاتفاقية الحالية، والتي تم توقيعها في مدينة أكتاو الكازاخستانية، وتعتبر بمثابة ملخص للجهد المتواصل على مدار السنوات المتعاقبة منذ منتصف التسعينيات.

وما سبق أكده الكرملين في أحد التصريحات بأن تلك المعاهدة هي نتاج العمل لسنوات مع الخبراء والمفاوضين من أجل الوصول إلى صيغة مرضية تسمح باستخدام عادل لمختلف الأطراف، وقد اتفق الجميع على مسودة الوثيقة في اجتماع وزراء خارجية دول المنطقة يومي 4 و5 ديسمبر 2017.

وتنص الاتفاقية على أن المنطقة الأساسية لسطح مياه البحر تبقى متاحة للجميع لاستخدامها، وأن يتم تقسيم الطبقات السفلية وتحت الأرض بين الأطراف المعنية إلى أقسام متجاورة وفقاً لمبادئ القانون الدولي، كما تُنفذ عمليات الشحن والصيد والبحث العلمي وإمرار خطوط الأنابيب عبر الاتفاق بينهم، وتتفق الدول الخمس فيما بينها على أي إجراءات متعلقة بحماية الأمن البحري للمنطقة.

وفي السياق ذاته، أكد الاتفاق على عدم وجود قوى غير إقليمية في البحر، وشدد على زيادة التعاون في محاربة الإرهاب وتنسيق العمل العسكري، كما أضحى الإجماع هو الأساس الذي بناء عليه سيتم اتخاذ القرار فيما يتعلق بالمسائل الحيوية، وبما لا يغفل مصالح الدول الأعضاء.

   على صعيد أخر، يُذكر أن هناك عزم على انعاش العلاقات الاقتصادية بين دول بحر قزوين، وهو ما يُستدل عليه من بعض مواد المعاهدة، ولتفعيل ذلك من المستهدف عقد مجموعة من الاتفاقات الدولية بين دول المنطقة في مجالات النقل والتجارة والتعاون الاقتصادي.(4)

ردود الأفعال الدولية

لقيت هذه القمة وما أعرب عنها من نتائج زخم في ردود أفعال الأطراف الاقليمية والدولية، وهو أمر غير مستبعد بالنظر إلى أهمية المنطقة في السياسة الدولية، وأعرب وزير الخارجية الكازاخستاني "خيرت عبد الرحمنوف" عن رضاء بلاده عن تلك الاتفاقية، مشيراً إلى أنها تراعي مصالح كل الأطراف. كما أعلن عن اتفاق وزراء خارجية عقب اجتماعهم عشية القمة على إنشاء آلية خاصة، تتمثل في تكوين فريق عمل برعاية وزارات الخارجية للعمل على تنفيذ المعاهدة.

واتفق زعماء الدول على أن يُعقد الاجتماع الأول بعد الاتفاقية في موعد لا يتجاوز ستة أشهر من تاريخ التوقيع عليها، مع احتمالات متزايدة بأن عقد هذا الاجتماع سيكون في خريف العام الجاري.(5)

ووصف الرئيس الإيراني "حسن روحاني" المعاهدة بأنها "وثيقة رئيسية"، رغم رؤيته بأنها لن تنهي الخلافات بين دول المنطقة حول استغلال البحر(6)، ودعا إلى إنشاء منظمة للتعاون الجمركي والاستثمار المشترك، بهدف تعزيز التعاون الاقتصادي بين دول المجموعة، وهو ما أكده الرئيس بوتين عندما أشار إلى أن الدول المعنية اتفقت فيما بينها على تأسيس منتدى قزوين الاقتصادي من أجل تعزيز التعاون المشترك.(7)

فيما أصدر الأمين العام للأمم المتحدة "انطونيو غوتيرش" بياناً يُرحب بتلك الخطوة، التي أسماها بالتاريخية لما تُقدمه من دليل على التعاون الاقليمي، معتبراً إياها ستساهم في حفظ الأمن الاقليمي والدولي. ورفضت الخارجية الأمريكية التعليق عن الاتفاق بحجة عدم وجود تفاصيل لديهم عنه، مع تأكيد المتحدث باسم مكتب الطاقة في الخارجية "فينسنت كامبوس" على دعم واشنطن لمشروع ممر الغاز الجنوبي، والذي يُنافس الغاز الروسي في أوروبا.(8)

وختاماً، نظراً لتشابك السياقات والفاعلين في قضية بحر "قزوين"، يمكن القول أن ما أسفر عن قمة أكتاو من التوقيع على اتفاقية الوضع القانوني والاتفاق على بعض الخطوط المنظمة للتعاون بين دول المنطقة، لن يحل بشكل مطلق جميع الخلافات بينهم، وإن قدم بادرة تعاون تتجاوز التوتر القائم، وتستطيع من خلاله الدول المعنية تحقيق استفادة على الصعيد الداخلي والخارجي.

                وعلى سبيل المثال، يمثل التقارب الإيراني الروسي من خلال الاتفاق يخدم كلا الطرفين في مواجهة العقوبات المفروضة عليهما من الولايات المتحدة، التي تؤثر على فاعليتهما الاقتصادية والسياسية، كما سيساعدهما على مواجهة مشتركة للنفوذ الأمريكي بالمنطقة، رغم أن الصورة ليس بهذه السهولة، مع الأخذ في الاعتبار تشابك العلاقات بين دول المنطقة مع أطراف إقليمية ودولية ذات مصالح متباينة، منها دعم واشنطن لمشروع الممر الجنوبي عبر أذربيجان بما يُهدد المصالح الروسية.

المراجع

 1 - الدول المطلة على قزوين تتوج 22 عاما من المفاوضات باتفاقات للتعاون في أكبر بحر مغلق في العالم، روسيا اليوم، 12 أغسطس 2018، على الرابط:

arabic.rt.com/world/962932-الدول-المطلة-على-قزوين-تتوج-22-عاما-من-المفاوضات-باتفاقات-للتعاون-في-أكبر-بحر-مغلق-في-العالم

2 – محمود سعد دياب، قمة "بحر قزوين" .. تحالف روسي إيراني لصد النفوذ الأمريكي، بوابة الأهرام، 11 أغسطس 2018، على الرابط:                                                                                      http://gate.ahram.org.eg/News/2000749.aspx

3 – أحمد ملي، التنافس الدولي على حوض قزوين، مجلة الدفاع الوطني اللبنانية، العدد 89، يوليو 2014، على الرابط:

lebarmy.gov.lb/ar/content/التّنافس-الدّولي-على-حوض-قزوين

4 - الدول المطلة على قزوين تتوج 22 عاما من المفاوضات باتفاقات للتعاون في أكبر بحر مغلق في العالم، مرجع سابق.

5 - أول اجتماع لمجموعة بحر قزوين في الخريف القادم، سبوتنيك عربي، 14 أغسطس 2018، على الرابط:

arabic.sputniknews.com/world/201808141034597144-بحر-قزوين-اجتماع-في-الخريف-القادم

6 – محمد سعد،  توقيع اتفاقية تاريخية بين دول بحر قزوين.. والرئيس الكازاخى يعلن عن تفاهمات عسكرية، اليوم السابع، 12 أغسطس 2018، على الرابط: youm7.com/story/2018/8/12/توقيع-اتفاقية-تاريخية-بين-دول-بحر-قزوين-والرئيس-الكازاخى-يعلن/3909117

7 - روحاني يدعو دول بحر قزوين إلى تأسيس منظمة للاستثمار المشترك، سبوتنيك عربي، 12 أغسطس 2018، على الرابط: arabic.sputniknews.com/world/201808121034547790-روحاني-بحر-قزوين/

8 - الخارجية الأميركية: من السابق لأوانه التعليق على اتفاقية الوضع القانوني لبحر قزوين، سبوتنيك عربي، 11 أغسطس 2018، على الرابط:

arabic.sputniknews.com/world/201808111034525283-الخارجية-الأمريكية-بحر-قزوين/

شارك