نقلة نوعية: أبعاد وقضايا العلاقات المصرية- الروسية

الإثنين 07/سبتمبر/2015 - 11:37 ص
طباعة نقلة نوعية: أبعاد
 
إبراهيم منشاوي
شهدت العلاقات المصرية- الروسية نقلة نوعية عقب ثورة 30 يونيو، حيث تم تبادل الزيارات على المستوى الرئاسي بين الدولتين، في إشارة واضحة للدعم الروسي للقاهرة بعد الإطاحة بحكم جماعة الإخوان المسلمين، وهو ما أكدت عليه التصريحات السياسية للقادة الروس عقب قيام الثورة.
    وتعتبر العلاقات المصرية- الروسية علاقات تاريخية بالأساس، حيث تتخللها محطات مزدهرة في تاريخ الدولتين، مثل وقوف الاتحاد السوفيتي إلى جانب مصر أثناء بناء السد العالي في عهد الرئيس المصري، جمال عبد الناصر، مرورًا بالمساهمة في تطوير الجيش المصري بعد نكسة  5 يونيو 1967. ولعل إعادة إحياء تلك العلاقات مرة أخرى بعد ثورة الثلاثين من يونيو، يشير إلى سعي مصر إلى إحداث نقلة نوعية ومختلفة في توجهاتها الخارجية، بعد أن سيطرت ملامح التبعية على السياسية الخارجية المصرية لما يقرب من ثلاثين عامًا هي فترة حكم الرئيس الأسبق، محمد حسني مبارك.
 فالزيارة الأخيرة للرئيس عبد الفتاح السيسي لروسيا الاتحادية والتي جرت في 25 أغسطس 2015، تعكس ليس فقط تطور العلاقات المصرية- الروسية، ولكن الثقل الروسي في منطقة الشرق الأوسط، حيث تعد تلك الزيارة بمثابة توجه إقليمي جديد من جانب الدول العربية لموسكو من أجل طرح مبادرات أكثر جديدة لحل أزمات الشرق الأوسط، وليس أدل على ذلك من وجود ولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد آل نهيان، وملك الأردن، عبد اللـه بن الحسين، في موسكو وقت زيارة السيسي.
أدركت القاهرة مبكرًا الدور الجديد الذي تحاول أن تلعبه روسيا في المنطقة من أجل إضعاف الوجود الأمريكي
أولا - دوافع التقارب المصري- الروسي:
     ليس ثمة شك على الإطلاق، أن هناك العديد من الدوافع التي حركت مرة أخرى العلاقات المصرية- الروسية، منها حاجة القاهرة إلى فتح آفاق التعاون مع كافة دول العالم بعد 30 يونيو من أجل تعظيم المصلحة المصرية، وكذلك مواجهة القضايا والمشكلات التي تعترض منطقة الشرق الأوسط، ويمكن الإشارة إلى تلك العوامل على النحو التالي:
    الموقف الروسي من ثورة 30 يونيو: فقد أضحى الموقف الروسي من ثورة 30 يونيو مغايرًا للمواقف الغربية، حيث أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تأييد بلاده للثورة المصرية، كما قدم عددًا من العروض لدعم الجيش المصري بالسلاح، وعندما انعقد مجلس الأمن لبحث تطورات الأوضاع في مصر بعد فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، وقف بوتين إلى جانب الدولة المصرية، وفي 11 أغسطس 2013 حذر الرئيس الروسي كلًا من الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوربية من التدخل في الشأن المصري، مؤكدًا أن العلاقات الروسية المصرية علاقات تاريخية، وأن أمن مصر يمس المصالح الروسية في المنطقة مباشرة. ونتيجة للموقف الروسي المساند لـ 30 يونيو، قام وزيرا الدفاع والخارجية الروسيان، سيرجي سويجو وسيرجي لافروف، بزيارة إلى مصر في نوفمبر 2013، للتأكيد على عمق العلاقات بين البلدين والتأييد الروسي لمسار 3 يوليو. إن الدفء الذي أحاط بالعلاقات المصرية الروسية بعد 30 يونيو، قد أعطى الدافع لوزيري الدفاع والخارجية المصريين آنذاك، المشير عبد الفتاح السيسي ونبيل فهمي، بزيارة روسيا الاتحادية في فبراير 2014، واجتماعهما مع نظيريهما الروسيين (اجتماعات 2+2)، كما حرصت القيادة الروسية في ذلك الوقت على إظهار الترحيب الدافئ بالوفد المصري الرسمي، فقام الرئيس بوتين باستقباله في 13 فبراير 2014 في منزله، كما عبر عن وصفه لقرار المشير السيسي بالترشح للرئاسة بالقرار المسئول. وقد أتت هذه الزيارة في خضم توتر العلاقات المصرية الأمريكية، حيث سنحت فرصة جيدة أمام الجانين لفتح أفاق التعاون بين البلدين في كل المجالات خاصة المجال العسكري، فقد خرجت التقارير التي تشير إلى إبرام مصر صفقة سلاح مع الجانب الروسي تتضمن منظومة جديدة للدفاع الجوي وطائرات من طراز (ميج- 35)، ومنظومات صاروخية ساحلية مضادة للسفن. ومن هنا فقد شهدت العلاقات دفعة قوية من خلال الزيارات المتبادلة وتوقيع الاتفاقيات المختلفة.
    تنويع خيارات السياسة الخارجية المصرية واستعادة مكانة مصر الإقليمية: حيث ظلت السياسة الخارجية المصرية حبيسة الخيار الواحد خلال الفترة المباركية، وقد أثقل ذلك التوجه كاهل الدولة المصرية طيلة ثلاثين عامًا، فقد عولت مصر كثيرًا على واشنطن، ولكن جاءت الرياح بما لم تشته السفن عقب 30 يونيو، فعلى الرغم من الممارسات الإرهابية لجماعة الإخوان المسلمين، استمر الدعم الأمريكي الواضح لها، فأدركت القاهرة ضرورة تنويع خياراتها الخارجية، حتى لا تكرر أخطاء الماضي، فنشطت الدبلوماسية المصرية كثيرًا عن سابق عهدها من أجل الدفاع عن إرادة الشعب المصري، والتصدي لمحاولات تدويل الأحداث الداخلية، ومواجهة القضايا والتحديات الداخلية والخارجية مثل مكافحة الإرهاب على المستويين المحلي والإقليمي، وحماية الحدود المصرية، وتطوير القوات المسلحة المصرية للتصدي للجماعات الإرهابية المختلفة، وعمليات تهريب الأسلحة. وهذا التوجه الجديد قد تبناه، الرئيس عبد الفتاح السيسي، عقب وصوله لقصر الاتحادية من أجل تلبية طموحات الشعب المصري والمناورة من أجل استقلالية القرار الوطني، فتبنّى سياسة خارجية مستقلة، حتى تكون قادرة على التواصل مع كل دول العالم لتحقيق المصلحة المصرية والتقدم الاقتصادي المنشود، فانفتحت مصر على القوى الدولية الصاعدة مثل الصين وروسيا، والقوى الاقتصادية أيضًا مثل سنغافورة وإندونسيا، للاستفادة من التجارب الدولية المختلفة.
    الثقل الروسي في منطقة الشرق الأوسط، ووجودها بقوة في بعض القضايا المهمة: فموسكو أضحت توجد وبقوة في عدد من القضايا الإقليمية المهمة في منطقة الشرق الأوسط، مثل الأزمة السورية والملف النووي الإيراني، وقد أدركت القاهرة مبكرًا هذا الدور الجديد الذي تحاول أن تلعبه روسيا في المنطقة من أجل إضعاف الوجود الأمريكي. فنتيجة لفشل الترتيبات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط وإستراتيجيتها لمكافحة الإرهاب، في نفس الوقت الذي تسعى فيه موسكو للعب دور فاعل في المنطقة من خلال طرح رؤى مغايرة للرؤى الأمريكية لقضايا المنطقة، وتلاقي وجهات النظر المصرية- والروسية في الكثير من الأحيان، كل هذه الاعتبارات جعلت القيادة المصرية تفتح آفاق التعاون في كل المجالات المختلفة مع الدولة الروسية، من أجل مواجهة المشكلات المختلفة وحماية الأمن القومي المصري، والاستفادة من خبرة الجانب الروسي في مكافحة الإرهاب، ومساندة مصر في مشاريعها القومية.
    رغبة القاهرة في تحديث الجيش المصري: فقد تزايدت الأخطار التي أصبحت تحيط بالدولة المصرية بعد 30 يونيو، من إرهاب يضرب سيناء، وآخر في المحافظات المختلفة، وثالث على الحدود الغربية مع ليبيا، لذلك سعت القاهرة لتطوير الجيش المصري ومده بأحدث الأسلحة الاستراتيجية لمواجهة خطر الإرهاب الذي تضخم بشكل كبير في المنطقة، ولم يقتصر التوجه المصري إلى موسكو فقط، بل امتد لفرنسا، من أجل تحديث سلاح الطيران بابرام صفقة طائرات الرافال، ولم تتوقف الجهود المصرية عند ذلك الحد، بل ما زالت الجهود مستمرة ومضنية من أجل تحقيق المزيد من التقوية والدعم للجيش وخاصة الوحدات البحرية، من أجل حماية سواحل مصر المختلفة والدفاع عن مقدرات الوطن، حيث أشار عدد من التقارير في الآونة الأخيرة إلى سعي كل من مصر والسعودية بقوة لشراء حاملتي الطائرات الفرنسية ميسترال، التي سبق أن تعاقدت عليها موسكو، ولكن فسخ التعاقد على إثر أحداث أوكرانيا، فسارعت مصر والسعودية إلى الحصول على الصفقة لتقوية القوات البحرية، لمواجهة التحديات المحتملة.
ارتفع حجم التبادل التجاري بين مصر وروسيا في عام 2014 ليصل إلى 5.5 مليار دولار في مقابل 3 مليار دولار في عام 2013
ثانيا- أبعاد التقارب بين الدولتين
   لقد شملت العلاقات المصرية - الروسية جميع المناحي المختلفة، وتم توقيع عدد من الاتفاقيات الثنائية المهمة، من أجل توسيع التعاون بين الدولتين؛
    البعد السياسي: فمنذ وصول السيسي إلى الحكم، قام بزيارة موسكو ثلاث مرات متتالية في أقل من عام ونصف العام، ولأول مرة يشارك رئيس مصري في عيد النصر الروسي الـ 70، كما قام بوتين بزيارة القاهرة في مطلع عام 2015، وفي جميع هذه الزيارات قد تم بحث سبل تدعيم وتطوير العلاقات الثنائية بين القاهرة وموسكو، ومناقشة القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وتتوافق وجهات النظر المصرية والروسية حول الوضع في ليبيا، حيث تساند موسكو الجهود المصرية لمكافحة الإرهاب ومنع تسربه عبر حدودها المشتركة مع ليبيا. وتطور هذه العلاقات على المستوى السياسي يرتبط ببعد آخر، وهو التوتر الذي شاب العلاقات المصرية- الأمريكية بعد ثورة 30 يونيو، نتيجة لتردد الإدارة الأمريكية كثيرًا في مساندة ما حدث في مصر وحربها ضد الإرهاب. وقد أعلنت الحكومة الأمريكية غير مرة أن عودة العلاقات إلى مجراها الطبيعي مرهون بنجاح خارطة الطريق، ووقف أعمال العنف، وتحقيق تحول ديمقراطي حقيقي. هذا التحول في العلاقات المصرية- الأمريكية، جعل مصر تفتح آفاقًا جديدة مع القوى الأخرى في العالم مثل روسيا الاتحادية، وقد ساعد المناخ الدولي على ذلك والمتمثل في الأزمة الأوكرانية، والتي أضحت بمثابة ً الفرصة أمام مصر لتنويع خياراتها الخارجية، حيث تعرضت العلاقات الأوربية الروسية لمزيد من التوتر، خوفًا من تعاظم الوجود الروسي في البحر الأسود مما يهدد الأمن الأوربي بصفة مباشرة. وتنبغي هنا الإشارة إلى تطور العلاقات المصرية- الروسية من الأهمية بمكان في الفترة الحالية لمحاولة التغلب على الأخطار التي تواجه المنطقة خاصة في ظل تصاعد الحديث عن رغبة الولايات المتحدة الأمريكية الانسحاب من منطقة الشرق الأوسط.
    البعد الاقتصادي: ويرتبط هنا بالجانب الاقتصادي عدد من الأمور مثل حجم التبادل التجاري، والاستثمارات الروسية في مصر، ومشاركة موسكو في تنمية محور قناة السويس، وبُعد الطاقة، والسياحة الروسية في القاهرة. ولعل من الأهمية هنا الإشارة إلى أن العلاقات الاقتصادية بين الدولتين تشهد طفرة غير مسبوقة، فقد ارتفع حجم التبادل التجاري بينهما في عام 2014 ليصل إلى 5.5 مليار دولار في مقابل 3 مليار دولار في عام 2013، وذلك في إطار زيادة الصادرات المصرية إلى السوق الروسي مثل صادرات البطاطس والخضراوات المجمدة، والشاي والقهوة والأجهزة الكهربائية، والمنظفات. وتعتبر تجارة القمح بين البلدين مهمة جدًا، حيث تعتمد القاهرة على استيراد القمح الروسي لسد الاحتياج المحلي مما يشكل معه حدوث فائض في الميزان التجاري لصالح روسيا، وللتغلب على ذلك الأمر تم اقتراح إنشاء صوامع لتخزين القمح الروسي في المنطقة اللوجستية بدمياط من أجل إعادة تصديره مرة أخرى خصوصًا أن مصر قريبة من الأسواق العالمية. كما تعتزم الدولة المصرية دفع الجانب الروسي للمشاركة في تنمية محور قناة السويس من خلال إقامة منطقة ضناعية روسية، وجذب الشركات الروسية المختلفة للاستثمار في المشروع. كما يعد قطاع الطاقة من القطاعات التي تحظى بمكانة مهمة في علاقات الدولتين، حيث تم توقيع عدد من الاتفاقيات في هذا الصدد، منها اتفاقية مع شركة غازبوم الروسية لتوريد الغاز إلى مصر، كما تجري المباحثات مع الجانب الروسي وشركة روزاتوم من أجل انشاء أربعة محطات نووية لتوليد الكهرباء وتحلية المياه بالضبعة. وبالتالي يمثل الجانب الاقتصادي في علاقات الدولتين بعدًا مهمًا وقويًا، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجه القاهرة.
    البعد الإستراتيجي والعسكري: عقب 30 يونيو توطد التعاون العسكري مرة أخرى بين مصر وروسيا، خاصة أن 30% من تسليح الجيش المصري هو تسليح روسي بالأساس، وتعتبر العلاقات العسكرية بين مصر وروسيا علاقات قديمة وتاريخية، حيث كان للاتحاد السوفيتي الدور الأكبر في إعادة تسليح وبناء القوات المسلحة المصرية بعد نكسة يونيو 1967. وقد عاد هذا التعاون مرة أخرى في ظل الجمهورية الثالثة، حيث اتجهت القاهرة لتنويع تسليج الجيش المصري والاستفادة من الخبرة السابقة، وذلك في ظل توتر العلاقات الأمريكية- المصرية، وامتناع واشنطن عن تسليم عدد من المعدات العسكرية إلى مصر عقب 30 يونيو. وقد تم تشكيل لجنة خاصة للتعاون العسكري بين الدولتين، والتوقيع على عدد من الاتفاقيات في هذا الإطار بين موسكو والقاهرة، فقد تم توقيع صفقة تتجاوز قيمتها 3 مليارات دولار لتطوير المنظومة الدفاعية للقوات المسلحة المصرية، وإمدادها بأحدث الأسلحة في هذا المجال مثل صواريخ إس 300 المضادة للطائرات، والمعروفة أيضا بـ "أنتي – 2500"، كما تم الاتفاق على إجراء مناورات عسكرية في البحر المتوسط،
وتجري حاليًا مشاورات بين الجانبين من أجل حصول مصر على مقاتلات من طراز  ميج 35، ومنظومة صواريخ "كورنيت" المضادة للدبابات.
إن وجهات النظر المصرية والروسية تكاد تكون واحدة فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب على المستوى الدولي
ثالثا- قضايا مشتركة بين البلدين
هناك العديد من القضايا المشتركة في العلاقات المصرية- الروسية، تحددت هذه القضايا وتبلورت نتيجة للأوضاع المستجدة على الساحتين الإقليمية والدولية، وتأتي في مقدمة هذه القضايا، قضية مكافحة الإرهاب والأزمة السورية وغيرها.
    مكافحة الإرهاب: في هذا الإطار يمكن القول إن وجهات النظر المصرية والروسية تكاد تكون واحدة فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب على المستوى الدولي، حيث ترى موسكو أن إستراتيجية الولايات المتحدة الحالية في مكافحة الإرهاب، وخاصة تلك التي تتبعها ضد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، غير فاعلة، لكونها إستراتيجية انتقائية ونظرًا لعدم وجود إستراتيجية عالمية موحدة لمكافحة الإرهاب، وفي هذا الإطار تطرح موسكو بديلًا آخر يقوم على ضرورة تبني إستراتيجية عالمية موحدة في هذا المجال. ويعد هذا التوجه الروسي مشابهًا للرؤية المصرية في سبيل مكافحة الإرهاب والتي ترتكز على ثلاثة أبعاد رئيسية وهي؛ التأكيد على التعاون الدولي في مجال مكافحة الإرهاب، وضرورة عدم اقتصار المواجهة على تنظيم بعينه أو القضاء على بؤرة إرهابية بذاتها، ولكن من الأهمية بمكان أن يمتد ذلك التعاون ليشمل جميع البؤر الإرهابية سواء في منطقة الشرق الأوسط أو في إفريقيا، في إطار إستراتيجية شاملة. ونتيجة لتلاقي وجهات النظر بين الجانبين، تسعى القاهرة لتعزيز التعاون الاستخباراتي مع الجانب الروسي، والتعرف على التجربة الروسية في مجال مكافحة الإرهاب، حيث أوفدت القاهرة وفدًا عسكريًا لموسكو للتعرف على الخبرات العسكرية في هذا المجال، كما شهد اللقاء الأخير بين رئيسي البلدين، مباحثات جادة حول مكافحة الإرهاب، والتي أوضحت أن روسيا تساند وتدعم الجهود المصرية القائمة، وتطرح إمكانية تعزيز القدرات العسكرية المصرية لدحر ذلك الخطر الداهم.
    الأزمة السورية: تعاني سوريا منذ ما يزيد على أربع سنوات من أزمة سياسية وإنسانية طاحنة، أدت إلى نزوح الشعب السوري من أراضيه إلى الدول العربية والأوربية، وهناك أزمة حالية تدور في أوربا بسبب مشكلة اللاجئين السوريين. والواضح في هذا الصدد أن لروسيا ثقلًا واضحًا وكبيرًا في هذه الأزمة لكون نظام بشار الأسد الحليف الإستراتيجي الأول لموسكو في المنطقة، ولذلك وعلى الرغم من المحاولات المتكررة من جانب بعض القوى الإقليمية والدولية للإطاحة ببشار الأسد، فإن الدعم الروسي للأسد يحول دون ذلك، وتصر روسيا على ضرورة حل الأزمة سياسيًا من خلال وضع إطار جدي للحوار بين السوريين بدون تدخل دولي، والتأكيد على مسارات جنيف لحل الأزمة السورية، بعيدًا عن التدخل العسكري. أيضًا الرؤية المصرية لحل الأزمة تنبع من ضرورة الحوار بين الأطراف السورية المختلفة مع رفض التدخل العسكري. وقد كانت الأزمة السورية حاضرة وبقوة في المباحثات الأخيرة بين السيسي وبوتين من أجل إنهاء معاناة الشعب السوري، وتم التأكيد على ضرورة الالتزام بالحل السياسي لإنهاء الأزمة.
    أمن الخليج العربي: فقد تزايدت المخاوف الخليجية كثيرًا بعد توقيع الاتفاق النووي مع إيران، وقد كان لروسيا الدور الأكبر في التوصل لهذا الاتفاق حيث كانت تحرص دائمًا على ضرورة اتباع الحوار لحل الأزمة مع رفض منطق العقوبات الغربية، في الوقت الذي ترى فيه دول الخليج أن البرنامج النووي الإيراني يمثل تهديدًا قويًا لها، ويؤجج النزاعات في منطقة الشرق الأوسط ويفتح الباب واسعًا أمام سباق للتسلح غير مسبوق في المنطقة. وترتبط بذلك قضية أخرى وهي المتعلقة بالصراع في اليمن، فقد أعلنت موسكو عن رفض الحل العسكري عقب اندلاع عاصفة الحزم، ووقفت ضد أي محاولة لصدور قرار من مجلس الأمن ضد الحوثيين من خلال استخدام الفيتو الروسي، حيث تؤكد روسيا دائمًا على التمسك بالحل السياسي- والدبلوماسي، بدلًا من الحل العسكري. وقد أثارت تلك المواقف الروسية غضبًا كبيرًا في الأوساط السياسية الخليجية. وعلى الجانب الأخر ترى القاهرة أن أمن دول الخليج هو بمثابة أمن قومي لمصر، ولعل في تعبير " مسافة السكة" الدلالة الكبرى على الأهمية التي توليها مصر لأمن الخليج العربي. ومن هنا هل يمكن القول إن مصر ستلعب دور المحرك للعلاقات الروسية- الخليجية من أجل دفعها إلى الأمام، فقد شهدت الأيام الماضية تحركات جدية من قبل الدولة المصرية لتقريب وجهات النظر الخليجية- الروسية حول قضايا المنطقة، وليس أدل على ذلك من وجود ولي العهد الإماراتي في موسكو أثناء زيارة السيسي، ومما يدعم من هذا التوجه الخليجي- الروسي، المخاوف التي تبديها دول الخليج من السياسات الأمريكية في المنطقة، وعلى الأخص الانفتاح على إيران بعد توقيع الاتفاق النووي.
أن أمن دول الخليج هو بمثابة أمن قومي لمصر، ولعل في تعبير "مسافة السكة" الدلالة الكبرى على الأهمية التي توليها مصر لأمن الخليج العربي
رابعا- مستقبل العلاقات بين البلدين
     إن مستقبل العلاقات المصرية- الروسية مرهون بتحول تلك العلاقات إلى علاقات شراكة إستراتيجية حقيقية، حتى لا تتعرض تلك العلاقات مرة أخرى لفترات التأزم والانحسار التي شهدتها في الفترات السابقة، ومن هنا يمكن طرح ثلاثة سيناريوهات مستقبلية لتلك العلاقات؛
    السيناريو الأول: مزيد من التقارب وتحول العلاقات بين الدولتين إلى علاقات إستراتيجية: وهذا التصور يرتبط بتحقيق تفاهمات واسعة حول القضايا المختلفة في المنطقة وتوسيع آفاق التعاون بين الدولتين، والجدية من الطرفين في تطوير تلك العلاقات لجعلها علاقات إستراتيجية كبيرة، خاصة في ظل حاجة القاهرة إلى تنويع علاقاتها الخارجية والخروج عن الأطر التقليدية للسياسة الخارجية المصرية، وكذلك نظرًا أيضًا لحاجة موسكو إلى حلفاء جدد في المنطقة نظرًا لتوجهها نحو تدعيم دورها على المستوى الدولي واستعادة نفوذها القديم.
    السيناريو الثاني: الثبات: أي بقاء العلاقات على حالها بين فترات الانتعاش وفترات الانكماش، ويرتبط هذا السيناريو بغياب الجدية الواضحة في تطوير العلاقات بين الدولتين، والخلاف في وجهات النظر حول بعض القضايا، وحدوث عدم توافق في العلاقات الروسية- الخليجية.
    السيناريو الثالث: تأزم العلاقات المصرية- الروسية: ويرتبط هذا التصور بعودة التبعية في السياسة الخارجية المصرية للولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي حدوث تأزم في العلاقات المصرية- الروسية، قد يصل بها إلى مراتب متدنية للغاية، ولكن هذا السيناريو مستبعد في الوقت الحالي، نتيجة للتغيرات الجدية في الدولة المصرية.

شارك