المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads

قمة المواجهة: قمة شرم الشيخ وسقوط الدولة القومية

الخميس 26/مارس/2015 - 11:41 ص
المركز العربي للبحوث والدراسات
إبراهيم نوّار

وكأنما أبت الأقدار أن تترك لهؤلاء "القادة" مساحة للكذب على النفس والادّعاء بالنصر في وقت الهزيمة. وكأنما هي أصرت أن تمارس عليهم الإذلال والقسوة إلى الحد الذي تقدم لهم فيه مبررات عدمهم، وانتفاء وجودهم في لحظة الاحتفال التي يتشدقون فيها باالحديث عن "الإنجازات"...باختصار كأنما أرادت الأقدار أن تكون "قمة"  شرم الشيخ هي لحظة السقوط إلى قاع تاريخي يمثل علامة فاصلة في تاريخ "العرب" الممتد منذ نهاية الحرب العالمية الأولى حتى اليوم. لقد وصلت "دورة حياة" الدولة القومية العربية كما عرفناها منذ ذلك الوقت إلى حالة الشيخوخة العاجزة واستنفدت مبررات وجودها التاريخي. ولكن لأننا نرفض الاعتراف بذلك، ولأننا فشلنا في الانتقال من "الدولة القومية" إلى "الدولة الديمقراطية"، فإن الأقدار قررت أن تنزل بنا العقوبة تلو الأخرى، حتى أصبحت هذه المنطقة من العالم مثار سخرية الأقوام الأخرى من حولنا شرقا وغربا. وبدلا من أن نرقص طربا على أنغام الرفاهية والتقدم والقيم الإنسانية الرفيعة، رحنا نرقص طربا على الذبح والدم والتخلف والفقر والعودة إلى كهوف التاريخ. فبئس ما نجني وبئس ما صنعت أيدينا.

"المفكرون" الذين فقدوا مبررات وجودهم ويعيشون على غثاء أنظمة تحللت وعلى ديدان جثثت تعفنت سيصرخون بأعلى صوتهم "مؤامرة.. مؤامرة..مؤامرة". حقيقة الأمر أنهم والأنظمة التي تطعمهم والسياسات والشخوص الذين يدافعون عنها، لأنها مبرر وجودهم وارتقائهم، هم المؤامرة. فقد جاءت من ورائنا أمم أقل شأنا في تاريخ الحضارة، وتقدمت عليها. وزين هؤلاء لـ "الدولة القومية" ورموزها سياسات التسلط والاستعباد والاستبعاد والفساد في كل الأوقات التي كان فيها التاريخ يقف شامخا ضد مثل هذه السياسات ويعاقب تابعيها.

أولاً- دورة حياة الدولة القومية العربية

خلال تاريخها الطويل بدأت "دورة حياة الدولة القومية العرببية" بضرورة وجودها، وكان الوصول إليها وتحققها هو من خلال "حرب الهوية" التي فرقت بين "العرب، مسلمين وغير مسلمين" وبين "العثمانيين المسلمين". وفي هذه الحرب "حرب الهوية" لم تكن العروبة "مجرد رابطة لغوية" وإنما كانت عنوانا لهوية تستنهض كل مقومات المجتمعات التي خضعت لعقود طويلة لاستبداد العثمانيين وتخلفهم وتسلطهم على شعوب تلك المجتمعات الخاضعة لهم بموجب "ترخيص ديني". انتفض بعض تلك الشعوب على ذلك "الترخيص الديني"، ومنهم المصريون بقيادة أحمد عرابي، ومن قبله كانت انتفاضتهم بقيادة محمد علي. في تلك الأثناء كان مبرر قيام "الدولة القومية" هو الانتصار للهوية المهشمة. لم تكن "العروبة" في تلك الأثناء مجرد "رابطة لغوية" وإنما كانت تعبيرا عن حالة نهوض لكل مكوّنات الهوية المهشمة لشعوب المستعمرات العثمانية، بما فيها من تنوع عرقي ولغوي وثقافي.  كان على "الدولة القومية" أن تستعين بكل هذه المقومات لكي تنتصر. كان الخلاص من الاستبداد العثماني حتمية تاريخية، وكانت الدولة القومية هي  مجرد طريق للخلاص ووسيلة للانتصار في "حرب الهوية".

لم تكن العروبة "مجرد رابطة لغوية" وإنما كانت عنوانا لهوية تستنهض كل مقومات المجتمعات التي خضعت لعقود طويلة لاستبداد العثمانيين وتخلفهم وتسلطهم بموجب "ترخيص ديني"

لكن "حرب الهوية" لم تمض إلى منتهاها، واعنقدت قيادات منتصرة على العثمانيين، إنها تستطيع استعارة أساليبهم في الحكم، أي التسلط والاستبعاد والاستعباد والفساد، طريقا لإشباع شهوة الحكم. وعلى الرغم من أن بعض قيادات النخبة، مفكرين وسياسيين، راحوا يحاولون التنبيه لخطورة هذه النهج، فقد استمر وأصبح العنوان الأعظم لحقبة تاريخية طويلة، امتدت لأكثر من مائتي عام (إذا حسبناها من محمد علي أو لأكثر من مائة عام إذا حسبناها من أحمد عرابي) صعدت فيها الدولة القومية، وحققت إنجازات التحرر والبدء في البناء، ثم تآكلت بفعل تأثير اضطهاد القوميات الأخرى، مثل الأفارقة في السودان، والكرد والآشوريين والتركمان والكلدان والإزيديين في العراق، والأرمن والكرد في الشام، والأمازيج في المرب العربي، وكل طوائف غير المسلمين في البدان العربية بشكل عام. وعلى الرغم من أن "المفكرين القوميين" تجاهلوا هذا الاضطهاد، بل وزيّنوه للناظرين، فإن التاريخ فعل فعلته، فانقسم السودان بين عرب وأفارقة، ثم ثار العرب على أنفسهم، وسقط العراق فريسة لصراعات دموية بعد انهيار واحد من أكثر الأنظمة السياسية دموية في العالم العربي، ووقع لبنان في صراعات أفقدت لوجود الدولة "القومية" أو "الطائفية" أي معنى، ثم كان السقوط المدوّي لأنظمة الدول القومية العربية على أيدي جماعات غير حكومية أو انفجارات شعبية كبرى في سوريا وتونس واليمن وليبيا. إن ذهاب شخصيات مثل صدام حسين والقذافي وعلي صالح وحسني مبارك بن علي، وانهيار حكم الأسد يمثل برهانا على نهاية حقبة تاريخية.

المثير للدهشة، وللحزن في آن واحد، أن نجد شخصيات من النخبة، مفكرين وسياسيين، تحاول بكل ما تبقى لها من قوة، وهي في حقيقة الأمر واهنة وواهمة، استدعاء الماضي وإعادة إنتاج الفشل! وتحاول أن  تصور ذلك على أنه الانتصار بعينه. ويكفى أن تدور بعينيك دورة سريعة على مسرح السياسة والإعلام والفكر، لكي ترى مسخا مثيرا للسخرية وشخصيات مثيرة للرثاء وجثثا عفنة تحاول النهوض لكي تتصدر المشهد، وأقزام لاقيمة لهم ولا أصل ولا تاريخ يدقون الطبول ويملأون المشهد صخبا بهلوانيا، صانعين غلالة من الوهم واللهو لتغطية حقائق لم يعد لها أن تتخفّى ولا أن تصمت. انتهت الدولة القومية، وانتفت مبررات وجودها! 

ثانياً-  قمة شرم الشيخ في مواجهة الفوضى

هذه هي عناصر المشهد كما تبدو للناظرين قبيل التئام شمل "القادة" العرب في "قمة" شرم الشيخ. ولا عزاء هنا للمدينة المضيفة أو للدولة التي تسعى لأن تكون حاجز الحماية الأخير لنظام إقليمي ينهار. لقد فشل العرب خلال عقود طويلة في امتحانات الديمقراطية واحترام حقوق التنوع الثقافي والاجتماعي وإقرار مبادئ سيادة القانون والتداول السلمي للحكم. كما صنعوا من مشروع "الدفاع الإقليمي" موضوعا للسخرية من أنفسهم، فاستهتروا به إلى حد استباحة حدود الآخرين (حالة غزو العراق للكويت مثالا صارخا)، وتحول الأمن الإقليمي إلى أمن الأنظمة، وانتقلت مسئولية الدفاع الإقليمي عملا وقولا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، القوة الآفلة الآن، فأصبح وزير الدفاع الأمريكي مسئولا عن إعداد خطط تدريب جيوش الأنظمة العربية من خلال "المناورات المشتركة"، ومسئولا على تسليح هذه الجيوش من خلال "صفقات مبيعات  الأسلحة الأمريكية"، ومسئولا عن وضع إستراتيجيات الدفاع والعمليات من خلال إقامة سلسلة من القواعد وأنظمة القيادة في دول عربية مختلفة، يتم إدارتها مباشرة من واشنطن! هذه هو نظام الدفاع الإقليمي الحالي في العالم العربي. وإذا كان كذلك فلا عجب أن تسقط صنعاء وبعدها عدن وقبلها بكثير بغداد، وسط عجز عربي فادح. مرة ثانية، لقد فقدت الدولة القومية العربية مبررات وحودها حتى بالمعنى العسكري الكلاسيكي، بينما هذه الدولة هي الأكثر إنفاقا على جيوشها، والأقل قدرة على حماية نفسها، من الأخطار الداخلية والخارجية على السواء!  وسننتظر لنرى ماذا سيفعلون في موضوعات مثل "القوة العربية المشتركة" بينما تقف "قوات درع الجزيرة" عاجزة أمام ما يحدث في الجنوب الغربي لشبه الجزيرة.
"قمة" شرم الشيخ علامة تاريخية فاصلة في نهاية حقبة، وربما بداية حقبة جديدة، إذا توفرت الشخوص والسياسات والآليات المؤدية إلى الحقبة التالية

"قمة" شرم الشيخ تنعقد إذن في ظروف تاريخية غير مسبوقة. وستكون هذه "القمة" علامة تاريخية فاصلة في نهاية حقبة، وربما بداية حقبة جديدة، إذا توفرت الشخوص والسياسات والآليات المؤدية إلى الحقبة التالية، وإلا فإن حالة من الفوضى وعدم الاستقرار ستضرب المنطقة لعقود، ومن ثم فإننا نكون أقرب ما نكون إلى تحقق نبؤءة هنري كيسنجر، بأن العرب دخلوا في مرحلة "حرب الثلاثين عاما" التي مرت بها أوربا في القرن السابع عشر! لكن السير على طريق نبوءة هنري كيسنجر يحمل مفارقة تاريخية كبرى، ألا وهي أن حرب الثلاثين عاما في أوربا أفضت إلى قيام "الدولة القومية" بينما ستكون، أو هي في منطقتنا، تعقب "انهيار" الدولة القومية. وهذا يدعونا إلى محاولة تحري طبيعة النتائج  التي يحتمل أن تسفر عنها الصراعات الحالية في المنطقة الممتدة من "الخليج الفارسي إلى المحيط الأطلسي" كما كان يحلو للغويين من محبي "السجع" أن يطلقوا عليها. حرب الثلاثين عاما في أوربا انتهت بإقامة الدولة القومية، ولكن حرب الثلاثين عاما (قد تقصر كثيرا عن ذلك لأنها بدأت منذ سنوات، أو منذ عقود في الحالة اللبنانية، ولأن مقوماتها التكنولوجية والمعرفية تختلف جوهريا عن حرب الثلاثين عاما في أوربا)، تبدأ من "نهاية الدولة القومية"، ومن ثم فهي تفرض على الجميع إعادة النظر في "مقومات الهوية" التي ناضل مفكرو أنظمة الدول القومية في ممارسة التضليل بشأنها.

حرب الثلاثين عاما الحالية في المنطقة الحائرة بشأن إسم لها، بين أوصاف ومصطلحات متعددة مثل "العالم العربي" و"الشرق الأوسط" و"الشرق الأدنى" و"الشرق الأوسط الكبير" أو أوصاف فرعية مثل "شرق البحر المتوسط" أو "المشرق العربي" و"المغرب العربي" و"الخليج العربي" وغيرها، تؤكد الحاجة أولا إلى "تحديد الهوية" هذه إذن "حرب هوية" فيي المقام الأول. ويكفي للدلالة على ذلك أن المنطقة لا تزال حائرة بشأن الاسم الذي تتسمى به، فغير العرب الذين يسكنونها، يرفضون تسميتهم ضمن "العالم العربي" لأن تلك التسمية تسلبهم هويتهم! في حين أن تسميات جغرافية بحتة مثل "الشرق الأوسط" ستضم إلى العرب غيرهم من ساكني المنطقة (بالحق مثل الأرمن والكرد أو بالباطل مثل المهاجرين اليهود من أوربا وأمريكا الذين وفدوا إلى فلسطين وأقاموا دولة)، في حين أن مصطلح "الشرق الأوسط الكبير" من شأنه أن يجعل العرب أقلية بين أقوام وأمم أخرى ممتدة من أفغانستان إلى موريتانيا، وهم أرادوا أن يستأثروا لأنفسهم بالعظمة مثل قبيلة نفتخر بمضاربها وخيامها! 

ولا يجب، ونحن ننظر إلى "قمة" شرم الشيخ في سياق تاريخي، أن نقترف خطيئة النظر تحت أقدامنا. إن قضايا مثل الإرهاب والتدخل الإيراني والصراعات الطائفية بين االمسلمين السنة والشيعة وكذلك الصراعات الدينية بين المسلمين وغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى، كلها جميعها وغيرها، ما هي إلا مظاهر تندرج تحت عنوان واحد هو "حرب الهوية"، وهي الحرب التي جرتنا إليها الدولة القومية "الفاشلة". نعم سيناقش "القادة" قضايا مثثل تلك، وسيطالبون العالم بفعل ما كان يجب أن يقوموا هم به، لكن عجزهم الذي أقعدهم عن الفعل، يجعل منهم موضوعا للسخرية في العالم، الذي لن يتحرك لهم كما يريدون، ولكن سيصمت أو سيتحرك لما يريد. العالم لا يلبي نداء لعاجز. هم يعرفون ذلك، لكنهم سيحاولون في شرم الشيخ أن يصوروا أنفسهم على أنهم "ضحايا مؤامرة عالمية"! هم يعرفون أنهم صنعوا الإرهاب أو في حقيقة الأمر أنتجوه، وما يرونه الآن ما هو إلا مصداق للقول السائر "هذه بضاعتكم ردت إليكم"! هل نسينا إن فشلنا في "حرب الهوية" هو ما أنتج جماعات مثل "التكفير والهجرة" منذ سبعينيات القرن الماضي، وليس الآن. هل تذكرون خطف وذبج الشيخ الذهبي (وزير الأوقاف في أوائل حكم السادات)؟ هل نسينا كيف لبس "الإرهاب" مسوح "الجهاد" بمباركة "الدولة القومية"؟ تذكروا، حتى تساعدكم الذكرى على إدراك حقيقة أن "الإرهاب هو بضاعة محلية". صحيح أن الولايات المتحدة استخدمته فيما بعد وطورته ليصبح أداة من أدوات سياستها الخارجية، لكن الدول القومية العربية تظل هي "المنتج المحلي" للإرهاب. عودوا إلى أعظم إنجازات قادة ورموز الدولة القومية العربية، ستجدوا أطلال "الإرهاب" إحدى علامات تاريخ تلك القيادات.

فقدت الدولة القومية العربية مبررات وجودها! تلك هي المعضلة الكبرى التي سيواجهها "قادة" الدول العربية في "قمة" شرم الشيخ.    

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟