المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads

هل من جديد؟ قراءة في المشهد السياسي التركي قبل الانتخابات البرلمانية

الأربعاء 13/مايو/2015 - 11:13 ص
المركز العربي للبحوث والدراسات
د.أحمد موسى بدوي
شهدت تركيا خلال العام الماضي، استحقاقين انتخابيين (الانتخابات البلدية، الانتخابات الرئاسية) ويجري الآن التحضير للاستحقاق الثالث الخاص بالانتخابات البرلمانية التركية. والمتابع للمشهد السياسي التركي، يجد نفسه أمام حيرة كبيرة، فأدلة وشواهد الواقع السياسي والاقتصادي، وحالة الاحتقان في الشارع، والتذمر داخل بعض مؤسسات الدولة، كالشرطة، والقضاء، تشير جميعا إلى تدهور مكانة الحزب الحاكم، غير أن نتائج الاستحقاقات التي تمت في عام 2014، لا تعبر عن هذا التدهور، بل على العكس جاءت النتائج متناقضة مع هذه الشواهد. وهذا المقال محاولة لفهم المشهد السياسي التركي قبيل الانتخابات البرلمانية التي تنعقد في السابع من يونيه القادم. منطلقين من سؤال: هل تحمل الأيام القادمة مفاجآت في الحالة السياسية التركية؟ أم تبقى الحال على ما هي عليها؟
يبدو أن خطاب حزب الحرية والعدالة يتجه نحو التبرير، والدفاع أكثر من استعراض الإنجازات
أولا- البرلمان التركي القادم – دور استثنائي
الحزب الحاكم، كان يدخل الانتخابات من قبل وفي يديه حزمة من الإنجازات الاقتصادية، والسياسية والاجتماعية. الآن يبدو أن الخطاب يتجه نحو التبرير، والدفاع أكثر من استعراض الإنجازات، فهناك مشكلة تواجه حزب العدالة في الملفات: الاقتصادية، الحقوق والحريات، الفساد، والعلاقات الخارجية. ويضاف إلى هذا العبء، مشكلة كتابة الدستور، والاتفاق على تغيير نظام الحكم التركي، من نظام برلماني إلى رئاسي. ويحتاج الحزب فعليا إلى الفوز بـ 367 مقعدًا من 550، أي ثلثي المجلس لكي يحقق كل طموحاته المستقبلية. أما من جهة أحزاب المعارضة، فهي تسعى الآن إلى  ممارسة دور المتغير المستقل وليس التابع في المعادلة السياسية الرتيبة في تركيا، كما أنها على يقين بأن الانتخابات القادمة، تمثل الفرصة الأخيرة على المدى القصير، فلو أخفقت هذه القوى فعليها الانتظار مدة أربع سنوات قادمة، لكي تعيد اختبار قوتها في الشارع السياسي مع الانتخابات البلدية في عام 2019، ولدى هذه الأحزاب قدر كبير من الأمل المدعوم بتغير مواقفها تجاه القضايا القومية الكبرى.

ثانيا: التغير السياسي ..  وطلاسم القضايا القومية الكبرى
(1) ثنائية الهوية: نجح الحزب الحاكم في التسويق لذاته، بوصفه الضمانة الوحيدة للحفاظ على الهوية الإسلامية للأتراك مقابل الهوية العلمانية التي تتأسس عليها حزب الشعب الجمهوري، وكذلك حزب الحركة القومية، مستثمرًا في ذلك الصراع التاريخي بين الهويتين منذ سقوط الخلافة وتأسيس تركيا الحديثة. ويبدو أن هناك تغييرًا واضحًا في هذه المسألة الجوهرية، ربما يكون لها تأثير في الانتخابات البرلمانية القادمة. والمتابع للشأن التركي، يستطيع تلمس هذا التغيير من العام الماضي بالتحديد، حين اتفق حزبا الشعب الجمهوري والحركة القومية على ترشيح أكمل الدين إحسان أوغلو في الانتخابات الرئاسية. وهو الشخصية ذات التوجه الإسلامي الصريح. ما يمثل تغيرًا لافتا للنظر في طبيعة البناء السياسي في تركيا، والذي ظل منقسما بين تيار علماني صريح، وتيار إسلامي صريح، ويبدو أن ترشيح الأحزاب العلمانية للدكتور أوغلو، لا يرتبط فقط بمحاولة استرضاء أكبر عدد من الناخبين، وإنما هو إقرار من الأحزاب العلمانية، أن السياق الاجتماعي والثقافي التركي، يحول دون وصول أحزاب علمانية صرفة إلى سدة الحكم في تركيا. وأنه قد آن الأوان لكي تنهج الأحزاب العلمانية التركية طريقا ثالثا، يحقق طموحات المواطن التركي الذي يحترم العلمانية كوسيلة للتقدم، والهوية الدينية كوسيلة للحفاظ على خصوصية المجتمع التركي.
وفي ذات السياق، فإن الصراع بين الحزب الحاكم، وبين جماعة الخدمة (التي أسسها فتح اللـه جولن)، يضعف المزاعم التي طالما روّج لها قادة العدالة والتنمية، باعتبارهم الضمانة لوحدة الصف الإسلامي داخل تركيا.  ويبدو من طريقة الصراع، وانتقاله من  مستوى العنف الرمزي إلى المادي الصريح، أن بوادر انقسام نشأت بين القطاعات ذات التوجه الإسلامي داخل المجتمع، خاصة بعد كشف المتورطين في جرائم الفساد في عام 2013. لأن رئيس الوزراء في ذلك الوقت، حاول بشكل سافر، التغطية على هذه الجرائم وعدم الاعتراف بها، والهروب بصناعة العدو الداخلي، وترديده المستمر أن جماعة الخدمة ما هي إلا  كيان موازٍ داخل الدولة، التي تحمل أهدافا خارجية ضد تركيا. وعلى مستوى الواقع لا يرى المواطن التركي العادي في هذه الجماعة ومؤسساتها الثقافية والخيرية والاجتماعية، سوى كيان تنموي نافع بروْح إسلامية معاصرة.
إن الصراع بين الحزب الحاكم، وبين جماعة الخدمة يضعف المزاعم التي طالما روّج لها قادة العدالة والتنمية، باعتبارهم الضمانة لوحدة الصف الإسلامي داخل تركيا
وعلى مستوى التحالفات السياسية قبيل الانتخابات البرلمانية، يبدو كذلك أن هناك تغيرا يرتبط بفك طلاسم ثنائية الهوية، والحيلولة دون احتكار العدالة والتنمية للصوت الإسلامي، فقد شهدت الساحة السياسية، ميلاد ما يسمى بالتحالف الوطني، يقوده حزب السعادة ذو المرجعية الاسلامية، مع حزب الوحدة الكبرى اليميني القومي، وانضم لهما في بداية إبريل الماضي، حزب الأمة والعدالة، الذي يترأسه إدريس نعيم شاهين، وزير الداخلية الأسبق، وأحد المنشقين عن حزب العدالة والتنمية.
(2) المسألة الكردية: نجح حزب العدالة والتنمية منذ تسلمه السلطة،  في الاستثمار الأمثل للملف الكردي، فكان حريصًا على السير للأمام، - ولكن ببطء- في حل المشكلات الكردية. ما يفسر نشاط الحزب قبل الاستحقاقات الكبرى في إبراز المسألة الكردية وتسليط الضوء عليها، وتقديم الوعود المستقبلية. نوع من الابتزاز السياسي، يضع الأكراد في موقف إما أن تقبل التصويت للعدالة والتنمية أو أنك سوف تخسر قضيتك. والواقع أن نظام البرلمان التركي، يسمح بهذا الابتزاز، فعتبة دخول البرلمان هي الحصول على نسبة 10% من أصوات الناخبين، وهي نسبة عالية، تثبط وتضعف من طموحات الأكراد السياسية، وتجعلهم غير فاعلين على مستوى التشريع في نيل حقوقهم المشروعة. ويبدو أن هناك تغيرا لافتا للنظر في علاقة الأكراد بالحزب الحاكم، وعلاقاتهم الداخلية، كيف؟
تأثرت علاقة الأكراد بالحزب الحاكم، تأثرًا بالغًا، بتعاطي الحكومة التركية مع المسألة السورية، ومع تواتر الأدلة والشواهد على تورط الحكومة التركية في دعم المتطرفين في سوريا. ويشهد الأكراد بحكم موطنهم الجغرافي على الحدود التركية-السورية، على عمليات تدفق المتطرفين من كل أرجاء العالم إلى الداخل السوري، غير أن الخلل الحقيقي في علاقة الأكراد بالحزب الحاكم، بلغت ذروتها، خلال مأساة الأكراد السوريين في بلدة كوباني، وموقف أردوغان السلبي من هذه المأساة. وموقفه المثير للجدل من التحالف الدولي ضد داعش بصفة عامة.
 على مستوى العلاقات البينية بين الفصائل السياسية الكردية، أعلن صلاح دمرطاش، المرشح السابق للانتخابات الرئاسية، ورئيس حزب الشعوب الديمقراطي، خوض الانتخابات البرلمانية كحزب وليس كمرشحين مستقلين كما جرت العادة في السابق، يراهن دمرطاش على الزخم الذي صاحب ترشحه في الانتخابات الرئاسية، وعلى قدرته على جذب قطاعات من اليساريين والعلويين الأتراك، وفي حال نجاحه في تخطي حاجز ال 10% في الانتخابات القائمة، فسوف يكون على حساب حزب العدالة والتنمية، وليس على حساب حزب الشعب الجمهوري.

ثالثا: التوقعات
ركزنا في هذا المقال على بعض التغيرات، التي نعتقد أنها ذات تأثير كبير في الانتخابات البرلمانية القادمة، ولم نتناول كل الملفات، الخاصة بالحريات أو الفساد، لأنها ملفات استطاع الحزب الحاكم التعامل معها، وتحييد أثرها في الانتخابات البلدية والرئاسية. ونرى أن تغيير علاقة حزب الشعب الجمهوري بالشارع السياسي التركي في أعقاب الانتخابات الرئاسية، وتَشَكُّل تحالف إسلامي من أحزاب ذات مرجعية إسلامية (السعادة، حزب الوحدة الكبرى، الأمة والعدالة)، إلى جانب خوض حزب الشعوب الديمقراطي الكردي الانتخابات كحزب وليس مستقلا، تعتبر من المتغيرات الهامة المضافة، والتي يمكن أن يترتب عليها تغيير في تركيب البرلمان التركية القادم. ويبدو أن هذه التغيرات بالذات، هي التي تثير قلق الحزب الحاكم، بدليل أن الحملة التي يقودها الحزب في المعركة الانتخابية، تتركز على الهجوم الشرس، واتهام حزب الشعب وجماعة جولن وحزب الشعوب الديمقراطي، بالتواطؤ معاً من أجل تدمير الهوية الاسلامية لتركيا، ووقف مشروع تركيا المستقبل.
وبطبيعة الحال، في ظل تدني حالة الحريات، والتضييق على وسائل التواصل، والإعلام، لا يمكن الاعتماد على استطلاعات الرأي التي تصور الحزب الحاكم، وقد حسم نتيجة الانتخابات القادمة. ولن تؤثر هذه الاستطلاعات في رأي الناخب التركي في كل الأحوال. والمتوقع، وفقا للمتغيرات العديدة الذي عرضنا لبعضها، أن تتقاسم أربعة أحزاب مقاعد البرلمان القادم، بدلا من ثلاثة كما كان في برلمان 2011 .
حيث سيحتفظ حزب العدالة والتنمية بالصدارة، ولكنه لن يتجاوز حاجز الـ 42%، كما تروج الاستطلاعات، ومن المتوقع أن يحصل حزب الشعب الجمهوري على نسبة تقل قليلا عن 30% ، بعد الانفتاح الذي أحدثه على الناخب التركي غير العلماني، وسوف يبقى حزب الحركة القومية ضمن الأحزاب الممثلة في البرلمان، دون أن يحدث تطور في النسبة التي تحصل عليها في البرلمان السابق (12%)، بسبب أن كتلته التصويتية شبه ثابتة، ولم تتأثر كثيرًا بما حدث من تغيرات في الآونة الأخيرة. ويبقى الرهان الحقيقي في الحالة التركية مرتبطًا بنجاح حزب الشعوب الديمقراطي في جذب الصوت الكردي الهارب. والمتوقع أن يحصل الحزب على نسبة تقترب من حزب الحركة القومية (12%)، وهذه التوقعات إن حدثت، فإنها ستضع تركيا على مسار مختلف.

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟