المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads

العراق: قراءة فى الأزمة

الأربعاء 15/يناير/2014 - 04:34 م
المركز العربي للبحوث والدراسات
مروة وحيد
      تمر العراق منذ شهور عدة بالعديد من الأزمات..سياسية أو اقتصادية أو مجتمعية، ولعل الأزمة الأكثر خطورة وتهديداً للأمن العراقى ولتماسك الدولة العراقية هى الأزمة الأمنية وحالة الانقلاب المتصاعد التى تشهدها الدولة. ما حدث، وما زال يحدث، فى مدينة الفلوجة يجسد حجم الإشكالية السياسية التى يمكن أن تدخل العراق من خلالها إلى مرحلة النزاع الطائفي- هذه المدينة التى دائما ما كانت تفتخر بصمودها أمام الاحتلال الأمريكي قبل حوالى عشرة أعوام. تتمحور الإشكالية حول تهميش الطائفة السنية فى العراق وهو الدافع الرئيسي وراء تفجر العديد من الحركات الاحتجاجية فى محافظات غرب العراق- ذات الأغلبية السنية – منذ منتصف العام الماضي، وما صاحب هذا من تدهور في الأوضاع الأمنية وتنامى لنشاط ونفوذ القاعدة فى العراق، ولذلك سوف تسعى هذه الورقة إلى قراءة أهم تداعيات أحداث الفلوجة الأخيرة على مستقبل العراق، وكذلك مواقف أهم القوى السياسية فى العراق ورؤيتها للأحداث وتأثير ذلك على الاستحقاقات السياسية فى العراق خلال المرحلة المقبلة .
قراءة استراتيجية للأحداث: 
    شهدت محافظة الأنبار – 120 كم غرب بغداد – فى الفترة الأخيرة حركة احتجاجات واسعة النطاق، مما أدى إلى نشر قوات الأمن العراقي وذلك بهدف إنهاء هذه الاحتجاجات وما صاحبها من اعتصامات، وخرجت هذه المظاهرات –ذات التجمع السنى – احتجاجاً على آداء الحكومة الطائفى ، ونظراً لتصاعد الأحداث فى محافظة الأنبار وعدم تخلى المحتجين عن آرائهم واعتصاماتهم قامت قوات المالكى باقتحام ساحة الاعتصام فى نهاية شهر ديسمبر الماضى بدعوى أنها تحولت إلى ساحات لإيواء المتطرفين والإرهابين ومروجي الفتنة فى العراق! فضًل المالكى الخيار والحل الأمنى فى معالجة أزمة المحتجين والمعتصمين فى المحافظة وهو ما ينذر بمزيد من التعقيد في المشهد العراقي، وعند تحليل هذا المشهد يمكن الإشارة إلى عدد من الملاحظات الرئيسية: 
1- أن التهديدات التى يمر بها العراق هى نتاج طبيعى للأزمة السياسية الممتدة التى يعيشها منذ انتخابات 2010، والتى كرست مفهوم الانقسامات الطائفية بين أطياف الشعب العراقى، بدلاً من خلق بيئة حاضنة للديموقراطية، الأمر الذى دفع بالمالكى رئيس الوزراء العراقى إلى الانفراد بالسلطة والتحول إلى زعيم متسلط استبدادى يسيطر على كافة مفاصل الدولة، مما زاد من حدة الانقسامات القبطية الطائفية والعرقية، كما اشتدت حدة التوترات بين الحكومة العراقية ذات الغالبية الشيعية وبين الأكراد من جهة أخرى، وهو ما ساهم في زيادة الانقسام والاختلاف بين نسيج الشعب العراقى.
2- اتخذ الصراع فى محافظة الأنبار شكل الصراع ذى الثلاث أضلاع ، الأول يتمثل فى أهالي المحافظة ذات الأغلبية السنية وهم يعارضون حكومة المالكى وممارساته الطائفية، والثانى تمثل فى داعش أو مقاتلى الدولة الإسلامية فى العراق والشام، حيث بدأت داعش كجماعة تابعة لتنظيم القاعدة فى العراق وازدهرت وتطورت منذ خروج الولايات المتحدة عام 2011 وكان اندلاع الأزمة السورية من أهم عوامل تنامى نشاطها، أما الضلع الثالث فيمن يتخذون موقف الحياد من مجريات الأحداث والأمور فى المحافظة،  وتكمن خطورة هذا الأمر في تركيز داعش بالأساس على إقامة دولة إسلامية خاصة بها فى المنطقة الواقعة بين شرق سوريا وشمال وغرب العراق، وهو ما يفسر استغلال تنظيم القاعدة للاضطرابات وتدهور الأوضاع الأمنية فى المحافظة من أجل بسط سيطرتها على المنطقة خاصة فى الأطراف المجاورة لمدينة الرمادى .
3- انخفاض الروح المعنوية للجيش العراقي، حيث إنه عجز عن طرد المسلحين، بل وصل الأمر إلي قيام رئيس الوزراء نورى المالكي بدعوة سكان الفلوجة إلى طرد المقاتلين الذين ينتمون إلى تنظيم القاعدة وكأن الحكومة تصدر علاج الأزمة إلي الأهالي والعشائر، وهو ما يفرض مزيداً من التحديات علي الأمن القومي العراقي بشكل عام، وهذا يدل على عدم قدرة القوات الأمنية العراقية على خوض حرب شوارع وأن المليشيات القبلية ليس لديها أسلحة وذخائر كافية، وهو ما يفسر زيادة الهجمات التى قام بها المقاتلون ضد الأهداف الاستراتيجية فى غرب العراق على مدار الأشهر الثلاثة الماضية، حيث قاموا بتنفيذ هجمات ضد أربع محافظات فى غرب العراق وشماله بما فيها المبانى الحكومية فى الرمادى ومدن غرب العراق من خلال عمليات انتحارية وسيارات مفخخة وصواريخ، لتحويل دولتهم الوهمية إلى أمر واقع له وجود على الأرض، مما يزيد من ثقتهم فى قدراتهم ويبعث الخوف فى نفس السكان والقوات الأمنية، وأصبح هدفهم الاستراتيجي فى تلك المرحلة هو السيطرة على مدينتى الأنبار والموصل من أجل الحصول على ممر آمن لعناصر التنظيم فى الدخول إلى سوريا والخروج منها بسهولة.
4- تسود حالة من الغضب والاحتقان لدي قطاعات عريضة من المجتمع العراقى نظراً لتدهور الأوضاع الأمنية هناك، وتصاعد أعمال العنف التى حصدت الآلاف من القتلى والمصابين، فقد كشفت أخر الإحصائيات عن سقوط أكثر من 8 آلاف قتيل حتي أواخر عام 2013 وعشرات الآلاف من الجرحى والمصابين، بحسب تقارير صادرة عن الأمم المتحدة ، وهو ما يهدد بعودة ما سمى بالحرب الطائفية التى شهدها العراق عامى 2006 و2007 .
ولذلك، وبعد استعراض أهم الملاحظات حول أحداث الفلوجة والبيئة المحيطة بها، يمكن إلقاء الضوء على مواقف عدد من القوى السياسية العراقية ذات التأثير فى المشهد مثل مقتدى الصدر الذى أطلق عدة دعوات من أجل فتح الحوار مع المحتجين فى الأنبار، بدلاً من التهديد باستخدام القوة والقمع والاستهداف، واوضح فى سياق مواقفه المختلفة وتصريحاته أن أى خطوة تتخذ على سبيل تصفية الحسابات الطائفية مع أهالى المناطق الغربية من شأنه أن يهدد العملية السياسية برمتها بل يهدد الأمن داخل الدولة وشدد على ضرورة أن تكون الخطوات مدروسة وتكون موجهه ضد الإرهاب فقط . كما انتقد عدد من البرلمانيين خطوة المالكى باقتحام ساحة الاعتصام وعلى رأس هولاء رئيس البرلمان أسامة النجيفى، علاوة على تقديم عدد من النواب فى البرلمان عن قائمة " متحدون " استقالاتهم إلى رئيس البرلمان، احتجاجاً على خطوة المالكي تجاه المعتصمين، وفى ضوء قراءة هذا المشهد يمكن الإشارة إلى تخوفات معظم أعضاء البرلمان العراقى من أن تكون هذه الخطوة مفتعلة وتهدف بالأساس إلى تحقيق مصالح المالكى الشخصية من أجل حصد أصوات الناخبين للفوز بولاية ثالثة على مقعد رئاسة الوزراء، وهو سيناريو يصعب تحقيقه فى ضوء ما يلقاه المالكى من معارضة واسعة سواء من الشيعة أو السنة، بسبب فشله إدارة الدولة وعلى وجه الخصوص إدارة الملف الأمنى وكذلك لتفشى الفساد.
وهناك أيضاً تفاعل عدد من القادة السياسيين مع ما تمر به محافظة الأنبار من أحداث، حيث قام زعيم المجلس الأسلامى الأعلى عمار الحكيم بتقديم مبادرة كحل لتلك الأزمة التى تهدد تماسك وأمن الدولة العراقية، وتتضمن المبادرة عدداً من النقاط أهمها تخفيض أربع مليارات دولار تصرف على مدى أربع سنوات لإعمار المحافظة وتشكيل مجلس أعيان الأنبار وإنشاء قوات الدفاع الذاتى من عشائر المحافظة، وهى المبادرة التى تحفظ عليها المالكى وأنصاره على اعتبار أن أى مخرج أو حل لتلك الأزمة يجب أن يأتى بعد تحقيق الانتصار العسكرى على داعش وحلفائها، علاوة على تخوفات البعض من أن فتح الطريق للحوار بهذه الطريقة ربما يأتي بنتائج عكسية فى تلك اللحظة الفارقة فى عمر الدولة العراقية، ويمكن أن تتحول المبادرة، لتصبح محلاً للخلاف داخل بيت الوطني، بدلاً من توحيد الصف العراقي، وأن تأجيل النظر فى تلك المبادرة يمكن اعتباره خطوة من أجل توحيد المدن العراقية وعدم المنافسة فيما بينهم لما يمكن أن يحصلوا عليه من امتيازات سواء الأنبار أو البصرة أو كركوك .
التداعيات المستقبلية للأزمة:
والمؤكد أن هذه الأحداث الجارية والمتلاحقة سوف تنعكس على الخريطة السياسية العراقية، وعلى مستقبل الأوضاع السياسية والأمنية، فهناك احتمالات كبيرة بتقليص فرص تولى المالكي لولاية ثالثة، خاصة مع ما يشهده حزب الدعوة التابع لرئيس الوزراء العراقى نورى المالكى من انقسامات واختلافات حادة، علاوة على انخفاض شعبية المالكي بسبب الانقلاب الأمني وممارسته الطائفية وارتفاع نسب الفقر وتردى مستوى الخدمات الأساسية، وظهرت بوادر هذا المؤشر فى الانتخابات المحلية العام الماضى والتى أظهرت تراجع شعبية المالكي بصورة واضحة، ونتيجة لهذا التراجع أسرعت عدد من المرجعيات الشيعية الدينية ذات الثقل السياسي والتى تتمتع بظهير اجتماعى واضح بإعلان رفضها لاستمرار المالكى فى فترة ولاية ثالثة، واعتمدت كذلك على الموقف الأمريكى الرافض للمالكى وسياساته التى اتضحت كذلك فى زيارة المالكى الأخيرة لواشنطن. كذلك من المرجح أن تتسع الهوة والخلاف بين كل من نورى المالكى والزعيم مقتدى الصدر ( لديه حوالى 40 مقعداً فى البرلمان الحالى )على خلفية التعامل الحكومى مع الحركات الاحتجاجية فى بعض المحافظات العراقية وقيام المالكى بتشكيل ميليشيات مسلحة، علاوة على دعمه ومساندته لميليشيات جيش المختار لواثق البطاط وهو ما أثار حفيظة مقتدى الصدر، وينذر باستمرار النزاع الطائفى فى العراق على المدى المنظور، خاصة مع قيام عدد من ممثلى الحركة الاحتجاجية بالإعلان عن استعدادهم لتشكيل ميليشيات تسمى "العزة والكرامة" وهو ما يمهد لحرب طائفية، وكان هذا الأمر أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلي إعلان ممثلي الأمم المتحدة لتحذيرات متكررة للمالكى من مغبة الاستمرار فى تلك السياسات الطائفية.
وهناك احتمال تعرض العملية السياسية العراقية برمتها إلى خطر الانزلاق إلى طريق مسدود، حيث إن ما تشهده الساحة العراقية من تنافس وصراع يهدد عملية المحاصصة الطائفية المتبعة فى العراق منذ الاحتلال الأمريكي، وما يزيد من هذا الاحتمال مرض رئيس الجمهورية جلال الطالبانى منذ فترة طويلة وظهور دعاوي من قبل بعض القوى السياسية بأن يتولى عراقى عربى منصب رئيس الجمهورية، بدلاً من أن يتولاه المكون الكردي، كما هو متبع في هذه المرحلة الدقيقة والفاصلة في تاريخ الدولة العراقية، وعلى الرغم من أن منصب رئيس الجمهورية شرفى إلا أن الأكراد يتمسكون به، وهو ما يفتح المجال لنوع آخر من الصراع داخل العراق.
إن ما شهدته، وما زالت تشهده، محافظة الأنبار ومينة الفلوجة من أحداث وصراع بين الدولة العراقية وتنظيم داعش، كانت له تداعياته المباشرة على الأحداث الإقليمية، حيث أدى هذا الوضع المتردى إلى إبداء الولايات المتحدة تحفظاتها بشأن عملية تسليح المعارضة السورية، خاصة للمعارضة التى تنتمى إلى تنظيم الدولة الإسلامية فى العراق والشام، بالتالى فإن المرحلة المقبلة يمكن أن تشهد تضافر الجهود من أجل هزيمة مقاتلى داعش سواء فى العراق أو فى سوريا، خاصة أن القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة وروسيا تتخذ مختلف الإجراءات لإعادة رسم خريطة التنظيمات الجهادية فى المنطقة، بما فى ذلك من مراقبة دولية صارمة لتمويل هذه التنظيمات ودور الأطراف الأقليمية التى تقدم المساندة لداعش وغيرها من التنظيمات الجهادية .
ويمكن اعتبار تصاعد وتيرة العنف فى العراق دافعاً للولايات المتحدة للإعلان عن سرعة إرسال شحنات من المعدات العسكرية غلى العراق لمساعدة الحكومة فى حربها على الإرهاب والقضاء على التنظيمات الجهادية المتنامية فى غرب العراق، حيث أوضحت الإدارة الأمريكية أنها ستقوم بإرسال طائرات دون طيار، علاوة على أنواع معينة من الصواريخ. تأتى هذه الخطوة فى إطار تطوير كل من العراق والولايات المتحدة لاستراتيحية شاملة لتقييد وحصار الجماعات المرتبطة بالقاعدة.
وتنذر التطورات بمدى الصعوبات التى ستواجهها الأحزاب الدينية فى معركتها الانتخابية القادمة ومن بين هذه الأحزاب كل من حزب الدعوة والمجلس الإسلامى الأعلى التابع لعمار الحكيم والتيار الصدرى بقيادة رجل الدين الشيعى مقتدى الصدر، فمع ظهور الحركات الاحتجاجية وسوء آداء الحكومة والأزمات الاقتصادية المتتالية التى تشهدها العراق، كل ذلك يرجح ابتعاد غالبية الفقراء والطبقة الوسطى- سواء من السنة أو الشيعة – من إعادة انتخاب الطبقة السياسية الدينية الحاكمة فى العراق ، على الرغم من أن عدداً من المؤشرات الأخرى التي تؤكد احتمالات أن يتصدر مقتدى الصدر المشهد السياسي المقبل بوجه خاص .
وللخروج من هذا المأزق الاستراتيجى الخطير لا يكون إلا من خلال إجراء إصلاحات سياسية واقتصادية شاملة فى الداخل، وكذلك من خلال سعى الحكومة لتوسيع إدارة الدولة، لكى تستوعب كافة الأطياف ومكونات الشعب المختلفة وتجنب التهميش والإقصاء، وكذلك تحسين ورفع كفاءة الأجهزة والكفاءات الاستخباراتية من خلال تشكيل جهات مختصة ومدربة فى مجال مكافحة الإرهاب والتعامل مع الأهالى وحثهم على التعاون مع الدولة، مثلما حدث فى الأزمة الأخيرة محل النقاش، بتعاون قبائل السنة فى محافظة الأنبار مع الحكومة المركزية فى بغداد فى الحرب على التنظيمات الجهادية، ولذلك فإن عملية ملاحقة القاعدة فى الأنبار ستستمر فى المرحلة المقبلة، ولكن لن يكتب لها النجاح فقط عبر الأدوات العسكرية، بل يتطلب الأمر تنسيقاً دولياً ومشاريع اقتصادية وتنموية واجتماعية وخلق فرص عمل، بما يقوى الدولة العراقية ويقوى تماسكها ويحفظ أمنها واستقرارها. 

  رئيس وحدة الدراسات الإيرانية والعراقية في المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط.

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟