أزمة سد النهضة والأمن المائي المصري

الأحد 29/ديسمبر/2013 - 01:44 م
طباعة
 
مــــي غيــــــــث
يعتبر ملف نهر النيل من الملفات الشائكة والهامة في مصر منذ عقود؛ حيث توترت العلاقات المصرية بدول حوض النيل، خاصة في تسعينيات القرن الماضي، والتي كانت تتأرجح بين التحسن والتوتر من فترة لأخرى؛ نتيجة سوء الإدارة المصرية لهذا الملف الذي يمثل أمنًا قوميًّا لمصر، مثله مثل الحدود الشرقية لمصر، بليعتبر من أهم الملفات التي يجب الاهتمام بها، وكان يجب الاهتمام بها منذ وقت مبكر، في ظل إهمال الدبلوماسية المصرية والخارجية المصرية للدائرة الإفريقية على جميع المستويات.

استمر الإهمال المصري لملف نهر النيل، سواء على مستوى الرئاسة أو الخارجية المصرية، وكذلك على المستوى الشعبي، والاستثمار للدائرة الإفريقية، وخاصة دول حوض النيل، التي تعتبر من الدول الهامة للأمن القومي المصري، أو ما يُسمى بالأمن المائي. فهناك من تحدث عن أن الصراع القادم سيكون صراعًا مائيًّا.

من أبرز من كتب وعبر عن أهمية النيل بالنسبة للأمن القومي المصري هو “,”جمال حمدان“,”؛ إذ قال: “,”إذا كان السودان قلْب بُعدنا النيلي موقعًا ورقعةً؛ فإن أطرافه في هضبة الحبشة من يمين وهضبة البحيرات من يسار، أو من شمال وجنوب، هي قلب منابعنا المائية؛ ومن ثم قمة وحدتنا الهيدرولوجية“,”.

وبالتالي؛ من الأهمية بمكان تناول مفهوم الأمن القومي المائي، ثم تناول موقف مصر من الاتفاقيات الدولية المبرمة بشأن نهر النيل، ثم تناول الإدارة المصرية للأزمة وتطورها، ومواقف دول حوض النيل من الأزمة، وأخيرًا، وليس آخرًا، توصيات بأهم المقترحات لمواجهة هذه الأزمة.

أولاً: مفهوم الأمن القومي المائي :

لا ينفصل مفهوم الأمن القومي المائي عن مفهوم الأمن القومي؛ حيث تعددت الاتجاهات التي سعت لتوضيح ماهية الأمن القومي؛ فهناك من يوسع من المفهوم ليشمل الأبعاد غير العسكرية، أي الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية، وبمعنى أدق يشمل الأبعاد التنموية إلى جانب الأبعاد العسكرية، وهناك من يضيّقه ويقصره فقط على الأبعاد العسكرية.

إلا أنه، وبصرف النظر عن الاتجاهات والآراء المختلفة في ذلك الصدد، يمكن تعريف الأمن القومي بأنه “,”الإجراءات التي تتخذها الدولة في حدود إمكانياتها للحفاظ على كيانها ومصالحها في الحاضر والمستقبل، مع مراعاة المتغيرات الدولية“,”. ووفقًا لهذا التعريف؛ فإنه يتضمن عدة عناصر، هي:

- أن تشمل الإجراءات كافة المجالات في الدولة، سواء اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أو دفاعية.

- أن تكون هذه الإجراءات في حدود الإمكانيات المتاحة.

- التخطيط للحاضر والمستقبل بصورة جيدة.

- مراعاة الظروف الدولية والإقليمية التي تحتاج إلى إعادة تقييم من آن لآخر.

فالأمن القومي لم يعد يقتصر فقط على الأبعاد العسكرية، ولكن شمل أيضًا أبعادًا غير عسكرية، مثل الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.



ظهر مفهوم الأمن المائي، أو الأمن القومي المائي، باعتباره أحد أبعاد الأمن القومي، ولما يمثله من أهمية في التنمية وأمن الدولة؛ ومن ثم اتجهت العديد من الدراسات لتعريف مفهوم الأمن المائي على أنه “,”احتياجات الفرد المائية على مدار العام“,”، وهو ما عُرف بـــــ“,” حد الأمان المائي “,” ( Water Stress Index )، وهو متوسط نصيب الفرد سنويًّا من الموارد المائية المتجددة والعذبة، في الاستخدامات الإنتاجية مثل الزراعة والصناعة والاستهلاك المنزلي.

ويعتبر متوسط استهلاك الفرد عالميًّا 1000 م 3 ، في حين أن هناك شبه اتفاق إقليمي على أن متوسط نصيب الفرد سنويًّا يصل إلى “,”500 م 3 “,”، وهذا يعتبر حدًّا مناسبًا للمناطق الجافة وشبه الجافة أو القاحلة، ومنها منطقة الشرق الأوسط بصفة عامة، والمنطقة العربية بصفة خاصة.

ووفقًا لما سبق؛ فإن الأمن القومي المائي، أو الأمن المائي، يُقصد به: “,”المحافظة على الموارد المائية المتوافرة، واستخدامها في الشرب والري والصناعة، والسعي بكل السبل للبحث عن مصادر مائية جديدة وتطويرها، ورفع طاقات استثمارها؛ لتأمين التوازن بين الموارد المائية المقامة والطلب المتزايد عليها“,”.

ومن ثم فإن الأمن المائي لا يقل أهمية عن الأمن القومي، ولكن يعتبر جزءًا أصيلاً ولا يتجزأ من الأمن القومي للدولة؛ نظرًا لإمكانية تحقيق المزيد من الغذاء بسبل زراعية وصناعية مختلفة، بينما تبقى إمكانية زيادة المصادر المائية العذبة محدودة، كما أنه لا يوجد بديل عن الماء، في الوقت الذي توجد فيه بدائل أخرى لموارد كالطاقة على سبيل المثال.

ومما سبق يتضح لنا أن نهر النيل يعتبر أمنًا قوميًّا مائيًّا؛ باعتباره ليس فقط أساس الاقتصاد المصري والتنمية في مصر، بل لأنه الأساس الذي تقوم عليه مصر وأساس وجودها؛ ومن ثم فإن السياسة المصرية تقوم على أساس مبدأين، هما: تنظيم مياه نهر النيل، وتأمين وصول مياه نهر النيل بالقدر التاريخي، والحفاظ على حصة مصر من مياه النيل، وفقًا للاتفاقيات التاريخية والحقوق التاريخية المكتسبة.

العلاقة بين الأمن القومي والأمن المائي:

لمعرفة العلاقة بين مفهومي الأمن القومي والأمن المائي -بالتطبيق على نهر النيل- لا بد من تحديد مصالح الأمن القومي، والتي تتمثل في:

1 . البقاء: ونقصد هنا بقاء الدولة، ويعتبر نهر النيل مصدر بقاء مصر، ومصدرًا أساسيًّا ورئيسيًّا لوجودها والحفاظ على بقائها. حيث معظم الدول المتشاطئة في الحوض -ما عدا السودان ومصر- تملك حاجتها من المياه؛ لكثرة البحيرات العذبة والأنهار، ولكثرة هطول الأمطار فيها، بينما يعتمد السودان (بنسبة 77%) ومصر (بنسبة 97%)، على مياه نهر النيل .

2 . التنمية: حيث إن نهر النيل من أهم مصادر التنمية الاقتصادية في مصر.

3 . الاستقرار: يعتبر نهر النيل أساس الاستقرار في مصر.

ومما سبق يتضح أن أحد متطلبات الأمن القومي هو الحفاظ على الأمن المائي، المتمثل في نهر النيل، وحصة مصر من مياه نهر النيل؛

وذلك من خلال:

· الحفاظ على أمن منابع نهر النيل، واستمرار التدفق الطبيعي لمياه النيل؛ باعتبار أن المياه مورد إستراتيجي مهم بالنسبة لمصر، يؤثر على التنمية الاقتصادية في مصر.

· ضمان أمن واستقرار السودان؛ باعتبار أن تهديد السودان يشكل تهديدًا لمصر.

· تأمين مصادر الطاقة على مجرى النيل (السد العالي)؛ لتأمين التنمية الزراعية والصناعية؛ باعتبارها تأمينًا لاقتصاديات مصر القومية.

· التنسيق مع دول حوض النيل فيما يتعلق بالمشروعات التي تقيمها، وقد تؤثر على تدفق المياه إلى مصر، أو تؤثر على حصة مصر من المياه.

· مقاومة التغلغل الإسرائيلي في إفريقيا، وتنمية العلاقات مع دول حوض النيل.



ثانيًا: موقف مصر من الاتفاقيات الدولية المبرمة بشأن نهر النيل :

يعتبر نهر النيل من أطول أنهار العالم؛ إذ يبلغ طوله نحو 6670 كم، وتستفيد منه، ويجري في داخل حدود، 11 دولة، ويشغل حوض النيل في بعض الدول، كجمهورية الكونغو الديمقراطية، 0.7%، وبوروندي 0.4% ، أي ما يساوي نصف مساحتها الإجمالية، ورواندا 0.7%، أي ما يساوي 75% من مساحتها الإجمالية، وتنزانيا 2.7%، وكينيا 1.5%، والكونغو 0.7%، وأوغندا 7.4% ، وإثيوبيا 11.7%، وإريتريا 0.8%، والسودان 63.6%، ومصر 10 % .

وتنظَّم العلاقة بين دول حوض النيل من خلال الاتفاقيات الثنائية أو الاتفاقيات على المستوى الإقليمي.

1 . الاتفاقيات الثنائية:

على مستوى الاتفاقيات الثنائية؛ فقد وقعت مصر عدة اتفاقيات ثنائية مع كلٍّ من إثيوبيا والسودان، وبينها وبين بعض دول حوض النيل بصورة ثنائية.

أ‌ . إثيوبيا

وقعت مصر خمسة اتفاقيات ثنائية مع إثيوبيا، هي:

· بروتوكول روما (15 إبريل 1891): وقد تم توقيع هذا البروتوكول بين كلٍ من بريطانيا وإيطاليا، وقت الاستعمار الإيطالي لإريتريا، وقد تعهدت إيطاليا في ذلك الوقت، في المادة الثالثة من هذا البروتوكول، بعدم إقامة أية منشآت لأغراض الري على نهر عطبرة يمكن أن تؤثر على تدفقات مياه النيل إلى الدول الأخرى.

· اتفاقية أديس أبابا (15 مايو 1902): وهذه الاتفاقية وقعتها بريطانيا نيابة عن مصر وإثيوبيا، وقد تعهد الإمبراطور “,”منيليك الثاني“,”، ملك إثيوبيا، بعدم إقامة أو السماح بإقامة أي منشآت على النيل الأزرق أو بحيرة تانا أو نهر السوباط من شأنها أن تعترض سريان مياه النيل، إلا بموافقة الحكومة البريطانية والحكومة السودانية مقدمًا.

· اتفاقية لندن (13 ديسمبر 1906): وتم توقيع هذه الاتفاقية بين كلٍّ من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، وينص البند الرابع منها على أن تعمل هذه الدول معًا على تأمين دخول مياه النيل الأزرق وروافده إلى مصر.

· اتفاقية روما 1925: وهي عبارة عن مجموعة خطابات متبادلة بين بريطانيا وإيطاليا في العام 1925، وتعترف فيها إيطاليا بالحقوق المائية المكتسبة لمصر والسودان في مياه النيل الأزرق والأبيض وروافدهما، وتتعهد بعدم إجراء أي إشغالات عليهما من شأنها أن تنقص من كمية المياه المتجهة نحو النيل الرئيسي.

· إطار التعاون: والذي تم توقيعه في القاهرة في الأول من يوليو 1993، بين كلٍّ من الرئيس المصري “,”محمد حسني مبارك“,” ورئيس الوزراء الإثيوبي “,”ميليس زيناوي“,”، وكان لهذا الإطار دور كبير في تحسين العلاقات المصرية الإثيوبية.

ب‌ . اتفاقيات ثنائية بين مصر ودول حوض النيل

وقعت مصر اتفاقيات ثنائية بينها وبين بعض دول حوض النيل، وهي كالآتي:

· اتفاقية لندن (مايو 1906): تلك الاتفاقية وقعتها بريطانيا نيابة عن مصر والكونغو، وهي تعديل لاتفاقية تم توقيعها في مايو 1894، ومن أهم بنودها عدم قيام الكونغو بأي مشروعات قد تؤثر على تدفق المياه في بحيرة “,”ألبرت“,” دون الاتفاق مع السودان.

. اتفاقية 1929: وهي عبارة عن خطابين متبادلين بين كل من رئيس الوزراء المصري آنذاك، محمد محمود، وبين المندوب السامي البريطاني “,”لويد“,”، نيابة عن السودان وأوغندا وتنزانيا (تنجانيقا سابقًا).

· اتفاقية 1953: وكانت بين مصر وبريطانيا، نيابة عن أوغندا، وكانت بخصوص إنشاء سد “,”أوين“,” عند مخرج بحيرة فكتوريا، وهي أيضًا عبارة عن مجموعة من الخطابات المتبادلة بين الطرفين خلال الفترة (1949-1953)، وقد تعهدت بريطانيا، نيابة عن أوغندا، أنَّ تشغيل هذا السد لن يؤثر على تدفق وكمية المياه التي تصل إلى مصر.

. اتفاقية 1991: وهذه الاتفاقية وقعت بين مصر وأوغندا، إذ وقعها الرئيس مبارك والرئيس الأوغندي موسيفيني، وقد أكدت أوغندا احترامها لاتفاقية 1953؛ وبالتالي الاعتراف الضمني باتفاقية 1929، كذلك تم الاتفاق مجددًا على أن السياسة التنظيمية لبحيرة فكتوريا يجب أن تناقش وتراجع من قبل كلٍّ من مصر وأوغندا، بما لا يؤثر على احتياجات مصر من المياه.

ج . الســـــودان

وقعت مصر والسودان اتفاقيتين لتنظيم العلاقة المائية فيما بينهما، وهما:

· اتفاقية 1929: وهذه الاتفاقية تؤكد على ضرورة التنسيق بين الدولتين عند إقامة أي مشروعات في السودان، كما تقوم الحكومة المصرية بتقديم جميع التسهيلات لعمل الدراسات والأبحاث المائية لنهر النيل في السودان، ويمكنها إقامة أعمال لزيادة مياه النيل لمصلحة مصر بالاتفاق مع السلطات المحلية.

· اتفاقية 1959: وهذه الاتفاقية جاءت مكملة للاتفاقية السابقة (1929) وليست لاغية لها؛ إذ تشمل الضبط الكامل لمياه النيل الواصلة لكل من مصر والسودان في ظل المتغيرات المستجدة على الساحة آنذاك، وهي الرغبة في إنشاء السد العالي ومشروعات أعالي النيل؛ لزيادة إيراد النهر، وإقامة عدد من الخزانات في أسوان.

وفي إطار مواكبة التطورات على الساحة الإقليمية ودول حوض النيل تم استحداث آليات جديدة للتعاون فيما بين دول حوض النيل، بجانب الاتفاقيات الثنائية السابقة، التي تم توقعيها في عهد الاستعمار. وبالفعل تم استحداث عدد من الآليات منذ ستينيات القرن العشرين، مثل:

. هيئة مياه النيل: وقد أنشئت بموجب اتفاقية 1959 بين مصر والسودان؛ لزيادة إيراد النهر، وعمل مشروعات لزيادة إيراد النهر.

· مشروع الهيدروميت: وقد انطلق هذا المشروع في 1976 بمشاركة دول حوض النيل العشر، مصر وكينيا وأوغندا وتنزانيا والسودان، ثم انضمت إليها رواندا وبورندي والكونغو الديمقراطية، وأخيرًا إثيوبيا. وهو الخاص بدراسة الأرصاد الجوية والمائية لحوض البحيرات الاستوائية.

· تجمع الأندوجو: كانت مصر صاحبة إنشاء هذا التجمع في 1983. ويهدف بالأساس لتنظيم الاستفادة من مياه النيل بقدر الإمكان، والتشاور فيما بين دول حوض النيل، ودعم مشروعات التعاون فيما بين دول حوض النيل، خاصة في مجال التنمية، وتبادل الخبرات فيما بينها.

· تجمع التيكونيل: وقد أنشئ هذا التجمع في ديسمبر 1992 بمشاركة ست من دول حوض النيل هي: (مصر والسودان وتنزانيا وأوغندا ورواندا والكونغو الديمقراطية)، وهو تجمع للتعاون الفني بين دول حوض النيل؛ للتنمية وحماية البيئة.

· مبادرة حوض النيل: في عام 1997 قامت دول حوض النيل بإنشاء منتدى للحوار؛ من أجل الوصول لأفضل آلية مشتركة للتعاون فيما بينها، وفي عام 1998 تم الاجتماع بين الدول المعنية، باستثناء إريتريا، في هذا الوقت. وفي فبراير 1999 تم التوقيع على هذه الاتفاقية بالأحرف الأولى في تنزانيا. وسميت بـ“,”مبادرة دول حوض النيل“,”؛ بهدف وضع إستراتيجية للتعاون بين الدول النيلية، ورفعت المبادرة شعار “,”تحسين معدلات التنمية الاقتصادية ومحاربة الفقر“,”.

. المكتب الفني الإقليمي للنيل الشرقي (الإنترو): وقد تأسس في مارس 2001، بالاتفاق بين كلٍّ من مصر والسودان وإثيوبيا، ومقره في أديس أبابا. ويهدف بالأساس إلى بحث المشروعات المائية المشتركة، والتي تم تجميعها في برنامج العمل لحوض النيل الشرقي.

ثالثًا: الإدارة المصرية للأزمة.. من عنتيبي إلى سد النهضة

تعود أزمة تحويل مجرى النيل إلى مايو 2010، عندما قررت 6 من دول منابع النهر التوقيع في مدينة “,”عنتيبي“,” الأوغندية على معاهدة جديدة لاقتسام موارده، ومُنحت القاهرة والخرطوم مهلةَ عام واحد للانضمام إلى المعاهدة .

وتنص “,”اتفاقية عنتيبي“,” على أن التعاون بين دول مبادرة حوض النيل يعتمد على الاستخدام المنصف والمعقول للدول، فيما تصر دول المصب، مصر والسودان، على التأكيد على شروط ثلاثة:

الأول : الحقوق المكتسبة والتاريخية، الثاني : الإخطار المسبق لأي مشروعات على النهر، والثالث : التصويت بالإجماع أو الأغلبية شرط موافقة مصر والسودان، أي امتلاك حق الفيتو.

واتخذت الدول الأعضاء مؤخرًا إجراءات التصديق عليها من برلماناتها، وبمجرد سريانها تنتهي الحصص التاريخية لمصر والسودان وفقًا لاتفاقيتي 1929 و1959، التي بموجبهما تحصل مصر حتى الآن على 55.5 مليار متر مكعب من المياه سنويًّا، والسودان على 18.5 مليار .

وقعت على هذه الاتفاقية 6 دول، هي: إثيوبيا وأوغندا وكينيا وتنزانيا ورواندا وبوروندي، بينما رفضت كل من مصر والسودان والكونغو الديمقراطية الانضمام إليها. وفي مارس 2013 أعلنت دولة جنوب السودان أنها ستنضم إلى الاتفاقية .

ولقد فشلت الجهود المصرية في العديد من القمم المشتركة، مرورًا بقمة كينشاسا، مايو 2009، واجتماع الإسكندرية يوليو 2009، حتى شرم الشيخ إبريل 2010، وإعلان الدول التوقيع في عنتيبي، 14 مايو 2010، وبيئة التفاوض نفسها كانت غير مبشرة؛ حيث المفاوض المصري والإثيوبي لا يتبادلان السلام، ولا يتبادلان الحلول سوى عبر وسطاء، مع تبادل الاتهامات بين دول المنبع والمصب، ووجود جو من الاحتقان والمواقف غير المبررة.

تتعامل مصر مع هذا الملف على أساس مبدأين، هما: التأكيد على الحقوق التاريخية المكتسبة؛ ومن ثم التأكيد على الاتفاقيات التي تم توقيعها بينها وبين دول حوض النيل، سواء الثنائية أو على المستوى الإقليمي، وخاصة اتفاقيتا 1929 و1959، اللتان تحددان نسبة مصر من المياه. أما المبدأ الثاني فهو العمل على إقامة علاقات طيبة وتعاونية مع دول منابع النيل، وسائر الدول الإفريقية.

وقد ساعدت مصر العديد من الدول الإفريقية من التحرر من الاستعمار، إلا أنه خلال العقود الثلاثة الأخيرة شهدت العلاقات المصرية – الإفريقية انكماشًا وترديًا وصل في بعض الأوقات إلى حد الجمود، بما في ذلك السودان.

وقد قامت مصر بعقد عدد من المؤتمرات في السنوات الأخيرة بهدف تحقيق مزيد من التقارب مع الدول الإفريقية وتقريب الأهداف، إلا أن آخر مؤتمر، الذي تم في شرم الشيخ في إبريل 2010، أدى إلى مزيد من التباعد وزيادة الخلاف بين دول الحوض؛ إذ انتهى إلى وقوف مصر والسودان معًا في جانب، وباقي الدول في جانب آخر.

وقد أكد هذا المؤتمر على تراجع دور مصر ونفوذها في القارة، وتهدد موقعها الإفريقي بالأخطار، في ظل تعدد الأبعاد الدولية؛ السياسية والأمنية، التي تثيرها أزمة المياه، خاصة في ظل وجود دور إسرائيلي نشط في هذه القضية، وكذلك الحديث عن قيام دولة جديدة في جنوب السودان، ستسعى للحصول على حصتها من المياه. وغياب رؤية إستراتيجية حول كيفية استيعاب آثار تفكك السودان على الأمن القومي المصري.

وقد أدى مؤتمر شرم الشيخ إلى استعداد عدد من دول حوض النيل التوقيع على اتفاقية عنتيبي في 14 مايو 2010، وقد وقع عليها أربعة من دول حوض النيل هي: إثيوبيا وأوغندا ورواندا وتنزانيا في مدينة عنتيبي الأوغندية، في ظل غياب دولتي المصب مصر والسودان. وبموجب هذه الاتفاقية يتم إلغاء حصة مصر والسودان من المياه المتفق عليها بموجب الاتفاقيات التاريخية. حيث تتضمن اتفاقية عنتيبي تقاسمًا جديدًا للمياه، وهو من وجهة نظر الدول الموقعة عليها أنه تقاسم أكثر عدالة.

تعتبر كينيا آخر دولة وقعت على الاتفاقية، وبعدها شن رئيس الوزراء الإثيوبي “,”ميليس زيناوي“,” هجومًا حادًّا لإعادة توزيع حصص المياه، قائلاً: “,”مصر ما زالت تسيطر عليها أفكار بالية، وهي أنها تمتلك مياه النيل، وهي من تحدد وحدها الحصص بين دول حوض النيل“,”. كما شدد أن مصر ليس من حقها منع إثيوبيا من إقامة سدود على نهر النيل، وزعم أن السودان ليس المشكلة، وإنما مصر هي المشكلة فقط.

وقد كانت لهذه التصريحات وهذا التوقيع العديد من الدلالات، مثل:

- محاولة فرض أمر واقع جديد على مصر، ومحاولة فرض رؤية تتجاوز المصالح المصرية.

- أن مصر والسودان لديهما رؤية تقوم على الحقوق التاريخية المكتسبة، في حين تستند دول المنبع إلى أبعاد سياسية تتعلق بمفهومها للسيادة الوطنية، ومفهوم التنمية لا يرتبط بالتعاون مع مصر بشكل رئيسي.

وقد كانت مصر والسودان مستعدتان؛ لقبول بعض التعديلات في اتفاقية عنتيبي بما يراعي حصصهما، لكن كان هناك إصرار على بنود الاتفاقية وإعادة توزيع الحصص على أساسين، هما: نسبة مساهمة، كل دولة في مياه النيل، وتطورات الأراضي والموارد والحاجة للمياه في السنوات الخمسين الأخيرة.

ونتيجة تفكك وعدم استقرار الوضع الداخلي في مصر في ظل الرئيس الجديد “,”محمد مرسي“,”، وكذلك نتيجة غياب وضعف الدور المصري في إفريقيا؛ أعطى فرصة لإثيوبيا - التي تتحكم في 85% من مياه النيل- استغلال هذا الوضع، وقيامها بالبدء بتنفيذ مشروعاتها التي كانت تسعى منذ عقود لتحقيقها. وبالفعل أعلنت الحكومة الإثيوبية تحويل مجرى النيل الأزرق؛ في خطوة منها للبدء في بناء سد النهضة.

. مخاطر سد النهضة

لم يكن خبر بناء السد مفاجئًا للمتابعين للملف المائي في مصر وتدهور الدور المصري على الساحة الإفريقية في العقود الثلاثة الأخيرة، خاصة بعد حادثة محاولة اغتيال الرئيس “,”محمد حسني مبارك“,” في أديس أبابا عام 1995. وإنما كان من المتوقع اتخاذ إثيوبيا هذه الخطوة منذ فترات، وتعلم مصر بالمشروعات التي تقوم عليها إثيوبيا ومطالبتها ببناء السدود لتوليد الطاقة الكهرومائية وتحقيق التنمية، وكذلك تعديل الاتفاقيات التاريخية، والمفاجئ في الأمر هو توقيت بناء السد، والاسم الذي يُطلق عليه بأنه سد “,”النهضة“,”!!.

هذا السد لم يكن فقط أمرًا هندسيًّا فنيًّا تنمويًّا، ولكنه أمر إستراتيجي ومسألة أمن قومي. وتتمثل مخاطر بناء سد النهضة في الآتي:

1. فتحويل المجرى قد لا يؤثر حاليًّا على تدفق المياه إلى مصر والسودان، ولكن بعد اكتمال بناء السد وملئه بـــ“,”74 مليار م3“,”، سيكون هناك عجز، يقدره البعض بأنه يتراوح ما بين 11 و19 مليار م3، بمتوسط 12 مليار م3، فكيف سيكون الوضع، ونحن نتحدث عن واحد من أربعة سدود؟؛ مما يعني أن إثيوبيا ستتحكم في أربعة بوابات لتدفق المياه إلى باقي الدول؛ وبالتالي التأثير على تدفق المياه إلى دول المصب، وخاصة مصر، والتأثير على حصتها من المياه، وتخفيض حصتها إلى 20 مليار م3؛ مما سينتج عنه كارثة في مصر؛ نظرًا لاعتماد مصر شبه الكامل على مياه النيل؛ مما سيكون له أثر سلبي على الزراعة والثروة الحيوانية والتنمية، فضلاً عن تأثيراته البيئية المدمرة، ودخول دول حوض النيل في صراعات وحروب على المياه.

2. خلال فترة ملء خزان السد، وهي تقدر بـــ6 سنوات، سيصاحب ذلك عجز في إنتاج الطاقة المائية في مصر، إلى جانب انخفاض مستوى بحيرة ناصر إلى حوالي 15 مترًا؛ وذلك إلى جانب حدوث فترات جفاف وتدهور في نوعية المياه.

ووفقًا لما سبق، تُعد هذه الأزمة من أكبر التحديات التي تواجه النظام المصري الراهن بقيادة الإخوان المسلمين، الذي ورث ملفات شديدة التعقيد من النظام السابق، والتي لا يمكن أن ننكر مسئولية النظام السابق المسئولية الأكبر عن هذه الأزمة، وكذلك تحميل النظام الراهن المسئولية؛ نتيجة عدم تعامله بجدية وبصورة مناسبة مع الموقف، ووضع هذا الملف على قمة أولوياته عند وصوله للحكم؛ حيث اهتم فقط بالصراعات الداخلية.

فالتحركات على المستوى المصري الرئاسي والدبلوماسي كان بطيئًا للغاية، حيث كانت هناك لجنة ثلاثية من المفترض أن تنتظر إثيوبيا قرارها في مشروع سد النهضة، الذي صدر في 30 مايو الماضي، إلا أن إثيوبيا استبقت الأحداث ولم تنتظر قرار اللجنة.

وقد صدر تقرير اللجنة الثلاثية لتقييم سد النهضة، الذي أعده 10 خبراء ومسئولين من مصر وإثيوبيا و4 خبراء أجانب. وقد احتوى التقرير على 4 تحفظات تتعلق بسلامة السد والتأثيرات الاجتماعية والاقتصادية على الفئات الفقيرة في مناطق إنشاء السد، وكذلك تحفظات تتعلق بتأثيره على الموارد المائية لدولتي المصب وقلة تدفق المياه إليهما، وهذه أمور تحتاج إلى مزيد من الدراسات التفصيلية من جانب الحكومة الإثيوبية؛ لمنع الآثار السلبية للسد.

كما أكد التقرير ضرورة التنسيق بين الدول الثلاث لإدارة السد على المستوى السياسي من قادة الدول المعنية.

وقد زاد الأمر تعقيدًا إذاعة حوار الرئيس “,”محمد مرسي“,” مع الأحزاب على الهواء؛ لمناقشة أزمة سد النهضة، وهو ما يمثل كارثة محققة لأزمة مياه النيل وللموقف المصري، حيث سينتج عنه موجة عارمة من العداء في إفريقيا تجاه مصر؛ ومن ثم انتهت أزمة سد النهضة لصالح إثيوبيا، التي سترفض أي تفاوض أو حلول وسط. فقد قام رئيس الوزراء الإثيوبي بتسجيل اللقاء، وعزمه على رفع دعوى ضد المشاركين فيه أمام المحكمة الدولية.

وبالتالي؛ فالإدارة المصرية الراهنة لهذه الأزمة تتميز بالسوء إلى حد كبير، فضلاً عن الجهل في إدارة الأزمات وعدم الخبرة.

وقد أدى هذا المؤتمر إلى توتر العلاقات وزيادة العداء مع دول حوض النيل، بل وكسبت إثيوبيا المعركة لصالحها؛ من خلال حصولها على المزيد من التأييد لبناء هذا السد؛ إذ أعلن الأمين العام للحركة الشعبية في جنوب السودان (الحزب الحاكم) –باقان آموم– عن عزم بلاده الانضمام إلى الاتفاقية الإطارية لتقسيم مياه النيل –اتفاقية عنتيبي– مؤكدًا دعم بلاده لبناء سد النهضة الإثيوبي.

كما طالب مصر وإثيوبيا بالتعاون والحوار؛ من أجل تجاوز خلافاتهما، مشيرًا إلى أن المياه ليست ملكًا لأحد، بل هي شراكة بين كل دول حوض النيل“,”، وكان ذلك في إطار المؤتمر الصحفي الذي عقده “,”باقان“,” في العاصمة الإثيوبية بأديس أبابا في 13 يونيو 2013.

كما أضاف أن سد النهضة لن يلحق أي أضرار لدولتي المصب، مصر والسودان، بل سيعود بفوائد كبيرة للبلدين؛ وذلك عبر تنظيم جريان الماء على مدار العام، ويمنع من تراكم الطمي في السدود السودانية“,”.

وفيما يتعلق بالتحركات الدبلوماسية المصرية، بمعني أدق على مستوى وزارة الخارجية، فقد جاءت متأخرة إلى حد كبير، وعلى غير المستوى؛ إذ إن وزير الخارجية المصري بعد زيارته لأثيوبيا صرح بأن هناك مشاورات على المستوى الفني عن طريق الوزراء، وعلى المستوى السياسي ممثلة في وزارة الخارجية، دون إبراز نتائج واضحة وملموسة.

فضلاً عن أن القيادات في مصر تعاملت مع الموضوع بداية بصورة فنية؛ إذ صرح وزير الري المصري أن السدود التي تنشئها أوغندا وتنزانيا على نهر النيل غير مؤثرة على تدفق مياه النيل، وأنه لم يتم استيراد الكهرباء من إثيوبيا لعدم وجود اتفاق بين الدولتين على آليات ملء وتشغيل السد، وأن الربط الكهربائي مقتصر فقط بين إثيوبيا والسودان بقدرات ضعيفة لا تسمح بنقل الكهرباء من سد النهضة.

وفيما يتعلق بمواقف دول حوض النيل الأخرى من هذا الإجراء الإثيوبي، فبالطبع كانت دول المنبع، وخاصة الموقعة على اتفاقية الإطار (اتفاقية عنتيبي 2010)، مؤيدة لهذا الإجراء، بل وانضمت لها دولة جنوب السودان.

وفي هذا الإطار أعلن الرئيس الأوغندي دعمه الصريح والمباشر لخطط إثيوبيا لبناء سد النهضة على النيل الأزرق –المورد الأساسي لنهر النيل– والذي يستهدف توليد طاقة كهربائية، ويتكلف 4.7 مليار دولار. كما طالب النظام المصري الكف عن التصريحات الفوقية، والتي بها قدر من الاستعلاء تجاه دول القارة. وقد جاءت هذه التصريحات بالتزامن مع تصديق البرلمان الإثيوبي على معاهدة عنتيبي، وهو التصديق الخامس.

مما سبق يتضح لنا أن النظام المصري الراهن يواجه العديد من التحديات على المستوى الداخلي والخارجي فيما يتعلق بإدارته لملف سد النهضة،

وتتمثل هذه التحديات في الآتي:

1. على المستوى الداخلي: تمر مصر بأضعف حالاتها؛ نظرًا لانشقاق الصف الداخلي والمعارضة القوية للرئيس “,”محمد مرسي“,”؛ نتيجة عدم خروجه من عباءة جماعة الإخوان المسلمين؛ حيث يتصرف وفقًا لمصالحها ووفقًا لأفكارها وتوجهاتها، بجانب الحاجة إلى مزيد من التنمية في مصر، والتي تعتمد بشكل رئيس على مياه نهر النيل، كذلك التخبط في القرارات التي يصدرها النظام، وعدم التنسيق والإعداد الجيد لإدارة هذه الأزمة.

2. على المستوى الخارجي: ملف مياه النيل من أخطر الملفات وأهمها في إقليم حوض النيل، وكما سبق وأكدنا فإنه يعتبر ملف أمن قومي، بل أهم؛ إذ توجد بعض الآراء التي تؤكد أن الحروب والصراعات القادمة ستكون صراعات حول المياه .

ومن ثم نتيجة غياب الدور المصري عن القارة الإفريقية منذ 1995، فقد كانت فرصة سانحة لدول أخرى للتغلغل في الساحة الإفريقية، وخاصة دول حوض النيل. ومن أهم الدول التي استغلت الفراغ المصري على الساحة الإفريقية ودول حوض النيل، هي إسرائيل، والوجود الصيني المكثف، والنشاط المخابراتي في المنطقة؛ نظرًا للأهمية الإستراتيجية للإقليم، واعتباره البوابة الغربية للجزيرة العربية، معقل اهتمام الولايات المتحدة والقوى الغربية؛ نتيجة وجود النفط العربي، وإسرائيل هي الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة، فضلاً عن ارتباط إقليم حوض النيل بالقرن الإفريقي، الذي يتحكم في باب المندب والبحر الأحمر، الذي به أهم القواعد العسكرية الأمريكية.

هذا بجانب انغماس الجيش المصري والقوات المسلحة بقضايا داخلية وقضايا فرعية، مثل تهريب الأسلحة من الحدود الغربية، وكذلك التصدي للجماعات الإرهابية والجهادية في سيناء، وكذلك التصدي للفوضى الأمنية بالتعاون مع الشرطة، التي لم يعد لها القدرة بمفردها على مواجهة الخلل الأمني في مصر.

ومما سبق يتضح لنا أن النظام الحالي لديه موروث لا بأس به من التحديات على المستويين الداخلي والخارجي، يمثل عبئًا في مواجهة أزمة سد النهضة؛ وبالتالي على النظام الراهن الاستعانة بأهل الخبرة، والتعامل بحنكة وجدية مع هذا الملف، والتحرك على جميع المستويات. وهذا ما سيتم توضيحه في السطور القادمة

رابعًا: الأسباب – السيناريوهات - الحلول

· المواريث التاريخية السالبة

واقع الأزمة مع دول إفريقيا ودول حوض النيل عمومًا، وإثيوبيا على وجه الخصوص، إنما تتعلق بمواريث تاريخية سلبية بين مصر والدول الإفريقية، وبواقع يتعلق بأوضاع دول الحوض داخليًّا وخارجيًّا، وبمدركات وممارسات سالبة من جانب كل من مصر والسودان تجاه دول الحوض. وتفصيل ذلك كالآتي:

فالاحتكاك التاريخي المصري والعربي بمنطقة حوض النيل ما زال يلقي بآثاره السلبية، خاصة حال نشوب أي خلاف -ولو محدود- بين الطرفين؛ إذ ترفع على الفور إعلاميًّا ودبلوماسيًّا راية الاستعمار المصري (إثيوبيا)، وراية تجارة الرقيق العربي (كينيا)، وراية الغزو العربي للشمال الإفريقي (أوغندا)، وراية العنصرية العربية (جنوب السودان).

فلقد سقطت العديد من الرايات التي كانت ترفعها الدولتان في علاقاتهما مع دول الحوض؛ إذ توارت راية الاستقلال الاقتصادي (تأميم قناة السويس)، وسقطت راية النضال المشترك لمناهضة الاستعمار والعنصرية (عقب معاهدة السلام المصرية – الإسرائيلية)، وسقطت راية الوحدة الوطنية التي كان يمكن الترويج لها في دول الحوض ذات المجتمعات التعددية (بعد أحداث الفتنة الطائفية في مصر منذ سبعينيات القرن الماضي)، وسقطت راية المشروع الحضاري السوداني، الذي أريد الترويج له عنوة في دول حوض نهر النيل، فسقط المشروع، وقُسم السودان.

وقد تواكب مع ذلك، ومنذ سبعينيات القرن الماضي، السعي من جانب مصر لتعزيز التعاون مع دول في الحوض تعمل تحت راية المشروع الغربي (موبوتو في الكونغو زائير)، وهو ما أثار حفيظة دول اشتراكية في المنطقة آنذاك (إثيوبيا)، أو مع دولة كالصومال ومؤازرتها في اجتياحها إقليم أوجادين الإثيوبي، أو الدعم العربي لعيدي أمين (أوغندا)؛ وهو ما ولد مشاعر سلبية لدى حركة المعارضة لنظامه بزعامة يوري موسيفيني، وهي مشاعر مستمرة حتى الوقت الحاضر.

فإذا ما أضفنا إلى ما تقدم أن مصر، إلى جانب مساندتها لحركات الكفاح المسلح في إفريقيا (لم تكن هناك حركات كفاح مسلح ذات شأن في منطقة حوض نهر النيل)، كانت تعتمد في علاقاتها الاقتصادية مع إفريقيا على القطاع العام، المتمثل في “,”شركة النصر للتصدير والاستيراد“,”، فضلاً عن خطين ملاحيين أحدهما بشرق إفريقيا والآخر لغربها؛ لأدركنا كيف أن عملية الخصخصة قد أسفرت عن تآكل القدرة المصرية على الفعل في منطقة حوض نهر النيل.

· واقع دول الحوض داخليًّا وخارجيًّا:

المتأمل في واقع دول نهر النيل يجد أنها مجزأة ثقافيًّا بين عربفون (مصر والسودان)، وأنجلوفون (كينيا، تنزانيا، أوغندا، جنوب السودان)، وفرانكفون (رواندا، بوروندي، الكونغو الديمقراطية)، وأمهرية (إثيوبيا)؛ وهو ما يعني أن احتمالات التنافس، بل والصراع بين هذه الدول تظل احتمالاً قائمًا، ثم إن مجتمعات هذه الدول في معظمها مجتمعات تعددية (إثنية، ودينية، ولغوية... إلخ)، وهو ما يعزز من احتمالات الصراع الداخلي، والحرب الأهلية، فإذا ما أضفنا إلى ما تقدم التأثير الصهيوني في بعض هذه الدول (إثيوبيا – جنوب السودان – كينيا – أوغندا) فضلاً عن قيام قوات الأفريكوم (القيادة العسكرية الأمريكية لإفريقيا) لتدريب جيوش هذه الدول وقواها الأمنية، لأدركنا أن المسألة أخطر بكثير من وجود «أزمة حالة» حول مياه النيل.

ولقد تمكنت إثيوبيا منذ بداية هذا القرن من أن تصبح قوة إقليمية في المنطقة، بدعم صهيوني وأمريكي دفعها لمناجزة النفوذ المصري - السوداني في المنطقة، بل واحتوائها أيضًا، فهي تقيم علاقات أمنية وعسكرية قوية مع كينيا منذ عام 1964، عندما عقدت اتفاقية عسكرية معها؛ لمواجهة المطالب الإقليمية للصومال في أرض الدولتين، واستعرضت قوتها العسكرية في حربين متتاليتين مع إريتريا، وتدخلت في الصومال عسكريًّا –ولا تزال– وأسقطت حكم اتحاد المحاكم الإسلامية عام 2006، ثم استجلبت القوات الأوغندية والبوروندية تحت مظلة الاتحاد الإفريقي؛ لتواجه قوات شباب المجاهدين في الصومال، ولأول مرة يكون لإثيوبيا علاقات ذات شأن مع كل من أوغندا وبوروندي، ثم إن قواتها، وبدعم دولي (أكثر من أربعة آلاف جندي) موجودة على الحدود بين السودان وجنوب السودان.

· سيناريوهات الأزمة

يمكن الوقوف على مجموعة من السيناريوهات في ظل تعقد الأمور ودخول أطراف جديدة في التصعيد والتأثير:

فالسيناريو الأول : يرجح استمرار التعاون بين دول حوض النيل، وتجاوز الخلافات الشكلية الحالية، وتغليب المصلحة الجماعية على التنافس والصراع والمصالح الفردية، مع تحييد الخلافات “,”السياسية والاجتماعية؛ “,” تأسيسًا على وجود آلية للتفاوض يمكن من خلالها البناء على ما تحقق من قبل .

أما السيناريو الثاني: فربما هو الأقرب للتحقيق، ويدور حول موافقة الأطراف على تأسيس مفوضية عليا، يتم من خلالها تنسيق المواقف، وبدء إدارة المشروعات والاستثمارات المتفق عليها، برعاية الأطراف المانحة لهذا السيناريو .

السيناريو الثالث: قد تكون الأجندات الفردية المدعومة بمصالح خارجية لبعض دول المنبع هي أحد الخيارات المطروحة، والتي تقود إلى احتدام الصراع بين دول حوض النيل؛ مما يؤثر على خطورة الوضع المائي المصري، إلا أن مصر لن تقبل بأي حال من الأحوال إنقاص حصتها من مياه نهر النيل، بل تحتاج لزيادة تلك الحصة، ولن توقع على أية اتفاقيات جديدة قبل أن تتأكد من حصولها على حقوقها كاملة .

· المَخرَج

التعامل مع أزمة سد النهضة بشكل منعزل عن مجمل العلاقات المصرية الإفريقية لن يجدي نفعًا؛ وبالتالي على النظام الحالي التحرك على مستويين، هما: الدبلوماسية الرسمية، والدبلوماسية الشعبية، بالتوازي معًا.

- على مستوى الدبلوماسية الرسمية والرئاسة : على النظام الحالي إعادة الدور المصري في إفريقيا، ورفع مستوى التمثيل الدبلوماسي، والاهتمام بالدائرة الإفريقية، والكف عن التصريحات الاستعلائية. ومحاولة مصر سد الفراغ، واستعادة العلاقات مع دول حوض النيل كافة؛ من خلال تحقيق مزيد من التعاون في جميع المجالات الاقتصادية والثقافية والرياضية والتنمية، وتشجيع الاستثمارات في دول القارة، وخاصة دول حوض النيل، فضلاً عن التعاون في المجال التعليمي، وتبادل البعثات الطلابية؛ مما سيقرب الشعوب من بعضها البعض، وهو ما سيكون له مردود على المدى البعيد، أما على المدى القصير، وفيما يخص هذه الأزمة؛ فإنه يجب الاستعانة بأهل الخبرة في مجال إدارة الأزمات والمتخصصين في الشأن الإفريقي، وخاصة دول حوض النيل، وكذلك الفنيين؛ لتقديم خبرتهم وتوصياتهم لحل هذه الأزمة ومواجهتها بحنكة وصورة جيدة؛ كي لا نقع في أخطاء قد تؤدي إلى مزيد من التعقيد وتأتي بنتائج عكسية لمصلحة مصر، فضلاً عن ضرورة التنسيق بين مصر والسودان لمواجهة هذه الأزمة.

وبجانب ذلك يجب على النظام المصري الاستعانة بكبار مفاوضي الدولة، والتفاوض مباشرة، وذلك بعد تنسيق الجهود المصرية السودانية بشأن هذه الأزمة؛ لمناقشتها، والخروج بنتائج للحفاظ على مصلحة دولتي المصب من المياه، ومنع استكمال بناء هذا المشروع، الذي لم يقتصر فقط على سد النهضة؛ حيث هذا السد واحد من سلسلة سدود (أربعة سدود).

بجانب طرح مصر مشروع آخر لإثيوبيا يولد طاقة كهرومائية بما لا يؤثر على تدفق المياه لمصر والسودان، وبيان مساوئ وأضرار المشروع الإثيوبي على إثيوبيا والسودان. هذا بجانب أنه من الأفضل تسليم ملف المياه لوزارة الدفاع والجهات السيادية كي يمكن تدارك الموقف.

- أما على مستوى الدبلوماسية الشعبية : فهنا يجب تقريب الشعوب من بعضها البعض، ومحاولة تبادل الثقافات، وتعريف الشعب المصري بصورة أفضل عن القارة الإفريقية ودول حوض النيل، وأهمية هذه الدول للأمن القومي لمصر، وذلك من خلال الأنشطة الثقافية وبرامج التوك شو والمناهج التعليمية والسياحة... إلخ، بجانب العمل على التقليل من النظرة العنصرية والاستعلائية من جانب الشعب المصري تجاه شعوب القارة السمراء، وعدم التعامل على أساس اللون أو الدين أو الجنس، وكذلك عدم التقليل من شأن شعوب هذه القارة. فضلاً عن تشجيع رجال الأعمال على الاستثمار في هذه البلدان، والحرص على التواجد المصري في دول حوض النيل. وهذا الأمر بالتأكيد ستكون آثاره على المدى البعيد.

على أية حال فلا بد لمصر والسودان وإثيوبيا، أطراف المعادلة الرئيسيين، الوصول إلى مقاربة تنموية شاملة، لا تحفظ حقوق الدول التاريخية فقط، ولكن تقود إلى تنمية موارد كافة الدول، على نحو يرتقي بمنطقة حوض النيل ..

ويجب أن تقوم العلاقات الدولية في منطقة حوض النيل على أسس من التكامل والمنفعة المتبادلة، وهذا لن يتحقق سوى بالابتعاد عن الخطابات العدائية، وجهود نحو تقليص الفجوة بين الأطراف، ومصر عليها دور كبير تلعبه في هذا الشأن تحديدًا، فيكفيها سنواتها العجاف السابقة في إفريقيا .

ولا بد لنا من التأكيد على ضرورة دعم البعد الإفريقي – المصري؛ من خلال تدعيم المحاور الاقتصادية والشعبية والثقافية بدول حوض النيل؛ عن طريق إنشاء المدارس والجامعات بها، وكذلك المراكز الثقافية، ومحاولة مساعدة هذه الدول وتنميتها، من خلال البعثات الصحية، وإقامة المستشفيات هناك؛ ولأن نهر النيل لا يتوقف؛ فإن المفاوضات والاهتمام المصرية يجب ألا تتوقف هي الأخرى مع هذا الملف الخطير .

إن الوضع الراهن للعلاقات في المنطقة يفرض ضرورة السعي لتعديل ميزان القوى في المنطقة، الذي يميل حاليًّا لصالح المحور الرباعي (إثيوبيا – كينيا – أوغندا – جنوب السودان)، الذي يعمل تحت المظلة الصهيونية الأمريكية؛ وذلك باتباع مسارات عديدة:

1. العمل قدر المستطاع على تحقيق التوازن في المنطقة، من خلال:

(أ‌) تسوية المشكلة الصومالية؛ حيث كانت الصومال تشكل عامل توازن في المنطقة في مواجهة إثيوبيا، على نحو كان يخدم المصالح المصرية، ويمكن أن يتم ذلك بتقديم مصري، سوداني، إريتري سعودي، أردني، يمني.

(ب‌) تعزيز العلاقات مع إريتريا، بسواحلها البالغ طولها على البحر الأحمر نحو “,”683 كم “,” ، وذلك دون تجاهل للعلاقات مع إثيوبيا.

(ج‌) العمل على تحقيق تنسيق بحري بين الدول المطلة على البحر الأحمر، والسودان، وإريتريا، والأردن، والسعودية، واليمن؛ خدمة لمصالح هذه الدول مواجهة التهديدات الخارجية.

(د‌) العمل على قدر المستطاع على تعميق العلاقات مع بعض دول حوض النيل، التي لها عداوات تاريخية مع مصر، وهي: جنوب السودان، والكنغو الديمقراطية، ورواندا، وبوروندي؛ لتفكيك هذه العلاقات مع إثيوبيا.

2. تعزيز العلاقات مع دول غرب إفريقيا (الإسلامية)؛ لحصار مصدر القلق في منطقة حوض النيل (إثيوبيا وحلفائها)، مع الحذر من التعامل أو التعاون مع الجماعات “,”الجهادية“,”.

3. ممارسة أكبر قدر من الضغوط على الصين؛ حتى تمتثل للقانون الدولي، وتتوقف عن إقامة سدود على النيل الأزرق بإثيوبيا.

4. محاولة إغراء الولايات المتحدة، أو ممارسة قدر من الضغوط عليها، كيما تتوقف عن الدعم المطلق لإثيوبيا، والذي من شأنه الإضرار بالمصالح المصرية.

5. ضرورة نص المفاوض المصري أن تكون عدالة التوزيع على مجمل الحوض الخاص بنهر النيل وليس فقط مجرى النهر، حيث مجمل إيرادات الحوض هو 1650 مليار م 3 ، فنهر النيل لا يعاني من ندرة، ولكن من انعدام تنسيق بين دول الحوض.

6. ضرورة وجود رؤية متكاملة لتنمية إيرادات الحوض، من خلال إحياء مشروعات مشتركة وتنمية الحوض، مثل تنفيذ مشروع نهر الكونغو الذي طرح في فترة السادات، والذي يقوم على ربط نهر الكونغو بنهر النيل، و‏مراده التحكم في الموارد المائية بالبلدان المستفيدة، وهي مصر والسودان وجنوب السودان والكونغو. وذلك باستغلال جزء من فواقد نهر الكونغو، التي تصل إلى 1000 مليار متر مكعب سنويًّا تلقي في المحيط الأطلسي، وذلك عن طريق إنشاء قناة حاملة بطول 600 كيلو متر لنقل المياه إلى حوض نهر النيل عبر جنوب السودان إلى شمالها، ومنها إلى بحيرة ناصر.

شارك