الأوضاع الطبقية بعد قرارات الإصلاح الاقتصادي في مصر

السبت 19/نوفمبر/2016 - 01:06 م
طباعة  الأوضاع الطبقية
 
د.أحمد موسى بدوي

بين عشية وضحاها فقد العامل المصري أكثر من نصف قيمة دخله الشهري، جراء قرار البنك المركزي الحتمي بتحرير سعر الصرف، مصحوباً بقرارات أخرى تدشن لسياسة إقتصادية جديدة. ما أدى إلى موجة تضخمية عاتية تضرب أصحاب الدخول الصغيرة والمتوسطة في مصر، مؤثرة بكل تأكيد على الأوضاع الطبقية في المجتمع المصري. ولا نستهدف في هذا المقال مناقشة مجمل الآثار الاجتماعية المترتبة على القرارات الاقتصادية الأخيرة، وإنما الإجابة على السؤال ما أثر ذلك على الأوضاع الطبقية، وكيف نفهم هذا التأثير في ضوء افتراضين: أن نجاح القرارات المذكورة في الدفع بعجلة النمو الاقتصادي يؤدي إلى حراك جماعي صاعد وانقسام طبقي ايجابي، وفي حال فشل هذه السياسات، ينعكس اتجاه الحراك إلى الأسفل ويحدث انكماش طبقي منذر بالخطر.

أولاً- الدوائر الطبقية بدلاً من الهرم الطبقي

        الطبقة الاجتماعية ما هي إلا وعاء حضاري، تشغله فئات إجتماعية في حالة سيولة، بمعنى أن الطبقة دائماً ما تكون في استقبال أفراد ووداع آخرين. وقليل من الأفراد من يكتب عليه البقاء في وعاء طبقي واحد للأبد، مثل من هم في أدنى التركيب الطبقي، كبعض الفئات الكادحة والمهمشة – الموصومة إجتماعياً- التي لا تستطيع الفكاك من أسر أوضاعها الطبقية، ومثل من هم في قمة التركيب الاجتماعي، كبعض الفئات التي تكتسب أوضاعها الطبقية بالوراثة، أما الغالبية العظمى من أفراد المجتمع، فإنهم في حراك دائم صعوداً أو هبوطاً.

وقد جرت العادة على تمثيل الأوضاع الطبقية في مجتمع ما بهرم متدرج قاعدته الطبقة الفلاحية والعاملة وقمته الطبقة المركزية، وهو تمثيل جامد لا يظهر طبيعة التفاعلات بين الطبقات، بقدر ما يجسد التراتب والانفصال. وسوف نستبدل هذه العادة بتمثيل الأوضاع الطبقية تمثيلاً دائرياً.

تخيل معي: الأوعية الطبقية كأحياء سكنية دائرية التصميم، بعضها حول بعض، الدائرة المركزية فيه هي الأصغر حجماً والأكثر تأثيراً تمثل الطبقة المركزية المتحكمة. وعلى هامش الدوائر عشوائيات، تضم الطبقة الكادحة والفئات اللاطبقية (التي لا تملك عملاً رسمياً دائماً خاصاً أو عاماً) ثم دائرة الطبقة العاملة، فدوائر الطبقة الوسطى، وصولاً إلى الدائرة الضيقة. كل دائرة من هذه الدوائر، لها خصائص وسمات إقتصادية وثقافية وإجتماعية شبه ثابتة. يتغير عليها الأفراد وهي باقية، وعندما يحدث حراك للأفراد من طبقة إلى طبقة أخرى، فإنهم لا يحملون خصائصهم الطبقية القديمة، بل يحرصون على التحرر والتنكر منها، حتى يتمكنوا من تمثل الشروط الحضارية للوعاء أو الدائرة الطبقية التي  ينتقلون إليه، وأحياناً يتقمصون هذه الخصائص حتى قبل أن يتحولوا فعلياً إلى أعضاء في الطبقة الجديدة. إذا كان الأمر كذلك، فكيف يحدث الانكماش الطبقي أو الانقسام الطبقي؟

ثانياً- افتراض نجاح السياسيات الاقتصادية في دفع عجلة التنمية الشاملة

في حال نجاح هذه السياسات في تعويم الاقتصاد المصري وزيادة معدل النمو الاقتصادي، ثم استغلال هذا النمو في مشروعات التنمية الشاملة، ومراعاة توزيع عوائد التنمية بطريقة عادلة تترجم ما جاء في الدستور المصري الجديد، فإن ذلك سينعكس بالتأكيد على كافة مجالات الحياة، وهنا يتمكن المجتمع بصفة عامة من تطوير خصائصه الحضارية (تحديث نظمه الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية).

نعود للدوائر، فنجد أن دائرة العشوائيات التي تضم الكادحين والفئات اللاطبقية قد انكمشت أو اختفت من الوجود – كما اختفى معسكر كاليه في فرنسا منذ أسابيع- وينتقل هؤلاء بعد تحسن أحوالهم إلى الدائرة الطبقية التالية. وهكذا يؤدي الانتعاش التنموي الشامل إلى تغيير في أوضاع كافة الأفراد، خاصة دوائر الطبقة الوسطى. ولا تنتهي القصة عند هذا الحد. لكن من الممكن أن تولد دوائر طبقية جديدة، كيف ذلك؟

        عندما تنضج عملية التطوير، تزداد حدة التناقضات الحميدة داخل الدائرة الطبقية الواحدة، وتظهر جماعات طبقية جديدة ذات خصائص حضارية متمايزة، ومع الوقت لا يستطيع الوعاء الطبقي استيعابها، حتى تأتي لحظة تاريخية ملائمة، تنسلخ فيها هذه الجماعة عن الطبقة "الأم" مشكلة وعاء طبقياً مختلفاً. ومن هنا، يمكن أن ننعت التركيب الطبقي في هذه اللحظة التاريخية بالتركيب الولود. وربما تستمر عمليات الانقسام، كما في حالة المجتمعات المتقدمة، حتى تصل إلى أكثر من عشر دوائر أو مواقع طبقية (راجع نظرية إريك أولن رايت، ونظرية جولدثورب).    

ثالثاً- افتراض فشل السياسيات الاقتصادية في دفع عجلة التنمية الشاملة

ما يؤدي إلى تدهور الخصائص الحضارية للأوعية أو الدوائر الطبقية الوسطى، فتنكمش مرة أخرى، وربما يستمر التدهور حتى تختفي الدائرة الطبقية الثانوية، وينسحب أفرادها إلى الدائرة الطبقية الأم. في هذه اللحظات التاريخية الاستثنائية، التي قد تطول فتستغرق عقوداً، أو تقصر فتستغرق سنوات عديدة، ينكمش التركيب الطبقي، ليصبح تركيباً ثلاثياً تقليدياً (طبقة عاملة، وسطى، عليا)، أو حتى ثنائياً شبه إقطاعي (غالبية الفقراء، وأقلية الأغنياء)، بحسب شدة ونطاق ومدة هذا الانهيار أو التدهور.

وينبغي لفت انتباه القارئ إلى أن العوامل الاقتصادية ليست المسئولة فقط عن حالة الانكماش الطبقي، فالصراعات السياسية تجر من خلفها أزمات اقتصادية قاتلة، وتدهوراً تاماً في المشروع التنموي، مثلما حدث بعد انهيار الدولة العراقية في أعقاب الاحتلال الأمريكي في 2003، أو ما يحدث راهناً من تدمير كامل للدولة السورية.

وربما لا تحقق السياسات الاقتصادية الجديدة أهدافها بالكامل، فتصبح الأوضاع الطبقية في حالة مراوحة ما بين الانقسام والانكماش الطبقي، الذي ذكرنا ملامحه، وهنا يصبح التركيب الطبقي إما عاقر غير قادر على التوسع والنمو والانقسام، أو يصاب بانخفاض الخصوبة، فتبقى الأوضاع الطبقية على ما هي عليه من الرتابة، مع وجود تغييرات غير منتظمة ومؤقتة.

نجمل ما سبق في أن نجاح السياسات الجديدة في دفع المشروع التنموي الشامل، يؤدي إلى التوسع والانقسام الطبقي، وتتحسن مستويات المعيشة ونوعية الحياة، وتتحقق مؤشرات السعادة المجتمعية بصفة عامة. والعكس يؤدي إلى الانكماش الطبقي بكل تبعاته المأساوية. هذا من الناحية المورفولوجية، فكيف يتشكل التركيب الطبقي من الداخل، وكيف يحدث الحراك الاجتماعي، وما هي أنواعه؟ وللإجابة على السؤال، سوف نعود للافتراضين مرة أخرى.

رابعاً- التنمية الشاملة العادلة والحراك الطبقي:

        يمكن أن نميز بين ثلاث أنواع من الحراك: حراك جماعي، وفئوي، وفردي، لكل نوع منها اتجاهين؛ أحدهما صاعد والآخر هابط، ويرتبطون من جهة بعلاقات بينية متبادلة، كما يرتبطون من جهة ثانية، بالحالة الحضارية للمجتمع، وخاصة في أبعادها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. ويمكن فهم الحراك الطبقي الفئوي والفردي، بدلالة الحراك الجماعي (الكلي) باتجاهيه الصاعد والهابط، وذلك على النحو التالي:

يحدث الحراك الجماعي الصاعد في كل المجتمعات الطبقية – الرأسمالية والاشتراكية والمختلطة- عندما تنجح الدولة في إنجاز مشروع ناجح في التنمية الشاملة، شريطة أن يرتبط ذلك بعدالة توزيع عوائد التنمية، وبتحسين متوسط الدخل الحقيقي لمختلف الفئات الاجتماعية، وفي هذه الحالة، يتم ضخ دماء التنمية في كامل التركيب الطبقي، فيكتسب حيوية تجعل كافة الطبقات في حالة حراك. فتقل الفئات اللاطبقية، بفضل فرص العمل الجديدة، والأجور العادلة، وتتحسن فرص الحياة بصفة عامة، وتهاجر فئات من الطبقة العاملة إلى الطبقة الوسطى، مستثمرين المناخ الاقتصادي والسياسي المحفز، من أجل  التخلص من أوضاعهم الطبقية المتدنية، وبلوغ مرحلة العيش الآمن (السكن، التعليم، الصحة، الترفيه. الخ). كما تزداد فرص الطبقة الوسطى الفقيرة في الدخول إلى المجال المستقر للطبقة الوسطى. وغالباً ما يكون الحراك بين كل تشكيلين طبقيين متجاورين: من الفئات اللاطبقية إلى الطبقة العاملة/ ومن الطبقة العاملة إلى الطبقة الوسطى الفقيرة / ومن الوسطى الفقيرة إلى الوسطى المستقرة/ ومن الوسطى المستقرة إلى الوسطى المتنفذة والطبقة المركزية المتحكمة. ويكون حراكاً مبنياً على أسس قانونية تعتمد معايير الكفاءة والانجاز كوسيلة أساسية للارتقاء الطبقي.

في مثل هذه الظروف، ترتفع الروح المعنوية للشعوب، وتزدهر المشاعر الوطنية، وتقل حدة علاقات استغلال النفوذ الفئوي (سواء كانت الفئة المستغلة حزباً محتكرا، أو عرقية سائدة، أو جماعة دينية أو مذهبية، أو جماعة مهنية)  لصالح علاقات التكامل والتنافس، ما يؤدي إلى الحد من الحراك الطبقي الفئوي، ويتم التحكم في علاقات استغلال ملكية وسائل الانتاج، بمنع الممارسات الاحتكارية، وكفالة الحرية لعمل المؤسسات النقابية والاتحادات المهنية، وجمعيات الأعمال، .الخ.

        وعندما يسود هذا النوع من الحراك الجماعي الصاعد، فإن الحراك الفردي، يأخذ الطابع العصامي، بمعنى أن يكون الصعود من طبقة إلى طبقة مجاورة مبرَّر قانونياً، ومبني على أسس واقعية. ويمكن أن نخلص من ذلك إلى افتراض وجود علاقة بين أنواع الحراك الثلاث كما يلي: كلما ارتفع معدل الحراك الطبقي الجماعي الصاعد، يقل معدل الحراك الفئوي، ويأخذ الحراك الفردي الطابع العصامي.

خامساً- الحراك الطبقي في حال فشل أو انحراف مسار التنمية الشاملة

الذي يتأثر هنا هو الحراك الجماعي (الكلي)، فحين يتدهور المشروع التنموي، ويعجز الاقتصاد الوطني على الاندماج الناجح في الاقتصاد العالمي، بسبب  تخلف قطاعاته المتعددة، أو بسبب انتهاج سياسات مرتبكة، تقضي على القواعد الانتاجية، مهدرة الموارد البشرية، أو بسبب الحروب والكوارث، إلى غير ذلك من الأسباب، التي تؤدي إلى تدهور معدلات النمو الاقتصادي، ما يؤثر على ارتفاع معدلات البطالة، وانخفاض الأجور. هنا يتحول الحراك الطبقي الجماعي إلى الاتجاه الهابط، ويحدث انكماش للطبقة الوسطى الكلية، والطبقة العاملة، ويزداد حجم الفئات اللاطبقية، حيث يتحول قطاع كبير من أفراد الطبقة الوسطى المستقرة إلى الطبقة الوسطى الفقيرة، وكذلك يحدث حراك جماعي هابط من الطبقة الوسطى الفقيرة إلى العمالية، ويتحول أفراد من الطبقة العاملة والوسطى إلى فئات لا طبقية.

ويزداد الطين بله، إذا أصيب الاقتصاد بالوهن وانخفضت عوائد التنمية مع انحراف في مسار توزيع الثروة. في هذه الحالة تسود علاقات استغلال النفوذ بكافة أنواعه في ظل الحراك الجماعي الهابط، ويأخذ الصعود شكل الحراك الطبقي الفئوي، أي أنه يقتصر على فئات اجتماعية معينة، دون ارتباط بالصعود المبرر قانونياً، والمقبول منطقياً. وتعني سيادة الحراك الفئوي، المزيد من علاقات استغلال ملكية وسائل الانتاج والتحكم فيها، والمزيد من تكريس الظلم الاجتماعي واللامساواة واحتكار الثروة لصالح تلك الفئات، على حساب بقية الطبقات. ويتم استثمار السلطة البيروقراطية هنا – بشكل فاسد- في تكريس استغلال النفوذ والملكية، دون أن تؤدي دورها في ضبط الأعمال والأنشطة، بعد أن يوسد الأمر لغير أهله، وفي هذه الحالة، يأخذ الحراك الفردي شكل القفزة الطبقية الضفدعية. وعليه فإننا نفترض أنه: كلما هبط معدل الحراك الطبقي الجماعي، يرتفع معدل الحراك الطبقي الفئوي، ويأخذ الحراك الفردي طابع الاستثناء، معتمداً على العلاقات التقليدية أو علاقات الاستغلال الفاسد، في هذه الظروف ترى بعض الأفراد يقفزون كالضفدع صاعدين على السلم الطبقي بلا سند من القانون أو المهارات أو حتى الصدفة، ويموت الحراك الطبقي العصامي.

خاتمة:

نستخلص مما سبق أن التركيب الطبقي المصري في حالة سيولة بعد القرارات والسياسات الاقتصادية الجديدة، وأن الحراك الطبقي الجماعي يتجه نحو الهبوط، وهناك بالتأكيد حالة انكماش طبقي تدفع برحيل أعداد كبيرة من أفراد الطبقة الوسطى المستقرة إلى الطبقة الوسطى الفقيرة، وتزداد معاناة الطبقة العاملة والفئات اللاطبقية. وهو حراك هابط بشكل مؤقت بحسب الوعود المعلنة من الحكومة، والخطر كل الخطر، أن تفشل السياسات أو ينحرف مسار توزيع عوائد التنمية المنتظرة، فيسقط المجتمع في هوة الحراك الطبقي الفئوي الاستغلالي الفاسد، والحراك الفردي الضفدعي المولد للإحباط والاغتراب، فتفقد مصر قدرتها على التماسك والنهوض، ونعود مرة أخرى للمربع صفر، وكأنك يا أبا زيد ما غزيت. والأمل أن تتمكن مصر من تجاوز محنتها، كما فعلت دول نامية عديدة، تشابهت ظروفها مع الحالة المصرية، لكنها امتلكت إرادة التغيير، فهل نحن فاعلون.

شارك