معضلة الدور السياسي للتيار الصوفي العربي وكيفية التفعيل بعد ربيع الثورات (3/3)

الأحد 29/ديسمبر/2013 - 01:00 م
طباعة     الطرق الصوفية الطرق الصوفية
 
إعداد: أبو الفضل الإسناوي
(ب) الحالة السورية:

سيطر على العلاقة بين التيار الصوفي وممارسة السياسة في سوريا المبدأ الصوفي القائل بأن “,”ممارسة السياسة تفسد الدين“,”؛ ومن ثم حرمت طوال الوقت مناقشة السياسة في المساجد، وحتى تناولها في الخطب والدروس الفقهية، واكتفت بتكرار الخطاب السياسي من منظور إسلامي منذ أحداث الثمانينيات واحتدام الصراع بين الإسلاميين والنظام، على الرغم من النشأة السياسية لغالبيتها في الأصل.

وتشير ملامح الخريطة الصوفية في سوريا إلى انقسام العلاقة بين التيار الصوفي ونظام الأسد إلى قسمين: الأول، التيار الصوفي الأصولي ، وهو التيار القريب من إيران والمرتبط ارتباطًا وثيقًا بالنظام الحاكم في سوريا منذ عام 1975. وغالبية مشايخ هذا التيار يسيطرون على الوظائف القيادية بوزارة الأوقاف والدعوة بالمساجد، ويتصفون بالعداء للتيار السلفي هناك، وهؤلاء منتشرون في العاصمة دمشق ومدينة حلب (الطريقة النقشبندية)، وكذلك بعض أبناء الطرق الرفاعية والشاذلية. ويلاحظ أن هذه الطرق بها انشقاقات في العلاقة مع النظام، باستثناء الطريقة الكلتاوية، التي تدين بالولاء التام لنظام بشار الأسد.

وتمثل التيار الآخر في التيار المعتدل ، المعادي للنظام الحاكم، الرافض للمد الشيعي الإيراني لصوفية سوريا، والمدعوم من قبل السفارة الإيرانية. ويتعامل النظام الحاكم مع هذا التيار بعنف، ويتم القبض على العديد من مشايخه. وقد اتهمت اللجنة السورية لحقوق الإنسان -في بيان صادر لها- مضمونه أن السلطات السورية اعتقلت عددًا من مشايخ الصوفية المعادين له.

وتكشف الطبيعة الانقسامية للطرق الصوفية في العلاقة مع النظام السوري الموقف الصوفي من الثورة السورية، الذي انقسم أيضًا بين مؤيد ومعارض. فمشايخ الطرق الذين استفادوا من النظام، سواء بالتعيين في مناصب قيادية أو بالدعم المادي لطرقهم، يقفون ضد الثورة، ويساندون النظام حتى اليوم، ومن أشهرهم مشايخ الصوفية الذين وقفوا مع النظام ضد الثورة، ومنهم الشيخ صهيب الشامي، وهو معيَّن من قبل نظام بشار الأسد مديرًا لأوقاف حلب لمده 30 سنة، وكذلك مفتي الجمهورية، الشيخ أحمد حسون، وهؤلاء تبنوا طوال الوقت موقفًا مساندًا للنظام، مطالبين بإصلاح النظام دون إقالته. واعتبرت بعض الطرق الصوفية، وعلى رأسها الطريقة الكلتاوية، التي يرأسها محمد سعيد رمضان البوطي، أن الثورة هي مؤامرة قادمة من الغرب.

وهناك طرق مؤيدة للنظام اكتفت بتأييد النظام والمطالبة بعدم إقالته، ومنها بعض أبناء الطريقة النقشبندية في حلب، خصوصًا أحفاد عبد القادر الجزائري، وكذلك أبناء الطريقة الشاذلية في حلب.

وعلى النقيض وقفت بعض الطرق الصوفية ضد النظام، مؤيدة لثورة الشباب السوري، وظهر موقفها من الثورة، إما في إصدار بيانات تساند الثوار، وتدين النظام السوري، وتدين بعض مشايخ الطرق الصوفية المؤيدة للنظام؛ ففي يوليو 2011 صدر بيان وقع عليه مجموعة من مشايخ الطرق الصوفية، منهم الشيخ أنس عيروط والشيخ بانياس والشيخ أبو الهدى الحسيني، من الطريقة الشاذلية، وكذلك الشيخ أسامة الرفاعي ومحمد راجح من الطريقة الرفاعية في دمشق، وكذلك مشايخ الطرق الصوفية في حماة.. أو في النزول إلى الشارع مباشرة في مظاهرات سلمية مع الثوار، وهؤلاء من مريدي الطرق الرفاعية والشاذلية والنقشبندية.

(ج) الحالة الليبية:

يؤكد تحليل تاريخ الحركات الصوفية الليبية على التاريخ السياسي الطويل لها منذ نشأتها. فالطريقة السنوسية لعبت دورًا سياسيًّا كبيرًا في حماية الأمن القومي الليبي خلال عصور مختلفة، ففي القرن 19 عارضت الدولة العثمانية، وقاتلت الإيطاليين في القرن العشرين بقيادة عمر المختار، وحكمت ليبيا بقيادة الصوفي الكبير الملك إدريس الأول، حتى انقلب القذافي على الصوفية بعد انقلاب عسكري في 1969، وأصبحت الحركة الصوفية السنوسية بمجرد الانقلاب حركة سياسية صوفية محظورة.

وخلال حكم القذافي تغيرت تمامًا ملامح التيار الصوفي في ليبيا، خصوصًا بعد القضاء على كل مراكز قوى الطريقة السنوسية وظهور طرق صوفية جديدة قادمة من المغرب العربي، مثل الطريقة العيساوية، التي عاشت طوال حكم القذافي في أحضان نظامه، وكذلك الطريقة السلمانية، وطرق شديدة الحداثة قادمة من مصر منها الطريقة السعدية، بالإضافة إلى عشر طرق أخرى وافدة من اليمن وتونس والمغرب والجزائر. فخلال تلك الفترة حتى قيام الثورة الليبية في فبراير 2011 ابتعدت الطرق الصوفية -كغيرها من الحركات الإسلامية (السلفية الجهادية والإخوان المسلمين)- عن ممارسة السياسة، أو حتى مجرد التحدث عنها، واكتفت بالتقرب من نظام القذافي وتأييده، بالمدح بخيراته، وظهر ذلك في الحضراوات والاحتفالات الصوفية التي كان يحضرها العقيد القذافي بين الصوفية، وخصوصًا الطريقة العيساوية، التي كان يحضر جميع احتفالاتها، وكانوا ينشدون باسمه؛ باعتباره رجل الخيرات والنفحات.

وللأسباب سالفة الذكر ظل موقف الطرق الصوفية من الثورة الليبية متغيبًا تمامًا، باستثناء طريقة واحدة هي الطريقة السنوسية، التي اكتفت قبل سقوط القذافي بتأييد موقف الثوار بالمطالبة بإسقاط حكم القذافي، وجاءت مواقف الطرق الـ12 الأخرى من الثورة متفقة تمامًا في البعد عن التواصل مع الأحداث، والوقوف كالمتفرج حتى سقوط نظام القذافي وهدم السلفية لأضرحة أولياء الله الصالحين في العاصمة طرابلس، وإعلان التيار السلفي عدم تسامحه مع المذاهب الأخرى التي ترى أنها تخالف تعاليم الإسلام، فتلك الأحداث التي أجبرت الصوفية على التحرك بمواجهة السلفية، وأعلنت رسميًّا الحرب على السلفية.

وأدان المجلس الانتقالي الليبي ما فعله السلفيون من هدم لأضرحة الصوفية في بيان رسمي نشر على صفحته على الفيس بوك، والأمر لم يتوقف على الرفض الليبي، بل تدخلت الطرق الصوفية المصرية في رفضها لما فعلته السلفية الليبية، وأعلنت الطريقة العزمية في بيان رسمي لها استنكار هدم عشرين ضريحًا، وتضمن البيان أيضًا اتهامًا صريحًا للسلفية، بل عرضت الطريقة العزمية في مصر فيلمًا مصورًا على موقعها بعنوان بلطجية الأضرحة.

ومن المتوقع عودة المشهد السياسي القديم للصوفية في ليبيا من جديد؛ نظرًا للحرب الخفية بين السلفية والصوفية، بل والمؤكد أن تلعب الصوفية دورًا سياسيًّا شأنها شأن أي تيار ديني آخر، وهذا يعني أن المجلس الانتقالي الليبي سيكون حريصًا على عدم استبعاد أي قوى دينية، سواء صوفية أو سلفية أو إخوان مسلمين، وسيترك الساحة مفتوحة للجميع؛ لأن استبعاد إحداها سيؤدي إلى عدم استقرار النظام السياسي مستقبلاً، وسيكون مدمرًا لعملية التحول الديمقراطي، خصوصًا أن جميع التيارات الدينية في ليبيا تسلحت بعد الثورة، خاصة بعد سقوط العقيد القذافي، بالإضافة إلى أن جميعها ذات طبيعة قبلية.

والعامل الثاني الذي يعود بالتيار الصوفي إلى الملعب السياسي بقوة هو التقارب الصوفي المصري والليبي منذ الثورة، وخصوصًا الطريقة العزمية والشبراوية، وهذا ظهر في موقفهما من إدانة هدم السلفية الليبية للأضرحة الصوفية، وهذا التقارب سيؤدي في القريب إلى أن تحذو الصوفية الليبية حذو الصوفية المصرية في تشكيل أحزاب سياسية، خصوصًا أن الطرق الصوفية المصرية صاحبة التقارب هي الطريقة المصرية التي شكلت أحزابًا سياسية في مصر (حزب التحرير المصري وحزب صوت الحرية). وهذا يؤكد أن احتمالات الصراع السياسي بين الصوفية والسلفية في ليبيا قائمة لا محاله.

(د) الحالة اليمنية:

السمة الغالبة للطرق الصوفية في اليمن، سواء التي سيطرت على التيار التقليدي (العلوية والنقشبندية)، أو التيار المتقدم (المدرسة الحديثة) قبل الثورة اليمنية، هي الاهتمام بالجانب السلوكي الديني والفكري، دون الاقتراب من ممارسة السياسة بالطريقة المباشرة. أي إن الموقف الصوفي من السياسة في اليمن تشابه تمامًا مع الموقف السلفي هناك.

لكن ظلت علاقة التبعية بالحزب الحاكم (المؤتمر الشعبي) هي المسيطرة على الطرق الصوفية، خصوصًا الطرق التقليدية (العلوية والنقشبندية الشاذلية)، وهي في هذه الحالة تشابهت مع الطرق المصرية، التي ظلت تقترب من السلطة وتتحرك حسبما يريد الحزب الحاكم (الوطني الديمقراطي المنحل). بالإضافة إلى فقدانها لوسائل الاتصال مع الأحزاب الأخرى، باستثناء بعض أبناء الطريقة العلوية الذين يقيمون في المناطق الجنوبية، والذين كانوا أكثر اقترابًا من الحزب الاشتراكي، والملاحظ هنا أن الأحزاب في اليمن تشابهت أيضًا مع موقف الأحزاب المصرية، قبل أو بعد الثورة، من موقفها من الطرق الصوفية، والحرص على الاستفادة من كتلتها التصويتية.

وترجع الأسباب التي منعت الطرق الصوفية اليمنية من الاقتراب من ممارسة السياسة بطريقة مباشرة سواء قبل الثورة أو بعدها، لما يلي:

1. الشخصية القبلية التي تصبغ الطرق الصوفية اليمنية، سواء في المناطق الجنوبية والشرقية حيث يقيم بعض أبناء الطريقة العلوية، أو في المناطق الشمالية حيث يسكن أئمة الزيدية والهاوية.

2. تمركز الظاهرة الصوفية في اليمن في المناطق الساحلية من الحديد غربًا إلى الساحل الجنوبي الشرقي، ومنه إلى صحراء حضرموت بالداخل، وعدم صعودها الجبال اليمنية ومناطق الشريط القبلي من شبوة، و شرقًا مرورًا بمأرب والجوف وصنعاء وصعدة؛ حيث نجحت التيارات السلفية وحركات الإسلام السياسي والاجتماعي، وبذلك ظلت منعزلة على نفسها ولم تتلاق مع التيارات الأخرى التي ظلت تحاربها عن بعد.

3. ارتباط أبناء الطريقة العلوية، وهي الطريقة الأكبر في اليمن، بتوجهات عائلاتهم وأنسابهم في أراضي الحجاز في الولاء للحاكم وعدم الاقتراب من السياسة.

4. أن التطور الذي أحدثته المدرسة الحديثة على الطرق الصوفية اقتصر على تأهيل الشباب علميًّا وجامعيًّا بقصد إحلالهم في المراكز والوظائف القيادية بالدولة دون الاهتمام بتعليم السياسة، بل وتحول دور تلك المدرسة إلى ما يشبه دور الجمعيات الأهلية في شراء الأراضي والعقارات؛ لبناء المستشفيات وتسكين الفقراء، والاهتمام بالبحث العلمي الصوفي.

ورغم التشابه بين الطرق الصوفية اليمنية والمصرية في موقفها من ممارسة السياسة؛ فإن موقف الطرق الصوفية اليمنية من الثورة في اليمن ظل طوال الوقت مقتربًا من موقف السلفية التقليدية والحركية هناك.

فالصوفية لزمت الصمت بتياريها التقليدي والحديث، ففي الوقت الذي زاد فيه توهج الثورة في اليمن دافع التيار الصوفي عن الحزب الحاكم، بل خرجت بعض الطرق الصوفية عن صمتها بتأييد التظاهرات السلمية والوقوف جنبًا إلى جنب مع الحاكم (ولي الأمر).

ومع شدة أحداث الثورة كان شباب الصوفية اليمنيون ينتظرون من مشايخهم موقفًا يعلنون فيه خيارهم مع الثورة، ووقوفهم مع الحق ونصرة المظلوم، وأن يلتحقوا بساحات الاعتصام، ولكن مع استمرار صمت مشايخ طرقهم صدرت بيانات وتصريحات من بعض شباب وأتباع الطرق الصوفية تؤيد الثورة، وبل ونزل إلى الميادين الكثير من أبناء الطرق الشاذلية ومن أبناء المدرسة الحديثة، وخصوصًا المقيمون في محافظة “,”إب“,” بصفتهم الفردية والشخصية دون أوامر من طرقهم التي ينتمون إليها.

(هـ) حالة الطرق الصوفية في دول المغرب العربي:

نتناول الموقف الصوفي من ممارسة السياسة والثورات في دول المغرب العربي الثلاث (تونس والجزائر والمغرب) في صورة مقارنة؛ نظرًا لتشابه الحالة الصوفية في هذه الدول من حيث التركيبة الاجتماعية والطرقية.

ويظل العامل الرئيس في دول المغرب العربي الذي يحدد ملامح الصوفية سياسيًّا، وكذلك الموقف من التغيير، هو معدل التقارب مع السلطة الحاكمة في تلك البلاد ومدى احتواء النظام لأطراف ذلك التيار.

ومن المؤكد أن الربيع العربي لن يستطيع أن يؤثر على توجيه التصوف السياسي وتفعيل دوره دبلوماسيًّا على المستوى الداخلي أو الخارجي في كل من المغرب والجزائر؛ حيث
ما زالت سياسة الدولة في كلا البلدين تضبط المحددات الرئيسية للتصوف بما يخدم سياستهما الخارجية وأمنهما القومي في علاقتهما مع بلدان الساحل الإفريقي، وفي العلاقة فيما بينهما، من خلال دعمهما للطريقة التيجانية ذات الأعداد الكبيرة من الأتباع، والطريقة العلوية لما لهما من ثقل وتأثير شعبي كبير في المنطقة الإفريقية وفي الإقليم العربي وخارج حدوده. وذلك على العكس مما حدث في تونس بعد سقوط نظام بن علي، والذي تغير معه استخدام الدور الصوفي في دعم معادلات التوازن الإقليمي في المنطقة.

ففي دولة المغرب ظل موقف الطرق الصوفية من المطالبات بالتغيير، التي نادت بها الحركات الشبابية وبعض التيارات الإسلامية، مختفيًا تمامًا، وغابت التيارات الصوفية عن الإدلاء بمقترحاتها الدستورية، بل قامت بعض الطرق، خاصة الطريقة البوديشية، بعد تزايد مقاطعات التصويت على الدستور، بإصدار بيان تعلن فيه دعمها لمشروع الدستور وتطالب بالتصويت الإيجابي عليه، كما دعت أتباعها للنزول للشارع من أجل الدعوة للتصويت بـ“,”نعم“,” في استفتاء يوليو 2011؛ الأمر الذي لقي دعمًا من قبل طرق كثيرة أخرى، وأصدرت بيانات تدعم مشروع الدستور دون إبداء رأي أو ملاحظة أو اقتراح. وهذا يؤكد أن النظام المغربي سيستمر في توظيف التيار الصوفي من أجل أغراضه السياسية؛ لمواجهة التيارات الأصولية التي تعتمد في استقطابها للشعب على خطاب ديني متشدد (“,”جماعة العدل والإحسان“,” و“,”السلفية الجهادية“,”)، وحفظ التوازنات الاجتماعية والسياسية، وفي العلاقة مع الخارج، وفي حماية الحدود مع جيرانها من خلال دعمه لها بالهبات والعطايا.

أما في تونس فيبدو أن التيار الصوفي هو الخاسر الأكبر بعد الثورة، وحيث إنه لا يملك مؤسسات تمثله أمام الدولة الحديثة؛ لأنه بقي طوال فترة بن علي حبيس الاستخدام السياسي؛ فالمتوقع أن يختفي الدور الصوفي في تونس، سواء الدور التربوي الديني أو الدور السياسي، بل سيُحاصَر التيار الصوفي من قبل التيارات الدينية الأخرى؛ فالاستغلال الأيديولوجي والسياسي للتصوف في تونس قبل الثورة يطرح أكثر من علامة استفهام حول مستقبله بعد الثورة كمنهج تربوي، وبنائه التنظيمي، وشكله الاجتماعي.

وفي حالة الجزائر يتبع نظام بوتفليقة مع الطرق الصوفية نفس النهج الذي يتبعه النظام المغربي، وهو دعم الطرق الصوفية واستخدامها كسلاح في مواجهة التيار السلفي الجهادي والحركات الإسلامية التي يتخوف منها النظام؛ وذلك بعد فشل سياسات الاعتقالات والمواجهات المسلحة التي كانت متبعة خلال الفترة الماضية من قبل النظام. بل يحاول النظام استغلال الطرق الصوفية، خصوصًا الطريقة التيجانية والعلوية في تلميع سياسته الخارجية ضد المغرب، لا سيما إزاء قضية الصحراء.

والمؤكد بقاء الطرق الصوفية في الجزائر مرتبط ببقاء نظام بوتفليقة؛ لأنه الراعي الأول لهذا التيار، وخاصة أنه يتبع طريقة صوفية تنتشر في غرب الجزائر هي الطريقة البلقايدية، بل يسعى النظام خلال الفترة المقبلة وقبل الانتخابات التشريعية المقررة في مايو 2012 إلى تشجيع الطرق الصوفية على المشاركة في الانتخابات ودعمهم له؛ لذلك من المتوقع أن يقوم نظام بوتفليقة خلال الشهور المتبقية على الانتخابات التشريعية بدعم القنوات الصوفية والإذاعية التي أنشأها النظام من قبل، في إطار منح الصوفية دورًا محوريًّا في المجتمع.



ثالثًا: ملامح مستقبل الطرق الصوفية العربية وسبل تفعيلها بعد الثورات:

تركت ثورات الربيع العربي، خصوصًا بعد صعود التيار السلفي، وسقوط بعض الأنظمة العربية التي تدعم التيار الصوفي لتوظيفه سياسيًّا، عدة تساؤلات حول مستقبل الحركة الصوفية في الإقليم العربي، ومدى قدرته على العمل في الميدان السياسي والاجتماعي، ومدى مواصلته لدور الداعم للقوى والتيارات الحاكمة والمسيطرة على اللعبة السياسية، وكذلك احتمالات الخروج من دور التابع إلى دور الفاعل السياسي، صاحب الرؤية المنفصلة عن الآخرين، وأيضًا الأيديولوجيات والتيارات التي سينتمي لها ويدعمها بأعداده، خصوصًا بعد صعود التيار السلفي وجماعة الإخوان المسلمين في كافة دول الربيع العربي، وكذلك الدول التي سعت للتغيير تجنبًا لسقوط أنظمتها الحاكمة.

وفي سبيل الإجابة على هذه التساؤلات التي تحدد ملامح التيار الصوفي في المنطقة مستقبلاً، نبرز ما يلي:

1) احتمال تراجع الدعم الغربي للطرق الصوفية في المنطقة العربية.

2) مدى قدرة الطرق الصوفية في دول المنطقة على التشابك والترابط وتوحيد الدور في فترة قصيرة لا تتجاوز خمس سنوات.

3) مدى سرعة الطرق الصوفية في دول الربيع العربي على نقل النموذج الصوفي المصري (الطريقة العزمية والرفاعية والشبراوية) في الإعلان رسميًّا عن الممارسة السياسية بالطريقة المباشرة، والسعي لتشكيل أحزاب سياسية تؤكد تواجدها سياسيًّا في الشارع لمنافسة التيارات الدينية الأخرى.

4) احتمالات خفض الدعم المادي والمعنوي من قبل الأنظمة الجديدة الحاكمة في دول الربيع العربي للطرق الصوفية؛ خاصة أن معظم الحركات الصوفية في دول المنطقة العربية لا تندمج في مؤسسات تتبع الدولة، ويحكمها قانون، مثل المجلس الأعلى للطرق الصوفية في مصر، وأيضًا تواجد ممثلين من التيارات المعادية للتصوف في البرلمانات الجديدة المشكلة بعد الثورات.

5) تزايد التقارب الإيراني الصوفي خلال الفترة المقبلة، ومن المحتمل أن يبدأ التقارب أولاً مع الطرق الصوفية المصرية؛ بعد زيارة الوفد الصوفي المصري لإيران قبيل الانتخابات التشريعية المصرية، بالتوازي مع الطرق الصوفية في سوريا، خصوصًا التيار التقليدي الصوفي المقرب من الرئيس بشار الأسد، وقد تلعب الطرق الصوفية المصرية بعد ذلك دورًا في فتح حوار بين الطرق الصوفية الليبية والحكومة الإيرانية؛ بسبب التقارب الشديد بين الطريقة العزمية المصرية وبعض الطرق الصوفية في ليبيا.

6) احتمالات الصدام بين الطرق الصوفية والتيار السلفي في ليبيا، وقد بدأ الصدام بعد هدم السلفية لأكثر من 20 ضريحًا في العاصمة طرابلس وفي شرق ليبيا، وكذلك قد يحدث الصدام في مصر، خصوصًا بعد تقارب جبهة أبو العزايم الصوفية والتيار الليبرالي، وشن أبناء الطريقة العزمية حملات إلكترونية هجومية على السلفية. وكذلك قد يحدث صدام بين السلفية في اليمن والصوفية هناك؛ بسبب رفض السلفية للرئيس التوافقي
عبد ربه منصور هادي؛ باعتباره امتدادًا للنظام السابق، الذي يمول الطرق الصوفية والأكثر تقاربًا بها.

تلك العوامل، في حال حدوث بعضها، فهذا يعني أن التصوف في المنطقة العربية سيواجه مأزقًا شديدًا إن لم يتحول إلى فاعل سياسي واجتماعي له رؤيته الخاصة فيما يتعلق بأمور البلاد.

فبالنسبة للدعم الغربي للطرق الصوفية في المنطقة العربية؛ فإما أن يتوقف نتيجة أن التيار الصوفي فشل في الدور المكلف به، والذي يدعم من أجله، وهو مواجهة التيار الدينية الأخرى، والذي كشفت عنه الانتخابات البرلمانية التي أجريت في بعض الدول، وخصوصًا أن العلاقة بين التصوف والغرب نشأت في ظل صراع بين الإسلام المتشدد والغرب على الصعيد الفكري والعسكري، وهدفت إلى سيطرة الدور الصوفي على مجريات الأمور داخل الدول، والذي كشفت الثورات العربية قدراتهم على الحشد والتوحد في مواجهة الآخر؛ بالتالي فالمتوقع، بعد مرونة التيارات الدينية الصاعدة في المنطقة من موقفها من الغرب وإسرائيل، أن تحاول الأنظمة الغربية التقرب أكثر، والتواصل مع التيارات السلفية الصاعدة والتقرب منها، منعها الابتعاد عن التيار الصوفي، وخصوصًا أنه قد يحدث تنافس بين دول الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة، على دعم العلاقات والتواصل مع التيارات الإسلامية الصاعدة بعد ربيع الثورات.

أو قد تسعى الدول الغربية إلى مصالحة الحركات الصوفية في المنطقة من جديد ودعمها بقوة؛ لتحقيق نوع من التوازن الاجتماعي والسياسي والديني في الشارع العربي بعد صعود التيارات الدينية المتشددة، التي ترفض الاستجابة لجميع مطالبات الغرب وإسرائيل؛ وبالتالي قد تستخدم الدول الغربية والولايات المتحدة ورقة المعونة بالضغط على هذه التيارات، وتوجيه جزء كبير منها للتصوف؛ لترميم مزاراته، وطبع وترجمة كتبه، وتقوم المجموعة الصوفية في أمريكا -بقيادة هادية مير أحمدي- بتعزيز علاقاتها مع الإدارة الأمريكية لتنفيذ ذلك.

وتسعى الطرق الصوفية في المنطقة العربية إلى البحث عن أقلمة طرقها؛ لتشكل تيارًا قويًّا ممتدًا في جميع دول المنطقة التي أسقطت نظمها التي كانت تدعمها وتمولها، وتتبنى قضاياها، وتدعمها وتنسق فيما بينها.

وقد بدأت تظهر ملامح هذا التعاون والاندماج بين الطرق المصرية والليبية؛ حيث أدانت الطريقتان العزمية والسعدية المصريتان -في بيان لهما- ما تعرضت له الأضرحة الصوفية في ليبيا من هدم؛ موجهة الاتهام للتيار السلفي هناك، كما حدث تنسيق بين الطرق الصوفية في الدولتين احتفالاً بالمولد النبوي، لتعلنا للسلفية بعد صعودها شرعية الاحتفالات الصوفية. وأيضًا قد تلجأ الحكومات الجديدة في دول الربيع العربي إلى خفض الدعم؛ تلبيه لنداء التيار السلفي والإخوان المسلمين، اللذين يشكلان الأغلبية في برلمانات ما بعد الثورات؛ وبالتالي قد يتعرض التيار الصوفي إلى العزلة وتقليص حجم الموالد التي يتوحد فيها مريدو الطرق.



الخاتمة: كيفية إعادة تشكيل دور الطرق الصوفية في المنطقة العربية:

الدور الذي لعبته الطرق الصوفية في القرون الماضية، وقدرتها في مقاومة الاستعمار والحفاظ على حدود الدول؛ يجعلنا نفكر كثيرًا في كيفية إعادة هذا الدور في الوقت الحالي، فالتيار الصوفي هو الذي قاوم الجيوش الأوروبية في إفريقيا، والطريقة التيجانية هي التي قاومت العدوان الفرنسي قي دول المغرب الغربي، والتيار السنوسي هو الذي حارب القوات الفرنسية في وسط إفريقيا، وكذلك قاوم القوات الإيطالية في ليبيا، ولعبت أيضًا الطريقة النقشبتدية دورًا في مقاومة القيصرية الروسية في وسط آسيا والقوقاز، ثم وقوفها أمام البلشفية الروسية في قوتها، ثم تجدد مقاومتها لروسيا في التسعينيات من القرن العشرين، بل وتلعب أيضًا التربية الصوفية العسكرية دورًا كبيرًا في جهاد المجاهدين في فلسطين ضد اليهود.

تتطلب قراءة الخريطة المتشابكة للطرق الصوفية في المنطقة العربية، سواء في داخل الدولة الواحدة أوبين دول الإقليم، والتي تم ذكرها في بداية الدراسة، لإعادة هذا الدور الحقيقي للتصوف في المنطقة العربية بعد الثورات، ما يلي:

1. إصلاح التيار الصوفي لتركيباته وتعاليمه وارتباطاته الداخلية؛ بتجديد الخطاب الصوفي المعاصر، وتغيير مصطلحاته، وتحويل السلوك الصوفي إلى سلوك عملي، وكذلك توحيد الخطاب الصوفي الموجه إلى العالم الغربي، وعدم اختزال العبادة في الذكر، وتوحد كل التيارات الصوفية في المنطقة العربية والتوافق من أجل مصلحة الإقليم.

2. الاستعجال في تأسيس اتحاد صوفي عالمي يضم الطرق والهيئات والمؤسسات والمنظمات الصوفية بهدف توحيد الصف، والعمل على استقلال المشايخ العامة للطرق الصوفية في كافة الدول العربية عن الدولة، بالإضافة إلى إنشاء محطة فضائية تهتم بقضايا التصوف والقيم الروحية، وتلتزم باستخدام التصوف كمنهج للإصلاح الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وتوعيته في حماية الأمن.

3. توظيف التصوف دبلوماسيًّا وأمنيًّا في حماية الحدود والحقوق المكتسبة للدول، في علاقة دول الإقليم مع بعضها أو دول الإقليم مع العالم الخارجي. وتوجه خطابه بما يخدم الأمن القومي، وتحديد طبيعة التعاطي مع الأطراف الفاعلة في مجاله داخليًّا وخارجيًّا. وهنا يتطلب تحقيق هذا الهدف استغلال وتوجيه الطرق الصوفية الإقليمية في ضبط الحدود بين الدول، على سبيل المثال لجوء الحكومات المغربية والجزائرية للطريقتين التيجانية والعلوية ذواتي الأعداد الكبيرة في الدولتين، ودعمهما لضبط الحدود بين الدولتين؛ بسبب الخلاف على مشكلة الصحراء، وأيضًا قد تلجأ الحكومة المصرية إلى تفعيل دور الطرق الصوفية المنتشرة في مصر والسودان وشرق إفريقيا (الدندراوية والرفاعية والسعدية والشاذلية والختمية) في ضبط الحدود الجنوبية لمصر، وحماية الأمن المائي المصري والسوداني. وكذلك تفعيل دور الطرق الصوفية الإقليمية المنتشرة في ليبيا ومصر ودول المغرب العربي (السعدية والتيجانية والعيساوية والعزمية) في ضبط الحدود العربية لمصر؛ لخفض معدلات تهريب السلاح.

4. تفعيل دور الطرق الصوفية العابرة للإقليم العربي، المنتشرة في الدول الغربية والأوربية، في خفض معدلات التوتر بين العالم الغربي والعربي بعد سيطرة التيارات الإسلامية المتشددة على برلمانات وحكومات دول الربيع العربي، وكذلك الدول العربية التي تسعى للتغير دون انهيار أنظمتها الحاكمة.

5. تفعيل دور الطرق الصوفية العابرة لإقليمها، والاستفادة منها محليًّا في دولها المهاجرة منها، والاستفادة من تطور مستوى خطابها الفكري والديني والاجتماعي والسياسي، من التركيز على الأمور والقضايا المحلية إلى مناقشة دينية وعقلانية للقضايا التي تشغل الرأي العام العالمي، كقضايا الإرهاب وحقوق الإنسان وشئون البيئة، ودعوة هذه الطرق الكبيرة إلى عقد المؤتمرات التي تحسن صورة الإسلام عند الغرب.

6. العمل على تطبيق النموذج الاقتصادي الذي تتبعه الطرق العابرة للإقليم على الطرق الإقليمية والمحلية؛ حتى تستقل عن الأنظمة الحاكمة التي تستخدمها سياسيًّا، وهذا يعني أن هذه الطرق تطبق نظام اقتصاديات الطريقة، التي تقوم على تأسيس شركات مساهمة من مريديها ومحبيها، تستطيع أن تصرف على نفسها دون طلب الهبات والنفحات؛ لتشكل شبكات للتواصل الروحاني بين مريديها، سواء في داخل الإقليم أو في خارجه؛ لتتحول من مجرد جماعات تقليدية وحركات اجتماعية محلية معدومة الدور إلى حركات متواصلة مع العالم الخارجي متأثرة بالبيئات التي انتقلت إليها ومؤثرة فيها؛ وبالتالي تلعب دورًا في الضغط على العالم الخارجي الذي تتعايش فيه، وتؤثر في أفراده، لحماية أمن دولها القومي.



المراجع:

(1) آفاق محمد أبو الريش، ظاهرة الطرق الصوفية العابرة للقوميات، مجلة دراسات الشرق الأوسط - العدد السادس- 2011 م.

(2) التصوف في خضم الربيع العربي (دراسة) موقع هدى الإسلام الإلكتروني، نشر في ديسمبر 2012.

(3) الإصلاح السياسي على الطريقة الصوفية، موقع الصوفية الإلكتروني، نشر في ديسمبر 2012 م.

(4) الخمالي بدر الدين، التصوف لا يمكن إلا أن يكون ثوريًّا، الموقع الإلكتروني لحركة التوحيد والإصلاح، نشر في أكتوبر 2011م.

(5) أبو الفضل الإسناوي، موقف الشارع المصري من الطرق الصوفية، دراسة نشرت في سلسلة قضايا مركز الدراسات المستقبلية، القاهرة في 2008 م.

(6) أبو الفضل الإسناوي، إخفاق سياسي.. لماذا فشلت الحركات الصوفية المصرية في الانتخابات البرلمانية، الموقع الإلكتروني لمجلة السياسة الدولية، نشر في ديسمبر 2012 م.

(7) جريدة المصريون، الموقع الإلكتروني في نوفمبر 2011 م.

(8) كامل عبد الله، “,”قيد التبلور.. احتمالات إقامة دولة دينية في ليبيا“,”، الموقع الإلكتروني لمجلة السياسة الدولية، نشر في ديسمبر 2011م.

(9) أحمدو بمبا، خريطة الطرق الصوفية في غرب إفريقيا، موقع هدى الإسلام الالكتروني، نشر في يونيو 2011م .

(10) برومي عبد الوهاب، خريطة الطرق الصوفية بالمغرب وسند الزوايا المنتشرة بالريف، دراسة منشورة في مايو 2009 م.

(11) مصطفى شفيق علام، التصوف الخليجي.. الخصائص والسمات، موقع الصوفية الإلكتروني، نشر في أكتوبر 2011 م.

(12) منتصر حمادة، الحوار الأوروبي المباشر مع الإسلاميين المعتدلين، مركز الجزيرة للدراسات، يناير 2010 م.

(13) جريدة الشروق الجزائرية، في 22 ديسمبر 2011 م.

(14) فوليا أتاجان، الصوفية والسياسة: مقارنة بين المجتمعات العربية والتلركية، مجلة شرق نامة، العدد السابع، يناير 2011 م.

(15) دعم الصوفية لمحاربة السلفية بالجزائر، موقع الجزيرة الإلكتروني، يوليو 2009 م.

(16) خارطة الطرق والتيارات الصوفية في اليمن وموقفها من العمل السياسي والثورة، الشبكة الإخبارية الإلكترونية لشباب ثورة التغيير اليمنية، يناير 2012 م.

(17) مأمون كيوان، الدور المحتمل للطرق الصوفية في سوريا، جريدة اللواء السورية، نوفمبر 2011 م.

(18) الخمالي بدر الدين، التصوف في خضم الربيع العربي.. المغرب نموذجًا، موقع هدى الإسلام الإلكتروني، في ديسمبر 2011 م.



§ تعريف بالكاتب:

باحث في العلاقات الدولية، ومتخصص في الشأن الصوفي بمجلة السياسية الدولية بالأهرام.

للاطلاع على الجزء الأول اضغط على الرابط التالي:

http://www.albawabhnews.com/News/6765

للاطلاع على الجزء الثاني اضغط الرابط التالي:

http://www.albawabhnews.com/News/17622

شارك