إشكاليات الاتحاد الخليجي وتحديات ما بعد قمة الكويت

الثلاثاء 24/ديسمبر/2013 - 01:00 م
طباعة إشكاليات الاتحاد
 
د. محمد السعيد إدريس
يواجه مشروع الاتحاد بين دول مجلس التعاون الخليجي الست تحديات ومشاكل كثيرة تحول دون ظهوره كمؤسسة بديلة للمجلس منذ أن طرحت الفكرة بمبادرة من العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز في القمة الخليجية (الرياض ديسمبر 2011). فقد ظهرت الفكرة مجدداً في القمة التشاورية (الرياض مايو 2012) وأعيد تأجيلها إلى الاجتماع الوزاري الذي عقد في سبتمبر 2012 من منطلق أن الفكرة بحاجة إلى المزيد من الوقت للدراسة الشاملة والدقيقة، وكان من المفترض أن يكون موضوع هذا الاتحاد على رأس جدول أعمال القمة الخليجية الأخيرة التى عقدت في الكويت هذا الشهر ولكنها ولأسباب تتعلق بالموقف العماني الرافض جرى استبعادها وليس مجرد إرجاؤها، الأمر الذي يضع مستقبل المجلس نفسه أمام تساؤلات وتحديات شديدة الأهمية نظراً لغموض السياسات البديلة من ناحية والظروف الإقليمية شديدة الصعوبة من ناحية ثانية.

1-    التحدي العماني للاتحاد الخليجي: الخلفيات والأسباب

ربما تكون قمة مجلس التعاون الخليجي الرابعة والثلاثين التى عقدت في الكويت يومي 10 و11 ديسمبر الجاري من القمم الخليجية القليلة التي يواجه فيها مجلس التعاون الخليجي نفسه بكل هذه الصراحة والشفافية والفضل في ذلك يعود لسلطنة عمان ووزير خارجيتها يوسف بن علوي عبد الله، الذي شاء أن يتجاوز الأطر التقليدية لدبلوماسية المجلس القائمة على قاعدة "تكتم الخلافات" والحرص على إظهار توافق ليس له وجود فعلي أو التمسك بـ "توافق افتراضي" ليست له جذور راسخة يمكن الدفاع عنها. فقبل ثمانية وأربعين ساعة فقط من انعقاد قمة الكويت، وفي مؤتمر "حوار المنامة" الأمني السنوي اختار الوزير العماني أن يعلن، وبصراحة، عن وجود خلافات حقيقية بين دول المجلس حول ما يطرح من مشروعات تخص السياستين الخارجية والدفاعية للمجلس، وعبر عن ذلك بإعلانه رفض بلاده أن تكون عضواً في الاتحاد الخليجي الذي كان من المقرر أن يناقش ضمن بنود أجندة القمة.

أعلن بن علوي ذلك في مداخلة له رداً على ما ورد في كلمة الدكتور نزار مدني وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية بجلسة في حوار المنامة كان عنوانها "الأمن الإقليمي والنزاعات والدول الكبرى" والتي تحدث فيها عن أهمية انتقال مجلس التعاون الخليجي من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد التي اعتبرها "ضرورة ملحة تفرضها التغيرات الأمنية والسياسية والاقتصادية".

في هذه الكلمة دعا مدني دول المجلس أن تعمل على جعل منطقة الخليج العربي "منطقة قوة استراتيجية كبرى"، كما دعاها إلى "الحذر واليقظة" في التعامل مع التدخلات الخارجية، وإلى التوصل لتفاهمات مشتركة بشأن أهمية الاتفاق على إطار موحد للتعامل مع التحديات والتهديدات المحدقة بدول المجلس، معرباً عن اعتقاده أن هذا لن يتحقق إلا بالانتقال من مرحلة التعاون إلى التكامل والاتحاد الخليجي كإطار موحد يجمع دول المجلس. وكانت تعقيبات الوزير العماني على مداخلة الوزير السعودي مفاجئة وصريحة وربما صادمة.

تعقيبات يوسف بن علوي لم تكن محض صدفة بل كانت مدروسة جيداً ومتعمدة وركزت على محورين أولهما رفض مشروع الاتحاد الخليجي كبديل لمجلس التعاون، وثانيهما رفض القبول بتأسيس منظومة دفاعية مشتركة. فقد أعلن أنه في حالة طرح مشروع الاتحاد الخليجي فإن سلطنة عمان لن تكون عضواً فيه، كما أعلن عن استعداد بلاده للانسحاب من مجلس التعاون في حال الشروع في تأسيس الاتحاد الخليجي وقال: "إذا أقاموا الاتحاد لن نكون عضواً فيه" و"لن نكون جزءاً منه" لكنه أضاف "لن نمنع قيام الاتحاد، مع أن في إمكاننا أن نمنعه لأن قرارات المجلس يتم تبنيها بالإجماع". أما بالنسبة للترتيبات الأمنية والدفاعية فقال "إذا كانت هناك ترتيبات أخرى أو جديدة لدول المجلس نتيجة للصراعات الموجودة أو المستقبلية، فنحن لسنا طرفاً فيها ولن نكون طرفاً فيها"، وقال "ينبغي علينا أن ننأى عن الصراعات الإقليمية والدولية" مشيراً إلى أن "في داخل مجلس التعاون وخارجه نعتقد أن القوة لن تعني بالضرورة أن يتعسكر الناس من أجل الدخول في صراعات". وفي أحد اللقاءات الصحفية زاد موقفه بهذا الشأن وضوحاً عندما قال "نحن غير مستعدين للدخول في أي صراعات.. ولا علاقة لنا بالمواجهات.. ولسنا ذاهبين في الصراعات على الإطلاق لا شرقاً ولا غرباً".

بعض المسئولين الخليجيين المشاركين في حوار المنامة كان ردهم على تهديدات الوزير العماني بانسحاب بلاده من مجلس التعاون هو "بسلامتهم" وهو رد، ولحسن الحظ، لم تأخذ به القمة التى فضلت الحفاظ على وحدة المجلس بتأجيل مشروع الاتحاد الخليجي، أو بالأحرى تجميده أو تجاهله مؤقتاً على نحو ما جاء في البيان الختامي للقمة، والأمرين معاً، الرد السلبي الاستهزاء والرد السلبي التجاهلي لا يمثلان حلاً للمأزق أو بالأحرى للأزمة التي تواجه المجلس وبالتحديد غياب التوافق حول الاستراتيجيات العليا للمجلس في مجالي السياسة الخارجية والأمن، وبوضوح أكثر إزاء إيران وما يعتبره البعض سياسة توسعية إقليمية، وما يسعى إليه البعض من حرص على تشكيل تكتل عسكري لموازنة القوة العسكرية الإيرانية، والتعامل مع إيران على أنها مصدر أساسي للتهديد، بل هناك من يريد أن يفرض إيران عدواً، أو العدو الاستراتيجي، ومن يرى ضرورة لخوض الصراع إلى نهايته مع إيران في سوريا على وجه الخصوص.

سلطنة عمان ضد هذا كله، هي لا تقبل أن تتعامل مع إيران كعدو، فالمنظور الاستراتيجي العماني للعلاقة مع إيران، سواء أيام الشاه أو بعد تأسيس الجمهورية الإسلامية هو أن إيران شريك استراتيجي للسلطنة، كما أن سلطنة عمان ضد تحويل المجلس إلى تكتل عسكري هدفه خوض الصراع مع إيران، ولكنها تريد تعميم "الشراكة الإيرانية" مع مجلس التعاون. كان ذلك منذ استضافت السلطنة أول وآخر اجتماع لوزراء خارجية دول النظام الإقليمية الحليجي الثمانية (إيران والعراق والسعودية والإمارات وسلطنة عمان والكويت وقطر والبحرين) في نوفمبر عام 1971 لبحث مشروع أمن الخليج حيث طرحت السلطنة مشروعاً استراتيجياً هدفه خلق تكتل عسكري يضم الدول الثمانية المشاطئة للخليج باعتبار أن ذلك هو الحل الأمثل لتحقيق أمن خليجي حقيقي قادر على التصدي للتهديدات بعد الانسحاب البريطاني العسكري من الخليج في نهاية عام 1971، لكن هذا المشروع جرى رفضه، وأخذت الدول الست بصيغة مجلس التعاون عام 1981 بعد سقوط نظام الشاه وقيام الجمهورية الإسلامية في إيران (11 فبراير 1979) وتفجر الحرب العراقية – الإيرانية (سبتمبر 1980) التي كان دافعها الرئيسي من جانب العراق ودول عربية خليجية والولايات المتحدة هو عرقلة مشروع الجمهورية الإسلامية إن لم يكن إسقاطه بعد ما تكشف من طموحات إيرانية لتصدير ثورتها للدول المجاورة وممارسة سياسة تدخل مرفوضة في الشؤون الداخلية لدول عربية خليجية.

وعندما دخلت سلطنة عمان كعضو مؤسس في مجلس التعاون الخليجي كانت حريصة على أن يكون المجلس مجرد "إطار تشاوري" وأن يكون التصويت بالإجماع، أى إعطاء كل دولة عضو حق الاعتراض (الفيتو) على أي قرار لا تقبل به، وكانت هناك دوافع عمانية واضحة أبرزها ما يمكن اعتباره "خصوصية عمانية" فعمان ترى أنها وريثة إمبراطورية عربية عريقة امتد تأثيرها ونفوذها في آسيا شرقاً وفي الساحل الأفريقي غرباً، وكان لأسطولها البحري صولات وجولات في مياه بحر العرب والخليج والمحيط الهندي. كما أن عمان مذهبياً تأخذ بالمذهب الأباضي وترفض أن تنضوي تحت سيطرة دولة خليجية كبرى لا لشئ إلا لأنها تملك مصادر أكبر للقوة الاقتصادية والعسكرية. وكانت عمان تاريخياً، ومنذ الانسحاب البريطاني من الخليج، تتعامل مع إيران (الشاه ومن بعده الجمهورية الإسلامية) كموازن في علاقاتها مع السعودية، كما أنها كانت ومازالت تلعب دور الطرف المناوئ لأي ميول من شأنها فرض "سياسة الاستتباع" داخل مجلس التعاون لكن ما هو أهم هو أن عمان ترفض أن تدفع بالخليج في أتون صراعات يمكن تجنبها، لذلك كانت حريصة على نزع فتيل المواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية و"مجموعة دول 5+1" حول برنامج إيران النووي، على عكس السعودية ودول خليجية، لذلك قبلت أن تستضيف محادثات سرية أمريكية- إيرانية شاركت بريطانيا في بعض مراحلها لإيجاد حل سلمي لأزمة البرنامج النووي الإيراني وكانت محصلة هذه المفاوضات التي بدأت منذ مارس/ آذار 2013 التوصل إلى اتفاق جنيف المرحلي.

بعض الدول الخليجية وبعض السياسيين الخليجيين أظهر الاستياء من هذا الدور العماني دون إشارة إلى استياء من الشريك الأمريكي، ولذلك فإن تجاهل مجلس التعاون لهذا النوع من الخلافات في الرؤى والسياسات بين أعضائه لن يكون حلاً لأن المشاكل تتراكم، والأفضل أن يكون هناك جهود يشارك فيها متخصصون وخبراء تسعى للتأسيس لتوافقات جيدة في ظل إدراك بعض دول المجلس لمخاطر احتمال الانسحاب الأمريكي من مسؤولية الدفاع عن أمن الخليج، وهى مخاوف حرص وزير الدفاع الأمريكي تشاك هاجل في زيارته للبحرين والسعودية الشهر الجاري أن ينفيه، وأن يؤكد التزام بلاده بمسؤولياتها في أمن الخليج، وأن يخفف من توجس دول المجلس من أي تداعيات سلبية للتقارب الأمريكي – الإيراني في الملف النووي وهو تقارب محفوف هو الآخر بالمخاطر والمفاجآت والتراجعات.
2-    الربيع العربي والهروب نحو الاتحاد
يربط كثير من المحللين بين الدعوة السعودية التي جاءت على لسان الملك عبد الله بن عبد العزيز لاستبدال مجلس التعاون الخليجي باتحاد يربط بين الدول الست أعضاء المجلس (قمة الرياض – ديسمبر 2011) وبين مخاوف السعودية ودول خليجية أخرى وخاصة مملكة البحرين من تداعيات موجة الثورات العربية التي حملت مسمى "الربيع العربي" ما يعني أن هذه الدعوة السعودية للاتحاد جاءت هروباً من استحقاقات رآها البعض محتملة أو متوقعة على غرار ما حدث في أوائل عقد الثمانينيات من القرن الماضي عندما لجأت هذه الدول الست إلى تأسيس مجلس التعاون الخليجي اضطرارياً لمواجهة تحديات محتملة ومتوقعة من قيام الجمهورية الإسلامية في إيران على أنقاض نظام الشاه الحليف ولمواجهة تهديدات مؤكدة من جراء تفجر الحرب العراقية – الإيرانية.
فقبل تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية في مايو عام 1981 وقبل أن تتفجر الحرب العراقية – الإيرانية في سبتمبر 1980 وقبل سقوط نظام شاه إيران وتأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية في 11 فبراير 1979 كانت معظم الدول الخمس الخليجية (الكويت وسلطنة عمان والإمارات وقطر والبحرين) تراوغان من مطالب سعودية صريحة بالتوقيع على اتفاقيات أمنية ودفاعية مشتركة، والسبب الأساسي هو حداثة معظم تلك الدول التي ظهرت إلى الوجود بعد الانسحاب البريطاني العسكري الرسمي في ديسمبر 1971، والكثير من المشاكل الحدودية المشتركة فيما بينها وبالذات مع المملكة العربية السعودية (سلطنة عمان والإمارات مع السعودية حول واحة البوريمي) ومشاكل حدودية أخرى للإمارات مع السعودية ولكل من الكويت وقطر مع السعودية، ومشاكل حدودية قطرية – بحرينية، لكن السبب الأكثر أهمية كان اختلال توازن القوى الشديد بين هذه الدول الخمس والمملكة العربية السعودية. فهذه الدول كانت تواجه ضغوطاً لنمط محدد بعينه من العلاقات مع المملكة العربية السعودية يمكن تسميته بـ "علاقات الاستتباع" أي فرض نمط من علاقات التبعية تحول دون أي تواصل مباشر بين أي من هذه الدول وكل من القوتين الخليجيتين المنافستين للسعودية حول الزعامة الإقليمية (إيران والعراق) وتمنع أي تواصل مباشر بين كل من هاتين القوتين وأي من الدول الخمس. هذا النمط من العلاقات كان مرفوضاً من معظم هذه الدول وخاصة من سلطنة عمان التي كانت تلجأ عادة إلى إيران الشاهنشاهية للاحتماء بها كموازن للضغوط السعودية، وكانت الكويت تلجأ إلى العراق كموازن للاحتماء من الضغوط السعودية أيضاً. وإذا كانت السعودية قد نجحت في التوقيع على معاهدات أمنية ثنائية مع أربعة من هذه الدول الخمس فإن الكويت نجحت في الإفلات من التوقيع على هذه الاتفاقية.

عوامل كثيرة أكسبت هذه الدول الخمس قدراً أكبر من حرية الحركة وحرية التحالف كدول صغيرة متواجدة في نظام إقليمي يعاني من شدة اختلال توزيع عناصر القوة البشرية والجغرافية والاقتصادية بين خمس دول صغيرة وصغرى وثلاث قوى كبيرة هي إيران والسعودية والعراق (خمسة سناجب وثلاثة أفيال). من أبرز هذه العوامل الثروة النفطية الضخمة التي تملكها هذه الدول. هذا العامل رفع من قيمتها وأهميتها لدى القوى الدولية الكبرى وجعلها مطمعاً لمعظم هذه الدول التي كانت على استعداد دائم للتجاوب مع أي استدعاء بالتدخل لحمايتها. يأتي الموقع الاستراتيجي للخليج وصراع القوى الدولية الكبرى خاصة في سنوات الحرب الباردة ليزيد من أهمية وقيمة هذه الدول، أما العامل الثالث فهو وجود قوتين إقليميتين كبيرتين في الخليج هما إيران والعراق قادرتان على تقديم الدعم والحماية اللازمة عند الطلب وعند الحاجة.
هذه الأسباب كلها أعطت للدول الخمس القدرة على التمرد على الشقيقة الكبرى، كما أعطتها عزوفاً مبرراً عن الانخراط في أي شكل من أشكال الاتحاد مع المملكة العربية السعودية، لذلك كان انخراط هذه الدول الخمس في مشروع مجلس التعاون الخليجي انخراطاً اضطرارياً بضغوط من مخاوف وتداعيات الحرب العراقية – الإيرانية والثورة الإسلامية الإيرانية ومن هنا جاءت الوثيقة التأسيسية للمجلس مفعمة بالكثير من الضوابط التي تحمي استقلالية القرار الوطني لكل دولة وتجعل من المجلس مجرد إطار استشاري خال من أي التزام في قراراته التي جرى النص على صدورها بالإجماع كي يبقى لكل دولة حق الاعتراض (الفيتو)، على الرغم من الإشارة في نص هذه الوثيقة على نزوع شعوبها نحو الاتحاد وتطلعها إلى تحقيقه.
إذا أخذنا هذه الخلفية في الاعتبار سوف تتكشف لنا مجموعة من الحقائق:
أول هذه الحقائق أن الميول الاستقلالية والحرص على الكيان الوطني لكل دولة تحظى بالأولوية على أي ميول اتحادية عند الدول الخمس الصغيرة على وجه التحديد.

ثاني هذه الحقائق أن القبول بصيغة مجلس التعاون كانت بدافع من درء المخاطر وليس تحقيق المكاسب أي أن التحديات الخارجية لعبت الدور الأهم والأبرز في قبول هذه الدول لخيار التكامل والاتحاد. وأن تحقيق المنافع يأتي في المرتبة الثانية أو الثالثة، حتى مكسب امتلاك القدرة على الدفاع عن الأمن الوطني ليس له أولوية كدافع اتحادي نظراً لثقة كل من هذه الدول في قدرتها على تأسيس تحالف مع قوة كبرى قادرة على القيام بالمهمة وهو الدور الذي استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية أن تلعبه، وبصفة خاصة منذ دخول قواتها العسكرية بشكل مكثف في الخليج ابتداءً من عام 1987 وباستدعاء كويتي لحماية ناقلات النفط الكويتية من تهديدات "حرب الناقلات" التي فرضتها إيران رداً على "حرب المدن" التي نجح العراق في خوضها ضد يران بامتلاكه الصواريخ والطائرات القادرة على الوصول إلى العمق الإيراني في الأعوام الأخيرة من الحرب العراقية – الإيرانية. وبعد انتهاء هذه الحرب في أغسطس 1988 وانخراط إيران والعراق في مفاوضات تصفية تركة هذه الحرب أعلنت القيادة العسكرية الأمريكية إصرارها على البقاء القوي والمكثف في الخليج ورفض دعوات إيرانية وعراقية بسحب القوات الأمريكية. هذا الوجود العسكري الأمريكي في الخليج ازداد كثافة بعد قيادة الولايات المتحدة لحرب تحرير الكويت عام 1991، وتوقيعها على معاهدات دفاع ثنائية مع كل من الدول الست كل على حدة.
ثالث هذه الحقائق الوجود الإيراني والعراقي المكثف في قبول أو رفض هذه الدول لخيار التكامل والاتحاد. كان الخوف الدائم من إيران والعراق أحد أهم دوافع هذه الدول للاستمرار في مسيرة مجلس التعاون الخليجي. والآن تتفرد إيران بكونها المصدر الرئيسي للتهديد بالنسبة لمعظم دول الخليج. وإذا أخذنا في الاعتبار التحفظات الإيرانية والعراقية السابقة على تشكيل مجلس التعاون الخليجي في غيبة من هاتين القوتين والدور الإيراني المناهض دائماً لمواقف مجلس التعاون الداعمة للإمارات والبحرين لتأكد لنا أن خلفيات الرفض الإيراني والهواجس الإيرانية المكثفة من أي تجمع عربي في الخليج يستثني إيران من المشاركة فيه كانت ومازالت تفرض نفسها على العقل الاستراتيجي الخليجي، الذي يفضل عدم الخوض في تجارب اتحادية أكثر جذرية كي لا تتعرض لضغوط إيرانية ترفض أي وجود أجنبي في الخليج (بما فيه أي وجود عربي) وتحرص على استبدال مجلس التعاون بإطار إقليمي أوسع يضم إيران والعراق مع الدول الست ويضع نهاية للوجود الأمريكي والأجنبي (غير الخليجي) في إقليم الخليج وهي مطالب تخشاها وترفضها معظم الدول الست.

رابع هذه الحقائق تتعلق بخصوصية السلطة في الدول العربية الخليجية، فالسلطة تكاد تكون محتكرة بالكامل وحدود المشاركة الشعبية محدودة باستثناء التجربة الكويتية. ولذلك فإن هذه الخصوصية تحول دون رغبة الاندماج في كيان أكبر تخشى فيه السلطات الحاكمة أن تفقد هيمنتها وسيطرتها لصالح سلطة أكبر وأوسع هى السلطة الاتحادية.
لكل هذه الحقائق تعثرت تجربة مجلس التعاون الخليجي على مدى 32 عاماً حيث لم يستطع المجلس تحقيق الحد الأدني من الاندماج والتكامل. ونظراً لأن أي من هذه الحقائق لم يتغير بدرجة ملحوظة فإن عوامل الاتحاد مازالت غير متوفرة، ولذلك فإن الرفض العماني للاتحاد ليس هو الرفض الوحيد ولكنه ربما يكون الرفض العلني الوحيد، هناك رفض وهناك تحفظات، غير معلنة من جانب دول أخرى أعضاء في المجلس، لكن الأهم هو وجود إدراك قوي يرى أن الدافع السعودي للاتحاد لا يختلف كثيراً عن دافع تأسيس مجلس التعاون وهو مواجهة خطر خارجي قد يكون طارئاً وقد يكون مستمراً وهو خطر تداعيات الربيع العربي التي ظهرت بقوة في مملكة البحرين وبدرجة أقل في سلطنة عمان التي نجحت في احتواء موجة الرفض المحدودة بسياسات اقتصادية واجتماعية وسياسية في حين أن التدخل العسكري لقوات درع الجزيرة المدعومة من السعودية في الأزمة السياسية البحرينية في مارس 2011 لمواجهة ما سمي بـ "مؤامرة خارجية" أو "مؤامرة إيرانية" كان هو الرد الأوضح أو الاستجابة الأوضح لمطالب التغيير في البحرين.

ولعل ذلك ما يفسر رفض "جمعية الوفاق الإسلامية (الشيعية) المعارضة في البحرين لتحمس مملكة البحرين في تأييد الدعوة السعودية لتشكيل اتحاد خليجي. فجمعية الوفاق البحرينية التى تتمسك بمشروعها السياسي الطائفي المدعوم من إيران ترفض اتحاد البحرين مع السعودية أو الانخراط في اتحاد خليجي أوسع بحجة أنه "يفقد البحرين استقلالها" وهو تبرير يخفي النوايا الحقيقية لدى الجمعية وهي الخوف من أن انخراط البحرين في اتحاد خليجي أو حتى الاتحاد الثنائي مع السعودية سوف يفقد هذه الجمعية ويفقد الأغلبية السكانية الشيعية في البحرين مكانتها وثقلها السياسي حيث ستذوب هذه الأغلبية الشيعية البحرينية في بحر أوسع من الأغلبية السنية في المملكة السعودية وباقي دول المجلس، وهو أمر ترفضه جمعية الوفاق كما ترفضه إيران التي تحرص على أن تبقى البحرين ورقة تهديد مستمرة لوحدة الخليج، وأداة تدخل دائمة لفرض الهيمنة الإيرانية. ففي الوقت الذي أعلنت فيه الحكومة البحرينية تجاوبها مع الدعوة السعودية لاستبدال مجلس التعاون باتحاد خليجي أعلنت جمعية الوفاق الإسلامية رفضها لدعوة الاتحاد وأعلنت على لسان رئيسها على سلمان أن أي تغيير في شكل مجلس التعاون يجب أن يكون بإجماع خليجي وبعد استفتاء الشعوب في كل دولة عضو على حدة، كما أعلن على سلمان أن النظام في البحرين "لا يملك أن يقوم بالاتحاد مع أي دولة أخرى دون تفويض من الشعب، وهو قرار باطل لن نعترف به ومن حق الشعب أن يقاومه". وقال بوضوح "أن فكرة إلحاق البحرين بالسعودية في اتحاد ثنائي دون الرجوع إلى الشعب البحريني وتحويلها من مملكة إلى إمارة يضع البحرين في مهب الريح ويضع المنطقة في دائرة الزلزال، ولا يوافق على ذلك وطني شريف مخلص لمصلحة البلدين ومصلحة هذه المنطقة". كما أعلن موقفه بوضوح على النحو التالي: "نحن مع فكرة تطوير مجلس التعاون ولكن بشرطين أساسيين: أن يكون هذا القرار جماعياً لكل دولة، وأن يكون بعد استفتاء الشعب على هذا الخيار". هذان الشرطان يعرف على سلمان أنه وحده من يملك مفاتيح الإجابة عليهما في البحرين لأنه يتزعم الأغلبية الشيعية في مملكة البحرين، ولذلك فإنهما شرطان مرتبطان بإرادة طرف واحد هو الأغلبية الشيعية التي باتت منخرطة للأسف في مشروع سياسي طائفي تغذيه إيران وهو ما تكشف من تطابق الرفض الإيراني لمشروع الاتحاد الخليجي مع الرفض الشيعي البحريني للمشروع على نحو ما جاء على لسان على لاريجاني رئيس مجلس الشورى (البرلمان) في إيران.

ففي معرض إجابته على مطالبة أحد النواب باتخاذ إجراء دبلوماسي جاد في ما يتعلق بخطة السعودية والبحرين لإقامة اتحاد سياسي قال: "إن البحرين ليست لقمة سائغة بإمكان السعودية ابتلاعها بسهولة والاستفادة منها"، وأضاف أن "هذا النوع من الممارسات يثير الأزمات في المنطقة" جاء ذلك رداً على مداخلة من النائب حسين على شهرياري نائب محافظة زاهدان الذي خاطب المجلس بقوله: "تعرفون أن البحرين كانت المحافظة الرابعة عشرة في إيران حتى عام 1971، ولكن للأسف وبسبب خيانة الشاه والقرار السئ الصيت للبرلمان الوطني آنذاك انفصلت البحرين عن إيران" وأضاف: "إذا كان من المفترض حدوث أمر ما في البحرين، فإن البحرين من حق إيران وليس السعودية، ونتوقع من مسئولي السياسة الخارجية متابعة هذا الموضوع بشكل جاد".
3-    خيارات ما بعد قمة الكويت
هذه الحقائق مجتمعة تشكل إطاراً تفسيرياً مهماً لتعثر وتردد معظم دول مجلس التعاون في قبول الدعوة السعودية بتحويل مجلس التعاون إلى اتحاد خليجي، كما أنها تفسر أسباب تعثر مسيرة مجلس التعاون الخليجي على مدى السنوات الاثنين والثلاثين الماضية حيث كان التركيز على التكامل الاقتصادي بين أعضائه أكثر من التكامل السياسي، حيث وافقت الدول الست على اتحاد جمركي لكنها مازالت مختلفة بشأن كيفية تقاسم العائدات، وناقشت فكرة العملة الموحدة، لكنها مازالت منقسمة أيضاً بشأن كان البنك المركزي.
وإذا كان وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل كان قد رد وبقوة على الرفض الإيراني لدعوة الاتحاد الخليجي فإن اللجنة المعنية بأمر التأسيس لهذا الاتحاد لم تقدم حتى الآن مشروعاً يمكن مناقشة تفاصيله وأطره المقترحة للاتحاد سواء كان فيدرالياً أو كونفيدرالياً، أو اتحاداً قطاعياً بين قطاعات سياسية وأمنية واقتصادية بعينها. فالوزير السعودي اكتفى بإعلان رفض بلاده لما اعتبره "تهديدات إيرانية" لإتمام اتحاد بين البحرين والسعودية أو بين الدول الست أعضاء المجلس، معتبراً أن "ليس لإيران أي دخل بما يجري بين البلدين من إجراءات حتى إن كانت قراراً بالوحدة" كما اعتبر أن بلاده ودول مجلس التعاون "لن تعيق قيام اتحاد بين إيران مع من تشاء من الدول" لكن اللجنة أو الهيئة التى أسندت إليها مهمة دراسة المقترحات بشأن الانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد في أعقاب القمة التشاورية لمجلس التعاون في 14 مايو 2012 لم تحرز تقدماً مقنعاً لباقي الدول، بدليل أن مجرد الاعتراض العماني أدى إلى سحب مشروع قرار تأسيس الاتحاد في قمة الكويت (ديسمبر 2013). كما أن دول المجلس لم تقدم إجابات أكثر جدية لأسئلة كثيرة تتعلق بالحراك السياسي الذي فرض نفسه على العديد من دول المجلس، فضلاً عن السؤال الأهم الخاص بالدافع الرئيسي للاتحاد هل هو درء المخاطر أم تحقيق المكاسب.
درء المخاطر يستلزم ويفترض وجود توافق، إن لم يكن الاتفاق، على مصادر تلك المخاطر والتهديدات. فالواضح أن هناك انقساماً حول التعامل مع إيران كمصدر أحادي أو أساسي للتهديد، سلطنة عمان ترفض ذلك وهناك دول أخرى تتحفظ عليه ولا تريد التورط في مواجهات مع إيران في هذه الظروف شديدة الحساسية. أما إذا كانت المكاسب هى الدافع، فمن الضروري أن يقدم المشروع تعريفاً بهذه المكاسب والإغراءات خصوصاً إذا كانت هناك إغراءات أخرى بديلة من أطراف أخرى منافسة.
فلم يعد كافياً للإقناع ذلك الخطاب السياسي الذي قدمه وزير الدولة السعودي للشئون الخارجية الدكتور نزار مدني والذي فنده وزير الدولة العماني للشئون الخارجية يوسف بن علوي في مؤتمر "حوار المنامة" الأخير فقد تحدث الوزير السعودي عن ارتفاع مستوى التهديدات واعتبر ذلك حافزاً كافياً للتوحد، كما ناشد الدول أعضاء المجلس إلى الاتفاق على إطار موحد للتعامل مع التحديات والتهديدات والمخاطر المحدقة بها، واعتبر أن تحقيق ذلك رهن بالانتقال من التعاون إلى التكامل والاتحاد الخليجي.
هذا الخطاب مختلف عليه، ولذلك فإن ما توصل إليه المجلس من قرار بالحفاظ على وحدة دول المجلس حتى ولو كان الثمن هو تأجيل دعوة الاتحاد يمكن اعتباره القرار الأصوب شرط أن تكون هناك خطوات جادة ومدروسة بالاتجاه التدريجي والمقنع والمفعم بالمكاسب والإغراءات لكل الدول الأعضاء على غرار القرارات التي صدرت في هذه القمة بخصوص إكمال مشروع السكك الحديدية الموحد وإنجازه في موعده عام 2018، وإنشاء أكاديمية خليجية للدراسات الاستراتيجية والأمنية لدول المجلس يكون مقرها دولة الإمارات، وإنشاء جهاز للشرطة الخليجية لدول المجلس لتعزيز الأمن المشترك ومحاربة الإرهاب، وتشكيل قيادة عسكرية موحدة لدول المجلس يكون مقرها العاصمة السعودية الرياض، وهى خطوة استكمالية لخطوات سابقة استهدفت تعزيز الأمن المشترك والاستقرار بالدول الأعضاء، وبناء منظومة دفاعية مشتركة لتحقيق الأمن الجماعي.

مثل هذه الخطوات والمشروعات تعتبر ركائز حقيقية لمسيرة إكمال التعاون والنهوض بالمجلس نحو التكامل والاتحاد دون الانشغال بالإطار السياسي للاتحاد إلى حين تستطيع دول المجلس التوافق على رؤية مشتركة لمصادر التهديد، وحل المشاكل الخاصة بالعلاقة مع إيران، وتجاوز مخاطر الفراغ الاستراتيجي الذي يمكن أن ينشأ عن الغياب الأمريكي المفترض عن إقليم الشرق الأوسط، وهو الفراغ الذي دفع البعض إلى قراءات واستنتاجات خاطئة بالبحث عن موازن إقليمي: تركيا أو إسرائيل وهى اجتهادات يمكن أن تفاقم أزمة الثقة بين دول المجلس لأنها يمكن أن ينظر إليها على أنها بمثابة إعلان حرب في مواجهة إيران في ظروف غير مواتية أو مناسبة، فضلاً عن تجاوزها الصارخ للحد الأدني من التزامات دول المجلس بالأمن القومي العربي وقضاياه المحورية.
من هنا نستطيع أن نقول أن دول المجلس يمكن أن تتجه نحو الأخذ بمنظومة سيناريوهات بديلة للبناء على ما اتخذ من قرارات وإنجاز ما سبق أن اتفق عليه من قرارات بخصوص العملة الخليجية والاتحاد الجمركي والبنك المركزي الخليجي وغيرها من قرارات الاتحاد الاقتصادية.
من بين هذه السيناريوهات والخيارات الممكنة العمل على إنجاز صيغة أدنى من الاتحاد قد تبدأ باتحاد ثنائي سعودي – بحريني شرط تجاوز عقبة الاستفتاء الشعبي وهذا يستلزم حزمة من السياسات التي مازالت غائبة لمعالجة الأزمات والمشاكل الداخلية ذات العلاقة بالحراك السياسي في البحرين، على أن ينظر إلى هذا السيناريو كخطوة لا تتجاوز المجلس وتبقى الاتحاد الثنائي مفتوحاً أمام من يريد من باقي دول المجلس وقتما يشاء.

هناك خيار آخر بإعلان عن تأسيس الاتحاد لمن يرغب قد يبدأ ثنائياً أو ثلاثياً أو رباعياً، شرط أن يبقى مفتوحاً ودون إخلال بمسيرة مجلس التعاون للحفاظ على تماسكه وعدم انفراطه حفاظاً على وحدة الموقف الخليجي.

هناك صيغة ثالثة أو خيار ثالث وهي الاتحاد القطاعي، أي تحديد مجالات معينة من مجالات العمل المشترك للاتحاد، قد يكون الاقتصاد مثلاً هو الإطار المرغوب أو الإطار الأمني الداخلي، مع الحفاظ أيضاً على مسيرة المجلس، وفتح باب الاندماج والاتحاد في القطاعات الأخرى تدريجياً واختيارياً.
مثل هذه الرؤى والخيارات هى محاولة للحفاظ أولاً على تماسك صيغة مجلس التعاون الخليجي كحد أدنى من الاتحاد، والحيلولة دون التعرض لأية اختراقات خارجية، وهي ثانياً تستهدف الحفاظ على دافعية ورغبة الاتحاد عند من يريد من الدول، والرهان على النجاح لإغراء دول المجلس بالاتحاد الذي هو المخرج الوحيد لتحقيق التوازن في ميزان القوة المختل لغير صالح دول المجلس والذي يجعل منطقة الخليج منطقة جاذبة للتدخل الخارجي.


شارك