تحديات الاقتصاد المصري في 2017

الإثنين 02/يناير/2017 - 12:17 م
طباعة تحديات الاقتصاد المصري
 
ابراهيم نوار

في 3 نوفمبر 2016 وبعد يومين من اجتماع المجلس الأعلى للإستثمار أعلن البنك المركزي المصري مجموعة من الإجراءات السريعة ذات الأثر الصادم على الإقتصاد. أعلن البنك المركزي المصري تعويم الجنيه، وحدد قيمته في التعاملات الأولية بعد التعويم بـ 13 جنيها للدولار، مع هامش تحرك بنسبة 20% (10% لأعلى و 10% لأسفل)، ورفع أسعار الفائدة بمعدل ثلاث نقاط مئوية مرة واحدة، وترك الحرية للبنوك لإعادة تحديد القيود المفروضة على استخدام بطاقات الإئتمان بالنقد الأجنبي خارج مصر، والإعتماد على أسعار غرفة المقاصة لتبادل الدولار بين الينوك في تحديد سعر الصرف اليومي للجنيه المصري مقابل الدولار.

هذه القرارات كانت تعني في حقيقة الأمر تخفيض قيمة الجنيه من 8.8 للدولار بنسبة 47.7% مرة واحدة، ورفع سعر الفائدة على الودائع والقروض بنسبة 25% تقريبا، بما لذلك من تأثير على كل متغيرات السوق، خصوصاً فيما يتعلق بأسعار المستهلكين (التضخم) وما يتعلق بتكلفة الإقتراض من أجل الإستثمار التي زادت نظرياً بنسبة 25% بينما تتحمل عملياً زيادات أخرى تتعلق بالرسوم الإدارية والتكاليف الأخرى للإقتراض. ومن الناحية المحاسبية البحتة، فإن تخفيض قيمة الجنيه يعني زيادة القيمة الإسمية للصادرات والرسوم المحصلة بالعملات الأجنبية مثل رسوم العبور في قناة السويس، وقيمة الإستثمارات الأجنبية محسوبة بالعملة المحلية.

وبعد شهر من تطبيق قرار تعويم الجنيه يتضح لنا الآتي:

-         إن البنك المركزي توقف تماماً عن التدخل في سوق الصرف الأجنبي، وكان قبل ذلك يتدخل إسبوعياً بقيمة 120 مليون دولار في عطاء دولاري إسبوعي، إضافة إلى بعض العطاءات الإستثنائية التي تتجاوز هذا المبلغ. وطبقاً لتقارير غير رسمية فإن المصارف العاملة في مصر تمكنت من جمع ما يقرب من 4.8 مليار دولار من عملائها خلال الشهر الأول لقرار التعويم.

-         يتردد أن الحكومة حصلت على تمويل إضافي من البنك المركزي المصري بقيمة 83 مليار جنيه تقريبا بسعر 15 جنيها للدولار (5.5 مليار دولار تقريبا) من البنك المركزي المصري بعد تسلم البنك الشريحة الأولى من قرض صندوق النقد الدولي، وذلك بغرض توفير السيولة اللازمة للإستيراد وتمويل الإحتياجات العاجلة.

-         تراجع سعر الجنيه المصري على مدار الأسابيع الأربعة التالية لقرار التعويم من 13 جنيها إلى 18.3 جنيها للدولار الواحد، أي أن قيمة الجنيه إنخفضت منذ التعويم بنسبة 40.7% وهو ما يعني أن الخسارة التراكمية للجنيه بسبب قرار التعويم وما بعده تصل إلى 88.4% وهو ما يمكن أن يترك آثاراً كارثية على الإقتصاد.

-         تتمثل أهم الآثار التي يمكن أن يتسبب فيها استمرار تدهور الجنيه المصري في الضغط على معدل النمو، إلى درجة وقف النمو وتعريض الإقتصاد لخطر الإنكماش، ورفع معدل التضخم، حيث سجلت الأرقام الرسمية لشهر نوفمبر ارتفاع معدل التضخم إلى 20.2% وهو تقدير شديد التحفظ إذا قارناه بمتوسط زيادات الأسعار في السوق وأثر ذلك على الإنفاق الإستهلاكي للأفراد. ومن المتوقع في السنة المالية الحالية أن يستمر تراجع الجنيه على ضوء العلاقة النسبية بين معدل التضخم في مصر ومعدل التضخم في الولايات المتحدة الذي سجل 1.6% في شهر أكتوبر 2016. ذلك أن ارتفاع التضخم بمعدلات أعلى يقلل أكثر من القوة الشرائية للعملة مقارنة بغيرها. وكلما استمر هذا الفارق الحاد بين اسعار التضخم للجنيه المصري والدولار، فإن قيمة الجنيه سوف تستمر في التآكل دولياً.

-         لكن المشكلة الأشد خطورة تتمثل في الآثار السلبية التي سيتركها تدهور الجنيه على الميزانية العامة للدولة. وطبقا لنموذج تأثير أسعار الصرف على الميزانية، تتوقع وزارة المالية أن يتسبب كل انخفاض للجنيه بمقدار 10 قروش فقط مقابل الدولار في زيادة العجز في الميزانية بقيمة تزيد على المليار جنيه (1.1 مليار جنيه). وهذا يعني أن قيمة العجز المالي في السنة المالية الحالية ستزيد عن التوقعات بنحو 100 مليار جنيه بسبب تدهور أسعار الجنيه فقط، وبدون أن نأخذ في الإعتبار المتغيرات الأخرى التي ترجح حدوث المزيد من العجز. ومن المرجح أن تواجه الحكومة زيادة متطلبات الإنفاق بفرض زيادات إضافية في الأسعار خلال السنة المالية الحالية.

-         لكن التأثيرات السلبية على تقديرات الميزانية لن تتوقف عند هذا الحد. وسوف يضيف التغير في قيمة واردات النفط ومشتقاته والغاز التي تجاوزت كثيراً تقديرات الميزانية أعباءاً إضافية على الميزانية. فقد تم حساب أسعار البترول على أساس 40 دولاراً للبرميل، لكن الإتفاق الأخير لدول أوبيك على تخفيض الإنتاج بنسبة 4% والسعى لدى الدول المصدرة غير الأعضاء لكي تحذو حذوها قد أدى إلى ارتفاع الأسعار فعلياً في السوق. وتستهدف أوبيك سعراً حده الأدنى 55 دولاراً للبرميل، وقد يصل إلى 65 دولاراً. وطبقا لتقديرات وزارة المالية فإن كل زيادة في أسعار النفط بقيمة دولار واحد في البرميل تضيف إلى دعم الطاقة ما يعادل 1.5 مليار جنيه سنوياً. وهذا يعني أن الزيادة في أسعار النفط بقيمة 15 دولاراً في البرميل عن التقديرات الأولية سؤدي إلى زيادة دعم الطاقة بما يعادل 22.5 مليار جنيه.

-         ونظراً لأن العجز في الميزان التجاري تفاقم في العام الحالي إلى ما يقرب من 50 مليار دولار، في حين انخفضت الصادرات إلى أقل من 20 مليار دولار، مع بقاء الواردات أعلى من قيمة 60 مليار دولار، فإن تدهور سعر الجنيه سيضيف أعباءً ثقيلة كذلك على الميزان التجاري نظراً لأن تمويل العجز التجاري يتم باستخدام موارد حقيقية كان من الأولى استخدامها في تمويل استثمارات جديدة بدلاً من تحويلها للخارج.

إن عام 2017 ربما يسجل المزيد من التعقيدات بالنسبة للإقتصاد المصري مع استمرار السياسة الإقتصادية الحالية خصوصاً وأن الكثير من المتغيرات يسجل اتجاهات سلبية، فقد انخفضت قيمة التحويلات الرسمية والخاصة في العام 2016 بنسبة 23%، بسبب انخفاض أسعار النفط وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخليج سلبياً نتيجة لذلك. كما انكمشت قيمة الصادارت السلعية. وعلى الرغم من أن ارتفاع أسعار النفط في العام 2017 سيساعد على تحسن إيرادات تصدير النفط التي تعادل 30% من قيمة الصادارت، إلا أن تأثير هذا التحسن سيتبخر على أحسن تقدير بسبب الزيادة في أسعار الواردات.

وعلى مستوى المالية العامة للدولة فإن أخطر ما يتعين ملاحظته بدقة يتمثل في معدلات نمو الدين العام الداخلي والخارجي، خصوصاً بعد أن سجل الدين العام المحلي في نهاية يونيو 2016 زيادة بنسبة 25% عما كان عليه قبل عام. لقد قفز العجز المالي في السنة المالية الأخيرة بنسبة 21.5% أي ما يعادل 5 أمثال الزيادة في معدل النمو الإقتصادي الرسمي المقدر بنسبة 4.3%. إن هذه الزيادة الضخمة في قيمة الدين العام تمثل التهديد الأشد للتوازن المالي المنشود، وهي تشير إلى أن العجز المالي قد خرج عن نطاق السيطرة. ويعتبر خروج العجز المالي عن نطاق السيطرة علامة كبرى من علامات فشل السياسة المالية للدولة.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، ذلك أن التوسع في الإقتراض من الخارج، مع وجود نقص حاد في تدفقات النقد الأجنبي والموارد الخارجية، يهدد بوقوع الإقتصاد تحت سيطرة نفوذ الدائنين الأجانب. إن مدفوعات الفوائد على الديون قفزت في السنة المالية الأخيرة 2015/2016 إلى ما يقرب من 244 مليار جنيه، متجاوزة بند الأجور والمرتبات والمزايا الأجتماعية. وتعادل مصروفات الإنفاق لسداد فوائد الديون في نهاية السنة المالية المذكورة ما يقرب من 30% من إجمالي المصروفات في الميزانية. وقد تضاعفت قيمة مدفوعات الفوائد على الديون في السنة المالية الأخيرة (زيادة بنسبة 97%) مقارنة بالسنة الماضية. لقد سجلت الإحصاءات الرسمية مؤشرات خطيرة يما يتعلق بالديون التي تقترب الآن إلى أكثر من ثلاثة أمثال ما كانت عليه في العام 2011. ونظراً لأن جزءاً أكبر من الديون المستحقة يتمثل في ديون مستحقة لدائنين بالعملات الأجنبية، ومع الأخذ في الإعتبار صعوبات تدبير العملات الأجنبية في مصر، فإن هناك خطورة شديدة من زيادة الإنكشاف على أسواق المال العالمية وزيادة الإقتراض من الخارج.

إن صانعي السياسات الاقتصادية (النقدية والمالية والتجارية) هم بالتأكيد في وضع لا يحسدون عليه، لكنهم جزء من المشكلة الإقتصادية لأنهم صنعوا سياسات فاشلة، أدت إلى تعقيد الأمور أكثر وأكثر كل يوم. لقد أنفق البنك المركزي المصري عشرات المليارات من الجنيهات لدعم المستوردين بدلاً من مساندة احتياجات المنتجين المحليين، واستخدمت الدولة أموالاً رخيصة بأسعار فائدة بخسة (أموال التأمينات وبنك الاستثمار القومي) في تمويل أنشطة مليئة بالفساد والشبهات، وغابت الشفافية والمساءلة عن الكثير من المشروعات التي يتم تنفيذها، خصوصاً في وحدات الحكم المحلي، ومنها محافظات القاهرة الكبرى، وتبنت الدولة سياسة متحيزة ضد المنتجين بشكل عام وضد المنتجين في قطاع الزراعة على وجه الخصوص وهو ما أدى إلى غياب الكثير من السلع وزيادة اللجوء للإستيراد.

وبعد سنوات من الأخطاء المتراكمة فإن الحكومة ستواجه صعوبات أشد إذا هي أرادت تحقيق إصلاح حقيقي في مجالات إدارة الإقتصاد، وكلما تأخر الإصلاح الحقيقي كلما تعقدت الأمور أكثر وأكثر. إن أخشى ما نخشاه اليوم هو أن يدفع الاقتصاد ثمنا فادحاً في العام المقبل، وربما الذي يليه. ويجب أن نراقب عن كثب تحركات مؤشرات النمو الحقيقي والتضخم وعجز الميزانية والعجز التجاري، وأن نتخذ إجراءات إقتصادية سريعة وصائبة وبالقدر الملائم من أجل ألا يتحول الركود الإقتصادي إلى كساد ثم إلى انكماش يهدد مئات الآلاف من العاملين المتعلقين بفرص عمل على المحك، وألا يطيح مثل هذا الكساد أو الإنكماش إلى تحول أحلام الراغبين في العمل إلى مجرد سراب لا جدوى من الجري وراءه.

شارك