المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads

تقارب حذر: العلاقات المصرية العراقية وإشكالية الانفتاح على إيران

الأربعاء 23/مارس/2016 - 10:47 ص
المركز العربي للبحوث والدراسات
محمد حامد
تعتبر زيارة الرئيس العراقي فؤاد معصوم إلى مصر في بداية هذا الشهر بمثابة تتويج لسلسلة من الزيارات لمسئولين عراقيين إلى مصر أسفرت عن توقيع اتفاقيات عسكرية وأمنية واقتصادية أيضا  بين القاهرة وبغداد، وتعتبر بداية جديدة لعلاقة متطورة وإستراتيجية بين مصر والعراق البوابة الشرقية للعرب وقلب المشرق العربي والذي يعاني من اضطرابات واسعة من 5 سنوات نتيجة الأزمة السورية وفراغ الرئاسة في لبنان، وأيضا اتساع رقعة الإرهاب في العراق وانتقاله إلى سوريا فيما اصطلح تنظيم الدولة في العراق والشام (داعش) .

رفضت الحكومة المصرية مقترح الكونجرس الأمريكي في أبريل 2015 بتقسيم العراق إلى ثلاثة أقاليم وبشكل طائفي بين الشيعة والسنة والأكراد
أولا: تطور العلاقات المصرية العراقية
تشهد العلاقات المصرية العراقية تطورا ملحوظا في الفترة الأخيرة خاصة في ظل إقليم مضطرب ويعاني النظام الإقليمي العربي من شرخا في الأمن القومي خاصة منذ احتلال الولايات المتحدة وبريطانيا للعراق في عام 2003، ومنذ صعود الرئيس عبد الفتاح السيسي أكد أكثر من مرة على أهمية ووحدة وسيادة العراق على أراضيه. ورفضت الحكومة المصرية مقترح الكونجرس الأمريكي  في أبريل 2015 بتقسيم العراق إلى ثلاثة أقاليم وبشكل طائفي بين الشيعة والسنة والأكراد، كما دعمت مصر حكومة رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، التي شكلت في العام قبل الماضي، هذا من ناحية.
ومن ناحية ثانية، تشهد العلاقات العسكرية بين المؤسسة العسكرية المصرية والعراقية تطورا لافتا للنظر يصل إلى تحالف إستراتيجي من مكافحة الأنشطة الإرهابية المتزايدة في المنطقة والتي تعاني منها العراق منذ العام 2003 وبشكل مطرد منذ عام 2013 وصعود تنظيم الدولة الذي استولى على مدينة الموصل، كما أن تصريح رئيس الاستخبارات الفرنسية أن الحدود بين العراق وسوريا لن تعود كما كانت في الماضي، وذلك في ظل عجز الحكومة العراقية الحالية في التخلص من تنظيم داعش والتي تحشد العالم من أجل مساعدتها في التخلص منه، ويشمل هذا التعاون الإستراتيجي أن تقوم القوات المسلحة المصرية بتدريب نظيرتها العراقية وبخاصة قوات الصاعقة العراقية. ولعل الزيارة الرسمية لوزير الدفاع العراقي خالد العبيدي إلى مصر في يناير من العام الجاري، ولقاءه بالقيادات العسكرية المصرية أكبر دلالة على مدى الاحتياج العراقي لمصر ويتسق مع مبادرة القوات العربية المشتركة والتي أطلقها الرئيس السيسي في قمة شرم الشيخ في مايو 2015 والتي تحفظت عليها العراق وثمنت هذه الخطوة، كما تعد مصر طرفا محايدا في ظل بلدا يعاني من صراع على بسط النفوذ بين دول الإقليم!
ومن ناحية ثالثة، وعلى خطى تصاعد قوة العلاقات العسكرية بين البلدين سارت العلاقات السياسية والدبلوماسية على نفس الوتيرة، ولكن بشكل أكثر تمايزا وذلك من خلال زيارات من أرفع المسئولين بين البلدين، وكانت زيارة وزير الخارجية سامح شكري في صيف 2014 عقب توليه المنصب بداية لاستعادة دفء العلاقات بين البلدين من أجل دعم الحكومة العراقية الجديدة، ودفع التوافق السياسي بين القوى السياسية من أجل التركيز على مكافحة الإرهاب، كما كانت زيارة رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري في فبراير الفائت استمرارا في دفع العلاقات بين البلدين ولتهنئة مصر بانتخاب البرلمان الجديد، كما يسعى البرلمان المصري لتكوين جمعية صداقة  برلمانية مصرية عراقية، وجاءت زيارة الرئيس فؤاد معصوم لتتوج تلك الزيارات المتبادلة من قبل الطرفين.
أما التضامن الدبلوماسي الدائم من القاهرة لبغداد فقد تجلى مع تصاعد العمليات الإرهابية من قبل تنظيم الدولة المتطرف، وأيضا المباركة السياسية لإنجازات الجيش العراقي في تحرير مدينة الرمادي مع نهاية 2015، كما تضامنت مصر مع العراق من خلال رفضها للغارات التركية على معاقل حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل على الحدود بين بغداد وأنقرة، وأيضا في مطالبتها في خروج القوات التركية من معسكر" بعشيقة" والتي اعتبرتها بغداد احتلالا لأراضيها، كما دعمت مصر إصدار بيان من جامعة الدول العربية لإدانة التدخل التركي في شئون الدول العربية وبخاصة العراق وسوريا.
دعمت مصر إصدار بيان من جامعة الدول العربية لإدانة التدخل التركي في شئون الدول العربية وبخاصة العراق وسوريا
هناك أيضا ما يعكر صفو العلاقات بين البلدين مثل التصريحات غير المسئولة من بعض السياسيين في العراق والتي تتدخل في الشأن المصري، وتجلى ذلك في تصريحات مقتدي الصدر القيادي الشيعي في أكتوبر الماضي عندما أقدمت السلطات على غلق مسجد الحسين قبل احتفالات المولد النبوي، لأسباب أمنية، ووصف القيادي الشيعي القرار بالديكتاتوري.
ومن الأهمية القول، إن التقارب المصري العراقي يفتح بابا جدليا مستمرا منذ صعود الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى السلطة وهو هل يتقارب النظام المصري مع المحور الإيراني على حساب الحلفاء الخليجيين.  وهكذا يردد دائما خصوم القاهرة في دولة قطر وبعض المتعاطفين مع جماعة الإخوان المسلمين في دول الخليج، أن مصر تخلت عن أمن دول الخليج وأنها تصنع مقاربة جديدة في الإقليم بالتماهي مع سياسات المحور الإيراني أو يطلق عليه المقاومة خاصة مع استقبال القاهرة وفد سياسي من حزب اللـه اللبناني جاء لتعزية في وفاة الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل والذي وافته المنية الشهر الماضي.

ثانيًا: هل تتقارب مصر مع إيران من بوابة العراق؟
يبدو أن الإجابة عن هذا السؤال شائكة، وهل العراق مؤهلة لكي تلعب هذا الدور؟ نظريا يبدو الأمر سهلا، أما واقعيا فهناك عدة معوقات على الرغم من وجود تشابه في وجهات النظر وتلاقٍ في أولويات البلدين، مصر وإيران، وهي مكافحة الإرهاب في المنطقة، والمتمثل في انتشار ظاهرة الجماعات المسلحة في كل من سوريا والعراق، وهي دول حليفة لطهران وفي نفس الوقت مصر تريد الحفاظ على ما تبقى من كيانات هذه الدول، لذلك تحمل مصر على عاتقها تدريب القوات العراقية كما أشرنا، وتسوية الأزمة السورية سياسيا وليس عسكريا وتجلى ذلك في رفض مصر المشاركة المحتلة لبعض دول المنطقة في محاربة تنظيم داعش في سوريا، كما أن العلاقات التاريخية والإستراتيجية التي تجمع القاهرة بالمملكة العربية السعودية تمثل أكبر عائق في ذلك، وعلى الرغم من عدم تناغم أو تفاعل مصر مع السياسات السعودية الجديدة والتي أطلقتها في المنطقة منذ بداية العام الماضي، والمتمثلة في توحيد أغلب دول الإقليم لمواجهة المشروع الإيراني في المنطقة، خاصة بعد رفع العقوبات الدولية عنها فإن مصر شاركت في المناورات العسكرية رعد الشمال وهي أكبر مناورات عسكرية في تاريخ المنطقة شاركت فيها دول عربية وإسلامية والتي انتهت الأسبوع الماضي، وأجريت في منطقة حفر الباطن وهي على الحدود العراقية في دلالة أن هذه المناورات موجهة لمن يهدد السعودية في إشارة إلى إيران.
إن العراق والمتهم دائما أنه يخضع للنفوذ الإيراني يعني من الانقسام السياسي واستقطاب المحاور الإقليمية له، فهو غير مؤهل للعب هذا الدور، ولكن يحسب لمصر أن تمد يدها لبغداد لمساعدتها في محاربة الإرهاب.

إن التقارب أو التفاهم في العلاقات الدولية أو النظام الدولي بشكل عام يتوقف على مدى توافر الإرادة السياسية لدى الدول أو الحكومات
ومنذ صعود الرئيس السيسي وتحولت السياسة الخارجية لمصر بشكل متمايز خاصة  في رؤيتها في إقليم الشرق الأوسط المضطرب بما فيه إيران، حيث قامت الرئاسة المصرية بتوجيه دعوة رسمية للرئيس الإيراني حسن روحاني لحضور حفل تنصيب الرئيس المصري، كما نددت إيران في أكثر من محفل دولي بالعمليات الإرهابية التي تستهدف الجيش المصري في سيناء، ولقاء وزير خارجية البلدين على هامش اجتماعات الأمم المتحدة في سبتمبر الماضي كانت محاولة لتقريب وجهات النظر، كما أن القاهرة رحبت بالاتفاق النووي الإيراني وطالبت بإخلاء منطقة الشرق الأوسط من السلاح النووي في أشارة إلى الدولة العبرية والتي تمتلك 200 رأس نووية.
وعلى الرغم أن الخلاف المصري التركي الذي حدث في منتصف عام 2013 فتح الباب أمام تطبيع مصري إيراني، وتغير رؤية طهران إلى حركة حماس الفلسطينية والتي كان يعتبرها النظام المصري ذراعا إيرانية تم غرسها على حدوده الشرقية لتقويض الأمن القومي لمصر، ولا شك أن تغير الموقف الإيراني تجاه حركة الإخوان المسلمين بعد ثورات الربيع العربي خدم سياسة مصر الخارجية نحو الإقليم، فإنه ما زالت هناك قضايا عالقة مثل احتفاء الحكومة الإيرانية بقتلة الرئيس أنور السادات (شارع خالد الإسلامبولي، شارع الشيخ كشك)، وأيضا هناك هاجس أمني مصري من إيران، حيث ضبطت السلطات المصرية دبلوماسيا إيرانيا حاول رصد المعدات والقطع العسكرية المصرية والمنتشرة في الشارع المصري، خاصة أن أصابع الاتهام موجهة من قبل القضاء المصري نحو إيران في نشر الفوضى إبان ثورة يناير، كما أن صعود التيار السلفي في مصر والمتمثل في حزب النور، الذي حصد على نسبة 6 بالمائة من مقاعد البرلمان المصري المنتخب في 2015 يلعب دورا في الداخل لعرقلة أي تقارب مصري إيراني في المستقبل القريب.
إن التقارب أو التفاهم في العلاقات الدولية أو النظام الدولي بشكل عام يتوقف على مدى توافر الإرادة السياسية لدى الدول أو الحكومات، فكان من شبه المستحيل أن تعيد الولايات المتحدة العلاقات الدبلوماسية والمتجمدة منذ أكثر من نصف قرن أو تتفاوض الولايات المتحدة مع دولة المرشد الإيراني (إيران) من أجل تسوية البرنامج النووي لها بعد عداء أمريكي إيراني استمر أكثر من 35 سنة، فمن يصدق أن واشنطن مع هافانا وطهران؟ أما الحالة المصرية العراقية أو الحالة المصرية الإيرانية فتبقى متوقفة على الإرادة السياسية لدى الطرفين والتي تبدو بعيدة أو مغلولة!
باحث في العلاقات الدولية

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟