أزمة الديمقراطية في عالم مضطرب

الثلاثاء 15/نوفمبر/2016 - 03:02 م
طباعة أزمة الديمقراطية
 
إبرهيم نوار

يعيش العالم حالة اضطراب غير مسبوقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد بدأت ملامح حالة الإضطراب هذه في التشكل منذ أواخر القرن الماضي؛ فمع انهيار سور برلين وإعادة توحيد ألمانيا وسقوط حلف وارسو وتفكك الإتحاد السوفييتي وتوسيع الإتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلنطي وتعرض الولايات المتحدة لهجمات سبتمبر 2001 ثم حرب أفغانستان وغزو العراق وتبني السياسة الخارجية الأمريكية رسمياً مبدأ تغيير الأنظمة في الشرق الأوسط وغيره من المناطق بدعوى نشر الديمقراطية، سقطت الكثير من أعمدة النظام العالمي الذي نشأ عام 1945 بعد الحرب العالمية الثانية، كما انتهت الحرب الباردة بين المعسكرين الكبيرين الرأسمالي والإشتراكي بانتصار النظام الأول مما فتح الأبواب لموجة عالية من العولمة اتخذت مساراً قوياً خصوصاً مع انضمام الصين لمنظمة التجارة العالمية عام 2001.

وعلى الرغم من أن كل هذه التطورات كان من المفترض أن تسهم في تعزيز قوة النظام الليبرالي القائم على حرية السوق وحرية التجارة العالمية والحدود المفتوحة نسبياً لانتقال التكنولوجيا والإستثمارات وسيادة القانون واحترام مبادئ حقوق الإنسان، إلا أن بعض التطورات التي طغت بملامحها على الأشهر الأخيرة تضع النظام العالمي الليبرالي محل تساؤل، وتهدد بانحسار موجة العولمة، وتزيد من مخاطر الإنتكاس إلى سياسات حمائية وحدود مغلقة ليس أمام حركة البضائع ورؤوس الأموال فقط، ولكن أيضاً ضد حركة انتقال الأفراد.

وتبدو هذه المخاطر جلية في أوروبا الغربية والولايات المتحدة فيما يتعلق بسياسات الهجرة والحقوق والحريات الفردية والتفاوت الإقتصادي والإجتماعي. وكان من نتائج هذه التطور انبعاث موجة سياسية "شعبوية" (populist) تجري في سياق الوعي المتدني لبعض القطاعات الإجتماعية وتحاول تملق هذه القطاعات والإدعاء بتمثيل مصالحها. وتعكس شعارات هذه الموجة السياسية "الشعبوية" تراجعاً خطيراً عن مبادئ وأسس النظام الليبرالي العالمي ومنظومة القيم الإنسانية والسياسية السائدة منذ عام 1945 والتي تأكد انتصارها بعد نهاية الحرب الباردة.

وقد سجلت "الشعبوية" صعوداً سريعاً على جانبي المحيط الأطلنطي (مركز الحضارة العالمية حتى الآن) في الأشهر الأخيرة، فرأينا التصويت بنعم على خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي، ورأينا صعود شعبية اليمين القومي في فرنسا وألمانيا، وقبل ذلك رأينا انتخاب حكومة يمينية قومية النزعة في بولندا، ثم نحن نتابع حالياً ظاهرة دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية. وأستطيع القول، معتمداً على متابعات دقيقة للخطاب السياسي الشعبوي على جانبي الأطلنطي، إن أهم ملامح السياسة "الشعبوية" للتيار الذي يهدد الديمقراطية بمعناها الإنساني تتمثل في معاداة الأجانب (anti-foreigners)، والميل لوقف الهجرة من الخارج (anti-immigration)، يتبنى النزعة التجارية الحمائية (protectionism)، وإغلاق الحدود في وجه المسافرين وفرض قيود ثقيلة على حركة العبور بين الحدود والانعزالية في العلاقات الدولية (isolationism)، وهو ما يهدد بتقويض النظام الديمقراطي والعودة إلى نظام سياسي شمولي (totalitarian) معادي للحريات الفردية وقمعي (repressive).

وفي تقرير استقصائي أخير نشرته صحيفة واشنطن بوست الأمريكية يوم 12 أكتوبر الحالي أن عدد الأسوار المقامة على الحدود التي تفصل بين دول العالم قد زاد مما لا يزيد عن عدد أصابع اليدين بعد الحرب العالمية الثانية إلى ما يزيد عن 63 سوراً فاصلاً في الوقت الحاضر تتراوح بين الأسوار المقامة بالأسلاك الشائكة إلى الأسوار المقامة بالخرسانة المسلحة إلى الأسوار المكهربة والإليكترونية. وقد سجل التقرير زيادة سريعة في عدد هذه الأسوار في الآونة الأخيرة خصوصاً في دول البوابات المؤدية إلى أوروبا مثل دول البلقان وشرق أوروبا. وقد ازدهرت سياسة الأسوار العازلة والمكهربة في إسرئيل التي تحيط نفسها بأسوار وخنادق بينها وبين جيرانها، إضافة إلى الأسوار الأخرى القائمة بين بعض الدول العربية ومن آخرها السور الحدودي بين السعودية واليمن والسور الحدودي بين تونس وليبيا.

ولا شك أن دعوة دونالد ترامب إلى إقامة سور يفصل بين الولايات المتحدة والمكسيك (وهما دولتان تجمعهما مع كندا إتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية- نافتا) يمثل نموذجاً من نماذج الشعارات الشعبوية الحمقاء التي تجتاج أوساطاً سياسية وقطاعات اجتماعية مختلفة في بلدان أوروبا والولايات المتحدة. إن هذه الشعارات أو السياسات "الشعبوية" تعكس وعياً رجعياً يريد أن يعود بالعالم إلى الخلف بدلاً من أن يتقدم به للأمام. ومن الثابت في دراسات كثيرة جرت في الولايات المتحدة أن الهجرة من الخارج تمثل أحد محركات النمو هناك. وأكدت دراسة أخيرة عن الإقتصاد الأمريكي والتحديات التي ستواجه الرئيس الجديد في البيت الأبيض أجرتها مؤسسة راند الأمريكية أن المهاجرين الأجانب يلعبون دوراً حيوياً في النمو الإقتصادي والإجتماعي بما يحملونه معهم من مهارات ومعارف وأموال. كذلك أثبتت الدراسة نفسها أن سياسة الهجرة واستقبال المهاجرين في الولايات المتحدة تلعب أيضاً دوراً ديموجرافياً شديد الأهمية من حيث المحافظة على سلامة الهرم السكاني والحيلولة دون تحويله إلى هرم مقلوب ترتفع فيه نسبة كبار السن. وتعتبر مشكلة الهرم السكاني المقلوب الذي ترتفع فيه نسبة كبار السن واحداً من أشد عوائق النمو صعوبة في عدد من الدول الصناعية المتقدمة على رأسها اليابان، وهي تتسبب في زيادة الإنفاق الإجتماعي على كبار السن وارتفاع نسبة الإنفاق على الرعاية الصحية لأعداد متزايدة من المواطنين الذين تجاوزوا سن العمل وبلغوا مرحلة التقاعد بما تحتاج إليه من رعاية خاصة لا تقابلها زيادة مماثلة في معدلات نمو الإنتاج.  

ونظرا لخطورة "الشعبوية" فإن عدداً من الأكاديميين خصوصاً في الولايات المتحدة يعكف الآن على دراسة هذه الظاهرة سواء في نسختها الأمريكية، شعارات المرشح الرئاسي دونالد ترامب، أو في نسختها البريطانية (بوريس جونسون- وزير الخارجية الحالي وأحد أهم دعاة الخروج من الإتحاد الأوروبي)، وغيرهما مثل قيادات التيارات القومية واليمينية المتطرفة في أوروبا الغربية والشرقية. ومن أهم المساهمات التي تم تقديمها في هذا الموضوع دراسة عالم الإقتصاد الأمريكي أنجوس ديتون (الحائز على جائزة نوبل للإقتصاد عام 2015) ودراسة عالمي السياسة الأمريكيين رونالد إنجيلهارت (جامعة ميتشجان) وبيبا نوريس (جامعة هارفارد)، ودراسة جوزيف نايي مساعد وزير الدفاع الأمريكي سابقا والأستاذ حالياً في جامعة هارفارد التي قدمها في كتاب بعنوان "مستقبل القوة"، إضافة إلى دراسات ومقالات أخرى أجراها علماء متميزون منهم جوزيف ستيجليتز في دراسته الأخيرة عن أزمة اليورو ومقاله المهم الذي يفسر فيه العوامل التي أدت إلى إنتاج "ظاهرة ترامب".

وتتفق هذه الدراسات في نقطتين أساسيتين، الأولى أنه من السابق لأوانه القول بانهيار النظام العالمي الذي تأسس عام 1945 على أسس الليبرالية والحرية الإقتصادية، والثانية هي أن هناك بالفعل عوامل قوية تحرك عناصر الكراهية لهذا النظام الليبرالي من أهمها تركز الثروة والتفاوت الإقتصادي والإجتماعي وفشل المجتمعات الغربية في التعامل مع التنوع الثقافي الذي جعل نسيج المجتمعات الغربية في الوقت الحالي يختلف كثيراً عما كان عليه بعد الحرب العالمية الثانية. وقد استنتج جوزيف ستيجليتز أنه أصبح من الضروري إعادة كتابة قواعد النظام الإقتصادي العالمي من جديد، ونبه خطورة السياسات الإقتصادية النيوليبرالية التي سادت في العقود الأربعة الأخيرة.

دفاع عن العولمة

قدم عالم الاقتصاد الأمريكي أنجوس ديتون دفاعاً قوياً عن العولمة مؤكدا أنه على الرغم من كل العيوب التي تشوب النظام العالمي بسبب العولمة إلا أننا يجب ألا ننسى أنه بسبب العولمة إستطاع أكثر من مليار شخص في العالم الخروج من دائرة الفقر.

ونحن نقول أن نمط النمو المعولم قد أتاح لقطاعات الأعمال في كثير من الدول النامية والفقيرة تحقيق قفزات في نمو الإنتاجية ومستوى التكنولوجيا وجودة المخرجات الصناعية أو الخدمية بما ساعدها على الدخول في حلبة المنافسة على المستوى العالمي. وما كانت هذه القطاعات لتقدر على اقتحام الأسواق العالمية بدون آليات مثل سلاسل القيمة العالمية (global value chains) أو سلاسل التجارة والتسويق على المستوى العالمي. أضف إلى ذلك أن أحد المعالم المؤسسية للعولمة على المستوى الإقتصادي تتمثل في تغيير محتوى آليات الإندماج الإقتصادي من آليات حمائية إلى آليات لتحرير الأسواق، وقد ضمت البنى المؤسسية لتجارب الإندماج الإقتصادي الجديدة منذ نهاية الحرب الباردة دولاً نامية جنباً إلى جنب مع دول متقدمة، وذلك على عكس ما كان عليه الحال عند نشأة تجارب الإندماج الإقتصادي في صورها الأولى خصوصاً في أوروبا عندما اقتصرت فقط على الدول المتشابهة في هياكلها الإقتصادية وفي درجات نموها. ففي داخل الإتحاد الأوروبي نجد دولاً مثل قبرص ورومانيا وألبانيا مثلاً إلى جانب دول صناعية متقدمة مثل ألمانيا وفرنسا وهولندا. وفي داخل مجموعات إقليمية أخرى مثل آسيان والمنتدى الإقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي، نجد دولاً مثل فيتنام وكمبوديا وتايلاند تجاور دولاً أخرى أكثر تقدماً مثل اليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة وآستراليا. إن العولمة ليست شراً بأكملها، لكنها جاءت معها بالتأكيد ببعض السلبيات.

ومن أخطر المظاهر السلبية التي ترافقت مع العولمة بعد انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في العام 2001 أن تحرير التجارة العالمية سمح للصين باكتساح أسواق كثيرة في العالم مما ترك آثاراً سلبية على فرص العمل المتاحة خصوصاً في القطاعات الصناعية. وتقدر دراسات أجريت في الولايات المتحدة الأمريكية أن الواردات السلعية من الصين خلال الفترة منذ العام 1999 وحتى 2011 قد كلفت قطاع الصناعات التحويلية في الولايات المتحدة وقطاعات التجارة والتسويق والخدمات الصناعية والتجارية ما يقرب من 2.4 مليون وظيفة بمعدل 200 ألف وظيفة سنوياً.

ونظراً لتعرض الولايات المتحدة وأوروبا لعدد من دورات الركود أو الإنكماش كان أخطرها الكساد الإقتصادي والمالي في الفترة 2007/ 2008 وما تلاها من ضعف معدلات النمو، فإن أعداد العاطلين، خصوصاً بين الأوروبيين والأمريكيين البيض راحت تزيد بسرعة. وقد صاحبت هذه الزيادة ميول سياسية واجتماعية متطرفة ضد غير الأوروبيين والأقليات. وتؤكد استطلاعات الرأي العام في السباق الإنتخابي الرئاسي في الولايات المتحدة أن القاعدة الإجتماعية المؤيدة للمرشح الجمهوري دونالد ترامب تتسع في أوساط العاطلين عن العمل وكبار السن من الأمريكيين البيض محدودي التعليم والثقافة، وأن تأييده يقل إلى درجة كبيرة في أوساط المتعلمين والمهنيين والشباب والمرأة والأقليات.

ومع ذلك فإن المشاعر السلبية المعادية للعولمة ربما يحركها أيضاً فهم محدود أو خاطئ لطبيعة التطور الإقتصادي على المستوى العالمي منذ أصبحت التكنولوجيا وليس العمل ورأس المال هي قاطرة النمو الأولى حسبما أوضح عالم الإقتصاد الأمريكي روبرت سولو في دراساته عن إنتاجية العوامل الكلية (totalfactor productivity). وقد أشارت دراسة مستقبلية أجريت في جامعة أكسفورد (سبتمبر 2013) أن ما يقرب من نصف الوظائف البشرية المصنفة حالياً في قطاعات الإقتصاد العالمي ستتعرض لخطر الإندثار في عشرينات القرن الحالي بسبب التوسع الهائل في استخدام الآلات وأجهزة الروبوت. وذكرت الدراسة أن هذه الوظائف تتركز في قطاعات الخدمات المهنية مثل المحاسبة والقانون والسكرتارية والنقل. وقدرت الدراسة أن عدد الوظائف المهددة في الولايات المتحدة وحدها يصل إلى 3 ملايين وظيفة.

ومن المعروف حالياً أن أنظمة الروبوت أو ما نطلق عليه "الإنسان الآلي" قد اتسع نطاق استخدامها إلى حد كبير خصوصاً في اليابان وفي الولايات المتحدة وأوروبا. وفي الغد القريب ستكون السيارات والقطارات ذاتية القيادة ظاهرة مسيطرة في قطاع النقل، كما سيتسع استخدام أجهزة الروبوت في عمليات الإنتاج الصناعي والخدمي مما سيؤدي إلى اندثار ملايين الوظائف، حتى في الصناعات التحويلية القائدة مثل صناعات الإليكترونيات وصناعات الطاقة المتقدمة.

إن اتهام العولمة بأنها سبب كل الشرور إنما يعكس فهماً قاصراً لمحركات النمو في العالم. وإذا اعتمدنا على إحصاءات البنك الدولي فإننا سنجد أن قيمة إجمالي الناتج المحلي للعالم زادت من 1.1 تريليون دولار في العام 1900 إلى أكثر من 80 تريليون دولار في الوقت الحالي (بأسعار الدولار عام 1990) وهو ما يعني إن التوسع في تحرير الأسواق والتجارة والاستثمار ترك آثاراً إيجابية واسعة النطاق وزاد من مستوى الرفاهية العالمي بشكل عام؛ ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال زاد  الناتج القومي للفرد إلى حوالي 53 ألف دولار سنوياً في الوقت الحالي وهو ما يعال 10 أمثال ما كان عليه في العام 1960. كذلك تظهر الإحصاءات أن التقدم التكنولوجي الذي تحقق في العقود القليلة الماضية ساعد على سرعة معدلات نمو الإنتاجية، فقد زادت الإنتاجية في قطاعات الإنتاج والخدمات بنسبة تصل إلى 250% على المستوى العالمي منذ العام 1970 وحتى الآن.

خطورة التفاوت

يعتبر التفاوت الإقتصادي والإجتماعي وعدم الإنسجام الثقافي من الظواهر الخطيرة التي تهدد الاستقرار العالمي خصوصاً في الدول المتقدمة، وهذه الظواهر تمثل في واقع الأمر المصدر الأساسي الذي تستمد منه السياسات "الشعبوية" قوتها ودينامياتها. ويؤكد جوزيف ناي الأستاذ في جامعة هارفارد أنه حتى لو افترضنا أن العولمة لم تحدث على الإطلاق، فإن التغيرات الثقافية والديموجرافية والإجتماعية كانت ستلعب الدور الكبير في تغذية النزعة السياسية "الشعبوية" وعدم التعاطف مع المؤسسات الرسمية القائمة. وقد أوضحت الدراسات التي قدمها في السنوات الأخيرة علماء اقتصاد بارزين مثل توماس بيكيتي وإيمانويل سايز وتوني أتكينسون وجوزيف ستيجليتز أن الديمقراطية الغربية أصبحت في خطر، وإن النظام الرأسمالي القائم على المنافسة يتقهقر إلى أصوله الإقطاعية البطريركية بسبب ازدياد حدة التفاوت الإقتصادي والإجتماعي.

وقد حذرت دراسات لمؤسسات اقتصادية عالمية رصينة مثل صندوق النقد الدولي ومؤسسة ستاندارد آند بوورز من خطورة التأثير السلبي للتفاوت على معدلات النمو الاقتصادي العالمي. وقدرت دراسة أصدرها معهد ماكينزي العالمي أن التفاوت الإقتصادي والإجتماعي يزداد حدة في الولايات المتحدة، وكشفت الأرقام الواردة في الدراسة أن 80% من العائلات الأمريكية لم يتغير دخلها الحقيقي بين عامي 2009 و2016 أو ربما انخفض دخلها الحقيقي عما كان عليه. ولم تقتصر تلك النتائج على الولايات المتحدة فقط بل إنها أكدت أن الإستنتاج نفسه ينطبق على 90% من العائلات في إيطاليا ونحو 70% من العائلات في بريطانيا. إن المجتمع الذي وصفته حركة "إحتلوا وول ستريت" في الولايات المتحدة بأنه مجتمع الـ 1% الذي يعاني بسببه 99% من البطالة والفقر وانخفاض مستوى المعيشة يمثل أخطر تهديد للديمقراطية الغربية. ويقرر جوزيف ناي أن بطء النمو الإقتصادي وزيادة حدة التفاوت، والفشل في دمج الأقليات الثقافية بما ذلك المسلمين قد أدى إلى صب الزيت على النار سياسياً وأشعل موجة من الكراهية للمؤسسات وللنخب السياسية التقليدية.

إن عملية صنع السياسة على أساس ديمقراطي في مجتمعات متجانسة عرقياً واجتماعياً وثقافياً تختلف عنها في المجتمعات المتنوعة الأعراق والديانات والثقافات، وهذه هي المحنة السياسية التي تواجهها أوروبا حالياً، والتي تهدد الديمقراطية في الولايات المتحدة في الوقت نفسه. لقد قامت الديمقراطية الغربية على أساس مبادئ الحرية والعدل والمساواة. وفي الولايات المتحدة حيث ينص الدستور على المساواة بين الأفراد فإن المرشح الجمهوري دونالد ترامب فاجأ العالم أجمع وفي مقدمته الرأي العام الأمريكي بإثارة تساولات عن جدوى وصلاحية "شهادة الميلاد" في تحقيق وضمان المساواة بين الأفراد، وكأنما حق المواطنة لا يكتسب بالميلاد ولكن بالأصل! ولم يتوقف ترامب عند ذلك الحد عندما قام بتشخيص ما يدعو إليه من انتقاص حقوق الأفراد فضرب مثلاً بالرئيس الأمريكي باراك أوباما أول رئيس من أصل أفريقي للولايات المتحدة الأمريكية! ويعتقد ترامب الشعبوي أن شهادة ميلاد أوباما ما كان يجب أن تمنحه صلاحية الترشح لرئاسة أقوى دولة في العالم. ومضى ترامب إلى اتهام هيلاري كلينتون بعدم الصلاحية للترشح لمنافسته لأنها امرأة!.

إن هذه "الشعبوية" التي يثير غبارها المرشح الجمهوري الأمريكي تجد نظراء لها في أكثر من مكان خارج الولايات المتحدة، فمثلما يهدد ترامب بوضع المختلفين معه في "السجن"، فإن حكومة بولندا الحالية (التي تم تشكيلها بعد الإنتخابات النيابية التي جرت في أكتوبر من العام الماضي 2015) تردد الشعار نفسه وترهب المعارضين لها بوضعهم في السجون، كما تفرض قيودا ثقيلة على الصحافة البولندية فيما يتعلق بحريات التعبير والنشر.

إن العوامل المغذية للإحباط السياسي والإقتصادي والثقافي والمعنوي تهدد أسس النظام الديمقراطي والقيم الليبرالية المبنية على تقديم حقوق الأفراد على ما عداها. وبسبب الإحباط فإن قطاعات أكبر نسبياً من الناخبين أصبحت تميل للتصويت ضد النظام الليبرالي وضد العولمة. ففي بريطانيا صوتت أغلبية ضئيلة للخروج من الإتحاد الأوروبي، وفي فرنسا أشعل اليمين القومي المتطرف حرباً ضد المهاجرين اللاجئين من دول أفريقيا والشرق الأوسط، وفي المجر أقامت الحكومة سوراً لمنع المهاجرين من العبور. وفي غير ذلك من مجالات العلاقات الدولية تبدو حرية التجارة مهددة أكثر من أي وقت مضى في العقود الأخيرة، كما يزيد الخوف من "الآخر" بشكل عام.

إن النظام العالمي يتعرض لهزات شديدة في الوقت الحاضر. وبسبب الإحباط فقد انخفضت الثقة في مؤسسات النظام وفي النخبة التي تقوده. ومن السهل في حالات مثل تلك أن ينطلق تيار سياسي مدمر يحاول العودة بالعالم إلى عصور الظلام والحروب المخيفة. وعلى الرغم من وجود زعماء سياسيين يتحلون بالحكمة والتجربة العميقة (خصوصاً من أولئك الذين أسهموا في صنع النظام الليبرالي بعد الحرب العالمية الثانية الذين لايزالون على قيد الحياة)، فإن عدم الثقة في المؤسسات وفي النخب الحاكمة يجد خطوطاً للإمداد مستمرة وغنية بسبب التفاوت والفساد وانتشار البطالة وبطء معدلات النمو والتباين الثقافي. لذلك، فإن العالم أصبح الآن في حاجة ماسة إلى مقتربات جديدة ومبتكرة لمواجهة ظاهرة "الإحباط" خصوصاً بين الشباب في المجتعات الغربية الصناعية وفي غيرها من مجتمعات الدول النامية. لقد تنازل الأفراد بعد أحداث 11 سبتمبر عن الكثير من حرياتهم الفردية طلباً للمزيد من الأمان والحماية من مخاطر الإرهاب، لكن هؤلاء الأفراد لم يحصلوا من الحكومات أو الدول على مكافأة تساوي ما تخلوا عنه من حقوق وحريات، بل على العكس من ذلك فإن معاناة الأفراد زادت بسبب البطالة والتفاوت والإهمال السياسي من جانب النخب الحاكمة.

لقد دخلت الديمقراطية الغربية مرحلة الأزمة بالفعل، ومن الضروري البحث عن حل للخروج من هذه الأزمة، لأن سقوط الديمقراطية سيؤدي إلى وقوع العالم في قبضة شلة من الحمقى الشعبويين والقادة المستبدين، الذين يقيمون اختياراتهم وقراراتهم على أسس أوتوقراطية، قد يدفعون العالم إلى حافة الحرب والدمار. وليس من المنطقي أن نفترض أبدا أن هذه الأزمة تتعلق بالمجتمعات الغربية أو بالدول الصناعية المتقدمة فقط، لأننا جميعا شمالاً وجنوباً، وشرقاً وغرباً، شركاء في صنع الحضارة الإنسانية التي تواجه الآن تحديات ضخمة لن يمكن لدولة واحدة أو لمجموعة من الدول وحدها مواجهتها مثل ضمان رفاهية البشر والمحافظة على البيئة وعلى سلامة الكوكب الذي نعيش عليه وحمايته من الدمار.

شارك