لماذا نجت قطر من طوفان الربيع العربي؟

الأحد 26/يناير/2014 - 01:12 م
طباعة لماذا نجت قطر من
 
ميديا: المركز العربى للبحوث والدراسات
خلافاً لكل الدول العربية، بما فيها دول الخليج الغنية بالنفط، نجت قطر من أي مظهر من مظاهر الاحتجاجات الشعبية ضد النظام الحاكم في البلاد، وذلك في نفس الفترة التي تعرضت فيها كل النظم الحاكمة العربية لموجات احتجاجات شعبية لا مثيل لها في التاريخ العربي الحديث. 
ويُجمل جاستن جينجلر، الباحث الأمريكي في شئون الخليج العربي، في مقال له بمجلة "مشروع بحث ومعلومات الشرق الأوسط" (MERIP)، خمسة أسباب تبرر نجاة قطر من تداعيات الربيع العربي. وتتنوع هذه الأسباب ما بين عوامل تاريخية وديموغرافية واقتصادية. 
فخلافاً لكل دول الخليج،  تمتاز قطر بتجانس سكاني كبير ساعد عليه قلة عدد السكان البالغ فقط ربع مليون قطري. وهو ما يعني أنها أصغر دولة خليجية من حيث السكان الأصليين حيث يبلغ عدد القطريين 15 في المئة فقط من عدد السكان البالغ نحو 2 مليون نسمة. وهي بذلك تعد أقل من البحرين، التي يبلغ عدد سكانها، حسب إحصائيات 2010، نحو 600 ألف بحريني يشكلون 46% من السكان. علاوة على ذلك لا تعاني قطر من انقسامات طائفية (شيعة/ سنة) مثلما هو الوضع في بعض دول الخليج الأخرى على غرار البحرين والكويت والسعودية. 
يضاف إلى التجانس السكاني، سبب آخر يطرحه جينجلر، وهو أن قطر تختلف عن كل الدول العربية قاطبة في عدم وجود أي تجارب تاريخية لها بالمشاركة السياسية. فلا يوجد في تاريخ قطر أي نوع من أنواع المشاركة السياسية سواء بمعناها الحديث (كما في البرلمان الكويتي) او حتى بمعناها التقليدي (في تجربة الوحدة الإماراتية)، ومن ثم لا توجد أي خبرات دستورية أو سياسية يمكن أن يستند لها القطريون للمطالبة بحد أدنى من الإصلاح السياسي. 
أما السبب الثالث فيكمن في أنه، وعلى الرغم من أن قطر تعتبر دولة راعية وداعمة بشكل نشط للأيديولوجيات الإسلامية في الخارج، إلا أنها لا تواجه هذا التحدي في الداخل. لم تشهد قطر أي نشاط لحركات إسلامية تهدف إلى تحقيق بعض التغيير في الداخل. يضاف إلى ذلك عدم تسامح النظام الحاكم مع أي شكل من أشكال النشاط السياسي عموماً أو النقد السياسي على وجه الخصوص. 
ويعتبر الشاعر القطري محمد بن راشد العجمي، الملقب بابن الذيب، حالة كاشفة عن طبيعة تعامل السلطة مع النقد السياسي. ففي أكتوبر الماضي قضت محكمة التمييز القطرية بسجن ابن الذيب 15 عاماً بتهمة التحريض على نظام الحكم في قصيدة لم يذكر فيها النظام الحاكم في قطر صراحة. وكتب ابن الذيب في القصيدة: 
آه عقبال البلاد اللي جهـل حاكمهـا
يحسب إن العزّ بالقـوات الأمريكيـة
وآه عقبال البلاد اللي شعَبْهـا جايـع
والحكومة تفتخر في طفـرة ماليـة
وآه عقبال البلاد اللي تنـام مواطـن
معك جنسية وتصبح ما معـك جنسيـة
أما آخر الأسباب التي يطرحها جينجلر فهو طبيعة الوضع الاقتصادي في الإمارة الصغيرة. فقطر هي مكان لأغنى الناس في العالم، ولديها عائدات من الغاز تكفي ليكون دخل الفرد 165 ألف دولار سنوياً. لكن لا يحصل جميع القطريين على هذا المبلغ. فعائدات الغاز تذهب إلى دفع الأجور، وتخصيص الأراضي، وغيرها من المزايا. وبناء عليه لا يشعر القطريون بأي رغبة في مواجهة النظام الحاكم مهما كانت متاعبهم وشكاواهم. 
تغيير النظام الحاكم 
في أواخر يونيو الماضي، وفيما دول الجوار العربية تكافح من أجل الإصلاح السياسي أو تغيير النظام، أقدمت قطر على خطوة طوعية  لنقل السلطة. ظهر الحاكم المطلق لقطر الحديثة حمد بن خليفة آل ثانٍ، ليعلن عن اسم خليفته في السلطة، ابنه تميم البالغ من العمر 33 عاماً. قيل وقتها إن التحول بسبب المتاعب الصحية لحمد، لكن يرى جينجلر أن هناك متاعب أخرى تتعلق بمردود علاقات قطر الإقليمية والدولية. 
فقبل تنحي حمد عن السلطة بوقت قصير، شهدت قطر نتائج عكسية لدروها التدخلي الكبير في المنطقة الذي تصاعد مع اندلاع الانتفاضات العربية. وعكست التحولات في ثلاث دول عربية أزمة الدور القطري. ففي مصر، وبالتزامن تقريباً مع تنحي حمد، سقط محمد مرسي الذي دعمته الإمارة الخليجية خلال سنة واحدة فقط بسبعة مليارات دولار. 
أما في سوريا، فقد انتهت المنافسة التي استمرت عاماً كاملاً مع المملكة العربية السعودية على رعاية بعض الفصائل السورية لصالح الخصم الأكثر تنظيماً وثراءً، وهو السعودية. وأظهرت السياسة القطرية فشلاً بالغاً في سوريا. فقطر هي التي دعت إلى إرسال قوة عربية لإنهاء إراقة الدماء في سوريا وشكلت الداعم الأبرز- إلى جانب السعودية- لبعض فصائل المعارضة السورية. لكن الأمر انتهى بالسياسة القطرية إلى أن تكون خالية الوفاض تقريباً. ولم تجن إلا غضب الرياض منها (في العام الماضي وصف الأمير بندر بن سلطان، سفير السعودية السابق فى واشنطن، إمارة قطر بأنها ليست سوى 300 شخص وقناة تليفزيونية). 
أما في ليبيا، فقد دأب المتظاهرون على إحراق الأعلام القطرية فضلاً عن إشعال النار في دمية للأمير القطري. ويمضي جينجلر قائلاً إن حوادث- مثل اعتراض مسلحين ليبيين أكثر من مرة طائرات الخطوط الجوية القطرية ومنعهم من الهبوط على الأراضي الليبية، تعبر بوضح عن أن الليبيين غير ممتنين على الإطلاق للدعم العسكري والإنساني الذي وفرته قطر للثورة الليبية. كثير من الليبيين يتهمون الإمارة الخليجية الصغيرة بتقديم الدعم للحركة السلفية والمجموعات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين. ويلاحظ جينجلر أن القطريين العاديين باتوا  يخشون من أعداء قطر الجدد، ودأب كثير منهم على إخفاء هويتهم بالقول إنهم إماراتيون مثلاً لو كانوا خارج قطر. 
وكما يقول جينجلر فإن انتقال السلطة في قطر قد عبر عن شعور بالخوف لدى القطريين في مردود السياسات القطرية، إلا أن عملية نقل السلطة أحدثت في نفس الوقت بارقة أمل في التغيير حتى لو كان على مستوى الخطاب وليس الفعل. وعلى حين يرى الباحث أن القطريين ربما يتفقون، بشكل أو بآخر، مع أهداف السياسة الخارجية لقطر، إلا أنهم يختلفون في حجم الموارد المالية التي ينفقها النظام على تمويل سياسته الخارجية. فالقطريون العاديون يفضلون أن تنفق هذه الموارد المالية على الداخل. 
وفي استطلاع رأي، أجري في فبراير 2013، قالت الأغلبية العظمى ممن استطلعت آراؤهم (77 في المائة) إنهم يفضلون أن تنفق الإمارة موارد أكثر في الداخل، فيما قال 13 في المائة فقط إنهم يؤيدون زيادة الإنفاق في الشئون الخارجية. فيما قال 10 في المائة إنهم راضون عن مستوى الإنفاق الحالي. 
ويعتبر جينجلر التغيير الوزاري الشامل الذي رافق تولى الأمير تميم مقاليد الحكم في الإمارة تعبيراً عن التوجه الجديد للإمارة من خلال التركيز أكثر على القضايا الداخلية.  لقد حل الشيخ عبد الله ناصر الثاني محل حمد بن جاسم آل ثان، الرجل الذي صاغ سياسة قطر الخارجية في العقد الماضي. لم يترك حمد بن جاسم الحكومة فقط بل الحياة السياسة ككل. أما عبد الله ناصر فقد تولى وزارة الداخلية إلى جانب منصب رئيس الوزراء وهو ما يعني تغييراً رمزياً في أولويات الإمارة نحو الوضع الداخلي. 
النقد الهامس 
يرصد جينجلر بعض التغيير في الداخل القطري من حيث بزوغ حالة من النقد الهامس تجاه سياسات النظام الحاكم. وهي انتقادات يتعامل معها النظام بوصفها "كشف اختبار للولاء"، ولا يسمح أبداً أن تتخطى هذه الانتقادات الخطوط الحمراء. 
يتهامس القطريون بسلبيات حول تفاوت الدخول، والتغريب، والاستياء من كثرة وجود الأجانب في الإمارة. بعض القطريين، بحسب جينجلر، ينظرون خيفة إلى الزيادة في معدلات الأجانب في البلاد وهو ما تكشف عنه الأرقام. ففي شهر أكتوبر الماضي زاد عدد الأجانب في البلاد بنحو 170 ألفا أي زيادة بنسبة 9 في المائة. وهذه الأرقام مرشحة للزيادة على مر السنوات بفعل استضافة قطر لكأس العالم في 2022. 
ويكشف النقاش الداخلي في البلاد، الذي رعته الدولة، حسب جينجلر، عن قائمة من المخاوف التي يعبر عنها القطريون حول تصاعد معدلات التضخم، والشعور بزيادة معدلات التغريب في البلاد، وحالة الاستياء بسبب عمليات البناء الباذح في كل مكان في البلاد فضلاً عن تصاعد الشعور باللامساواة بين القطريين وغير القطريين في الأجور (أي الوافدين من الدول الغربية)، علاوة على الانفجار السكاني المطرد لغير القطريين. 
ويشرح جينجلر أن الوضع الاقتصادي الجيد بمثابة مهدئ لحدة التوجهات السياسية. لكن في قطر هناك حالة من الاستياء من تفاوت مستويات الدخول بين القطريين فيما بينهم وفيما بين القطريين والغربيين العاملين في البلاد. وهي تفاوتات تقلل من مستوى الرضاء الشعبي خاصة في ظل سيطرة الغربيين على نسبة كبيرة من الوظائف الإدارية والاستشارية في الجامعات والشركات الحكومية والشركات عابرة القومية التي تعمل في الإمارة. 
ويقول جينجلر إنه وعلى الرغم من إقرار النظام الحاكم زيادة 60 في المائة في رواتب القطريين العاملين في القطاع العام في سنة 2011، تقابلها زيادة بلغت 120 في المائة للشرطة والجيش، إلا أن كثيراً من القطريين يشعرون بأنهم في وضع غير جيد سواء بالنسبة للحصول على وظائف أو فيما يتعلق بالأجور. 
وفي استطلاع رأي في فبراير 2013، سئل قطريون عمن يظنون أنه سيوظف في شركة كبرى: مواطن قطري أم وافد غير قطري يحمل نفس المؤهلات؟ وكانت إجابة 36 في المائة بأنه سيجرى توظيف القطري، وقال 9 في المائة فقط إن القرار سيكون عادلاً، فيما قال 55 في المائة إن غير القطري هو من سيحصل على الوظيفة. 
يضاف إلى هذا أن القطريين أنفسهم يعترفون، رغم ضخامة الإمكانيات بتردي حال التعليم غير الجامعي في البلاد، فضلاً عن سخطهم من الرسوم المرتفعة المطلوب منهم دفعها لإلحاق أبنائهم ببعض المدارس. هذا علاوة على انتقادات الأهالي لما يرونه في أن المدارس تطبق مناهج تعليم غربية الطابع. 
وفي نفس الاستطلاع، الذي أجري في فبراير 2013، قال 29 % فقط من القطريين إنهم راضون عن المستوى التعليمي في مراحل التعليم ما قبل الجامعي.  الاستطلاعات العالمية عن جودة التعليم تؤكد مخاوف القطريين. ففي تقييم عالمي لأداء الطلاب في العلوم والرياضيات في عام 2009، تذيلت قطر قائمة الدول ولم تتفوق إلا على بنما وبيرو وأذربيجان. 
وفي النهاية يقول جينجلر إن إتاحة النظام هذا الهامش الضئيل كي يعبر القطريون عن آرائهم لا يعني سوى أنه "كشف اختبار ولاء" المواطنين للنظام القطري.  لكن على أي حال، يظل تخطي الخطوط الحمراء الموضوعة من قبل النظام مخاطرة لمعظم القطريين الذي لا يستطيعون سوى بث شكاواهم إلا على تويتر وبعض مقالات الرأي في بعض الجرائد. 

++++++++
العنوان الأصلي للمقال "في قطر: حالة إحباط جماعي ولكن دون فعل" 
Collective Frustration, But No Collective Action, in Qatar

الكاتب: جاستن جينجلر  Justin Gengler
منشور في مجلة "مشروع بحث ومعلومات الشرق الأوسط" (MERIP)،


شارك