تحديات جوهرية: مستقبل الاقتصاد المصري في عهد الرئيس السيسي

الأحد 11/أكتوبر/2015 - 11:23 ص
طباعة تحديات جوهرية: مستقبل
 
إيزاك جال

لم يكن مشروع قناة السويس الجديدة سوى تأكيد على التزام الرئيس عبد الفتاح السيسي بتنفيذ تعهداته الاقتصادية التي وضعها على قمة أولوياته منذ إعلان ترشحه للرئاسة، وقد تبنى نهجًا اقتصاديًا واقعيًا يقوم على تقليل الإنفاق الحكومي  وخفض سقف توقعات المصريين تجاه الدولة خاصةً مع الأزمات الهيكلية الاقتصادية التي أصابت قطاعات الدولة المختلفة منذ 2011، وقد تعددت التقييمات حول قدرة السيسي على التعامل مع الملف الاقتصادي الذي يعد واحدًا من أكثر الملفات الشائكة في السياسة المصرية.

وفي هذا الإطار قام "إيزاك جال"[1] الرئيس المشارك بالمنتدى الاقتصادي للشرق الأوسط بإصدار دراسته بعنوان "السيسي ومستقبل الاقتصاد المصري: التحديات الأساسية، والخطوات الجريئة، والمخاطر العالية" والذي قام فيها بتقييم وضع الاقتصاد المصري بعد عام من حكم السيسي، وقد تم نشر هذه الدراسة في دورية "التقييم الإستراتيجي" في عددها الصادر بتاريخ يوليو 2015.[2]



[1] إيزاك جال باحث متخصص في الشئون الشرق الأوسطية والأفريقية، ومحرر دورية "التقييم الإستراتيجي"، والرئيس المشارك بالمنتدى الاقتصادي للشرق الأوسط.

[2] يمكن الاطلاع على النص الكامل للدراسة:

Aesiak Gaal, "El-Sisi and Egypt’s Economic Future :  Fundamental Challenges,  Bold Moves and High Risks", Strategic Assessment, Vol.18, No.2, July 2015, PP 21-34.

ارتكز برنامج السيسي الانتخابي على ما عرف باسم (إستراتيجية المحاور المتوازية)، وتشير هذه الإستراتيجية إلى العمل على كل المحاور السياسية والاقتصادية والاجتماعية في وقت واحد

أولًا: الخطة الاقتصادية للرئيس السيسي

وصل الرئيس السيسي إلى سدة الرئاسة في يونيو 2014 في ظل وضع اقتصادي متردٍّ؛ فعلى سبيل المثال كان حجم الدين العام قد وصل إلى ما يقدر بنحو 1,7 تريليون دولار، كما زادت الأعباء المفروضة على الدولة؛ إذ وصلت قيمة ما تنفقه الدولة على الدعم ما يقدر بنحو 200 مليار جنيه، كما وصل حجم الأجور إلى ما يعادل 208 مليارات جنيه، وقد ارتكز برنامج السيسي الانتخابي على ما عرف باسم (إستراتيجية المحاور المتوازية)، وتشير هذه الإستراتيجية إلى العمل على كل المحاور السياسية والاقتصادية والاجتماعية في وقت واحد.

وفي هذا السياق اعتمد المحور الاقتصادي لبرنامجه الانتخابي على إجراء حزمة من الإصلاحات الضريبية، وتخفيض حجم الدعم، والعمل على توفير مناخ استثماري ملائم، وتسهيلات متعددة في منح التراخيص الاستثمارية، بالإضافة إلى رفع معدل النمو الاقتصادي على المدى الطويل، بحيث يصل حجم الزيادة في هذا المعدل إلى 6% بحلول السنة المالية (2018-2019)، وهو الأمر الذي يترتب عليه تقليل معدل البطالة وإيجاد فرص عمل جديدة، إذ إنه من المتوقع أن تقل نسبة البطالة والتي وصلت إلى 13,4% في عام 2013 إلى نحو 10% بحلول عام 2018.

كذلك سعى البرنامج الانتخابي للرئيس السيسي إلى تخفيض العجز المالي ليصل إلى نحو 8% من الناتج المحلي الإجمالي، ويمكن سد هذا العجز عن طريق المساعدات الخارجية، ووضع السيسي تخفيض حجم الدين العام في قمة أولوياته واصفًا إياه بأنه "ميراث ثقيل يجب تخفيفه عن الأجيال المقبلة"، وقد زاد بشكل غير مسبوق ليصل إلى ما يقدر بنحو 95% من الناتج المحلي الإجمالي وذلك في العام المالي (2013-2014) بعد أن كان يقدر بما يعادل 80% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية (2009-2010)، ووفقًا لخطة الرئيس السيسي فإن الدين العام سينخفض إلى 90% بحلول عام 2016، ثم إلى 85% بحلول عام 2018.

وعلى ذات الصعيد تضمنت خطته تخفيض معدلات التضخم بما يقدر بنحو 10% من النسبة الموجودة بعام 2014 بحلول السنة المالية (2016-2017)، والعمل على استقرار احتياطيات النقد الأجنبي عند مستوى معين.

وقد شرعت أجهزة الدولة في تنفيذ الخطة منذ النصف الثاني من العام 2014 بإجراء تعديلات في دعم الطاقة والوقود من أجل تخفيض العجز المالي، فتم تخفيض المخصصات لدعم الطاقة على سبيل المثال في موازنة عام (2014-2015) إلى 10%، وبذلك بلغ حجم الدعم الموجه للمواد البترولية  نحو 100 مليار جنيه، بينما وصل حجم الدعم في موازنة (2015-2016) إلى 61 مليار جنيه، وفيما يتعلق بالسلع الغذائية وصل حجم الدعم المخصص لها إلى ما يعادل 38,4 مليار جنيه، وذلك في موازنة العام الحالي، مقابل 40 مليار جنيه في موازنة عام 2015.

وفي المقابل تم وضع عدد من الخطوات لمعالجة التداعيات السلبية لتخفيض دعم الطاقة والغذاء خاصةً على الشرائح الأكثر فقرًا، وقد تمثلت هذه الخطوات في زيادة متتالية للمخصصات المقدمة لكلٍّ من قطاعي الصحة والتعليم، بحيث تزيد بما يقدر بنحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2017.

وفي إطار السعي لمواجهة التناقص المتتالي في ضريبة الدخل، والتي وصلت إلى 13% من الناتج المحلي الإجمالي في 2013 بعدما كانت تقدر بنحو 16% من الناتج المحلي الإجمالي في 2008، ولهذا قامت حكومة السيسي بإجراء تعديلات على الضرائب بأنواعها المختلفة مثل: توسيع نطاق الضريبة على معاملات البورصة، وتعديلات على قانوني الضريبة على الدخل وقانون الضريبة على الدمغة، بالإضافة إلى زيادة الضريبة على المبيعات.

بيد أنه قد سعى إلى تخفيض الضرائب التي تمس الشرائح المتوسطة والفقيرة، فقام بإجراء تعديل على قانون الضريبة العقارية يهدف إلى التوسع في الإعفاءات الضريبية لوحدات متوسطي ومحدودي الدخل، كذلك أصدر إعفاءات ضريبية للمستثمرين من أجل تهيئة المناخ الاستثماري للأجانب.

وفي سياق متصل سعى السيسي إلى توطيد العلاقة مع القطاع الخاص المصري والأجنبي من خلال التعاون في مشروعات كمشروع القاهرة الجديدة وقناة السويس الجديدة، ووفقًا للخطة الاقتصادية للرئيس السيسي ينُتظر أن يمتد التعاون إلى مشروعات أخرى كالطاقة المتجددة، والإسكان، ومشروعات تنموية متعددة.

وفقًا لخطة الرئيس السيسي فإن الدين العام سينخفض إلى 90% بحلول عام 2016، ثم إلى 85% بحلول عام 2018

ثانيًا: الأداء الاقتصادي للحكومة المصرية

ترتبط الأوضاع الاقتصادية بشكل كبير بالأوضاع السياسية في الدولة، وهو ما يمكن ملاحظته  لا سيما في الحالة المصرية، وعلى الرغم من حالة عدم الاستقرار السياسي وموجة التفجيرات التي لا تزال تشهدها مصر، فإن الاقتصاد المصري قد شهد قدرًا ما من التحسن في عام (2014-2015) مقارنة بالثلاث سنوات السابقة التي أعقبت 25 يناير، ولعل من أهم دلائل التحسن الاقتصادي ما يلي:

1-المؤشرات المالية الكلية: حيث وصل معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 5,6% في النصف الأول من السنة المالية (2014-2015)،  وهو ما كانت له آثاره الإيجابية على قطاع السياحة والذي شهد نموًا 53%، وقطاع التصنيع الذي وصل معدل نموه إلى ما يقدر بنحو 17%.

وامتدت هذه التأثيرات لتصل إلى سوق العمل؛ إذ إن معدل البطالة انخفض من 13,4% في عام (2013-2014) ليصل إلى 13,1% في عام في الربع الأول من العام (2014-2015)، ثم وصل إلى 12,9% في الربع الثاني من نفس العام، وفيما يتعلق بالربع الثالث وصل إلى 12,8%.

ويرجع البعض هذا التحسن إلى زيادة نسبة الاستثمارات الأجنبية، فبناءً على تقديرات صندوق النقد الدولي والحكومة المصرية وصلت نسبة الاستثمارات الأجنبية إلى ما يتراوح بين 7 إلى 8 مليار دولار وذلك في عام 2014، بعدما كانت تقدر بما يتراوح بين 3,5 إلى 4 مليارات دولار في الثلاثة أعوام السابقة.

ومن أجل تحفيز الاستثمار قام البنك المركزي برفع أسعار الفائدة ابتداءً من منتصف عام 2014، كذلك تم إصدار قانون الاستثمار الجديد في الأول من مارس، والذي يمنح العديد من التسهيلات للمستثمرين، وقد حققت إيرادات قناة السويس زيادة كبيرة حيث وصلت إلى ما يقدر بنحو 5,323 مليار دولار بزيادة 22 مليار دولار في عام 2013.

وأكد تقرير صادر من البنك الدولي أن إجمالي التحويلات النقدية للمصريين بالخارج قد بلغت 18 مليار دولار في نهاية عام 2014، لتصنف مصر بذلك ضمن أكبر الدول التي تلقت تحويلات نقدية، وزاد تدفق المساعدات الخارجية خاصةً من دول الخليج، وعلى رأسها الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، فقد أسهمت كلتا الدولتين بما يقدر بنحو 8 مليارات دولار، فيما أسهمت سلطنة عمان بنحو 500 مليون دولار، وقد أتت أغلب هذه المساعدات على شكل منتجات بترولية.

2- قناة السويس الجديدة: يُصنف مشروع قناة السويس على رأس هذه المشروعات، وقد قام الرئيس السيسي بتوقيع وثيقة حفر قناة السويس الجديد في 5 أغسطس 2014، وطالب الرئيس السيسي منفذي المشروع بالانتهاء منه بعد عام واحد بدلًا من ثلاث سنوات كما كان مقترحًا في البداية، ويبلغ طول هذه القناة 72 كيلو مترًا منها 35 كيلو مترًا تم شقها بتقنية الحفر الجاف، بينما يعتمد 37 كيلو مترًا المتبقية على تعميق مجرى القناة القديمة ووصلها بالجزء المنفذ بالحفر الجاف.

ونظرًا لارتفاع تكلفة المشروع قامت الحكومة بطرح شهادات استثمار على المواطنين بهدف جمع 60 مليار جنيه خلال شهر من طرح الشهادات، إلا أنه قد تم جمع ما يقدر بنحو 64 مليار جنيه في مدة وجيزة تقدر بنحو 8 أيام، وقد تم الانتهاء من مرحلتين من المشروع وتتبقى المرحلة الأخيرة التي يطلق عليها "تنمية إقليم قناة السويس" أي تنمية المنطقة المحيطة بالقناة.

ويتوقع أن تؤدي قناة السويس الجديدة إلى انخفاض مدة عبور السفن من 22 ساعة إلى 11 ساعة فقط، مما يعني زيادة عدد السفن المارة من 49 سفينة يوميًا في المتوسط إلى 97 سفينة يوميًا في المتوسط، كذلك ينُتظر أن تصل إيرادات القناة إلى 10 مليارات جنيه سنويًا، على أن تشهد زيادة متتالية بعد تنفيذ المرحلة الثالثة لتصل الزيادة إلى 259% عام 2023 أي ما يقدر بنحو 13,226 مليار دولار.

إن إجمالي التحويلات النقدية للمصريين بالخارج قد بلغت 18 مليار دولار في نهاية عام 2014، لتصنف مصر بذلك ضمن أكبر الدول التي تلقت تحويلات نقدية

3- مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي: عقد هذا المؤتمر في مدينة شرم الشيخ في مارس 2015 تحت مسمى "مؤتمر دعم وتنمية الاقتصاد المصري"، وقد حضر المؤتمر 100 وفد رسمي من دول مختلفة عربية وأجنبية، بالإضافة إلى 2500 مستثمر عربي وأجنبي، و25 هيئة ومنظمة إقليمية ودولية، ويرى البعض أنه قد استطاع أن يعيد مصر إلى خريطة التفاعلات الاقتصادية العالمية.

وقد بلغت حصيلته ما يقدر بنحو 60 مليار دولار في شكل اتفاقيات استثمارية وقروض، فضلًا عن تعهدات دول الخليج بدعم مصر بما يقدر بنحو 12,5 مليار دولار، وقد أثر المؤتمر بشكل إيجابي على البورصة المصرية حيث ارتفعت المؤشرات المصرية إلى أعلى مستوياتها بمجرد الانتهاء من المؤتمر.

4- تصنيفات مصر الائتمانية: قام عدد من المؤسسات والوكالات الاقتصادية الدولية برفع تصنيفات مصر الائتمانية، وهو الأمر الذي ينعكس بالإيجاب على جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية، ففي ديسمبر 2014 قامت "وكالة فيتش للتصنيف الائتماني" برفع تصنيف مصر من بي سالب إلى بي وبخاصة بعد قيام مصر بتسوية المنازعات بينها وبين المستثمرين.

كما قامت "وكالة موديز للتصنيف الائتماني" في أبريل 2015 برفع تصنيف مصر من اقتصاد مخاطرة عالية إلى اقتصاد مخاطرة، وأرجعت الوكالة هذا التصنيف إلى التزام مصر ببرامج الإصلاح المالي والاقتصادي، واستقرار الاقتصاد المصري الكلي، وتوقعت الوكالة نمو الناتج المحلي المصري بمعدل 4,5% بحلول نهاية العام الحالي.

ولم تختلف الحال كثيرًا بالنسبة لمؤسسة "ستاندرد آند بورز" التي قامت برفع توقعاتها للتصنيف الائتماني لمصر من مستقر إلى إيجابي وذلك في مايو 2015، بيد أن المؤسسة قد رأت أن هناك العديد من المشكلات التي يعاني منها الاقتصاد المصري كعجز كبير للمالية العامة، وارتفاع الدين المحلي، وهبوط مستويات الدخل.

ثالثًا: تحديات تحفيز الاقتصاد المصري

على الرغم من حالة التحسن التي يشهدها الاقتصاد المصري، فإنه لا يزال في مرحلة التعافي، كما أنه لا يزال أمامه العديد من التحديات الهيكلية التي يجب على الحكومة المصرية مواجهتها، ويأتي في صدارتها ما يلي:

1- أزمة البطالة: شهد معدل المواليد المصري انخفاضًا متتاليًا منذ عقد الخمسينيات وصولًا إلى المرحلة الحالية؛ إذ قل معدل النمو السكاني الذي كان يقدر بما يتراوح بين 2,5% إلى 2,75% سنويًا في فترة الخمسينيات والستينيات ليصل إلى ما يتراوح بين 1,5% إلى 1,75% في بداية العقد الأول من العشرين.

غير أن هذا الانخفاض في عدد السكان قابلته زيادة في أعداد الشباب الذين وصلوا إلى سن العمل، فبعدما كان يقدر عددهم في فترة الخمسينيات والستينيات بنحو 400 ألف شاب سنويًا، تضاعف عددهم في فترة الثمانينيات ليصلوا إلى 800 ألف سنويًا، ثم إلى 1,6 مليون شاب في العقد الحالي، ويتوقع أن تزداد النسبة لتصل إلى ما يقدر بنحو 1,8 مليون شاب سنويًا في السنوات القادمة وذلك بناءً على تقديرات الأمم المتحدة.

قامت عدد من المؤسسات والوكالات الاقتصادية الدولية برفع تصنيفات مصر الائتمانية، وهو الأمر الذي ينعكس بالإيجاب على جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية

وقد أدت الأزمات الاقتصادية المتتالية إلى زيادة متتالية في معدلات البطالة لا سيما الشباب، حيث أشارت المصادر الرسمية إلى أن نسبة البطالة وصلت إلى 13,5% بين الشباب، وذلك في عام 2013، وبناءً على دراسة تم إجراؤها في منتصف 2014 تم التوصل إلى أن نسبة البطالة بين الشباب في عمر 18 إلى 29 عام ضعف نسبة البطالة بين إجمالي القوة العاملة، بينما تقدر بنحو ثلاثة أضعاف بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 إلى 24 عام مقارنة بالبطالة بين إجمالي القوة العاملة.

ووصل معدل البطالة بين الحاصلين على شهادات عليا إلى 36% للرجال في مقابل للنساء، وعلى النقيض من هذا قل معدل البطالة لكل من حاملي الشهادات المتوسطة والأميين، إذ وصل إلى 15% للرجال و14% للنساء، وتحتاج مصر أن تحافظ على معدل نمو سنوي قدره 5% لكي تستطيع حل أزمة البطالة.

2-أمن الطاقة: استطاع قطاع الطاقة الحفاظ على صدارته لفترة طويلة كأحد المصادر المهمة للدخل القومي المصري، فعلى سبيل المثال بلغت مساهمة هذا القطاع في ميزان المدفوعات في عام 2010 ما يقدر بنحو 25 مليار دولار أي ما يعادل 45% من إجمالي السلع والواردات المصرية، بالإضافة إلى قدرة الدولة المصرية على تغطية احتياجاتها من الطاقة ذاتيًا،  وهو ما أتاح للدولة دعم هذا القطاع سواء عن طريق الدعم المباشر أو غير المباشر.

بيد أن الوضع قد تغير كلية في السنوات الأخيرة؛ حيث أصبح إنتاج النفط في حالة من الركود، وفي المقابل زاد الاستهلاك الداخلي من الوقود المدعم والكهرباء، وهو ما اضطر مصر إلى زيادة استيرادها من الخارج فيما يتعلق بهذا القطاع، ومن ثم أصبح دعم الوقود والذي يصل لبعض الفئات غير المستحقة يمثل عبئًا متزايدًا على الاقتصاد المصري، وهو ما أدى إلى اتخاذ قرارات متتالية من الحكومة لتخفيض الدعم بشكل متتالٍ.

كذلك استطاعت مساعدات دول الخليج خاصة البترولية منها تأمين قدر ما من إمدادات الوقود والغاز، حيث وصلت قيمة المساعدات البترولية الخليجية ما بين شهري يناير وأبريل 2015 إلى ما يقدر بحوالي 2,5 مليار دولار، غير أنه لا تزال هناك فجوة مضطردة بين الطلب والعرض على الطاقة، كذلك لا تزال قدرة الحكومة محدودة على إنشاء محطات جديدة للكهرباء يمكنها تغطية الطلب المتزايد على الكهرباء في فترة وجيزة.

3-الانكشاف الخارجي: يرتبط الاقتصاد المصري باقتصادات الدول العربية لا سيما الخليجية منها، حيث يعتمد بدرجة ما على المساعدات الواردة من دول الخليج، وهو ما يعرض الاقتصاد المصري للتضرر في حالة انخفاض أسعار النفط في دول الخليج، إذ إن هذه الدول سوف تقوم في هذه الحالة بتخفيض حجم المساعدات الواردة إلى مصر.

وفي ذات السياق وصلت تحويلات العمالة المصرية في دول الخليج إلى 9,9 مليار دولار أي ما يقدر بنحو 14,2% من إجمالي تحويلات العمالة المقيمة في الخليج وذلك في فبراير 2015، ويتوقع أن تشهد هذه النسبة تناقصًا متتاليًا مع انتشار عمالة أجنبية في دول الخليج من جنسيات مختلفة كالهنود والباكستانيين وغيرهم وبتكلفة أقل.

4-العدالة الاجتماعية: تسعي الحكومة المصرية إلى الإلغاء التدريجي لدعم من أجل تخفيض عجز الموازنة، بالإضافة إلى السعي إلى رفع حصيلتها من الضرائب، وعلى الرغم مما ستؤدي إليه هذه الخطوات من تعظيم حصيلة الدولة من الإيرادات فإنها سيكون لها تأثير سلبي خاصةً على الطبقات الفقيرة والمتوسطة في حالة إذا لم يتم وضع برامج وسياسات تعويضية فاعلة تصل لهذه الفئات بشكل خاص.

إجمالًا تبنى الرئيس السيسي نهجًا اقتصاديًا مغايرًا تمامًا لسياسات الحكومات التي أعقبت الثورة المصرية، يقوم على مواجهة المشكلات الهيكلية للاقتصاد المصرية عبر المواجهة المباشرة وتجنب الحلول التسكينية المؤقتة، وهو ما تجلى في التحولات التي تم إدخالها على سياسات الدعم والضرائب وتبني المشروعات العملاقة لتحفيز النمو الاقتصادي، وعلى الرغم من التحسن الملحوظ في المؤشرات الكلية للاقتصاد المصرية فإن الاقتصاد المصري لا يزال يواجه حالة تعثر مستديمة ويتطلب فترة ممتدة كي تأتي سياسات الإصلاح بنتائج إيجابية ملموسة ويستعيد الاقتصاد المصري توازنه وقدرته على المنافسة وجذب الاستثمارات الأجنبية.

عرض الدراسة: منى مصطفى محمد

باحثة في العلوم السياسية

شارك