المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads

من الدبلوماسية الهادئة إلى الخشنة: السياسة الخارجية السعودية .. الدور و السلوك

الأحد 16/مارس/2014 - 10:58 ص
المركز العربي للبحوث والدراسات
د. مبارك مبارك أحمد

       اتسمت السياسة الخارجية السعودية بالنزوع إلى الدبلوماسية الهادئة والتدرج في اتخاذ المواقف في ظل امتلاكها لمقومات هذا التوجه سواء كانت مادية أو معنوية. غير أن ثمة تغير في السلوك الخارجي للمملكة ارتبط باتخاذ سلسة من المواقف بدت وكأنها بعيده عن تحالفاتها التقليدية التي رسمت سياستها الخارجية لعقود سابقة، وقد تجلت هذه المواقف على أكثر من مستوى سواء من خلال رفضها إلقاء كلمتها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أو اعتذارها عن قبول العضوية غير الدائمة لمجلس الأمن أو حتى في سلوكها الخارجي والحاسم من ثورات الربيع العربي والذى تبنت فيه المملكة العربية سلوكاً واضحاً ومحدداً لصالح دعم توجه الانتقال من الثورة لبناء الدولة، وبما لا يخل بمبدأ سيادة الدول وحقها في إدارة شئونها الداخلية ، خاصة وأن مآلات التغيير في دول الربيع العربي وتعثرها في الانتقال لبناء أنظمة ديمقراطية أسهم في زيادة الشكوك حول مدى قدرة النماذج الثورية في تحقيق الاستقرار السياسي. فالجمهوريات الثورية لم تحقق الآمال المرجوة لشبابها الثائر، بما يعنى أن تعثر المسار الثوري وتحوله إلى مسار سياسي يحتاج لمزيد من التعاون والتضحيات من شركاء الثورات الحقيقيين ، فضلاً عن ضرورة توفير بيئة إقليمية ودولية حاضنة للقيم الثورية  وتأطيرها في عمل مؤسسي يخدم أهداف الثورات.

    ومع تنامى التحديات التي افرزتها تداعيات ثورات الربيع العربي، فإن المملكة العربية السعودية تبنت استراتيجية خارجية قائمة على بعدين أساسيين؛ البعد الأول: وهو ما يمكن تسميته "السيطرة على الضرر وهو ما تبنته في اليمن والبحرين وربما سوريا. أما البعد الثاني: فيرتبط "بمحاولة ملء الفراغ الاستراتيجي"، الذي خلَّفه غياب دول محورية مثل مصر وسوريا والعراق؛ وهو ما أطلق عليه بعض المفكرين " لحظة الخليج العربي"، في دلالة لانتقال مراكز النفوذ من الحواضر العربية إلى منطقة الخليج العربي. 

     وهنا، يمكن تحليل السياسة الخارجية السعودية بين مقومات الدور وفعالية مواقفها؛ من خلال ثلاثة نقاط رئيسة:

أولاً : توجهات السياسة الخارجية السعودية

تنوعت رسالة المملكة العربية السعودية على أكثر من مستوى يعكس الرغبة في تكاملية التوجه الخارجي:

- رسالة إنسانية عالمية:  

        انطلاقاً من اقتناعها بأن السلام العالمي هدف من أهداف سياستها الخارجية، ومع تزايد التحديات التي تواجه المجتمع الدولي، سعت السعودية إلى دعم هيئة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة والمنظمات الدولية في سبيل تحقيق أهداف الأمم المتحدة وفي مقدمتها إرساء دعائم الأمن والسلم الدوليين. وبرغم تحفظاتها الأخيرة على ازدواجية المعايير التي يتبناها مجلس الأمن إزاء قضايا المنطقة فإنها لم تنسحب من منظمة الأمم المتحدة أو تمتنع عن الدعم الاقتصادي الذى تقدمه لوكالاتها المتخصصة.

-       رسالة إسلامية:

    يمثل الإسلام أحد أهم العوامل المؤثرة في تحديد أولويات السياسة الخارجية السعودية، لذلك ارتكز تصور المملكة لهذه الرسالة حول الدور التكاملي لمعنى التضامن الإسلامي الذي يشمل عدة مفاهيم لعل أهمها: مفهوم الأمن الجماعي للدول الإسلامية، والعمل على تسوية المنازعات بين الدول الإسلامية بالطرق السلمية، وتقديم المعونات الاقتصادية للدول والمجتمعات الإسلامية ذات الإمكانيات المحدودة، وتقديم المساعدة والإغاثة العاجلة للدول الإسلامية المنكوبة، ومناصرة المسلمين والدفاع عن قضاياهم وتوفير الدعم المادي والمعنوي للتجمعات الإسلامية من خلال المساهمة في بناء المساجد وإنشاء المراكز الحضارية الإسلامية    

- رسالة عربية: 

      ترتكز السياسة الخارجية السعودية في بعدها العربي على أهمية تعزيز التضامن العربي المشترك لمواجهة الأخطار التي تهدد المنطقة العربية ، لذا فقد بادرت مع ست دول عربية وضع آليه لتنظيم العلاقات العربية والعمل العربي المشترك لخدمة مصالح العالم العربي وقضاياه، فكان إنشاء جامعة الدول العربية والتوقيع على ميثاقها في مارس من عام 1945م كإطار جامع للعرب .

    وإذا كانت الدائرة الخليجية تقع في قلب الدائرة العربية فإن رسالة السعودية الخليجية تمحورت حول عدة أسس ومبادئ من أهمها: أن أمن واستقرار منطقة الخليج هو مسؤولية شعوب ودول المنطقة، فضلاً عن رفض التدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدول والعمل على الوقوف صفاً واحداً أمام أي اعتداء على أي من هذه الدول معتبرة إياه اعتداءً على باقي الدول الخليجية. بما يعني  السعي لتعزيز التعاون فيما بين المملكة وبين دول المجلس وتنمية العلاقات في مختلف المجالات السياسية، الاقتصادية، الأمنية، الاجتماعية، الثقافية.

      ثانياً: سلوك السياسة الخارجية السعودية

   تبنت المملكة العربية السعودية مجموعة من المواقف التي ربما لم يكن لها سوابق تاريخية في سلوكها الخارجي وقد تجسدت هذه المواقف على مستويات عديدة تمثلت في التالي:

1- رفض المملكة العربية القاء كلمتها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة: في الرابع والعشرين من سبتمبر2013 احتجاجاً على عدم تحرك مجلس الأمن  في الشأن السوري أو القضية الفلسطينية، كما طالبت المملكة بضرورة تفعيل دور المنظمة الدولية في حفظ السلم والأمن الدوليين، ليس فقط من أجل التوصل لحل لهاتين القضيتين ولكن ابضاً باتخاذ مواقف دولية إزاء مختلف القضايا الإقليمية والعالمية على السواء.

 2اعتذار السعودية عن قبول للعضوية غير الدائمة لمجلس الأمن: لمدة عامين اعتباراً من بداية يناير 2014، ليمثل احتجاجاً صريحاً على آلية إدارة المؤسسات الدولية المنوط بها حفظ السلم والأمن الدوليين ، وفي مقدمتها مجلس الأمن

    3-  الموقف من ثورات الربيع العربي، جاءت مواقف السعودية الحاسمة من ثورات الربيع العربي لتعكس الرغبة في تحقيق الاستقرار الإقليمي والحيلولة دون إشاعة الفوضى الهدامة التي تبنتها دوائر غربية عديدة هدفت إلى تطويع تداعيات الربيع العربي بما يخدم هذه الفوضى.

       ففي اليمن نجحت المملكة في دعم المبادرة الخليجية لنقل السلطة العليا لرئيس توافقي هو الرئيس عبدربه منصور هادى للحيلولة دو دخول اليمن في صراع أهلي معقد، وفي البحرين قامت المملكة العربية السعودية بإرسال قوات سعودية للحفاظ على نظام الحكم واستباب الأمن حتى لا تحدث فوضى يمكن أن تشكل عدوى تنتقل للملكيات المجاورة.

   وفي مصر اتخذت المملكة العربية السعودية موقفاً واضحاً من انحيازها لثورة 30 يونيو حيث جسد هذا الموقف استحضاراً لسوابق تاريخية بين دولتين تمثلان جناحي الأمة العربية.

   4- دعوة العاهل السعودي للانتقال من التعاون إلى الاتحاد الخليجي: وهي تعكس رغبة واضحة في تعزيز الترابط ما بين دول المجلس في ظل التحديات التي تموج بها المنطقة، وتستهدف ترجمة لفكرة  الاتحاد الأوربي على المستوى الخليجي. وعلى الرغم من وجود قواسم مشتركة سواء من ناحية وحدة اللغة وتشابه العادات والتقاليد والمصالح المشتركة ووحدة التاريخ والمصير والجوار الجغرافي كمقومات لتحقيق الاتحاد، إلا أن ثمة تحديات تواجه تحقيق هذه الدعوة ترتبط باختلاف أولويات دول الخليج في سياساتها الخارجية أو مصادر تهديد أمنها. وهو الأمر الذى يحتاج إلى التدرج في مستوى التعاون وصولاً إلى الاتحاد. من هنا يبدو أن التكامل الاقتصادي وطرح عملة خليجية موحدة للدول الأعضاء ربما يمثل بداية داعمة لهذه الدعوة .        

     والخلاصة أنه يمكن فهم فعالية السلوك الخارجي للملكة العربية السعودية وتفسيره في إطار محدِد أساسي هو التقارب الأمريكي الإيراني. إذ يبدو أن أكثر ما أثار احتجاج الرياض هو موقف إدارة أوباما من الثورة السورية، واختزالها في قضية السلاح الكيماوي السوري، وتجاهل أبعادها ومخاطرها الأخرى في الشام والجزيرة العربية، وتأثير ذلك على المصالح السعودية. فالولايات المتحدة استخدمت الأزمة السورية كورقة تفاوضية في محاولتها التفاهم مع إيران، وإعادة صوغ علاقة واشنطن معها بمعزل عن اهتمامات العالم العربي، وتحديداً بمعزل عن العلاقة مع السعودية. وهو الأمر الذى ربما يفسر رفض المملكة ألقاء كلمتها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بل والاعتذار عن العضوية غير الدائمة لمجلس الأمن وهو ما لم يحدث في سوابق أخرى.

ثالثاً : فعالية المواقف السعودية وإمكانية التأسيس لصحوة عربية

     في ظل فعالية المواقف السعودية إقليمياً ودولياً، فإن نظرية التحدي والاستجابة تصبح صالحة لتفسير مدى قدرة السياسة الخارجية السعودية في التأسيس لصحوة عربية تعيد إحياء النظام الإقليمي العربي وتدعم مناعته ضد الاختراق والتفتيت للحفاظ على وحداته. فبرغم التحديات المتنوعة التي تواجه العالم العربي وسعى قوى عديدة إقليمية ودولية لتكييف تداعيات الربيع العربي بما يخدم مصالحها، فإن الاستجابة لمواجهة هذه التحديات تتطلب استغلال الفرصة السانحة لتوحيد الرؤى العربية وتجاوز الخلافات الضيقة. ولاشك أن ترجمة التعاون المصري السعودي الحالي بصورة مؤسسية لابد أن يشكل اللبنة الأساسية لتأسيس الصحوة العربية المأمولة إذ  تشير كل الدلائل إلى أن هناك فرص واعدة  لبناء علاقات مصرية - خليجية أقوى بعد 30 يونيو 2013  حيث لم تُخف دول الخليج ابتهاجها بالتغيير الذى حدث في مصر، فأعلنت عن دعمها الكامل، وأتت وفود خليجية على أعلى المستويات للقاهرة. وكان حجم الدعم الاقتصادي المعلن أفضل تعبير عن مدى إحساس هذه الدول بالراحة من إزاحة عبء ثقيل، كاد يهدد حضورها الشعبي في أرض الكنانة.

    وإذا كانت دول الخليج وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية تدرك ضرورة أن تظل مصر كما كانت بوسطيتها واعتدالها وقيادتها لتفاعلات النظام العربي ، فإن ذلك يتطلب تفعيل دور جامعة الدول العربية كإطار إقليمي جامع للعرب وداعم لرؤاهم وتمكين إرادتهم الحرة من بناء أوطانهم باستقلالية وبعيداً عن التبعية. وهو الأمر الذى يتطلب تعديل ميثاق الجامعة ليكون أكثر ملائمة للواقع العربي وتحدياته فضلاً عن ضرورة تعزيز التعاون الاقتصادي، والسعي لإنشاء السوق العربية المشتركة على غرار تجربة السوق الأوربية المشتركة التي كانت مرحلة حيوية للوصل إلى الاتحاد، فثمة قواسم مشتركة بين كافة الدول العربية من حيث وحدة اللغة والتاريخ فضلاً عن وحدة المصير المشترك وكلها عوامل تدفع إزاء توطيد التعاون العربي-العربي الذى ربما يمثل بداية لصحوة عربية طال انتظارها.

هذا المقال جزء من دراسة نشرت في العدد الأول من مجلة أفاق سياسية التى يصدرها المركز.

 

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟