نحو توقعات أفضل للجنيه المصري يجب استثمارها

الأحد 27/نوفمبر/2016 - 11:04 م
طباعة نحو توقعات أفضل للجنيه
 
إبراهيم نوار

جاءت موافقة صندوق النقد الدولي على القرض بقيمة 12 بليون دولار لمصر في وقت حاسم وضع حداً للمضاربات على العملة المصرية، وهو ما أدى إلى تحسن قيمة الجنيه مقابل العملات الأخرى بنسبة تتراوح بين 10% إلى 12% خلال اليومين التاليين لقرار مجلس مديري الصندوق. ومن المتوقع أن تتحسن قيمة الجنيه أكثر وأكثر خلال الأسابيع المقبلة مع استمرار استيعاب السوق لحقائق التعويم وقرض الصندوق وزيادة تدفق الإستثمارات وعودة حركة السياحة وزيادة موارد مصر من النقد الأجنبي من خلال مبيعات السندات الدولية بالدولار لصالح البنك المركزي المصري أو وزارة المالية. لقد بدأت هذه الحقائق الجديدة عملها بالفعل، وهي في طريقها لأن تنهي تماما ظاهرة المضاربة والطلب الزائف على الدولار لأغراض المتاجرة فيه كسلعة مربحة في السوق قادرة على تحقيق أرباح عالية في وقت قصير جداً. وفي هذا السياق فإن سعر الجنيه سيستمر في التحسن حتى يصل إلى سعر يتعادل بين العرض والطلب الحقيقيين، وهذا السعر يمكن أن يتراوح بين 13 إلى 15 جنيهاً للدولار في الأجل القصير طبقاً لمعطيات السوق الحالية، وهو قابل للتحسن فيما بعد والإستقرار عند مستويات أعلى في السنة المالية 2018/2019.

        ومع ذلك فإن الإدارة الإقتصادية بإمكانها تعظيم فرص تحسن قيمة الجنيه ليصل إلى سعر عادل يعكس قوة الإقتصاد،؛ خصوصاً قنوات تدفق النقد الأجنبي وعلى رأسها السياحة والتصدير والإستثمار الأجنبي المباشر وغير المباشر. كذلك فإن تعظيم فرص تحسن قيمة الجنيه يرتبط بحسن إدارة موارد النقد الأجنبي المتاحة وعدم الإفراط في الإنفاق بالنقد الأجنبي، خصوصاً وأن الموارد الإضافية التي يتم إتاحتها في الوقت الراهن تتكون أساساً من قروض وسندات مستحقة الدفع بعد سنوات بالفائدة المتفق عليها. وهذا يتطلب أعلى درجة من التنسيق بين مؤسسات صنع السياسة الإقتصادية خصوصاً السياسة النقدية المسؤول عنها البنك المركزي والسياسة المالية المسؤول عنها وزارة المالية والسياسة التجارية المسؤول عنها وزارة التجارة والصناعة والسياسة الإستثمارية المسؤول عنها وزارة الإستثمار إضافة إلى دور وزارة السياحة. وبمقدار ونوعية التنسيق بين سياسات هذه المؤسسات وبمستوى جودة وكفاءة هذه السياسات ستتمكن مصر من عبور عنق الزجاجة المالي الذي تعاني منه البلاد.

        ومن الناحية الزمنية تستطيع مصر أن تتخطى عنق الزجاجة في أوائل العام 2018 أو في السنة المالية 2018/2019  عندما تبدأ الإجراءات الحالية في إنتاج آثارها الإيجابية، ومع البدء في تصدير الغاز من حقل "ظهر" العملاق في شرقي البحر المتوسط شمال الإسكندرية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الاستثمارات الأجنبية المتنامية في قطاع النفط والغاز من الضروري أن يتم حصاد بعض ثمارها في زيادة الصادرات، وهذا يتطلب زيادة القيمة المضافة، والحد من تصدير مصادر الطاقة في صورتها الخام وتشغيل الطاقات العاطلة في مجمعات الغاز المسال في كل من دمياط وإدكو. وفي السياق نفسه من المهم أيضاً تصميم معادلة دقيقة بين منافع تصدير الطاقة للخارج أو توجيهها للإستهلاك المحلي. ومن أجل وضع معادلة ناجحة يجب التوسع في إنتاج الطاقة من مصادر متجددة مثل توربينات الرياح ومحطات الطاقة الشمسية بحيث تكون الطاقة المتجددة أحد المكونات الرئيسية في استراتيجية زيادة موارد الطاقة المحلية ولزيادة صادرات الوقود التقليدي المتمثلة في النفط والغاز ومشتقاتهما مع وضع مسألة تعظيم القيمة المضافة في الإعتبار.

        غير أن خروج مصر من عنق الزجاجة الذي تمر به حالياً ليس بالأمر السهل، ولن يتحقق بدون تضحيات إضافية غير تلك التي حدثت بالفعل من تخفيض للإنفاق والدعم وتعويم العملة، وهي ما نتج عنها ارتفاعات سريعة في معدل التضخم. ومن المتوقع أن يستمر التضخم في الإرتفاع حتى يصل إلى مستوى مستقر، ليس بسبب ارتفاع قيمة الدولار فقط، ولكن بسبب الزيادة الهائلة التي ستحدث في عجز الميزانية وزيادة عبء الدين العام وارتفاع العجز التجاري. ولهذا، فإن السياسة المالية يجب أن تتسم بأكبر قدر من الحكمة والمرونة والدقة بهدف المحافظة على أقل عجز ممكن وتقليل الإنكشاف على سوق السندات الدولارية الدولية وتخفيض الإنفاق الحكومي بما في ذلك إنفاق الحكومة المركزية وإنفاق الحكم المحلي. ويجب منذ الآن التحوط ضد انفلات عجز الميزانية العامة للدولة، وحتى تستقيم الأمور ربما يكون من الملائم أن تعيد وزارة المالية قبل فوات الأوان تقديراتها في ميزانية العام الحالي، لأن كل المؤشرات الواردة في الميزانية ربما تتعرض لزلزال كبير، وستبدو بعد ذلك مثيرة للسخرية، بما فيها المعدلات المستهدفة للنمو والعجز في الميزانية والبطالة والتضخم والعجز التجاري والدعم وخدمة الدين العام للدولة بشقيه المحلي والأجنبي. كذلك فإن البنك المركزي يجب أن ينتقل من سياسة أسعار الفائدة السلبية إلى سياسة أسعار الفائدة الإيجابية للحد من التضخم وتعزيز الميل للإدخار.

        ومن أجل زيادة الموارد المالية للخزانة العامة للدولة يجب الأخذ في الإعتبار ضرورة توفير موارد إضافية بالعملة المحلية والعملات الأجنبية من خلال ضم الصناديق الخاصة للميزانية العامة للدولة وتصميم وتنفيذ برنامج لدمج الإقتصاد غير الرسمي بكل أشكاله واستئناف برنامج خصخصة بعض الشركات المملوكة للدولة، بما في ذلك بعض البنوك وشركات إنتاج مشتقات النفط والغاز أو حصص فيها، وإتاحة هذه الحصص أو الشركات بأكملها للمستثمرين المصريين والأجانب، والبعد عن الفساد الذي اكتست بها صفقات الخصخصة التي تمت فيما مضى. إن موارد الخصخصة الجديدة يجب أن يعاد استثمارها في مشاريع إنتاجية محلية وتعويض الإنخفاض الحاد في معدلات الإستثمار الحكومي والخاص. وهذا يعني استراتيجية مختلفة للخصخصة عن ذي قبل؛ فحصيلة الخصخصة منذ بدأ برنامج بيع شركات القطاع العام في تسعينات القرن الماضي تبخرت بسبب بخس أسعارها (10% تقريبا من قيمة الأصول المباعة) وتوجيه عائدات البيع إلى صناديق وهمية مثل صندوق إعادة تأهيل الشركات أو إلى تمويل العجز في الميزانية العامة للدولة. إن استئناف برنامج الخصخصة يجب أن يقوم على أساس مبدأ "أصل بأصل"، بمعنى أن الأصل المباع أو الحصة المباعة يجب استخدام عائداته في إنشاء أصل جديد بالمشاركة مع القطاع الخاص المحلي أو الأجنبي أو معهما. بمعنى آخر فإنه سيتعين على الدولة أن تلعب دورا أكثر فاعلية في الإنتاج جنباً إلى جنب مع القطاع الخاص المحلي والأجنبي.

        إن واحدة من الظواهر المرافقة لبرنامج الإصلاح الإقتصادي الذي تم الإتفاق عليه مع صندوق النقد الدولي تتمثل في زيادة المكون الأجنبي في الدين العام للدولة، وهذا يعني أن نسبة أكبر من الناتج المحلي الإجمالي سيتم توجيهها لسداد وخدمة الديون الأجنبية بأشكالها المختلفة في السنوات المقبلة. ولهذا، فإنه سيتعين على السياسات الإقتصادية أن تجتهد من أجل بناء طاقات إنتاجية قادرة على توليد دخل وتدفقات نقدية بالعملات الأجنبية. وتنصرف النظرة الأولى هنا إلى قطاع السياحة، فتلك الصناعة تدر دخلاً  بالعملات الأجنبية منذ اللحظة الأولى لتعاقد السائح على زيارة مصر. كما يتعين تشغيل الطاقات الصناعية العاطلة وبناء طاقات جديدة بسرعة وذلك لتحقيق هدفين في آن واحد، الأول هو تقليل الإستيراد والثاني هو زيادة فرص التصدير.

        ويتطلب تشغيل الطاقات الصناعية العاطلة وبناء طاقات جديدة تكوين نظرة استراتيجية يفتقدها القطاع الخاص في مصر الذي يحصر نشاطه في مجالات محدودة وإن كانت واعدة إذا تم تطويرها مثل صناعات الأغذية والمشروبات والملابس والجلود والأخشاب والرخام. وتفتقر مصر إلى استراتيجية واضحة في قطاع الصناعات الهندسية، وهذه الصناعات تعرضت في العقود الأخيرة لإهمال متعمد ومن الضروري إعادة الإعتبار إليها، خصوصاً وإنها وحدها مسؤولة عما يقرب من 40% من العجز في ميزان التجارة السلعية (بدون البترول والغاز). ويجب أن نحترس من الوقوع في مصيدة الديون الأجنبية كما وقعنا في مصيدة تضخم الدين العام المحلي.

        لقد حصل الجنيه المصري بفضل قرار التعويم وبفضل قرار مجلس مديري صندوق النقد الدولي بالموافقة على قرض الـ 12 بليون دولار على فرصة ذهبية للعودة إلى الحياة والقدرة على المنافسة، لكن هذه الفرصة ليست مضمونة مدى الحياة، وإنما هي مشروطة بكيفية استثمارها والإستفادة من المزايا التي تقدمها لصانعي السياسات الإقتصادية، خصوصاً وإنها قد منحتهم جميعا أيضاً فرصة لإعادة التفكير في الكثير من المسلمات السابقة التي أسهمت في تعقيد الإمور وإضاعة الفرصة تلو الفرصة. هذه المرة يجب ألا تضيع الفرصة، وإنما يجب استثمارها على أفضل وجه ممكن.

شارك