إشكاليات السياسة الدينية: أزمة تشريع المؤسسات

الأحد 04/سبتمبر/2016 - 02:23 م
طباعة إشكاليات السياسة
 
د. محمود أحمد عبدالله
هناك احترازات فى السياق العربى والمصرى من استعمال مصطلح «السياسة الدينية»، وهذا الاحتراز مصدره عدة أسباب: أولها الاعتقاد بأن الدولة لا ينبغى لها التدخل فى الدين، فليس دورها أن تستعمل الدين أو تعمل على توجيهه أو تنظيمه، وثانيها قلق فريق آخر من الرافضين من أن يكون الدين المقدس مسيسًا، أو موضوعًا للتدخل المادى للدولة، وربما يكون ذلك من وراء استعمال المغاربة لاصطلاح «تدبير الشأن الدينى».
ولكننا نستطيع التمييز بين نمطين من أشكال السياسة الدينية لكى نفهم معنى المفهوم وأهميته بالنسبة للدولة المدنية، أولهما السياسة الدينية بمعنى حماية ورعاية حرية المعتقد والتعبير الدينى، والآخر تنظيم الممارسات الدينية بما يحفظ النسيج الاجتماعى ويحميه من التفكك والانهيار.
الملاحظ أن السياسة الدينية فى السياق الأوروبى والغربى يدور فى إطار حماية حرية ورعاية المعتقد والتعبير الدينى، وهو ما يحول أحيانا دون مواجهة الإرهاب والتطرف الدينى من السلفية الجهادية وأتباعها.
فالسياسة الأمنية الغربية تتبع المواجهة الأمنية الناعمة، التى تكرس لحرية التعبير، فعلى الرغم من إدراك هذه المجتمعات لخطورة المساجد ذات الهوى السلفى، لكنها تترك لها جيوبًا، اعتقادًا منها أن ذلك يخلق لها إمكانية الرقابة والتحكم عن بعد، دون اللجوء لإغلاق هذه المساجد، خوفًا من أن يكون ذلك اعتداء على حرية الاعتقاد والتعبير.
فى سياقنا العربى، يمثل الحفاظ على النسيج المجتمعى أولوية أساسية، وهذا له أصوله التاريخية، فالقلق الحقيقى لأى مجتمع عربى هو الخوف من الانهيار والصراعات الداخلية أو الدخول فى حروب أهلية، وتجنب احتمال الصراعات الداخلية وصعوبة التحكم فيها، والمحصلة هو الإعلاء من قيمة الوحدة المجتمعية على حساب حرية التعبير والاعتقاد.
لذلك ليس غريبًا أن يردد البعض دون وعى بأن وحدة المجتمع أهم من الحرية، وهذا وهم كبير تعيشه الجماعة المصرية والعربية، ويحتاج للمراجعة والنقد من المشتغلين والمعنيين بالسياسات الأمنية والدينية.
باختصار تعتمد سياسة تنظيم الشأن الدينى فى السياق العربى والمصرى على مفاهيم إخماد الفتنة، حتى أن البعض يرى أن ذلك فى الحقيقة هو تسكين للوضع القائم وليس حلًا جذريًا له.
ولعل أبرز الأمثلة على ذلك ما يحدث من حوادث اعتداء طائفى على إخوتنا الأقباط، وتتم معالجتها بالمجالس العرفية، دون اللجوء لآليات الدولة الحديثة، وإن كان هناك من يرى غضاضة من اعتماد السياسات الأمنية على الاستفادة من تراث فض المنازعات التقليدى، لما يتمتع به من قبول مجتمعى واسع بين المتنازعين، وقدرته على تحقيق عدالة عاجلة، وربما ما يعيب هذه الجلسات هو أنها لا تحقق هدفها الحقيقى وهو العدالة الناجزة، برد الحقوق لأصحابها على عجل، والحل الأمثل هو اللجوء لإنشاء محاكم متخصصة لمواجهة هذا النوع من المشاحنات الدامية واسعة المدى.
قانون تنظیم بناء الكنائس
يشكل مشروع قانون بناء الكنائس أزمة مستمرة بين الأنظمة الحاكمة - على مدار التاريخ - والأقباط فى مصر منذ العهد العثماني، وقد طالب مسيحيو مصر بأن تصدر الدولة قانونًا لتنظيم دور العبادة، لينظم بناء المساجد للمسلمين والكنائس للمسيحيين، على حد سواء، وذلك بسبب صعوبة بناء كنائس جديدة - على الرغم من الزيادة السكانية عامًا بعد عام - إلا بقرار جمهوري يصدر مرة خلال سنة أو مرتين. وتكمن الصعوبات فى البنية التشريعية للدولة التى لم تحدد آلية بناء الكنائس، إذ إن قانون بناء المساجد صدر منفردًا فى 17 أكتوبر 2001 لينظم المساجد وحسب، ما استدعى الأقباط لتحويل بعض دور الخدمات لكنائس، ولكن لا يمكن الإجهار بذلك.
تجدر الإشارة إلى أنه لم تكن هناك صعوبات فى بناء المساجد وكان أى مواطن يحق له بناء مسجد، ولو فى الدور الأول من منزله، بمجرد تصريح من وزارة الأوقاف وحسب، إلا أنه بصدور قانون تنظيم بناء المساجد تم تقنين الأمر نوعًا ما.
واستمر الأقباط لمدة قرون بلا سند قانوني واضح ينظم لهم بناء الكنائس، سوى بقرار من الرئيس الذى يصدر فى فترات متباعدة، وبعد ضغوط عدة. وخلال فترة رئاسة الرئيس الأسبق، محمد حسنى مبارك، تراكمت مشاكل بناء الكنائس فى كل المحافظات، مما أجبر الكثير من الطوائف المسيحية فى مصر بسبب تعنت أجهزة الدولة على بناء كنائس غير مرخصة، أو إقامة الطقوس المسيحية فى مبانى الخدمات التابعة إلى الكنائس، مثل المبانى المخصصة للأنشطة الصيفية مثلًا من ممارسة القراءة والرحلات والرياضة وأنشطة مسرحية. بالفعل لا تتم الموافقة على الترخيص لبناء الكنائس تارة من قبل رئيس الجمهورية وتارة من قبل المحافظ خوفًا من الغضب الشعبى للمسلمين.
ويلاحظ أن النص الدستوري أخرج المساجد من معادلة التنظيم القانوني، وأصبح القانون يحمل مسمى «بناء وترميم الكنائس»، مكتفيًا بقانون تنظيم المساجد الذى صدر منفصلًا فى 2001 فى عهد الرئيس السابق، عدلى منصور.
بالفعل لم يذكره الدستور الذى صدر فى 2014 ومسمى القانون الجديد الصحيح قانون بناء وترميم بناء الكنائس، وربط قانون تنظيم بناء المساجد، بالكثافة السكانية فى المكان المنوط به إنشاء مسجد، مع مراعاة ألا تقل المسافة بين المسجد القائم والمسجد المزمع إنشاؤه عن خمسمائة متر، وألا يقام المسجد على أرض مغتصبة أو على أرض متنازع على ملكيتها، وأن يلتزم من يتطوع ببناء المسجد بالرسوم والتصاميم الهندسية التى تعدها وزارة الأوقاف مجانًا، بما يتناسب مع الموقع والمساحة والتكاليف المقدرة للمشروع، وألا تقل مساحة المسجد عن 175 م2، ويشترط بناء دور أرضي تحت المسجد يخصص لمزاولة أنشطة خدماتية اجتماعية وصحية وثقافية وتنموية.
كما اشترط القانون ضرورة الموافقة الصريحة من قبل وزارة الأوقاف على إنشاء المساجد، مع إيداع مبلغ مبدئي لحساب بناء المسجد لا يقل عن خمسين ألف جنيه، كما منعت فى شكل قاطع إقامة مساجد أو زوايا تحت العمارات السكنية، وهو كان قد انتشر فى مختلف القرى والمدن فى محافظات الجمهورية.
موافقة البرلمان على قانون بناء الكنائس جاء تطبيقًا لنص المادة 235 من الدستور والتي تنص على أنه يصدر مجلس النواب فى أول دور انعقاد له بعد العمل بهذا الدستور، قانون تنظيم بناء وترميم الكنائس، بما يكفل حرية ممارسة المسيحيين لشعائرهم الدينية، وقد وافق مجلس النواب على قانون بناء الكنائس بعد التوافق بين الحكومة والكنائس المصرية الثلاث.
مراجعات القانون
أهمها ما قدمه الأستاذ كمال زاخر فى معرض نقده للقانون، حيث يرى التالى:
أولاً: إن نص القانون أغفل فى المادة الثانية من ديباجته ذكر المرسوم بقانون رقم 126 لسنة 2011 بتعديل بعض أحكام قانون العقوبات الصادر بالقانون رقم 58 لسنة 1937 مادة 161 مكررًا: «يعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن ثلاثين ألف جنيه ولا تتجاوز خمسين ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من قام بعمل أو بالامتناع عن عمل يكون من شأنه إحداث التمييز بين الأفراد أو ضد طائفة من طوائف الناس، بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة، وترتب على هذا التمييز إهدار لمبدأ تكافؤ الفرص أو العدالة الاجتماعية أو تكدير للسلم العام، وتكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر والغرامة التى لا تقل عن خمسين ألف جنيه، ولا تتجاوز مائة ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين إذا ارتكبت الجريمة المشار إليها فى الفقرة الأولى من هذه المادة من موظف عام أو مستخدم عمومى أو أى إنسان مكلف بخدمة عمومية». ومن ثم لم يرد بمتن المشروع أى إشارة إلى معاقبة من يعطل أو يتقاعس أو يمنع إنفاذ القانون أو التراخيص أو أعمال البناء فى أى مرحلة من المراحل. وفى نفس المادة الثانية من الديباجة يورد المشرع (ويسرى فيما لم يرد بشأنه نص خاص فى القانون المرفق بأحكام قانون البناء الصادر بالقانون 119 لسنة 2008)، دون أن يورد فى متن المشروع استثناء الأماكن التى تقع خارج الأحوزة العمرانية بالريف، خاصة بالصعيد، من أحكامه، وهو حق ورد فى الديباجة. وهى المناطق صاحبة النصيب الأكبر فى الاعتداءات الطائفية لهذا السبب.
ثانياً: ألزم الدستور مجلس النواب بإصدار ثلاثة قوانين فى دور انعقاده الأول «تجريم التمييز وتشكيل مفوضية مكافحة التمييز، وقانون العدالة الانتقالية، وقانون تنظيم بناء وترميم الكنائس»، ولا يمكن برأيه أن يستقيم إصدار قانون تنظيم بناء الكنائس قبل إصدار التشريعين الأولين، لأنه مبنى عليهما ومؤسس على ما سوف يقررانه، فى إلزام للمشرع وضبط اتجاهه، ليأتى متسقًا مع فلسفة الدستور، والانتقائية هنا مثيرة للريبة والشك، ويحسب فى هذه الحالة «مشروع تمييز» بجلاء. وكان يمكن للمشرع الخروج من هذا المأزق بإصداره ضمن مشروع لبناء دور العبادة.
ثالثًا: الإسهاب فى التعريفات الواردة فى المادة الأولى يجعلها على سبيل الحصر، ويفتح الباب لتدخل الإدارة خاصة فى مستوياتها الدنيا والمباشرة وما يصاحبه من تعنت وبيروقراطية فضلًا عن التطرف، وكان يجب إجمالها فى: «الكنيسة هى مكان معد للصلاة وإقامة الشعائر الدينية للمسيحيين طبقا لطقس وتنظيم المذاهب المختلفة والمبينة على الرسم الهندسى المقدم لاستخراج تراخيص البناء».
وفى المادة الثانية، مازال شرط تناسب مساحة الكنيسة مع عدد وحاجة المواطنين المسيحيين فى المنطقة يمثل عقبة، لأن العدد لا يصرح به من الأجهزة الرسمية، وهو مقسم بين المذاهب المختلفة، والحاجة شأن تقديرى لا تحكمه معايير موضوعية، وكلاهما يخضعان للجدل.
ولم يرد فى المواد 4 و5 أية إشارة إلى أنه فى حالة عدم الرد على الطلب بعد المدة المحددة يعد بمثابة موافقة، تلتزم الجهة الإدارية عنده بإصدار الترخيص المطلوب، وانتقدت المبادرة المصرية طريقة التعامل مع القانون التى غلب عليها استبعاد أصحاب المصلحة الحقيقيين وفرض أجواء من السرية على المناقشات بين الحكومة وممثلى الكنائس، وتحديدًا مع دائرة ضيقة من رجال الدين لا يزيد عددها على أصابع اليد الواحدة، مع تهميش الخبراء القانونيين وممثلى المجتمع المدنى، بل ونواب البرلمان أنفسهم. هذه الطريقة السرية تشير، برأى المبادرة، إلى أن القانون قد صدر لغرض شكلى، وهو استيفاء الاستحقاق الدستورى المنصوص عليه فى المادة 235 من باب الاحكام العامة والانتقالية، بغض النظر عن السعى لتحقيق مضمون هذا النص والهدف منه، هذا السلوك كذلك ينتهك حق المواطنين فى المعرفة، فقد تعاملت الحكومة على أن قيادات الكنائس الثلاث الكبرى هم المعنيون فقط بالقانون، فى حين أن قانونًا على هذه الدرجة من الخطورة يهم كل المواطنين وليس المسيحيين منهم فقط، وبالطبع ليس رجال الدين فقط.
ملاحظات «النور» على القانون
أكثر ما تعرض له هذا القانون إثارة للجدل والسخرية على مواقع الاتصال الاجتماعى ما أدلى به بعض أعضاء الهيئة البرلمانية لحزب النور السلفى، حيث أوردوا انتقادات لاذعة للقانون، من أن هذا القانون يهدد الهوية الإسلامية ويمثل طمسًا لها، ويعد برأيهم وسيلة محتملة فى المستقبل لاتساع سلطة ونفوذ الأقباط.
والواقع أن القانون مثله مثل كل القوانين المصرية يحمل بذور تفكيكه من الداخل، أو ربما يحمل نقلة نوعية مستقبلًا، لو تم التعامل بجدية مع محتواه، وتقرر إجراء إصلاحات تتصل بهذا المحتوى الملفت.
إن إقرار قانونين منفصلين لمعالجة موضوع واحد قد يحمل معانى يسعى المشرع بالأساس لتلافيها، أهمها هدفه الأساسى وهو المساواة بين المواطنين وتلافى الفتنة الطائفية.
وبالتالى فإن سياسة تنظيم الشأن الدينى فى البلدان العربية ومصر تنهض على الإعلاء من شأن الحفاظ على النسيج والسلم الاجتماعى على حساب حق حرية الاعتقاد والتعبير، فإن إنشاء قانونين مختلفين على هذا النحو يدلل على استهداف المشرع لموضوعين منفصلين: التطرف والفتنة الطائفية، خاصة لاختلاف إشكاليات كل طرف، ولا ينسى أن المشرع أراد استكمال ما نص عليه الدستور من قوانين ينبغى العمل عليها، وهى مهمة شاقة تحتاج لبذل جهود كبيرة للتوفيق بين القوانين المتنوعة ومشروعاتها المتداخلة كما بيّن الأستاذ كمال زاخر.
إن القول بأن الشروط الواردة فى المادة الأولى من القانون كما يذهب كمال زاخر تمثل عقبة بيروقراطية، هو قول غير دقيق، لأننا هنا أمام أكثر الشروط قابلية للمعاينة الموضوعية والمادية، بحيث يمكن للمتضرر اللجوء للقضاء للبت فيه، وإن بدا ذلك فى حد ذاته تزيدًا ممقوتًا. فالمسألة الأهم فى هذا السياق هو ربط شرط بناء الكنيسة بحسب التعداد السكانى للأقباط، وهو ما لم ينص عليه بالتحديد، فما هو العدد الممكن الذى نستطيع أن نقول بأن هذا العدد هو العدد الأمثل، إنها مسألة تقديرية، ويصعب تحديدها، فى ظل انتهاج الدولة المصرية للنهج الفرنسى من منع استعمال خانة الديانة فى الاستبيانات والمسوح الميدانية، بحيث يتم التعامل مع المواطنين سواسية.
هذا المستجد يفرض اشتمال المسوح والاستبيانات على بيان الديانة، بحيث يمكن تحديد بيان التعداد تفصيليا، ويمكن تفادى تقليل زمن جمع البيانات السكانية باللجوء للمعالجات والتقديرات الإحصائية بحسب آخر تعداد. ففى حالة رفض الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء للتعداد على أساس الديانة وغيره من الأجهزة المعنية بالبحث العلمى والقائمة به، هل سيظل الأمر على ما هو عليه؟ وفى حال إذا استمر الأمر كما هو، فإننا أمام مسألة تقديرية، لا يوجد سند موضوعى لها، فلو افترضنا أن أحد المحافظين قد تعنت فى رفض البناء تحت دعوى التعداد، فهل سوف يقوم المتضرر باللجوء للقضاء، وما هو السند الموضوعى له، ما لم تتوفر التعدادات المؤيدة له.
إن هذا ستكون له آثاره على المدى البعيد، ويحتاج منا لمزيد من النقاش العام، إن أردنا حقًا مواجهة قضايانا بجدية، وبذلك فإن عودة المتضرر للقضاء غير ممكنة، مع غياب التعداد، ما يجعل الأمر كله معلقًا على أساطيرنا القديمة: استناد الأقباط للكنيسة للدفاع عن حقوقهم لارتباطها التاريخى بالدولة، وليس القضاء، والاعتماد على طبيعة علاقة الدولة بالإسلام السياسى، وغياب التكوينات المدنية المدافعة عن حقوق الأقباط كمواطنين مصريين.
إن ما يفرضه القانون من تعديلات مستقبلًا يجلب علاقات جديدة، ويحقق مستوى متقدمًا فى علاقة الأطراف المختلفة فى السياسة الدينية، ولكن الأهم لو لم يتم ذلك، فإن هذا القانون سيظل قانونًا يؤسس لغياب المنظومة القضائية عن القضايا ذات الحساسية، ويبعدنا عن همنا الأساسى وهو ضرورة إصلاح المنظومة القضائية إصلاحًا يؤدى إلى العدالة الناجزة، دون طموح المواطنين إلى السياسات التقليدية فى مواجهة القضايا الملحة والعاجلة.

شارك