نحو فهم مسألة الانتحار: حالة الأمين العام لمجلس الدولة

الإثنين 02/يناير/2017 - 10:10 م
طباعة نحو فهم مسألة الانتحار:
 
د.أحمد موسى بدوي

استقبل الرأي العام المصري، خبر الكشف عن قضية فساد كبيرة داخل أروقة مجلس الدولة، بكثير من الدهشة والفرح الغاضب. ولأن هذا النوع من الفساد لا يمكن أن يحدث بشكل فردي، فإن الرأي العام ترقب اتساع دائرة الاتهام لتضم متنفذين داخل وخارج هذه الهيئة. وهو ما تم فعلاً، بتقديم الأمين العام للمجلس استقالته، ثم استدعائه للتحقيق، فالتحفظ عليه، فانتحاره. ودون استباق للتحقيقات، فإن الواقعة تحتمل ثلاثة أسباب لا رابع لها: أن يكون موته طبيعياً، أو أنه تعرض للقتل من لدن ضالعين في القضية، أو يكون قد انتحر من تلقاء نفسه. فإن كانت الأخيرة، فإننا أمام دوافع اجتماعية، وليست نفسية، للانتحار، نحاول في هذا المقال تناول جوانبها.

مفهوم الانتحار وأنواعه

        عديدة هي الدراسات التي تناولت ظاهرة الانتحار، تشترك جميعا في تعريف الانتحار، بأنه تدمير للذات، مدفوع إما بعوامل داخلية (سيكولوجية) ترتبط بهشاشة التكوين النفسي، والإصابة بأحد الأمراض النفسية. أو بعوامل اجتماعية (خارج الذات)، حين يعجز الفرد عن تحمل أزمة من الأزمات الاجتماعية التي يمر بها خلال حياته، أو حين يشعر باستحالة تحمل تبعات هذه الأزمة في المستقبل. في هذه اللحظة يقرر المنتحر أنه لم تعد هناك جدوى من استمرار الحياة.

ويقسم علماء الاجتماع أنواع الانتحار إلى ثلاثة أنواع رئيسية: أناني، إيثاري، لا معياري، لكل منها أسبابه؛ فالانتحار الأناني تسببه العزلة وسيادة القيم الفردية في العالم المعاصر، ما يجعل الفرد عاجزاً عن بناء علاقات سوية مع الآخرين. في حين أن الانتحار الإيثاري، يعبر عن الترابط والتضامن الشديد بين جماعة ما وأفرادها، بحيث إذا ألم الخطر بالجماعة، يتجه بعض الأفراد لهذا النوع حفاظاً على بقاء هذه الجماعة المنغلقة، قيمة حياة الجماعة أعلى هنا من قيمة حياة الفرد (كظاهرة الأجساد المفخخة التي تستخدمها الجماعات الارهابية). أما الانتحار ناتج الفوضى أو اللامعياري بتعبير إميل دوركايم، في دراسته الشهيرة عن الانتحار، فيظهر حين تضطرب منظومة القيم والاعراف والقواعد المنظمة للحياة الاجتماعية، في المراحل الانتقالية التي تشهدها المجتمعات، أو بفعل التغيرات المتسارعة التي يشهدها المجتمع في لحظة تاريخية معينة، أو حين تؤدي التقلبات السريعة في الأحوال إلى تدهور في الأوضاع التي يعيشها الفرد. لكن حادثة انتحار الأمين العام لمجلس الدولة لا تندرج ضمن نوع من الأنواع الثلاثة المذكورة، كيف ذلك؟

تحليل واقعة انتحار الأمين العام لمجلس الدولة

        لا تعد الواقعة انتحاراً أنانياً، فمعظم حالات الانتحار في العالم يقدم عليها أشخاص أعمارهم تقل عن الأربعين، وعليه فمن المستبعد أن ترتبط حادثة الانتحار هذه بأسباب ذاتية. كما أنه من المستبعد أن يكون الشخص المنتحر منعزلاً غير قادر على الاندماج في المجتمع، فقد ترقى في دولاب العمل حتى وصل لذلك المنصب الرفيع، أي توافرت فيه معايير الكفاءة النفسية والذهنية التي تخوِّل له أداء مهام الوظائف التي توكل إليه. وليس انتحاراً إيثارياً بطبيعة الحال، لانعدام شرط انطباق هذا النوع على حالة الأمين العام لمجلس الدولة. ولو افترضنا جدلاً أنه انتحار إيثاري، فإن زمن ومكان وسياق الواقعة تنفي تماما هذا الافتراض.

        كما أنه ليس انتحاراً لا معيارياً، لسببين معلومين  للقارئ:  الأول أن الهيئات القضائية في مصر والعالم، هي المنوط بها ترسيخ القواعد القانونية التي تنظم المجتمع في شتى المجالات، والمنوط بها تقدير العقاب الزاجر أو الرادع، لمن يخالفون هذه القواعد. والثاني أن وظيفة المنتحر حال حياته، وفرت له كل أنواع الأمن الاقتصادي والاجتماعي والنفسي الكامل. وعليه، فإنه خلافاً لهذه الأنواع الشائعة للانتحار، فإن الحالة موضوع المقال تعد من نوع الانتحار الاضطراري. كيف ذلك؟

في تصنيف واقعة انتحار الأمين العام لمجلس الدولة

        يمكن تصنيف واقعة انتحار الأمين العام، ضمن طائفة الانتحار الاضطراري (الظرفي)، ونعرفه بأنه تدمير للذات، ينشأ لأسباب آنية ظرفية، دون أن يرتبط بعوامل مرضية نفسية أو اجتماعية سابقة، بمعنى آخر لا توجد دوافع كامنة لتدمير الذات، سوى حادث صادم – غالباً ما يكون غير متوقع-  يؤدي إلى صراع رهيب بين الحياة والموت، تنتصر فيه رغبة الموت على رغبة الحياة. في هذا النوع تُفهم الواقعة وتفسَّر بدلالة الحادث الصادم أو غير المتوقع، فربما يكون حادث فشل تام في الدراسة أو العمل، أو مرض عضال لا براء منه، أو واقعة تجلب العار والفضيحة لصاحبها.

        ينتمي المنتحر إلى هيئة مجلس الدولة، أحد اعمدة النظام القضائي المصري، وهي جهة قضائية مستقلة، تختص دون غيرها بالفصل في المنازعات الإدارية، ومنازعات التنفيذ المتعلقة بجميع أحكامها، كما تختص بالفصل في الدعاوى والطعون التأديبية، ويتولى مجلس الدولة وحده الإفتاء في المسائل القانونية للجهات التي يحددها القانون، ومراجعة، وصياغة مشروعات القوانين والقرارات ذات الصفة التشريعية، ومراجعة مشروعات العقود التي تكون الدولة، أو إحدى الهيئات العامة طرفاً فيها.

        ما يعني أن الدستور، ومن ثم الدولة، تكفل لأعضاء هذه الهيئة، الاستقلالية، والحماية من تغول السلطات الأخرى على أعمالها، وتضمن لأعضائها غطاءً إجتماعياً واقتصادياً مميزاً، يحول دون تعرض هذه النخبة للاستغلال والتغرير، والحد من احتمالات انحرافها. ويحرص النظام القضائي المصري على اختيار من تتوافر فيهم، صفات الكفاءة العلمية، والسيرة المحمودة والسمعة الحسنة. وعلى الشخص المعين بعد ذلك أن يكون عزيز النفس، بعيداً عن أطماع الدنيا، مترفّعاً عن الرشوة. محايداً لا يميل لخصم في المنازعة المعروضة أمامه. لكن الكمال البشري من المحال كما يقولون.

        وإن ثبتت واقعة الانتحار، فإن الأمين العام لمجلس الدولة، أقدم على الانتحار الاضطراري، غير المرتبط بدوافع نفسية أو اجتماعية سابقة، وانما بدوافع ظرفية آنية يمكن تلخيصها فيما يلي:

·        افتضاح تورطه في قضية الفساد، وانهيار مستقبله الوظيفي، ولأن الأحداث جاءت متسارعة، كشف المتلبس الأول بالرشوة، إقالة الأمين العام، الاتهام والتحقيق والتحفظ، فإن الشعور بالانهيار كان على نفس الدرجة من السرعة، ومن المرجح أن اللحظة التي أرغم فيها على  تقديم الاستقالة، هي ذات اللحظة التي انفجر فيها الصراع بين الحياة والموت.

·         ولأن شخص المنتحر وتكوينه العلمي والقانوني، يتيحان له رؤية المستقبل، أو ما ستؤول إليه الأمور في مثل هذه القضايا. أدرك أن بقاءه على قيد الحياة، أصعب من قرار الانتحار، لأنه سوف يعيش في تناقض تام بين حاضر كان فيه مليء السمع والبصر، وبين مستقبل لا يلقي فيه إلا الازدراء والتوبيخ العام والخاص فضلاً عن العقوبة المادية التي ستوقع عليه.

·        ولا يمكن غض الطرف عن أثر الوضع الإجتماعي والأسري؛ فقد أدرك المنتحر أنه مثلما كان سبباً في ارتقاء مكانة أسرته إجتماعياً، فإنه سيكون سبباً في تدمير هذه المكانة في حال ثبوت جريمة الرشوة والفساد. وحين يفكر المنتحر في حال أسرته النووية وعائلته الممتدة، وزملاءه في العمل وأصدقائه وجيرانه،.. إلخ، فإن ذلك من شأنه أن يرفع سقف اليأس والإحباط لديه إلى أقصى درجة، دافعاً إياه إلى اتخاذ قرار تدمير الذات. فكأنه بهذا القرار يعتذر من ذويه.

        خلاصة القول، لقد استحضر الأمين العام شخص القاضي الذي أقسم اليمين على الحكم بالعدل، فاقتص بذاته من ذاته. لا يمكن بطبيعة الحال تبرير ما قام به، ولا يمكن بطبيعة الحال التعاطف مع شخص استحل الحرام مطعماً له وهو في غني عن ذلك. لكن واقعة الانتحار، ربما تكون ناقوس يدق على رأس كل فاسد في مؤسسات الدولة المختلفة. ولا يمكن أن ننهي المقال دون الإشادة بهيئة الرقابة الإدارية التي كشفت عن هذه القضية بالغة الأهمية في مشوار محاربة الفساد. واستمرار الهيئة على هذا النهج يعني قولاً وفعلاً أنه لم يعد أحد فوق القانون.

شارك