لماذا يحرقون ليبيا: قراءة في نتائج انتخابات مجلس النواب

الثلاثاء 05/أغسطس/2014 - 11:23 ص
طباعة لماذا يحرقون ليبيا:
 
د.أحمد موسى بدوي

يجاهد الشعب الليبي كي ينال الحرية والاستقرار معا، وعبر استحقاقين انتخابيين، برهن هذا الشعب أنه عازم على إعلان ليبيا دولة مدنية ديمقراطية، لا محل فيها لقوى الظلام والتطرف والإرهاب، وعبْر مخاض صعب للغاية مستمر منذ عدة أشهر، وفي ظروف أمنية سيئة، تنجح المفوضية العليا للانتخابات يوم الإثنين الموافق 21 يوليو 2014، في إصدار القرار رقم (107) لسنة 2014، القاضي بتسمية المرشحين الفائزين بمقاعد مجلس النواب للمرحلة الانتقالية. وسنحاول في هذا المقال، تقديم قراءة في نتائج هذه الانتخابات والدلالات المهمة التي تعكسها.

أولا: نظرة سريعة على الاستحقاق الانتخابي الأول

نعني به انتخابات المؤتمر الوطني العام، الذي حل محل المجلس الوطني الانتقالي، فقد جرى هذا الاستحقاق، في ظل سيطرة عسكرية من كتائب الثوار، وخاصة كتائب الإخوان المسلمين، والكتائب السلفية. ويتذكر القارئ أن انتخابات المؤتمر الوطني، أجريت بعد سيطرة الإسلاميين على الأمور في كل من مصر وتونس، بعد فوز حزب الحرية والعدالة والتيارات السلفية بأغلبية مريحة في البرلمان المصري، وفوز حزب النهضة التونسي. لم يكن أكثر المتفائلين، من المتابعين للشأن الليبي، يتوقع خسارة قوى الإسلام السياسي في ليبيا، كما لم يتوقع المتابعون أن يكون تفاعل المواطن الليبي بهذا القدر من المسئولية المثيرة للإعجاب، فقد جاءت نتائج انتخاب المؤتمر الوطني العام، معبرة عن رغبة أكيدة لدى الليبيين في التأسيس لدولة جديدة لا قمعية ولا دينية. ومن أسف فلم تكتمل فرحة المواطن الليبي بثورته ولا بمجلسه المنتخب.

تكون المؤتمر الوطني العام من (200 عضو، منها 120 فردي، 80 بالقائمة)، وقد انحاز المواطن، للتيار الوطني بقيادة محمود جبريل، فحصل هذا التيار على (39 مقعدًا من 80 مقعدًا)، مقابل (17) مقعدًا لحزب العدالة والبناء. وتقاسمت الأحزاب الأخرى بقية مقاعد القائمة. غير أن مشكلة هذا المؤتمر كامنة في الفائزين بالمقاعد الفردية، فمعظمهم ينتمى إلى تيارات دينية، ولم ينجحوا في هذه الانتخابات إلا لاعتبارات عصبية وقبلية بحتة، ما وضع التيار الوطني في موقف صعب داخل المؤتمر، فقدرته على حشد الأصوات الفردية لم يتجاوز (50 عضوًا)، أي أنه يملك ما يقرب من (90 عضوًا من 200 عضو جملة أعضاء المؤتمر الوطني) ما يعني أنه غير قادر على تنفيذ أجندته الوطنية.

في المقابل، نشطت قوى الإسلام السياسي، وعلى رأسها العدالة والتنمية، في استقطاب بقية المقاعد الفردية، وجرت خلال العام المنصرم أسوأ ممارسة سياسية داخل المؤتمر الوطني العام، كيف؟

(1) عقد الصفقات والتحالفات داخل المؤتمر العام، وبطبيعة الحال فهي تحالفات لا ترتبط بالشارع الليبي، ولا بطموحاته، لأنها تشكلت بعد الانتخابات، ما يعني خديعة للناخب الليبي.

(2) أن المؤتمر الوطني العام، وقع تحت تأثير القوة العسكرية للميليشيات الإخوانية والسلفية، وصار من المألوف تمرير القرارات عنوة داخل لجان المؤتمر، بسبب الإرهاب والترويع اللذين تفرضهما هذه الميليشيات على أعضاء المؤتمر. فما طبيعة هذه الميليشيات؟

جاءت نتائج انتخاب المؤتمر الوطني العام، معبرة عن رغبة أكيدة لدى الليبيين في التأسيس لدولة جديدة لا قمعية ولا دينية

ثانيا: خريطة الكتائب والدروع الثورية في ليبيا

من المعروف أن الشعب الليبي هو من أكثر الشعوب العربية تجانسا، فمعظم أفراده من القبائل العربية، الذين يدينون بالدين الإسلامي على المذهب المالكي، مع وجود أقلية من الأمازيغ والطوارق والتبو، غالبيتهم من المسلمين أيضا. إذن الأصل في الوضع الليبي، عدم وجود صراعات عرقية أو دينية حادة، وإن كانت موجودة بشكل هامشي. ما يعني أن بروز أي صراع من هذين النوعين، على المسرح الليبي، هو غريب، ومفبرك، ومصنوع لخدمة قوى لا تؤمن بفكرة الوطن، أو لتحقيق مصالح سياسية خارجية. فما تصنيف هذه الكتائب، وطريقة توزيعها على الأرض؟

توجد ثلاثة أنواع من الكتائب الثورية في ليبيا: الكتائب الثورية الإسلامية، الكتائب الثورية المدنية المتمركزة في المدن الكبرى، الكتائب القبلية، سواء التي انضمت للثورة أو عارضت قيامها.

النوع الثاني معظمه من الشباب الليبي المتعلم، الباحث عن مستقبل جديد، أما النوع الثالث، فهو مرتبط بالعصبية القبلية، ويهدف لحماية مكتسبات القبيلة ومكانتها الاجتماعية والسياسية في ليبيا ما بعد الثورة، أما النوع الأول الخاص بالكتائب الثورية الإسلامية، فيحتاج لبعض التفصيل.

1- كتيبة 17 فبراير الإخوانية

من المعروف أن ليبيا كانت من أوائل البلدان – بعد فلسطين والسودان- التي شهدت انتشار فكرة الإخوان المسلمين في نهاية النصف الاأول من القرن الماضي، حيث تكونت هيئة الدعوة الإسلامية، كأول شعبة للإخوان في ليبيا، في عام 1949، وأسسها ثلاثة مصريين، هاربين في أعقاب اغتيال النقراشي، ولاجئين لدى الأمير إدريس السنوسي، باعتبار أن الحركة السنوسية، هي في الأصل حركة إصلاح ديني. وفي أعقاب محاولة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر عام 1954، استقبل السنوسي الموجة الثانية من الإخوان المسلمين الفارين من مصر. ونشطت الجماعة في توسيع دائرة مؤيديها، من خلال ممارسة العمل الدعوي دون الانخراط في الأمور السياسية، واستمرت على وضعها، حتى السنوات الأولى لحكم القذافي، وبالتحديد عام 1973، ثم طالها التقييد والبطش اللذان مارسهما القذافي على كل القوى السياسية بعد انفراده بالحكم، وإقصاء مجلس قيادة ثورة الفاتح.

على أية حال لم يكن تنظيم الإخوان في ليبيا، مفجرًا  لثورة فبراير، تماما كحال إخوان مصر، وإنما لحق التنظيم بالثورة بعد بلوغ كتلتها الحرجة، ولكون تنظيم الإخوان الليبي، يمتلك الكوادر في الداخل، والدعم غير المشروط من الخارج، فقد أسس على عجل، كتيبة (17فبراير)، التي تعد من أقوى الكتائب العسكرية، التي مارست دورًا مهمًا في تحديد مسار الثورة، وتولت المسئوليات الأمنية في المدن وانتشرت في كل مفاصلها. وبعد إسقاط النظام، أصبحت هذه الكتيبة، تتمركز في شرق ليبيا، وتتلقى تمويلها من وزارة الدفاع الليبية، وبدأ الصراع حول إعادة بناء الجيش الوطني، وجرت عرقلة جهود إعادة تأهيل كوادر الجيش الوطني، وعارضت الكتائب الإسلامية بشدة الاتفاق المبرم بين وزارتي الدفاع في مصر وليبيا، خاصة بعد ثورة 30 يونيه 2013، وذلك للحيلولة دون بناء جيش وطني، لحين تمكنهم تماما على الأرض، لذلك فقد ابتدعت هذه الكتائب  فكرة الدروع الثورية وهي شبكة من الاتحادات الثورية أطلقت على نفسها اسم (درع ليبيا) وتتفرع إلى أربعة دروع منتشرة في شرق ووسط وغرب وجنوب ليبيا.

2- كتائب التيار السلفي

لعبت التيارات السلفية، دورًا بارزًا في ثورة فبراير، حيث دعمت الجبهات بخبراتها العسكرية والتدريبية، نتاج تجربتها في أفغانستان، ويأتي عبد الحكيم بالحاج على رأس هذه الجماعة، الذي ظل بعيدا عن الإعلام حتى سقوط طرابلس، حيث ظهر بوصفة شخصية رئيسية اضطلع بقيادة المجلس العسكري.

وقد أفرز التيار السلفي عشرات الكتائب الثورية، في ليبيا خاصة في بني غازي، ودرنة، ومدن شرقية أخرى،إذ شكل عبد الحكيم الحصادي لواء درنة في المراحل الأولى للثورة والذي تغير اسمه في وقت لاحق إلى كتيبة شهداء أبو سليم، وتم إضفاء الطابع المؤسسي على الكتيبة، بعد إسقاط النظام، وخطورة هذه الكتيبة يكمن في أنها تعمل مع كتيبه 17 فبراير، على التنسيق بين الكتائب الإسلامية المنتشرة في الشرق الليبي، وخاصة كتيبة أنصار الشريعة، وهي ذات الكتائب التي تحاول الآن السيطرة على العاصمة طرابلس، خاصة بعد ظهور نتائج الانتخابات.

 ثالثا: انتخابات مجلس النواب 2014

جرى التحضير لهذه الانتخابات في مناخ بالغ السوء، وفي ظل هيمنة عسكرية من قبل الكتائب، وفي سياق أحداث عنف مستمرة، ودعاوى انقسام حالة في الشرق الليبي، وإشاعة أوهام تروّج أن الليبيين غير قادرين على ممارسة الديمقراطية بشكلها الحضاري، في محاولة استباقية لضرب الهيئة التشريعية الجديدة (مجلس النواب) قبل أن تولد. ورغم ذلك نجحت المفوضية العليا للانتخابات، في الوصول بالعملية إلى بر الأمان، وفقًا للمعايير الدولية الحاكمة، التي أشادت بها المؤسسات التي راقبت العملية الانتخابية، والحق أن المواطن الليبي، هو صاحب الفضل في إنجاح العملية لإصراره على المشاركة، وأثبت أن وعيه السياسي العالي يحول دون الوقوع في براثن هذه الأوهام والضلالات.

تشير نتائج الانتخابات إلى أن المواطن الليبي ثابت على موقفه منتصرا لصيغة الدولة المدنية الديمقراطية

1-تركيب البرلمان الجديد

كما ذكرنا، فإن غالبية سكان ليبيا من العرب المسلمين، مع وجود أقلية أمازيغية، بالإضافة إلى الطوارق، وقبائل التبو ذات الأصل الزنجي. هذه الأقليات بدأت تشعر بالخطر من سيطرة الشمال الساحلي العربي، على مقاليد الأمور بعد الثورة. ومن جانب الحكومة الليبية، والمؤتمر الوطني، كانت هناك ضرورة لمشاركة الأمازيغ والطوارق والتبو في حكم ليبيا، لأن شعورهم التاريخي بالظلم والإقصاء، يمكن أن يفتح أبواب التوتر في جنوب وغرب ليبيا، ومن السهل استقطاب هذه الأقليات من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي، أو حركات الطوارق المسلحة، أو الحركات المسلحة في دارفور. لهذه الأسباب، حرص المؤتمر الوطني على توزيع حصص ملائمة لكل الأقليات في ليبيا، من خلال تخصيص دوائر للمناطق التي يقطنها الأمازيغ والطوارق والتبو، بالإضافة إلى حصة ملائمة، للنساء، مع السماح لهن بالترشح على المقاعد العامة، كما يتضح من الجدول التالي:

اسم الدائرة الرئيسة

عدد المقاعد العامة

عدد مقاعد النساء

جملة المقاعد

طبرق

9

2

11

البيضاء

9

2

11

بنغازي

22

4

26

إجدابيا

10

2

12

سرت والجفرة

7

2

9

سبها

13

3

16

أوباري

13

2

15

غريان

17

1

18

مصراتة

14

2

16

الخمس

10

1

11

طرابلس

21

8

29

العزيزية

8

1

9

الزاوية

15

2

17

جملة

168

32

200

 

2-نتائج الانتخابات ودلالاتها

بلغ عدد الناخبين المسجلين نحو مليون ونصف مليون ناخب (900 ألف من الذكور + 600 ألف من الإناث)، ولم نستطع الحصول على عدد الذين أدلوا بأصواتهم في الانتخابات، من خلال الموقع الرسمي للمفوضية العليا للانتخابات، على أية حال فقد حسم 188 مقعدا من أصل 200، بعد قبول المفوضية بالأحكام الصادرة من القضاء في حق بعض الدوائر، على أن تجرى الانتخابات في الدوائر الفارغة عند استقرار الأوضاع الأمنية. وقد أصدر المؤتمر الوطني العام القرار رقم 56 لسنة 2014، عقب إعلان المفوضية نتيجة الانتخابات، يقضي القرار، بتحديد يوم الإثنين الموافق الرابع من أغسطس 2014، موعدا نهائيا للتسليم والتسلم بين المؤتمر الوطني العام ومجلس النواب المنتخب.

وحتى الآن لم تعرف بدقة نسبة الإسلاميين والليبراليين في مجلس النواب الجديد، غير أن كل المؤشرات تشير إلى أن حزب العدالة والبناء الواجهة السياسية للإخوان المسلمين، وحلفاءه، قد مُنِيَ بخسارة كبيرة، ولا يملك داخل البرلمان الجديد سوى 30 عضوا على الأكثر. كما تحصل النواب المؤيدين للفيدرالية في شرق ليبيا على 28 مقعدًا، فيما تأكد حصول التيار المدني الديمقراطي على 50 مقعدًا، وبقية المقاعد موّزعة على نواب ليست لهم انتماءات أيديولوجية محددة، ويغلب عليهم الانتماء القبلي أو العرقي، وغالبيتهم من المستقلين المعارضين للفيدرالية والتيار الإسلامي.

هذه النتائج، دفعت تيار الإسلام السياسي بكل قوة نحو عرقلة انعقاد مجلس النواب الجديد، والتهديد بتفجير مقر انعقاد الجلسة الأولى، كما دفعهم نحو ممارسة مزيد من العنف والإرهاب، ومحاولة السيطرة على العاصمة من أجل خلق واقع جديد على الأرض، يمكن من خلاله تجميد العملية السياسية الجارية.

النتائج تشير إلى أن ليبيا تريد أن تتعافى وتنطلق، وتشير إلى أن المواطن الليبي ثابت على موقفه منتصرا لصيغة الدولة المدنية الديمقراطية، غير أن التحالف بين المؤيدين للفيدرالية والتيار الإسلامي وكلاهما يسيطر على الشرق الليبي الغني بالنفط، يمكن أن يؤدي إلى انقسام الشرق الليبي، وتكوين دولة قبلية دينية، فهل يستطيع التيار المدني الديمقراطي من السيطرة على مقاليد الأمور؟ وهل ستنجح الأغلبية الليبرالية والمستقلة المعارضة للفيدرالية في إعادة بناء الجيش الوطني، وتطهيره من العناصر المتطرفة؟ وهل يمكن أن تخلق نتائج الانتخابات فرصة للتعاون الرسمي الصريح بين جيش الكرامة الذي يتزعمه اللواء حفتر، وبين البرلمان الجديد؟ كلها أسئلة يتكفل المستقبل القريب بالإجابة عنها.

شارك