التجنيد عبر السجون ... التاريخ يعيد نفسه

الأحد 08/مايو/2016 - 11:21 ص
طباعة التجنيد عبر السجون
 
د. محمود أحمد عبد اللـه
تتعدد الطرق التي تلجأ إليها التنظيمات الإرهابية في بناء الثقة وتكوين علاقات اجتماعية أوسع، وشبكة كبيرة من الداعمين والمتعاطفين معها. أولاها وأهمها اكتساب التعاطف الشعبي عبر التأسيس لأفكارها حول الخلافة الإسلامية، وتكفير المجتمع، وتبني شعائر وطقوس وسلوكيات متشددة لتأمين حضورها في مساحات واسعة داخل القرى والمدن الصغيرة. إذ يشير باحثون إلى الدور الحيوي الذي تقوم به تنظيمات وحركات غير محسوبة على التشدد، لكنها مع ذلك تمرر أفكارا تهيئ الطريق نحو التطرف. إن الفارق بين هذه التنظيمات وغيرها من الحركات الراديكالية هو فارق في الوسيلة وليس الهدف. وتحت دعوى السلمية، والدعوة إلى اللـه، يقوم هؤلاء بتجهيز وتهيئة الفضاء الاجتماعي نفسه ليكون بيئة قابلة لتقبل الأفكار المتطرفة، واتخاذها خلفية للسلوكيات والتصرفات. وهؤلاء أيضا هم الوسيلة التي يتم عبرها تجنيد أفراد وضمهم للقوى المتطرفة. فعلي سبيل المثال، عندما يقوم تنظيم داعش بضم عضو جديد من البلدان الأوربية فإنه يستعين بخطباء المساجد في أوربا ليقوموا بعملية الاختيار والترشيح بعد قضاء فترة طويلة من المراقبة والوضع تحت الاختبار، ولا يعدم الأمر أن يكون هو الوسيلة المستعملة في غيرها من المناطق في العالم.
أن المجال الديني في عمومه مجال متاح للجميع المشاركة طالما امتلك المشارك الشروط الأولية، وهي المواظبة على الفرائض وحفظ بعض من القرآن والحديث
وثانيها اللجوء للوسائط الإعلامية المتنوعة. وذلك عبر استخدام المنصات الجماهيرية، كالمنابر في المساجد الصغيرة والزوايا الخارجة عن سيطرة الدولة. فرغم صدور حكم من المحكمة الإدارية ينص على أن الأحقية للخطابة لمن هم مؤهلون لها. لا تعدم المساجد والزوايا من وجود خطباء محسوبين على التيارات السلفية المؤيدة للفكر المتطرف. كذلك هناك شرائط الكاسيت والخطب الدينية التي تبث عبر منصات إلكترونية كالمنتديات السلفية وموقع اليوتيوب والمدونات، والمواقع المخصصة للفكر المتشدد.
وثالثها وأخطرها هي السجون، حيث يختلط المجرمون من النوعية شديدة الخطورة بمتطرفين فكريا. فالمجرم الذي يشعر بالندم على ما اقترفه يسعى للتوبة والاستتابة فلا يجد أمامه سوى هؤلاء. بل إن الاختلاط في حد ذاته بهؤلاء المتطرفين كاف بحد ذاته في ولادة متطرفين، خاصة أن المجال الديني في عمومه مجال متاح للجميع المشاركة طالما امتلك المشارك الشروط الأولية، وهي المواظبة على الفرائض وحفظ بعض من القرآن والحديث.
ولعلنا تجربتنا السابقة مع الإرهاب تستحق النظر في هذا الصدد. ولنضرب مثلا بحالة شادي المنيعي الذي تحول من بلطجي ومجرم إلى أمير جماعة أنصار بيت المقدس التي تهدد الأمن والاستقرار في سيناء. لقد اختلط المنيعي بالسجناء من معتنقي الفكر الوهابي.
    وسوف نجد في العراق مثالا على أثر الاختلاط الممنهج بين الإرهابيين والسجناء العاديين. إذ بحسب ما قاله أحد المصادر بوزارة الخارجية العراقية لجريدة الشروق في تحقيق لها فإن سجن بوكا جنوب العراق كان بيئة مصطنعة لتحويل قيادات عسكرية سابقة بالجيش العراقي إلى متطرفين تم الإفراج عنهم في مرحلة لاحقة ليكونوا نواة لداعش. فعندما دخلت هذه القيادات العراقية إلى السجن اختلطوا بالمتطرفين، وكانت هناك حرية حركة كبيرة داخل السجون خلال سيطرة الإدارة الأمريكية عليها. ونقلا عن مصدر آخر يؤكد ذات الفكرة بصحيفة الجارديان فإن سجن بوكا لم يكن سجنا عاديا بل كان مدرسة ضمت تشكيلة متنوعة من الأفكار والمواهب والطاقات العراقية، كان نزلاء المعتقل ضباطا في الجيش والمخابرات وجهاز الأمن الوطني، وعناصر وموظفي منظومة التصنيع العسكري العراقي، وموظفي منشأة تموز النووية، وعلماء وخبراء عراقيين بارزين، وأعضاء بحزب البعث وعناصر المقاومة العراقية الوطنية الرافضة للاحتلال، أضيف إليهم عشرات المعتقلين من المتطرفين. فيما تشير إحصائيات غير رسمية إلى أن 17 شخصية من مجموع 25 شخصية تدير داعش قضوا فترات بالسجون الأمريكية في العراق في الفترة من 2004-2011.
وسوف نقع على تجارب متنوعة لمواجهة التطرف داخل السجون. منها ما تقدمه التجربة الأوروبية والعربية. ففي السياق الألماني انطلقت مبادرة مشاركة الأئمة في مكافحة الإرهاب، حيث يزور الأئمة المساجد لمقابلة السجناء والحوار معهم في كل القضايا التي تلح على أذهانهم. ولدينا في التجربة العربية نموذج مشابه، حيث طبقت السعودية نظاما مشابها، بينما استهدفت التجربة المصرية قيادات تنظيم الجماعة الإسلامية الذين أصدروا مجموعة من الكتب تحت اسم "المراجعات" التي حاول فيها هؤلاء القادة مراجعة المفاهيم الأساسية للسلفية الجهادية، بما يقوض فاعليتها.
وفي مقابل هذا الأسلوب الذي يعتمد على إحلال مفاهيم دينية بأخرى غيرها، مشروع آخر في السياق الألماني أيضا وهو مشروع "شبكة منظمات مكافحة العنف"، وتتعاون في هذه الشبكة جمعيات أهلية غير هادفة للربح، ويعمل فيها موظفون مسلمون، وتربويون وأخصائيون اجتماعيون ونفسيون. فهم يديرون برامج تهتم بالسجناء داخل السجن، وبعد خروجهم. ويمتد المشروع في خمس ولايات ألمانية وهناك مناشدات لمدّه لباقي الولايات الألمانية.

في الجانب التونسي، ازدادت المخاوف من اتساع دائرة التطرف داخل السجون التونسية بعد ثبوت وقوع عمليات استقطاب داخلها وارتفاع أعداد المساجين المتورطين في قضايا إرهابية
كذلك هناك مبادرة بريطانية تأتي في إطار برنامج تدريبي يخوضه الأفراد من 16 سنة فما فوق لمدة ست عشرة ساعة، ممن هم معرضون للخطاب المتطرف، أو من المعنيين بمواجهة التطرف، وهي مبادرة بعنوان "إن كنت مسلما ستكون بريطانيا". والمبادرة موجهة للبريطانيين المسلمين في سن المراهقة وبداية الشباب، وهي المرحلة شديدة الخطورة التي ينضم بسببها الأفراد إلى الجماعات الإرهابية، حيث يستغل حماس هؤلاء الشباب والمراهقين من أجل التغيير، ورغبتهم الحالمة في بناء مجتمع مثالي، بانتهاج أساليب ثورية جذرية.
وفي الجانب التونسي، تتولد ذات المشكلة، فقد ازدادت المخاوف من اتساع دائرة التطرف داخل السجون التونسية بعد ثبوت وقوع عمليات استقطاب داخلها وارتفاع أعداد المساجين المتورطين في قضايا إرهابية، وأرجعت المنظمات الحقوقية أسباب ذلك إلى حالة الاكتظاظ التي تشهدها السجون فيختلط السجناء العاديون بالمتورطين في قضايا الإرهاب، ومن بين هؤلاء من ليس لديه المعرفة الكافية التي يواجه بها التصورات المتطرفة. وبناء عليه بدأت حملة تهدف إلا إنشاء مكتبات داخل السجون، وتمكين كل سجين من الاطلاع. وقد أطلق المبادرة إحدا المدونات وهي لينا بن مهني تحت شعار "من حق السجين أن يقرأ" التي تهدف إلى جمع آلاف الكتب وتوزيعها علي كافة السجون لحث المساجين على المطالعة وتنمية القراءة من أجل رفع المستوى المعرفي وحمايتهم من كل أشكال التغرير والخداع واستغلال الجهل المعرفي. لقد بادرت المدونة بالفكرة لأنها وجدت مكتبات السجون تحتوي علل كتب ذات محتوى ضعيف وبعضها يدعو للتطرف. وهذه المبادرة قد تكون صالحة في مجتمع تقل فيه نسبة الأمية، وفي ظل قوانين تعطي الحق للسجين في الاطلاع والحصول على أدوات الكتابة ووسائل المطالعة والصحف والمجلات، وعلى إيجاد مكتبة بكل سجن تحتوي على الكتب والمجلات وفقا للإجراءات المعمول بها.
 وفي الحالة المغربية نقع على آلية أخرى لمواجهة التطرف في السجون وهي تدريب الموظفين في السجون على كيفية مواجهة تطرف السجناء. حيث تعمل المنظمة الدولية للإصلاح الجنائي بالتعاون مع المندوبية المغربية على تطوير دليل تدريبي حول مواجهة التطرف في مؤسسات السجن، لتمكين العاملين من معرفة تحول السجين للتطرف، ومدى تأثير هذا التحول على السجناء الآخرين، وماهية برامج الحوار والخطاب الديني الذي يجب أن يتم استعماله معه.
       ولعلنا في اللحظة الراهنة نحتاج لمزيد من الاهتمام بهذه القضية الشائكة. فقد ازداد عدد السجناء زيادة مفرطة، لا تستطيع السجون استيعابها. وهو ما يؤدي في نهاية الحال إلى تكرار ذات المأساة التي نجدها في نماذج عديدة، في البلدان العربية والأوربية. فالتفكير في الحالة التونسية في اقتراح بدائل جديدة هو نتاج عدم القدرة علي الفصل يبن السجناء العاديين وسجناء قضايا الإرهاب.
إن التحقيق المشار إليه سلفا الذي نشرته الشروق تحت عنوان "هنا طرة .. مركز حكومي لتجنيد الدواعش"، يطلق ناقوس الخطر لما تمثله السجون المصرية شديدة الحراسة من خطر حقيقي على الأمن الوطني. فهي تشهد في الراهن وفقا للتحقيق اختلاطا بين المتطرفين وغيرهم، كما تشهد عملية تجنيد واسعة النطاق يخشى من آثارها فيما بعد.
    وقد نجد في تجربة دار الإفتاء ما يساعدنا في هذا الصدد، فالدار لديها مرصد لمواجهة الفتاوى المتشددة والتكفيرية، وهو مرصد متميز استطاع أن يقدم عددا من الإصدارات أهمها كتاب حول الفتاوى التكفيرية، بالإضافة إلي التقارير والنشرات المهمة. ولقد خصصت الدار موقعا على الفيس بوك للمرصد، يوضح فيه نشاطاته وأهم إصداراته. وبدلا من أن يظل عمل الدار مقتصرا على الجانب المعرفي يمكن الاستفادة منها على مستويين، أولهما إتاحة أعمالها المتميزة للمساجين إلى جوار ما نتج عن تجربة المراجعات من أعمال، وثانيها الاستعانة بما لدى الدار من خبرات قادرة على إقامة الحوار مع السجناء. وتستطيع الدار بقدراتها التي تدعو للإشادة لتميزها أن تفيد في مشروع مواجهة الإرهاب داخل السجون، كما يمكن للدار أن تقوم بالتعاون مع خبراء من أقسام علم النفس تحديدا بتدريب العاملين بالسجون على كيفية التعامل مع السجناء من المتطرفين، وما الإجابات التي يمكن تقديمها للسجناء بشأن القضايا الدينية. إننا نستطيع عبر سياسة جديدة أن نواجه الأمر قبل أن يتفاقم ويتحول إلى كارثة لا يحمد عقباها.
*خبير بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية

شارك