"مؤمنون بلا حدود": مناهج دراسة التدين في العلوم الاجتماعية

الخميس 03/ديسمبر/2015 - 01:10 م
طباعة مؤمنون بلا حدود:
 
د. أحمد موسى بدوي

احتضن صالون "جدل الثقافي" التابع لمؤسسة "مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، بمقرها في العاصمة المغربية الرباط، وخلال يومي 21-22 نوفمبر 2015، أعمال ندوة دولية حول موضوع "مناهج دراسة التدين في العلوم الاجتماعية" بمشاركة أساتذة وباحثين من دول المغرب والجزائر وموريتانيا وتونس ومصر. ونقدم للقارئ في هذا المقال تقريرا مختصرا لأعمال هذه الندوة المتميزة والمؤسسة التي استضافتها.

أولاً- مؤسسة مؤمنون بلا حدود

 مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، اسم مستفز، مثير للفضول المعرفي،  لمركز بحثي جديد في الفضاء الثقافي العربي، أسسه السيد محمد العاني  في مايو 2013، ومقرها الرئيسي بمدينة الرباط بالمغرب. غير أن المتابع لنشاط المؤسسة، يكتشف سريعا، أنه بصدد كيان مؤسسي واعد لإنتاج الثقافة رفيعة المستوى في مجالات التدين. ففي خلال فترة قصيرة، توالت الأعمال والفعاليات داخل المؤسسة، وتنوعت ما بين ندوات علمية، محاضرات، دورات تكوين جامعي، نشر كتب وثيقة الصلة بظواهر التدين، وانتاج إعلامي تسجيلي مميز،  فضلا عن إصدار ثلاث مجلات فكرية وثقافية.

 تُعنى المؤسسة بتنشيط البحث المعرفي الرصين في الحقول الثقافية والمعرفية عموما، والدينية خصوصا. وتسلك إلى ذلك سبيل النقد المنفتح والفعال في مراجعة كل الأفكار دون انحياز. تسهم في خلق فضاء معرفي حر ومبدع لنقاش قضايا التجديد والإصلاح الديني في المجتمعات العربية والإسلامية، وتعمل على تحقيق رؤية إنسانية للدين منفتحة على آفاق العلم والمعرفة ومكتسبات الإنسان الحضارية، وخلق تيار فكري يؤمن بأهلية الإنسان وقدرته على إدارة حياته ومجتمعاته متخطياً الوصايات الإيديولوجية أو العقائدية. محكومة بمبدأ عام أنّ الإنسان أوسع من أن تُختصَر خيريته في دينٍ أو مذهبٍ أو طائفةٍ أو عرق، وأن كرامة الإنسان وسعادته تكمن في احترام حريته في التفكير والتعبير والاعتقاد، وتقوم على إعلاء قيَم التنوع الثقافي والحضاري وعدم التمييز على أساس الدين أو العرق أو اللون.

المتابع لنشاط المؤسسة، يكتشف سريعا، أنه بصدد كيان مؤسسي واعد لإنتاج الثقافة رفيعة المستوى في مجالات التدين

ثانياً- ندوة مناهج دراسة التدين في العلوم الاجتماعية

الدراسة الاجتماعية الدينية، محصورة في موضوع التدين، كممارسة اجتماعية، لها أبعاد عقائدية، واسس معرفية، وطقوس شعائرية، وتجربة ممتدة، ومشاعر انتماء أكيدة. وهذه الأبعاد ترتبط بالمجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والأمنية. ما يعني أننا أمام حزمة ضخمة من الظواهر التي تنتظر من يدرسها. ومن أسف فإن المختصين في  العلوم الاجتماعية، لا يتحمسون كثيرا لإجراء مثل هذه الدراسات، على الرغم من أهميتها البالغة. غير أن المؤسسة المذكورة رغم حداثة النشأة، بدأت تخطو خطوات واثقة في اتجاه مقاربة العلوم الاجتماعية لظواهر التدين في الأكاديميات العربية، التي  جملة من التحديات، على المستوى الخاص لحقل السوسيولوجيا الدينية (البرامج والفاعلين والعلاقات داخل الحقل)، وعلى المستوى العام (درجة تأثير وتأثر المعرفة بالبناء الاجتماعي، والفضاء العام المحلي والعالمي).كما أن المنظومة تواجه تحديا من نوع آخر، يتمثل في تسارع تقادم المعرفة، وميلاد وموت مستمرين للنظريات والمنهجيات، وهو ما يستلزم تجددا مماثلاً في الاطر النظرية والمنهجية الملائمة للدراسات السوسيولوجية للدين. لذلك فقد حدد الدكتور منير سعيداني، المنسق العام للندوة، الأسئلة الحاكمة للأوراق فيما يلي:

(1) كيف السّبيل إلى تسجيل الحميميّ والخاصّ والشخصيّ والفرديّ من مظاهر التديّن في الفضاءات غير العمومية على وجه الخصوص؟ (2) كيف السّبيل إلى وضع اليد على المخيال المؤسس للتمثلات الرّاهنة في العالم العربي الإسلامي للتديّن لدى جمهور المتدينين الممارسين وغير الممارسين وكذا لدى جمهور غير المتدينين؟ (3) ما القيمة المعرفية لتمييز مجالات التقليد عن مجالات التجديد في الممارسات التعبّدية والطقوسية؟ وقد تكفلت خمس جلسات للإجابة عن هذه الأسئلة، استهلت بالجلسة الافتتاحية التي أبرز فيها الدكتور مولاي أحمد صابر، منسق عام الدراسات بمؤسسة مؤمنون بلا حدود، الأهداف التي تسعى المؤسسة تحقيقها من خلال هذه الندوات.  ثم قدم الدكتور منير السعيداني، المقرر العلمي للندوة، تعريفا مختصرا بموضوع الندوة ومحاورها والمشاركين بها.

ثالثاً- الجلسة العلمية الأولى

ترأس الجلسة العلمية الأولى، الدكتور عبد اللطيف الهرماسي من تونس، وطرحت بها أربع أوراق: الأولى للدكتور عبد الغني منديب بعنوان "في التدبر المنهجي للتدين كموضوع للسوسيولوجيا"،  وعرض الدكتور رشيد جرموني من المغرب، الورقة الثانية، وعنوانها "سوسيولوجيا الظاهرة الدينية والجدل الإبستيمولوجي أسئلة حول المنهج"،  وقدم الدكتور محمد الخياري من المغرب، ورقته البحثية بعنوان "راهنية المنهجية الفيبرية في دراسة التدين". واختتمت أعمال الجلسة الأولى، بورقة بحثية مقدمة من  الأستاذ حمادي أنوار من المغرب، بعنوان "تجربة السجن وعلاقتها بالسلوك الديني - دراسة ميدانية على ضوء التحليل النفسي للدين عند إريك فروم".

رابعًا- الجلسة العلمية الثانية

وتناولت الجلسة الثانية ثلاثة أوراق بحثية، وقد ترأس هذه الجلسة الدكتور رشيد الجرموني من المغرب، حيث قدم الدكتور محمد يحيى باباه من موريتانيا ورقة بعنوان "المخيال المؤسس للتمثلات الراهنة للتدين في المجتمع الموريتاني"من جانبه، قدم الدكتور أحمد موسى بدوي من مصر ورقته البحثية بعنوان "المقاربة النظرية والمنهجية لظواهر التدين في علم الاجتماع المصري" واختتمت الأوراق بعرض الدكتور زبير عروس من الجزائر، لورقته البحثية بعنوان "في منهج دراسة الحركات ذات التوجهات الدينية".

تُعنى المؤسسة بتنشيط البحث المعرفي الرصين في الحقول الثقافية والمعرفية عموما، والدينية خصوصا. وتسلك إلى ذلك سبيل النقد المنفتح والفعال في مراجعة كل الأفكار دون انحياز

خامساً- الجلسة العلمية الثالثة

 ترأس الجلسة الدكتور زبير عروس الجلسة الثالثة، وعرضت ثلاث أوراق بحثية، الأولى قدمتها الباحثة الواعدة  بشرى زوكاغ من المغرب بعنوان "التعابير الافتراضية عن القناعات الدينية لدى الشباب العربي"،  وفي المداخلة الثانية،   قدمه الباحث محمد الحوش من المغرب، بحثا بعنوان "نمط الشخصية والتدين من منظور نموذج إيريك فروم التحليلي؛ استخلاصات دراسة ميدانية"، وقدم الباحث طارق يشي من المغرب ورقة هامة بعنوان "التدين بالمغرب: دراسة في الأصول والامتداد".

سادساً- الجلسة العلمية الرابعة

تميز اليوم الثاني من الندوة بتسليط الضوء على تقييم للخبرات العلمية في دراسة التدين، وقد ترأس الجلسة الرابعة الدكتور محمد يحيى باباه من موريتانيا، وعرضت فيها ثلاث أوراق مهمة، قدم الباحث المغربي جمال الخلوفي الورقة الأولى بعنوان "مناهج دراسة التدين: الرمزية وبناء نموذج من المخيال". ثم قدم الدكتور عبدالرحيم العطري قراءة نقدية في تقارير وطنية ودولية حول الحالة الدينية بالمغرب". ثم عرض الدكتور منير السعيداني قراءة نقدية تركز على "أسئلة المنهج في تقارير الحالة الدينية العربية".

سابعاً- الجلسة العلمية الخامسة

وفي نهاية الندوة، أقيمت جلسة حوارية جماعية رائعة، أدارها منير السعيداني، وشارك فيها الأساتذة عبد الرحيم العطري، منير السعيداني، عبد اللطيف الهرماسي، ورشيد الجرموني، استعرض فيها المتداخلون خبراتهم البحثية المتنوعة. في أجواء تفاعل علمي رفيع المستوى بين الأساتذة والحضور، وبنهاية الجلسة انتهت أعمال الندوة المتميزة في موضوعها وأعمالها على السواء.

شارك