معركة تحرير الموصل وخرائط الصراعات في العراق

الخميس 10/نوفمبر/2016 - 02:09 م
طباعة معركة تحرير الموصل
 
د. محمد السعيد إدريس

اندلعت فجر الاثنين 17 أكتوبر 2016 عملية تحرير مدينة الموصل عاصمة محافظة نينوى، وهي العملية التي طال انتظارها من سيطرة تنظيم "داعش" الإرهابي الذي احتلها في 10 يونيو 2014 واتخذها عاصمة لدولته المزعومة التي حملت زوراً اسم "دولة الخلافة" أو "الدولة الإسلامية".

بدأت هذه العملية بمشاركة 30 ألفاً من عناصر الجيش والقوات الأمنية العراقية الحكومية وقوات البيشمركة الكردية التابعة لحكومة إقليم كردستان العراق برئاسة مسعود برزاني، وعدد من ميليشيات "الحشد الشعبي" الشيعية الموالية للحكومة العراقية والمدعومة من إيران، إضافة إلى قوات محلية تحمل اسم "قوات حرس نينوى" ويقودها اثيل النجيفي محافظ نينوى السابق، وهي القوات التي كان يطلق عليها اسم "الحشد الوطني" لتمييزها عن "الحشد الشعبي" الشيعية سيئة السمعة لدى سنة العراق بسبب ما اتهمت به من جرائم ارتكبتها أثناء وبعد تحرير مناطق سنية من احتلال ميليشيات "داعش" خاصة تكريت والرمادي والفلوجة. وتضم قوات "حرس نينوى" آلاف المتطوعين من أهالي الموصل (من السنة العرب والتركمان بصفة خاصة) ومن بينهم عناصر من الجيش والشرطة السابقة، وقد خضعوا للتدريب تحت إشراف القوات التركية في معسكرات "بعشيقة" شمال الموصل. إضافة بالطبع قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتمد بالأساس على القوة الجوية الأمريكية و4600 ضابط وجندي أمريكي من المرجح أن ينضم إليهم قريباً 600 من العسكريين الأمريكيين.

أعلن عن هذه العملية ببيان ألقاه حيدر العبادي رئيس الحكومة العراقية من مقر قيادة العمليات المشتركة فجر الاثنين (17/10/2016) بحضور رئيس الأركان العراقي وكبار القيادات العسكرية قال فيه أن "ساعة التحرير دقت واقتربت لحظة الانتصار الكبير بإرادة وعزيمة وسواعد العراقيين". كلمات لها مغزى وشديدة الارتباط بحالة صراع الإرادات حول من يشارك في معركة تحرير الموصل بين أطراف عراقية وأخرى إقليمية خاصة تركية وإيرانية، وهو صراع له علاقة مباشرة بخرائط النفوذ السياسية التي ستفرض نفسها بعد انتهاء معركة تحرير الموصل، وهي المعركة التي بدأت والتي يمكن أن تستمر لأسابيع وربما أكثر وفقاً لتقديرات الليفتنانت جنرال الأمريكي ستيفن ناونسند قائد قوات التحالف الدولي في العراق.

المقدمات والخواتيم

ليس في مقدور أحد أن يتوقع كيف ستنتهي معركة تحرير الموصل، رغم الأمنيات الطيبة التي وردت على لسان رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي ووزير الدفاع الأمريكي اشتون كارتر الذي كان قد أصدر بدوره بياناً تزامن مع بدء معركة تحرير الموصل جاء فيه أن "هذه لحظة حاسمة في الحملة لإلحاق هزيمة دائمة بتنظيم داعش"، مضيفاً: "إننا واثقون بان شركاءنا العراقيين سينتصرون في مواجهة عدونا المشترك وتحرير الموصل وباقي العراق من كراهية ووحشية تنظيم داعش".

هذه الأمنيات والنوايا الطيبة لا تكفي لحسم نتائج هذه المعركة خاصة وأنها قد بدأت في ظل أجواء شديدة التعقيد والكراهية بين كافة الأطراف العراقية والإقليمية على وجه الخصوص.

فقد فتحت استعدادات معركة تحرير الموصل أبواب الصراع بين كافة الأطراف الداخلية والخارجية على مصراعيها، ومعها بالطبع مستقبل العراق كله. لم تكن أطماع كل هذه الأطراف مكشوفة كما هي الآن ودون أية تحسبات أو تحفظات، والكل يأخذ من الموصل ومعركة تحريرها مدخلاً لتمرير أو حتى لفرض تلك الأطماع والمصالح التي ترسم في مجملها صورة أو خريطة شديدة القتامة للتحالفات الانتهازية العارية من الحد الأدنى من المبادئ والقيم.

صراعات نوري المالكي رئيس الحكومة السابق (رئيس تحالف دولة القانون – أكبر كتلة في البرلمان العراقي) مع حيدر العبادي رئيس الحكومة الحالية الذي ينتمي إلى حزب الدعوة الذي يقوده نوري المالكي تتصدر مشهد الصراعات خاصة أنها تتفاقم وتتسارع فكل منهما يحاول توظيف معركة تحرير الموصل لصالحه.

مخطط نوري المالكي لإزاحة حيدر العبادي عن رئاسة الحكومة حقق نجاحات ملحوظة، كان آخرها موافقة المحكمة الاتحادية العليا يوم الاثنين (9/10/2016) على عدم شرعية القرار الذي سبق أن استصدره حيدر العبادي بإلغاء منصب نواب الرئيس، ما يعني أن نوري المالكي سيعود مرة ثانية نائباً للرئيس ليقود بقوة معركة إسقاط حيدر العبادي وحكومته التي بدأها بإسقاط عضوية كل من وزيري الدفاع والمالية خالد العبيدي وهوشيار زيباري وسط معلومات كانت تقول أن نوري المالكي يستعد للعودة إلى رئاسة الحكومة العراقية في شكل انقلابي على حكومة حيدر العبادي بسحب الثقة من وزراء العبادي الواحد تلو الآخر ثم من العبادي شخصياً اعتماداً على كتلة كبيرة موالية من النواب داخل البرلمان اعتماداً على غالبية السياسيين الشيعة وعدد من السياسيين السنة المشاركين في العملية السياسية، ومع الجناح المتنفذ داخل الاتحاد الوطني الكردستاني.

خطة نوري المالكي للعودة إلى رئاسة الحكومة كانت تتضمن ممارسة ضغوط مكثفة للحيلولة دون حدوث معركة تحرير الموصل والسعي إلى تأجيلها لحين إسقاط حكومة العبادي وعودة المالكي إلى رئاسة الحكومة أملاً في أن يكون تحرير الموصل على أيدي حكومة نوري المالكي المأمولة، ليس هذا فقط بل وحرصاً على ضبط مخرجات عملية التحرير هذه بما يخدم المخططات الإيرانية والحشد الشعبي لفرض السيطرة على الموصل والتمدد نحو مناطق الحدود العراقية – السورية في ظل معلومات تروج إلى أن إيران، وحسب ما نشرته صحيفة الجارديان البريطانية، على وشك إكمال مشروعها الإستراتيجي بتأمين ممر بري يخترق العراق في نقطة الحدود بين البلدين، ثم شمال شرق سوريا إلى حلب وحمص وينتهي بميناء اللاذقية على البحر المتوسط.

وفي مواجهة هذا المخطط يحرص حيدر العبادي على الإمساك بخيوط القوة وقيادة معركة تحرير الموصل بالتحالف مع الولايات المتحدة وبالتنسيق مع مسعود برزاني حتى لو كلفه هذا التنسيق تقديم تنازلات خطيرة للأكراد في الموصل بل وإعطاء ضوء آخر لمسعى البرزاني تمكين الأكراد من حق تقرير المصير والاستقلال عن العراق.

زيارة مسعود برزاني لبغداد مصحوباً بوفد سياسي كردي عالي المستوى يضم قيادات من الأحزاب والكتل الكردية الحليفة كانت شديدة الدلالة على تحالف برزاني مع حيدر العبادي وحلفائه في بغداد ضد نوري المالكي. هذه الزيارة بحثت في أربعة قضايا هي حصة إقليم كردستان من الموازنة الاتحادية للعراق، والعلاقات بين إقليم كردستان والعراق وخاصة حق الكرد في تقرير مصيرهم، أما القضية الثالثة فكانت قضية النفط والغاز، وكانت الموصل ومعركة تحريرها هي القضية الرابعة والأهم.

أعطى برزاني والوفد الكردي المرافق أهمية قصوى لما أسموه بـ "حق الكرد كقومية في تقرير المصير باعتباره حقاً مشروعاً لكل قومية في العالم". وخرج بتعهد من حيدر العبادي مفاده أن "بغداد مستعدة لبحث أي قرار صادر عن الكرد سواء كان في جانب العيش والعمل معاً أو الاستقلال". أما بخصوص الموصل ومعركة تحريره، وقد تركزت النقاشات بين الطرفين حول إجابة السؤال المهم وهو: كيف ستدار المدينة بعد تحريرها، وتم التوصل إلى اتفاق سياسي بشأن إدارة الموصل. في حين تحدثت معلومات كردية أخرى عن وجود مقترح كردي عرضه مسعود برزاني خلال لقائه مع حيدر العبادي في بغداد يقضي بتقسيم المحافظة إلى ثلاث محافظات جديدة، وإجراء استفتاء يقرر فيه سكان هذه المحافظات الانضمام إلى إقليم كردستان أم لا.

التربص التركي بالعراق

هذه الصراعات والأطماع بين القوى الداخلية في الموصل لم تنافسها غير الأطماع الخارجية، أمريكية كانت أم تركية أم إيرانية.

وإذا كانت إيران كانت تركز على أدوار تقوم بها ميليشيات الحشد الشعبي لتأمين مصالحها في الموصل سواء من خلال حكومة حيدر العبادي أم حكومة أخرى بديلة يقودها نوري المالكي فإن الأمريكيين عبروا عن أطماعهم هم أيضاً في تثبيت وجودهم في عمق العراق وبالذات في قاعدة "الجيارة" العسكرية التي تم تحريرها قبل عدة أشهر والتي تبعد 58 كيلو متراً عن الموصل، وهي موقع استراتيجي شديد الأهمية لمواجهة أية طموحات إيرانية في العراق على حساب النفوذ والمصالح الأمريكية، التي يسعى الأمريكيون مجدداً إلى تثبيتها من خلال مشاركتهم وإشرافهم على معركة تحرير الموصل وتبني دعوة إبعاد الحشد الشعبي الموالي لطهران من المشاركة في هذه المعركة في محاولة لمحاصرة النفوذ الإيراني وتحجيمه مستقبلاً في الموصل.

أما تركيا فقد شاءت أن تتحدى الجميع بالإعلان صراحة عن إصرارها على إبقاء وجودها العسكري في "معسكر بعشيقة" شمال الموصل، والمشاركة في معركة تحريرها. فقد أكدت أنقرة وعلى لسان نعمان كورتولمويش نائب رئيس الوزراء والمتحدث باسم الحكومة أن "تركيا لن تسمح بجعل مسألة معسكر بعشيقة مثار نقاش، وأن الجميع يعلم أن الإدارة المحلية في شمال العراق وحكومة مسعود برزاني طلبت من الوحدات التركية تأهيل وتدريب القوات المحلية بهدف تحرير الموصل"، وزاد بقوله "لا يحق لأحد الاعتراض على وجود القوات التركية في بعشيقه، والعراق مقسم من الأساس". أما الرئيس التركي ورئيس حكومته بن علي يلدريم فكانا أكثر صراحة في الكشف عن النوايا التركية في الموصل ففي حين اكتفى بن علي يلدريم من التحذير من مخاطر اندلاع حرب طائفية – عرقية إذا شاركت ميليشيات الحشد الشعبي في تحرير الموصل كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أكثر صراحة عندما أكد حرصه على "عدم السماح بأي سيادة طائفية على الموصل"، ومضيفاً أن "الموصل لأهل الموصل وتلعرف (مدينة قرب الموصل يقطنها التركمان) لأهل تلعرف، ولا يحق لأحد أن يأتي ويدخل هذه المناطق"، مؤكداً أنه "يجب أن يبقى في الموصل بعد تحريرها أهاليها فقط من السنة العرب ومن السنة التركمان ومن السنة الأكراد، ولا يجب أن يدخل الحشد الشعبي للموصل".

الرئيس التركي لم يكتف بذلك لكنه وقبيل اندلاع معركة تحرير الموصل بأيام قليلة قرر أن يدخل في مواجهة مكشوفة مع حيدر العبادي رئيس الحكومة العراقية ومن خلفه إيران بالطبع، لكن المهم أنه في هذه المواجهة يرتكز على شبه إجماع وطني تشارك فيه المعارضة التركية في معركة يبدو أنها أصبحت وطنية قومية في ظل ما تواجهه تركيا من ضغوط الأزمة السورية ليس فقط على المستوى الإقليمي بل والداخلي في ظل الخطر الكردي المتصاعد من رحم هذه الأزمة.

فقد خرج الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن الأعراف الدبلوماسية عندما شن هجوماً شرساً وشخصياً على رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي وأمام حضور كبير من المشاركين في القمة التاسعة للمجلس الإسلامي في اسطنبول (11/10/2016)، وخاطبه بلغة انفعالية غير مسبوقة قائلاً له وبصوت عال: "من أنت.. أعرف حجمك.. أنت لست نظيري.. عليك أن تعلم إننا سنفعل ما نريد أن نفعله".

هذا الانفعال جاء رداً على مطالبة العبادي بانسحاب أكثر من ألف جنيدي وخبير عسكري تركي من قاعدة "بعشيقة" شمال الموصل وتأييد البرلمان العراقي بالإجماع وبكل مكوناته الطائفية السنية والشيعية، والعرقية الكردية واليزيدية والمسيحية والتركستانية والعربية بالطبع لهذا الطلب ووصف هذه القوات بأنها "قوات احتلال".

الرد العراقي الرسمي جاء "متزناً" و"أقل انفعالية" حسب وصف المراقبين وعلى لسان المتحدث باسم الحكومة الذي أسف لتصريحات أردوغان التي تشخصن المشكلة وتبعدها عن جوانبها القانونية، في حين جاء الرد الساخن من جانب هيئة "الحشد الشعبي" التي توعدت في بيان لها بـ "رد مزلزل في الميدان" في حين كان بيان رئيس الحكومة الذي أعلن فيه بدء عملية تحرير الموصل الأكثر دقة في مغزاه ومعانيه عندما أكد أن العراقيين هم من سيحررون الموصل، لكن الأهم ما أضافه بعد ذلك من ضمانة للجميع بأن "القوات التي ستدخل الموصل ستكون الجيش والشرطة العراقية فقط" في توضيح يحمل نفياً لأي احتمال لدخول قوات "الحشد الشعبي" إلى داخل المدينة، في حرص على تجنب حدوث أية احتكاكات طائفية خاصة وأن بعض الأطراف العربية المناوئة للحكومة العراقية ارتفع صوتها بالترويج لـ "بحور من الدماء سوف تسيل مع دخول الميليشيات إلى الموصل" وهو التحذير ذاته الذي سيطر على الخطاب السياسي التركي.

هذا التوجه التركي نحو العراق ونحو عملية تحرير الموصل تتابعه إيران عن كثب ويجد أصداءه قوية داخل العراق، وحتماً ستكون له تداعياته على تطورات عملية تحرير الموصل ومن بعدها ما سوف تؤول إليه هذه العملية التي ستحدد معالم خرائط صراع كل تلك الأطراف في العراق، في ظل إصرار تركي على فرض النفوذ العسكري والسياسي في شمال الموصل وبالذات في بعشيقه، وفي ظل إصرار إيراني على مواصلة التحدي لتركيا عبر قوات "الحشد الشعبي" الشيعية التي بدأت تتجه نحو مدينة "تلعفر" التي تعتبرها تركيا خطاً أحمر، أمام إيران والحشد الشعبي الذي يبرر توجهه نحو تلعفر بالحرص على إحكام محاصرة ميليشيات "داعش" داخل الموصل ومنع فرارها نحو الصحراء خشية التوجه نحو سوريا.

الصراع التركي – الإيراني لم يكن أبداً على هذا النحو في العراق، ربما بسبب ما تشعر به تركيا من ضعف فرص تواجدها في سوريا. لكن النفوذ الإيراني القوي في العراق يواجه حصاراً أمريكياً غير مسبوق في ظل حرص أمريكي جديد على تكثيف الوجود الأمريكي عسكرياً وسياسياً في العراق باعتباره ساحة الانتصار الوحيدة المتاحة لإدارة باراك أوباما بعد عجزها الهائل أمام روسيا في سوريا، صراع يتفاقم في العراق له امتداداته في سوريا بقدر ما يكشف عن أطماع كل تلك القوى بشكل ما يحدد معالم الخرائط السياسية الجديدة في العراق وسوريا.

شارك