الولايات الجديدة: «داعش» في آسيا الوسطى

الخميس 31/ديسمبر/2015 - 11:28 ص
طباعة الولايات الجديدة:
 
جمال إسماعيل

أعلن «داعش» إنشاء ولاية خراسان تدين بالولاء لخليفة الدولة المعلن أبو بكر البغدادي في أفغانستان وباكستان، على نحو ما أنشأ ولاية سيناء وشمال أفريقيا واليمن ونيجيريا وغيرها من المناطق. وعيِّن حافظ محمد سعيد- من قادة طالبان باكستان السابقين من مديرية أوركزي القبلية- والياً عليها، واختير عبدالرؤوف خادم - أحد قادة طالبان أفغانستان السابقين - نائباً للوالي وقائداً عسكرياً.

حافظ سعيد لم يكن من القادة المشهورين في طالبان باكستان كما لم تكن مديرية أوركزي القبلية مركزاً بارزاً لعمليات هذه الحركة ضد الجيش الباكستاني مثل مناطق وزيرستان. وكان عبدالرؤوف خادم أحد القادة البارزين لطالبان أفغانستان في ولاية هلمند جنوب أفغانستان، وسجن في غوانتانامو، لكنه وبعد سنوات من إطلاق سراحه، انشق إثر بروز خلافات بينه وبين القادة العسكريين «الطالبانيين»، ثم قيل إنه سافر إلى العراق في تشرين الأول (اكتوبر) 2014 وبايع البغدادي خليفة وحصل منه على دعم مالي كبير. فجند عدداً من المقاتلين من طالبان وغيرها مقابل منح مالية مجزية، كما ذكر بعض التقارير.

غير أن الأحداث لم تمهل عبدالرؤوف خادم الذي قُتِل في تموز (يوليو) الماضي في غارة أميركية على مقره في هلمند جنوب أفغانستان، وتضاربت الأنباء حول مصير حافظ محمد سعيد الذي قالت مصادر إعلامية باكستانية أنه قتل في غارة للطيران الباكستاني على مناطق القبائل.

أولاً- «دولة البغدادي» في باكستان

بين إعلان ولاية خراسان وإصدارها بيانات عن إنجازاتها في باكستان مرت أشهر قبل إذاعة بيان عن عمليات عسكرية (إلقاء قنابل أو قصف الجيش الباكستاني في مناطق القبائل). واقتصر عمل «الولاية» في بداياته على رفع رايات التنظيم في عدد من المدن وكتابة شعارات مؤيدة لخلافة البغدادي. وأبرز ما نسب إلى التنظيم في باكستان، مهاجمة حافلة في مدينة كراتشي وقتل عشرات من الطائفة الإسماعيلية. وهذه العملية رأت الأجهزة الأمنية الباكستانية أن جارتها الخصم، الهند، تقف وراءها.

 

ثانياً- نشاط «الدولة» في أفغانستان

أكبر تجمع لمؤيدي «داعش» في أفغانستان يقع في ولاية ننجرهار (شرق) حيث جرت اشتباكات مسلحة بين مؤيديها ومقاتلي طالبان أو القوات الحكومية الأفغانية في عدد من مديريات الولاية التي تعتبر من أبرز الولايات في إنتاج الأفيون والمخدرات وطرق التهريب. لذا، يحتدم التنافس على السيطرة عليها بين الفصائل الأفغانية منذ عشرات السنين.
اقتصر عمل «الولاية» بباكستان في بداياته على رفع رايات التنظيم في عدد من المدن وكتابة شعارات مؤيدة لخلافة البغدادي

ووفق بيانات الأمم المتحدة، سُجِّل بين أيار (مايو) وتموز (يوليو) الماضيين، 48 اشتباكاً بين مقاتلي طالبان ومقاتلي «داعش» في ولاية ننجرهار وحدها. كما أصدرت الأمم المتحدة في أيلول (سبتمبر) الماضي تقريراً تقول فيه استناداً إلى بيانات حكومية أفغانية أن المتعاطفين مع التنظيم ينتشرون في 25 ولاية أفغانية من أصل 34، وهي معلومات شكك في صدقيتها كثير من الخبراء.

وأعلن هؤلاء أن الجهات الأمنية الرسمية الأفغانية لا تزال في قبضة فلول تحالف الشمال المناوئ لطالبان، وأن الغاية من بث مثل هذه المعلومات هي استدراج زيادة في التمويل الغربي لهذه الأجهزة الأمنية، وإبطاء انسحاب القوات الدولية والأميركية، من أفغانستان مع بروز «طالبان» وتقدّمها في عدد من الولايات. واتهمت الحكومة الأفغانية مقاتلي «الدولة» في ولاية خراسان بقتل عدد من المدنيين ورجال الشرطة في ولاية ننجرهار وإغلاق أكثر من خمسين مدرسة في الولاية ومنع الدراسة فيها، وبث فكر التكفير بين الناس ومعاملتهم بقسوة. ومثل هذه الاتهامات يندرج في إطار المواجهة بين الطرفين، وفي ما خلا عملياتهم في ولاية ننجرهار، لم يشن مقاتلو «الدولة» أي عملية ضد الحكومة الأفغانية أو حتى القوات الأجنبية في أفغانستان.

كان أول من أذاع خبر وجود «الدولة...» في أفغانستان هو القوات الأميركية هناك والحكومة في كابول. وكان أول المعترضين على مثل هذه الأنباء الرئيس الأفغاني السابق، حامد كرزاي. فهو زعم أن الحديث عن «داعش» في أفغانستان من بنات الخيال ومؤامرة أميركية هدفها إبقاء القوات الأميركية في قواعد في البلد. وكان كرزاي رفض التوقيع على اتفاقية خاصة تجيز بقاء هذه القوات. وأعلن أن عادات الشعب الأفغاني وثقافته ومذهبه تتعارض مع ما تدعو إليه «الدولة».

واتهمت الحكومة الأفغانية الجماعات الدينية المسلحة في باكستان بالوقوف وراء «ولاية خراسان»، بعد إعلان أجنحة منشقة عن طالبان باكستان دعمها خلافة البغدادي وتأييدها «الدولة». وفاقمت اللغط حول ولاية خراسان رسالة أذاعها الشيخ مسلم دوست، أحد العلماء الأفغان الذي بايع البغدادي وكان نائباً لحافظ محمد سعيد والي خراسان، تبرأ فيها من ولاية خراسان متهماً حافظ محمد سعيد، الوالي الذي عينه البغدادي، بأنه صنيعة الاستخبارات الباكستانية التي توجهه وتموله.

أول من أذاع خبر وجود "الدولة..." في أفغانستان هو القوات الأمريكية هناك والحكومة في كابول

واتهم عبدالظاهر عبدالقدير، وهو نائب في البرلمان الأفغاني عن ولاية ننجرهار، جهات حكومية في كابول وأجهزتها الأمنية باستضافة قيادات ولاية خراسان وتوفير ملاذ آمن لها في العاصمة الافغانية. وقال ان الغاية هي استخدامهم في الحرب على مقاتلي طالبان والنفخ في الحرب الأهلية في أفغانستان. وطالب عبدالظاهر بمساءلة الوزراء والمسؤولين الأمنيين أمام البرلمان.

ثالثاً- مخاوف إقليمية

مع تزايد الأنباء في وسائل إعلامها عن ناشطين مؤيدين لـ «داعش» أو عن رفع أعلام التنظيم في عدد من المدن الباكستانية، نفت الداخلية ونفى الجيش الباكستاني أي وجود لـ «الدولة» في الأراضي الباكستانية. غير أن الداخلية ما لبثت أن أعلنت حظر التنظيم قانونياً ومنع نشاطه وملاحقة كل من يثبت انتسابه إليه، وأكدت اعتقال عدد من المشتبه بهم في عدد من المدن إثر إعلان ولاية خراسان مسؤوليتها عن مهاجمة حافلة الإسماعيليين في مدينة كراتشي.

الموقف الباكستاني من «ولاية خراسان» لا يمكن فصله عن الموقف الصيني المتخوّف من التنظيم وتنامي نفوذه. والصين هي الداعم الرئيسي لباكستان اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً. وهي بدأت تواجه تمرداً أو حركة إسلامية مسلحة في إقليم تركستان الشرقية المسمى إقليم شينغيانغ. وتلقت بكين تقارير أمنية من عدد من الدول تفيد بأن الحكومة التركية تسهّل بلوغ مسلمي تركستان الشرقية من دول وسط آسيا، تركيا وانضمامهم إلى معسكرات «داعش» في الرقة وشمال وسورية وشرقها. وقيل أن هؤلاء سيشنون أعمالاً مسلحة ضد سيطرة الصين على الإقليم الغني بالثروات الطبيعية، بخاصة النفط والغاز. وتعتقد الحكومة الصينية أن الاستخبارات الأميركية والتركية تعمل معاً في هذا الإطار. وهو ما حمل الصين على استغلال علاقاتها بجارتها قيرغيزستان والضغط عليها. فهي موئل تجمعات كبيرة من المهاجرين من مسلمي الصين، وقد أوقفت حكومة قيرغيزستان عمل عدد من المؤسسات الإغاثية الأميركية وطردت عدداً من العاملين فيها بعد اتهامهم بأعمال غير مشروعة تتنافى مع مهمتهم. فانقطعت المساعدات الأميركية لهذا البلد واتهمت بانتهاك حقوق الإنسان والانحراف عن الطريق الديموقراطي.

وأعلنت السلطات في قيرغيزستان مقتل ستة أشخاص في تموز (يوليو) الماضي واعتقال خمسة في العاصمة بيشكيك بتهمة الانتماء إلى «داعش». واتهمت سلطات قيرغيزستان التنظيم بمحاولة مهاجمة قاعدة عسكرية روسية في بلدة كانت (KANT) القيرغيزية، وانتشرت إشاعات في العاصمة القيرغيزية زعمت انتشار «داعش» في هذا البلد. وقيل أنه أداة لواشنطن في اللعبة الكبرى في وسط آسيا، وأن تعزيز وجوده هو جسر أميركا إلى الاستفادة من موقع قيرغيزستان المطل على وادي فرغانة في وسط آسيا الذي يعتبر معقل الحركات الإسلامية المتشددة في كل من طاجيكستان وأوزبكستان وتركمانستان. وتقع قيرغيزستان بمحاذاة إقليم تركستان الشرقية، ومنها في الإمكان مراقبة الصين وقد تتحول إلى مركز انطلاق مسلحين مسلمين للعمل ضد السلطات الصينية في الإقليم.

الموقف الباكستاني من «ولاية خراسان» لا يمكن فصله عن الموقف الصيني المتخوّف من التنظيم وتنامي نفوذه. والصين هي الداعم الرئيسي لباكستان اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً

هذه التطورات وما حدث على ساحات عالمية مثل باريس في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، قد تكون الحافز وراء إقرار الصين وبرلمانها قراراً جديداً لمكافحة ما يسميانه الإرهاب. وتخشى جهات كثيرة أن يكون القرار ذريعة لقمع مسلمي تركستان الشرقية، شينغيانغ. ويواجه القرار انتقادات محلية وخارجية. وتتهم بكين الغرب بانتهاج معايير مزدوجة، وتقول انها تخوض حرباً ضد الإرهاب كالتي تخوضها الدول الغربية.

أما السلطات الهندية فأعلنت أخيراً اعتقال ثلاثة أشخاص في عامهم الدراسي الأخير في الجامعة متهمة إياهم بالرغبة في التوجه إلى أفغانستان والانضمام إلى «داعش»- ولاية خراسان. واتهمت بنغلادش وماليزيا «دولة البغدادي» بالسعي إلى زعزعة استقرارهما. وتعم دول المنطقة مخاوف من تنامي نفوذ «الدولة» أو تزايد عدد أنصارها في شكل فردي أو منظم.

رابعًا- روسيا و «طالبان» و «داعش»

مع هذه الفوضى والتضارب في الأنباء المتعلقة بتمدد «داعش» وانتشاره في المنطقة، أعلن مسؤول أمني روسي، أيدته الناطقة باسم الخارجية الروسية، وجود اتصالات بين الاتحاد الروسي وطالبان أفغانستان وتبادل للمعلومات لمحاربة «داعش». وهو ما رحبت به جهات كثيرة، لكنه لقي انتقاد البرلمان الأفغاني الذي يخشى اتصالات بين روسيا التي يعتبرها حليفة للحكومة في كابول، وطالبان التي تحاول السيطرة على السلطة في أفغانستان. ونفى الناطق باسم طالبان أفغانستان في بيان رسمي بث على موقع «الإمارة الإسلامية»- وهو موقع طالبان الرسمي- الادعاءات الروسية، وقال إن لا اتصالات بين الحركة والحكومة الروسية أو تبادل معلومات لمحاربة «الدولة...».

خامسًا- طالبان أفغانستان و «داعش»

مباشرة بعد الإعلان عن وفاة الملا محمد عمر، زعيم طالبان السابق، تسابقت التحليلات للقول أن حركة طالبان أفغانستان ستنقسم وتتفتت. وانقسامها فرصة سانحة أمام الحكومة الأفغانية التي سربت خبر وفاة الملا محمد عمر- كان توفي قبل إعلان وفاته رسمياً بعامين وأربعة أشهر تقريباً - لتبسط سيطرتها على مناطق طالبان وتستفيد من الخلافات بين قادة الحركة حول تعيين الملا محمد اختر منصور زعيماً جديداً للحركة. ودار كلام المحللين على إمكان استفادة «الدولة» من انقسام حركة طالبان وانضمام الآلاف من مقاتليها إلى «ولاية خراسان». وغذى هذه التوقعات تقرير الأمم المتحدة حول انتشار عناصر «داعش» وأنصارهم في 25 ولاية أفغانية.

وينتشر «داعش» أكثر فأكثر في أفغانستان، بل صار عاملاً مؤثراً في سياسات الحكومة الأفغانية وطالبان على حد سواء

غير أن الحزم الذي تعاملت به قيادة طالبان مع «ولاية خراسان»، إثر فشل مساعيها السلمية في ثني البغدادي عن التوسع في أفغانستان، والرسائل التي أرسلها ملا أختر منصور الى الأخير بوجوب النأي عن الساحة الأفغانية، حدت من انتشار التنظيم في أفغانستان، لكنها لم توقف تمدده. ويعزز موقف طالبان ما أنجزته عسكرياً بعد وفاة الملا محمد عمر، أي الهجوم على قندوز في الشمال والسيطرة على عدد من المديريات في ولاية هلمند وغيرها، وفشل القوات الحكومية في التصدي لها، ودعوة قادة طالبان المعترضين على تولي أختر منصور قيادة الحركة إلى المصالحة والتواصل بين الحركة والجناح المنشق عنها. ودعت الصين وأميركا وباكستان إلى الضغط على الحكومة الأفغانية وطالبان للعودة إلى طاولة المفاوضات. كل هذا قد يفضي إلى اتفاق سلام في أفغانستان يقطع الطريق على «ولاية خراسان» في التمدد والسيطرة أكثر فأكثر.

ولكن يُخشى أن يفضي فشل الحوار إلى خلافات بين قيادات طالبان إذا لم تتمكن الحركة من أخذ زمام المبادرة العسكرية وإحكام قبضتها على الأمور في أفغانستان في العام الجديد. وهو ما يرجحه توازن القوى في البلد. ونقل تقرير دولي عن ولي داد الذي كان قائد الشرطة في ولاية اوروزجان إن قوات الشرطة والقوات الحكومية المحاصرة لن تتوانى ثانية في الهرب إن وجدت سبيلاً إلى ذلك. وأعلن ولي داد أن الحكومة فشلت في دورها ومن الأفضل أن تدع الفرصة لطالبان لتحكم.

وأعلن تقرير الأمم المتحدة تسجيل 6069 حادثاً أمنياً في أفغانستان بين الأول من أيار الماضي ونهاية تموز حين أعلنت وفاة الملا محمد عمر. ومكنت هذه الحوادث طالبان من إحكام سيطرتها على عدد من المديريات، على رغم أن بعضها استعادته الحكومة الأفغانية. ونشر موقع «ايجيا تايمز» تقريراً مفصلاً مفاده ان الحكومة الأميركية تدافع عن سياسة إبقاء قوات كبيرة في أفغانستان بحجة منع بروز «داعش». لكن هذا القرار هو ثمرة ضعف الموقف الأميركي في منطقة الشرق الأوسط الاستراتيجية.

الوضع في أفغانستان يتفاقم، وعلى الولايات المتحدة والقوات الأفغانية التعامل مع أخطاره. وينتشر «داعش» أكثر فأكثر في أفغانستان، بل صار عاملاً مؤثراً في سياسات الحكومة الأفغانية وطالبان على حد سواء. وكان في إمكان الاميركيين والحكومة الأفغانية استمالة عدد كبير من مقاتلي طالبان الناقمين وضمهم إلى صفوف القوات الأفغانية بعد وفاة الملا عمر، والحؤول دون انضمامهم إلى التنظيم. ووفق الناتو، تشتمل «الدولة...» في أفغانستان على عناصر متباينة تتحدر من طالبان أفغانستان وباكستان و «القاعدة» والحركة الإسلامية الأزبكية. ولو انتهجت الولايات المتحدة سياسة واضحة واستراتيجية متماسكة ضد «داعش» في أفغانستان، لأمكنها احتواء طالبان مباشرة أو في شكل غير مباشر، ووضع حد لأطول حرب خاضتها واشنطن.

نقلاً عن الحياة

شارك