نظرة من الداخل: إرهاب سيناء ما بين خيار الأرض والانقلاب التكتيكي الأخير

الثلاثاء 19/أبريل/2016 - 11:36 ص
طباعة نظرة من الداخل:
 
عميد خالد عكاشة

مشهد الإرهاب في سيناء قد يتطلب نقطة ارتكاز زمنية واضحة حتى يمكن التعامل معه وفق مقتضيات التقييم والمراجعة للمحطة الراهنة، فالعمل المسلح الذي استهدف هذه المنطقة منذ يناير 2011 متزامنًا مع أحداث الثورة على نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، استطاع أن يخط لنفسه مسارًا دؤوبا عبر خلالها خمس سنوات كاملة متقلبا في أطوار متعددة، شهدت خلالها منطقة شمال سيناء كل أشكال العمل التكتيكي من قبل التنظيمات الإرهابية في محطات الصعود والانحسار، وقد حازت تلك التنظيمات صفة الدأب كونها استطاعت أن تضع لنفسها صياغات خاصة في الاستثمار والتعاطي مع الأوضاع السياسية في مصر والإقليم، بالصورة التي مكنتها من إدارة تعرجاتها التكتيكية في مواجهة التقلبات التي سادت تلك المرحلة الزمنية، احتفظت التنظيمات طوال الوقت بثباتها على المستوى الجغرافي وبدا استمرار مراهنتها على الساحة السيناوية إستراتيجيا منذ اللحظة الأولى وحتى الآن، وظل الانتقال إلى الداخل أو إنفاذ الخلايا إلى مناطق تقع في غرب قناة السويس للاستقرار الكامن أو تنفيذ العمليات الاستثناء الذي لا يخصم من التمترس بالمنطقة الشرقية من شمال سيناء، بل وشكل في الكثير من تفاصيل هذا التحرك غربا أنه تتم خدمة للمركز بمحاولات تخفيف الضغوط الأمنية عليه في بعض المحطات الزمنية، أو الكمون من أجل تنفيذ بعض أشكال التواصل مع مجموعات تنظيمية سائلة يتم استدراجها للعودة بها إلى شمال سيناء، ولابد من تسجيل أن هذه الإستراتيجية قد حققت للنشاط الإرهابي المسلح في سيناء نجاحا خاصة ونحن نقف على مسافة زمنية تقدر بخمس سنوات منذ تاريخ الانطلاق، ولا تزال كلمة النهاية لم تكتب بعد رغم تعدد أشكال المواجهة من قبل الأجهزة الأمنية للدولة التي سجلت نجاحات متميزة في مناطق أخرى، وفي نفس تلك الفترة الزمنية التي استهدف فيها النشاط الإرهابي المسلح أكثر من منطقة منها محافظات القلب "القاهرة ـ الجيزة ـ القليوبية"، أو بعض امتدادات منطقة الدلتا والصحراء الغربية.

ولذلك تتناول تلك الدراسة المعنية بالنظر من داخل تكتيكات العمل المسلح لإرهاب تنظيمات سيناء، عنوانين رئيسيين قد يصلا بنا إلى المشهد الحالي، بهدف تفكيك معطيات المحطة الخمسية التي يشهدها مسرح العمليات بشمال سيناء، العنوان الأول هو سؤال لماذا سيناء وأسباب المراهنة المستمرة عليها من قبل التنظيمات الإرهابية، ولماذا خالف العمل المسلح ظنون وتوقعات الأمنيين والباحثين في ترشيحهم بانتقال العمل الإرهابي إلى الداخل، والعنوان الثاني يتناول التغييرات التكتيكية التي انتهجها النشاط الإرهابي المسلح في سيناء من خلال تفكيك الانقلاب التكتيكي الأخير الذي يساهم في صياغة المشهد الحالي، حيث بدا تشكيل الوضع على الأرض وكأنه قد أكمل دورته الكاملة وهل هو عودة إلى نقطة الصفر، وفيه نستشرف ما هو قادم من قبل التنظيم الإرهابي كيف يفكر وكيف ينفذ ما خطط له فيما بعد انحساره المؤقت الذي أصابه بعد العملية العسكرية الأمنية "حق الشهيد / المرحلة الأولى"(1).

أولاً: خيار الرهان المتجدد على أرض سيناء

غداة ثورة يناير 2011م ورحيل نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك وبداية مرحلة انتقالية تؤسس لجمهورية جديدة حيث وضعت مقدرات الدولة في عهدة المجلس العسكري لفترة زمنية قدرت حينئذ بأنها ستستغرق نحو العام تقريبا(2)، بدا خيار التنظيمات الإرهابية التي تشكلت إبان تلك الفترة خيارًا حاسمًا وسريعًا ونموذجيًا من وجهة نظرهم متمثلا في اتخاذ شمال سيناء مسرحًا للعمل المسلح، وهي بالتبعية ملاذا آمنا لعناصر تلك التنظيمات أو هكذا تم التخطيط لأن تكون، خاصة بعد نجاح عملية الاجتياح المسلح الذي نفذته مجموعة من المليشيات فجر يوم 29 يناير 2011، وهذه العملية وهي تعد الضربة الافتتاحية الأولى تسببت وفق الوضع الاستثنائي العام الذي كانت تعيشه الدولة المصرية من انحسار للقوات الأمنية وعودتها غربًا إلى داخل مدينة العريش، هذا الهجوم المباغت بإضافته للوضع المشار إليه حقق انكشافًا حقيقيًا للأرض في مدينتي رفح والشيخ زويد، وهو ما تمت المراهنة على استثماره من قبل النشاط المسلح(3)، لكن هذا الحدث على خطورة فعله وتبعاته الجسيمة على معادلة الأمن بتلك المنطقة، يعد الاستناد عليه سببًا وحيدًا للمراهنة على استخدام المثلث السيناوي كقاعدة انطلاق للنشاط المسلح، اختزالا للعديد من الأسباب الأخرى المكملة والتي بدورها تفسر الدوافع التي أدت إلى تنفيذ تلك الضربة الافتتاحية، وتتلخص تلك الأسباب فيما يلي:

ـ البعد الجغرافي للجوار المتلاصق مع قطاع غزة: يبرز كسبب أولي وحاكم في الاختيار المكاني للمثلث السيناوي كمسرح لفصول متعاقبة الأهداف، فالنشاط الإرهابي المسلح لتلك التنظيمات حديثة التكوين لم يكن حينئذ مقصودا بذاته كهداف مجرد بقدر ما هو لصيق بفعله وأدواره المرجوة بتنفيذه على تلك المساحة الجغرافية، ففضلا عن الدور الذي لعبته حركة حماس في التخطيط وتنفيذ الضربة الافتتاحية المشار إليها، ظل القطاع يلعب منذ اللحظة الأولى وحتى الآن العمق الاستراتيجي لكافة التنظيمات التي تشكلت واستوطنت شمال سيناء، وهذا العمق عبر عن نفسه من خلال كل أشكال الدعم اللوجيستي الذي تم تقديمه من القطاع إلى التنظيمات في مراحل نشأتها الأولى (4)، واستمر حثيثا بعد ذلك داعما لفصول الولاء والمرجعية والتخطيط لهذه التنظيمات التي كان "حبلها السري" موصولا بالتنظيمات الأم الموجودة بداخل القطاع المجاور.

استطاعت المجابهة الأمنية والعسكرية التي نفذت فيما بعد الهجوم الإرهابي الكبير على مدينة "الشيخ زويد" في الأول من يوليو 2015 أن تقصم ظهر تنظيم "ولاية سيناء"

ـ الجوار المتلاصق أيضا مع إسرائيل: شكل هو الآخر توافقا وظيفيا وتوحدا في الأهداف ما بين إسرائيل وتلك التنظيمات الإرهابية، وهو ما استشعرته تلك التنظيمات مبكرا عندما التقطت طرف هذا الخيط الداعم الخفي الذي قد لا يكون مباشرا كالحالة مع غزة، لكن الدعم وتقديم المساعدات الإسرائيلية لتلك الجماعات ظل حاضرا بصورة غير مباشرة من أجل خلق بؤرة نزيف مستمرة لأقصى مدى زمني ممكن لمعادلة الأمن المصري الكلية، وهنا تكتسب أهمية أن تكون تلك البؤرة النازفة تحت عين إسرائيل المباشرة وبمساعدة الأذرع المتعاونة من داخل قطاع غزة أو من صحراء النقب (5)، وفي كلا المكانين لدى الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية أذرعا متعاونة ومدربة على إدارة مثل تلك الملفات بمهارة فائقة.      

ـ التنظيمات الإرهابية المسلحة وفق تقديرها لأهداف كلا الجارين المشار إليهما فإن ملف صراعهما مع الدولة المصرية مرشحا للتمدد وللبقاء مفتوحا، والتناقض قائم بأكثر مما يمكن الوصول إلى نقطة تعاون، وهو تقدير إستراتيجي صحيح مما دفعها إلى عدم التخلي عن ميزة الجوار النوعي مع كلاهما، وهذا استتبع اشتباكا سريعا ما بين التنظيمات وبين كلا من أباطرة أنفاق غزة وشبكة مهربي الحدود مع إسرائيل، وتم توحيد معادلات المصالح وتبادل المنافع من قبل أن تتقاطع فتفقد التنظيمات ميزة خطوط الإمداد المفتوحة والثرية بكل أنواع الاستخدامات المطلوبة، فقد شكلت تلك الخطوط الشرايين العصبية للتنظيمات والرئة الواسعة التي ساعدتها على ممارسة الحياة والتغلب على كل المصاعب الأمنية التي واجهتها أو المنتظر أن تجابه بها، ولو أن هناك أولوية واحدة فقط لتفسير مراهنة التنظيمات الإرهابية على تلك البقعة من أرض سيناء فستكون هي من أجل هذه الشرايين الحاكمة(6)، فقد ظلت هي المضخة التي عبرت مع التنظيمات كل محطات الصعاب والملاحقة، وهي التي تميز هذا المكان عن غيره من مسارح العمليات السابقة لتنظيمات تاريخية هزمتها الجغرافيا بسبب هذا العنصر تحديدا. 

ـ الحلم الذي يسكن أي تنظيم إرهابي مسلح أن يتمكن من الاستقرار في مناطق طرفية بعيدة عن قبضة المركز الصارمة أمنيا، وهذا الاستقرار قد يكتسب ميزة إضافية لو كان العامل الديموجرافي له خصوصية وتناقض ما مع النسيج السكاني العام، وهذه الخصوصية والتناقض معبرة عن نفسها بقوة على تلك المساحة من الأرض والتي هي في أقصى الطرف الشرقي للدولة، قبائل وبدو سيناء الشمالية شكلا حاضنة نموذجية تمكنت التنظيمات الإرهابية من استثمار تناقضاتها وخصوصيتها لصالحها(7)، وبنفس هذه النموذجية السكانية كان المشهد الطبوغرافي هو الآخر مما لا يمكن التفريط فيه من قبل تلك التنظيمات فهو يلعب لصالح أي نشاط مسلح ويبقى لوغاريتما متجددا وعصيا على أي قوات أمنية.

شكل الجوار المتلاصق أيضا مع إسرائيل توافقا وظيفيا وتوحدا في الأهداف ما بين إسرائيل وتلك التنظيمات الإرهابية

ثانياً: حيوية تكتيكية .. في مواجهة محطات مجابهة متقلبة

تناول في هذا الجزء من المقال المجابهات الأمنية والعسكرية في سيناء، وأداء الجماعات الإرهابية في مواجهة الهجوم العسكري والأمني الكاسح.

1-    الموقف التكتيكي في محطة الذروة

استطاعت المجابهة الأمنية والعسكرية التي نفذت فيما بعد الهجوم الإرهابي الكبير على مدينة "الشيخ زويد" في الأول من يوليو 2015 أن تقصم ظهر تنظيم "ولاية سيناء"، فبعد تنفيذ التنظيم لمجموعة من عمليات الإغارة الواسعة قبل تلك العملية ضد أهداف عسكرية وأمنية ثابتة كانت مراهنته في عملية الشيخ زويد أنه بمقدوره السيطرة على مفاصل المدينة ولو لوقت زمني محدود (8)، ومن خلال تلك السيطرة يمكنه إدارة معركة مع القوات العسكرية والأمنية المتوقع وصولها لتنفيذ عملية إسناد لمن هم بداخل المدينة محدودة المساحة، وضمن التنظيم في تحركه التكتيكي ناحية تنفيذ تلك العملية هدفين مهمين لو استطاع تحقيق أحدهما على الأقل فإنه بذلك يكون قد تقدم خطوات واسعة للأمام، الهدف الأول هو النجاح في السيطرة على مدينة الشيخ زويد يحقق للتنظيم إمكانية عزل المنطقة التي تقع شرق الشيخ زويد، وهي مساحة محدودة تقدر طوليا بـ "35 كم" على الطريق الساحلي الدولي وتقع فيها مدينة "رفح" وليس لها منفذ سوى هذا الطريق، فالظهير الجنوبي لتلك المساحة المشار إليها هو امتداد صحراوي مفتوح يضم مجموعة من القرى الصغيرة كان بالأصل فيما قبل تلك العملية التنظيم يحكم قبضته عليها جزئيا ويتحرك فيها بحرية نسبية، وهذا العزل بعيدا عن فائدته العسكرية الثمينة للتنظيم فأنه يحقق له دويا إعلاميا صاخبا يمكن استثماره بشكل ناجح فيما بعد، الهدف الثاني الذي تحرك التنظيم من أجل تحقيقه كان يتمثل في ترجمة نجاحاته التي تحققت فيما سبق هذه العملية في أماكن متفرقة إلى نقلة كبيرة عنوانها "الاستمساك بالأرض"، هذا العنوان فضلا عن خطوات وتفاصيل تنفيذ الهجوم يعد مستنسخا كاملا من عمليات "تنظيم الدولة الإسلامية/ داعش" التي نفذت للسيطرة على مدينة الموصل العراقية والمدن الصغيرة في محيطها، والمعلومات الأمنية التي أعقبت العملية وضعت تحت أيادي الأجهزة العاملة في سيناء أن هناك خطط تكتيكية كاملة قد وصلت بالفعل من التنظيم الأم لينفذه الفرع على أرض سيناء باختيار محدد هو مدينة "الشيخ زويد" .

مقابلة هذا المخطط والهجوم الإرهابي والتمكن من إجهاضه استغرق من القوات العسكرية والأمنية التي تعاملت معه يومين كاملين من الاشتباك المسلح، تم استخدام فيه كل أنواع الأسلحة من قبل القوات بداية من فرق إزالة الألغام التي تم زرعها بمعرفة عناصر التنظيم، بغرض منع القوات من الوصول إلى الأماكن المؤثرة والمحاصرة أو الذهاب إلى إيقاع أكبر قدر من الخسائر الممكنة في صفوفها أيهما أقرب أو كليهما معا، وصولا إلى طيران الأباتشي الذي قام بعمليات الرصد والتصوير لتحركات المجموعات المسلحة واستهداف بعضها جوا، تم إجهاض هذا الهجوم المسلح ومجموعة أهدافه المرتبطة به ومني التنظيم بقدر غير مسبوق طوال تاريخه العملياتي من الخسائر البشرية والمادية، واستتبع ذلك البدء سريعا في عملية عسكرية شاملة "عملية حق الشهيد/ المرحلة الأولى" لضرب التنظيم وتدمير ملاذاته الآمنة، على النطاق الجغرافي شملت تلك العملية مدينتي الشيخ زويد ورفح وامتدت جنوبهما حيث مخازن تسليح التنظيم ومأوى عناصره الرئيسية.

مدينة "العريش" ظلت خارج حسابات التنظيم لفترة من الزمن، ومثلت طوال الوقت ساحة عمليات ثانوية لافتقاده للقدرة الحقيقية على اختراقها والتحرك بداخلها

في حال البحث عن محطة ذروة للنشاط المسلح بسيناء منذ بدايته وحتى اللحظة الحالية فمن دون شك مثل تاريخ 1 يوليو 2015م تلك المحطة بامتياز، فالتطور العملياتي للتنظيم المسلح اعتبارا من تاريخ إعلانه الولاء لتنظيم "الدولة الإسلامية/ داعش" ومبايعته رسميا لقائده "أبو بكر البغدادي"، وقبول الأخير هذه البيعة واعتماد تغيير مسمى التنظيم من "أنصار بيت المقدس" إلى "ولاية سيناء" كان يستلزم ذلك تغييرا تكتيكيا انتقل بالتنظيم إلى استهداف التمسك بقطعة خالصة من الأرض، يمكن التعامل من خلال التمترس داخلها مع الفضاء الحيوي المحيط وتنفيذ تمديدات مؤثرة لكنها تصب في النهاية لصالح أرض الولاية، نجح التنظيم في هذا المسار منذ إعلان البيعة وحتى يوليو 2015م في بعض القرى الصحراوية المنعزلة نسبيا جنوبا، لكن ظل هذا النجاح منقوصا يحتاج إلى مدينة شهيرة تتوج هذا النهج الجديد وكان الخيار منصبا على مدينة "الشيخ زويد" التي تقع في المنتصف تماما ما بين "العريش" العاصمة و"رفح" الحدودية، وانتهت عملية استهداف المدينة على النتيجة المذكورة آنفا وتفاجأ التنظيم بما جوبه به لاحقا من هجوم عسكري كاسح استمر نحو (60 يوم) تقريبا من العمليات العسكرية والأمنية المتواصلة، ليتداعى على إثرها التنظيم بالفعل وتصاب هياكله المؤثرة بانكسارات فادحة فضلا عن تدمير شبه كامل لقدراته التسليحية.

 الجدير بالذكر في هذا السياق أن مدينة "العريش" ظلت خارج حسابات التنظيم طوال الفترة الزمنية المشار إليها، ومثلت طوال الوقت ساحة عمليات ثانوية بالنسبة للتنظيم لافتقاده للقدرة الحقيقية على اختراقها والتحرك بداخلها، نظرا لتمتعها بكتلة سكنية معتبرة عدت دوما ذات نسيج مختلط يحرم التنظيمات الإرهابية من إمكانية استثمارها كحاضنة آمنة، فضلا عن ارتكاز كل الأجهزة العسكرية والأمنية بداخل عاصمة الشمال بصورة منظمة أقرب للأحكام الكامل(9).  

1-    انقلاب تكتيكي يعيد العمل المسلح لنقطة البداية:

كانت لمواجهة الهجوم العسكري والأمني الكاسح الذي دار على الأرض من قبل التنظيم له عدة محاور خاصة مع فاتورة الخسائر باهظة التكاليف التي وجد نفسه يتكبدها سريعا، وفي ضوء الكشف عن وجود إرادة حقيقية لدى قوات الجيش وجهاز الأمن في إحداث نقلة نوعية في معادلة الأمن الكلية لهذه المنطقة وانتزاع مبادرة الفعل من يد التنظيم الإرهابي، تحرك التنظيم بنفس حيويته التكتيكية إلى الخلف سريعا وهو يستقرئ المشهد على وجهه الصحيح كي يرتب الخطوات التي تمكنه من إنجاز تلك المحاور المشار إليها، ويمكن إيجاز ما قام به التنظيم على النحو التالي:

ـ البداية مع المحور الجغرافي والمتعلق بمسرح عمليات التنظيم والمقصود سيناء بالطبع، ففي الوقت الذي رشح العديد من الخبراء والمتابعين أن يتسبب الضغط العسكري والأمني على التنظيم في منطقة وجوده بشمال شرق سيناء أن يخرج أو ينقل عناصره ونشاطه إلى خارج سيناء تماما، خالف التنظيم هذه الاحتمالية وهذا التقدير وتمسك بالخيار السيناوي وفق المعطيات التي ذكرناها آنفا متحملا مخاطر المواجهة وفاتورة الخسائر، ونفذ مجموعة من التحركات التكتيكية تمثلت في التخلي عن المدن الشمالية وظهيرها الصحراوي المباشر "الشيخ زويد ـ رفح ـ المهديةـ الخروبة ـ الجورة ـ قوز أبو رعد"، والانسحاب إلى عمق وسط سيناء حيث الأماكن غير المأهولة والتي لا يمكن أن تطالها فيها قوات الجيش أو الأمن، وهناك بعض من قيادات التنظيم انتقل جزء منها سريعا إلى قطاع غزة بمساعدة لوجستية من التنظيمات المتعاونة معها، والجزء الآخر فر عبر الحدود الإسرائيلية إلى صحراء النقب بترتيب عشائري وقبلي حيث يقطن في "النقب" أقرباء لبعض قبائل وعشائر شمال سيناء، وفي هذا يبرز مرة أخرى التغاضي والتساهل الإسرائيلي على مثل تلك التنقلات عبر حدودها وهو يمثل صورة للدعم غير المباشر الذي تقدمه إسرائيل لتلك التنظيمات الإرهابية، رغبة منها في الحفاظ على حياتها ومساعدتها في اللحظات الفارقة بغرض الالتفاف على الجهد العسكري والأمني المصري.

برز التساهل الإسرائيلي مع الجماعات الإرهابية في التغاضي لتنقلاتها عبر حدودها، وهو يمثل صورة للدعم غير المباشر، رغبة منها في الحفاظ على حياتها ومساعدتها في اللحظات الفارقة

ـ على المحور التنظيمي كانت الخسائر البشرية والمادية كبيرة التي تكبدها التنظيم في الأيام الأولى للحملة العسكرية، مما دفعه سريعا لتشكيل مجموعات من المقاتلين قدرت كل مجموعة بنحو (50 عنصرا) وعين لكل مجموعة قائد ميداني، تم توزيع تلك المجموعات على أماكن متفرقة في مناطق وسط سيناء ولم يحتفظ بالمجموعات سويا أو في مكان واحد حتى يقلص حجم الخسائر في حال الإيقاع أو استهداف إحدى تلك المجموعات، من ضمن تلك المجموعات تم اختيار نحو مجموعتين أو ثلاث (150 عنصرا) ممن لديهم ارتباطات داخل مدينة العريش حيث تم الدفع بهم ليتسربوا داخل المدينة وينفذوا حالة كمون كامل لحين صدور تعليمات حركية مستقبلا، وتعامل التنظيم مع التشديد العسكري الصارم على المنطقة الحدودية التي كان يعمل فيها بعض عناصره في منظومة الإنفاق باستبدالها بنسق آخر يقلل من حجم خسائره، فقد استفاد التنظيم من الخبرات المكتسبة لدى مجموعة من أعضائه في مهارة تصميم وحفر الإنفاق التي استمرت طوال العامين الذين سبقا اللحظة الراهنة، عبر انتقالهم لعمل أنفاق وملاذات آمنة داخل سيناء تحت الأرض وبأعماق كبيرة وبوسائل تعمية وإخفاء مبتكرة ومحترفة، يمكن من خلالها التنظيم إخفاء أسلحته والمواد التي تستخدم في صناعة العبوات الناسفة في أشكال تبدو كالمخازن والحجرات في مناطق صحراوية معقدة يصعب على قوات المواجهة اكتشافها، خاصة وهي تستخدم فيها كافة أشكال التأمين الخاصة بالأنفاق الحدودية ومثيلها من إجراءات التعمية والحفاظ على سرية أماكنها حتى على أفراد التنظيم أنفسهم، واستخدمت تلك المخازن والحجرات في إقامة بعض من عناصر التنظيم لمهمة التأمين والحراسة من ناحية ولإبعادهم عن مرمى وملاحقات القوات العسكرية والأمنية من ناحية أخرى، ونجح هذا النمط بالفعل على الحفاظ على قدرات تسليحية وبشرية معقولة للتنظيم استطاع عبرها تجديد دمائه سريعا مرة أخرى .  

تخلى التنظيم عن تبني النهج الداعشي المتعلق بالاستمساك بالأرض والقتل من داخلها وحولها

ـ في جانب تكتيك التحرك المسلح والعملياتي قام التنظيم بما يشبه انقلابا كاملا وسريعا لم يستغرق شهورا لاعتماده في مقابل ترميم خسائره المتوالية، فقد تخلى عن تبني النهج الداعشي (10) المتعلق بالاستمساك بالأرض والقتل من داخلها وحولها، ورغم محورية هذا المنهج بالنسبة لفروع تنظيم داعش الخارجية "أنصار بيت المقدس / بوكو حرام/ داعش ليبيا" وخصوصية هذا المنهج بالنسبة للتنظيمات التي نشأت على أرض سيناء، فمفهوم "إمارة سيناء" حاضرا بقوة منذ لحظات التشكيل الأولى لدى معظم التنظيمات وفي أدبيات "أنصار بيت المقدس" على وجه الخصوص، فإن التحرك التكتيكي في الاتجاه المضاد من قبل التنظيم والعودة بنشاط لسيرته الأولى هي ما ضمنت له نجاح عملياته الإرهابية بداخل مدينة العريش الآن، فقد أعاد مرة أخرى العمل بتكتيك الإنهاك و"شوكة النكاية" في مواجهة القوات الأمنية الموجودة بمدينة العريش وضد قوات الجيش لو استطاع أن يطالها بعملياته، واستطاع التنظيم أن يحقق نجاحات سريعة داخل المدينة بالحفاظ على وتيرة زمنية للعمليات تنقل للطرف الآخر وللرأي العام بأنه يحتفظ لا يزال باليد العليا، أو بمعنى أدق استطاع أن يستعيدها وعلى مسرح عمليات جديد خاصة مع النجاح الذي تم إحرازه في بعض العمليات الكبيرة، وتلك الأخيرة أيضا لها الوتيرة الزمنية الخاصة التي تصل برسائل القدرة المباغتة فضلا عن تأسيس لحالة رعب يستهدف التنظيم تحقيقها لدى سكان المدينة، فقد طال العديد منهم عدد من تلك العمليات النوعية كحوادث اغتيال المتعاونين مع قوات الجيش أو الأمن في وضح النهار وفي الشوارع الرئيسية، وهي صورة لتحركات تكتيكية تضخم من إمكانات التنظيم عن واقعها الفعلي لكنها ووفق تلك المفردات الجديدة لما يدور من عمل مسلح يجعل هناك تساؤلا مشروعا واجب الطرح اليوم، هل مسرح العمليات اليوم بإزاء إنهاء الإرهاب المسلح دورة كاملة والعودة بالوضع لنقطة الصفر إيذانا للبدء من جديد في دورة أخرى، أم أن هناك من خطط المجابهة العسكرية والأمنية ما هو قادر على إجهاض هذا النجاح التكتيكي للتنظيم الإرهابي قبل أن يتمكن من تثبيت أقدامه مرة أخرى، هذا ما ستجيب عنه فصول المواجهة الحالية داخل شوارع مدينة العريش الضيقة وهي المسرح الذي أظنه سيكون عنوانا رئيسيا للمشاهد القادمة.

الهوامش

(1)               لتفصيلات وبيانات العملية العسكرية ( حق الشهيد / المرحلة الأولى ) يمكن مراجعة الصفحة الرسمية للمتحدث العسكري على موقع الفيس بوك، حيث تم نشر بيانات متوالية حول نتائج العملية التي بدأت بتاريخ 6/ 9/ 2015م https://www.facebook.com/Egy.Army.Spox/

(2)               بيان تنحي مبارك عن الحكم، الموقع الرسمي للهيئة العامة للاستعلامات

http://www.sis.gov.eg/Newvr/egyptionrevoution/julythree.html

(3)               للاطلاع على تفصيلات ما حدث في شمال سيناء يوم 29/1/2011م من قبل المليشيات المسلحة التي اجتاحت مدينتي "رفح / الشيخ زويد"، يمكن الاطلاع على كتاب "سيناء .. أرض المقدس والمحرم" للباحث وبإصدار من الناشر "نهضة مصر" 2016م، أو بشكل مختصر في مقال منشور للباحث في جريدة البوابة تحت عنوان "المعركة المنسية"

http://www.albawabhnews.com/1749337

(4)               للمزيد من تفصيلات نشأة التنظيمات الإرهابية في سيناء، وأشكال الدعم اللوجيستي الذي تم تقديمه من قبل حركة حماس وغيرها من التنظيمات بقطاع غزة، يمكن الاطلاع على موقع ويكيبيديا في هذا الشأن

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_%D9%81%D9%8A_%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%A1

(5)               تعويض الفشل:

لماذا يحاول داعش العمل في صحراء مصر الغربية؟ ـ مقال تحليلي للباحث/ سعيد عكاشة ـ المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية ـ القاهرة 2015م .

(6)               الدكتور عدنان أبو عامر، عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية وأستاذ العلوم السياسية في جامعة الأمة ـ فلسطين، دراسة منشورة بمعهد العربية للدراسات بعنوان (أنفاق سيناء.. بين مصر وغزة وإسرائيل) ـ مارس 2013م .

(7)               هل قبائل سيناء تحارب الإرهاب؟ ـ مقال منشور بموقع المونيتور بالمشاركة مع مراسل شبكة نبض مصر في سيناء http://www.al-monitor.com/pulse/ar/originals/2015/05/egypt-siani-tribes-war-terrorism-army.html#

قبائل سيناء بين مطرقة الحرب على الإرهاب وسندان "داعش" ـ تقرير تحليلي منشور على موقع وكالة الأخبار الألمانية  http://www.dw.com/ar

 

قبائل سيناء في مواجهة "أنصار بيت المقدس" ـ مقال تحليلي منشور على موقع بوابة الحركات الإسلامية

http://www.islamist-movements.com/28128

 

Has ISIS reached Sinai? مقال تحليلي للباحث منشور بجريدة "ديلي نيوز إيجبت" بتاريخ 13 نوفمبر 2014م

http://www.dailynewsegypt.com/2014/11/13/isis-reached-sinai/

(8)               السرد التفصيلي لما حدث في عملية الهجوم على مدينة الشيخ زويد بتاريخ 1 يوليو 2015م ـ الرجوع لكتاب الباحث "سيناء .. أرض المقدس والمحرم" السابق ذكره .

             "داعش" يخسر جولته الأولى في محاولة السيطرة على مدينة مصرية ـ  تقرير            صحفي منشور على موقع المونيتور الإخباري ـ بتاريخ يوليو 2015م .

                http://www.al-monitor.com/pulse/ar/originals/2015/07/egypt-sheikh-zuweid-wilayat-sinai-attack-egyptian-army.html#

(9)               للمزيد يمكن الاطلاع على د/ إيمان رجب ـ تقييم أولي لسياسات مكافحة الإرهاب في مصر ـ المركز العربي للبحوث والدراسات ـ دورية آفاق سياسية ـ العدد 27 ـ مارس 2016م .

(10)           استخبارات غربية: تكتيكات جديدة لتنظيم “داعش” ـ مقال تحليلي منشور بموقع مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط ـ نوفمبر 2015م .

 http://www.beirutme.com/?p=15107

شارك