جذور وتعقيدات الأزمة السورية

الأحد 08/يناير/2017 - 02:06 م
طباعة
 

بدأت الأزمة السورية مثل باقي الثورات العربية التي سبقتها في تونس ومصر بمطالبات للديمقراطية والحرية وكان السبب المباشر قيام بعض الطلبة بكتابة بعض الشعارات على جدران المدارس تطالب بالتغيير والحرية وقابلها النظام الحاكم بالعنف الشديد اتباعاً لخُطى سلفه حافظ الأسد مع تظاهرات مدينة درعا أيضاً والتي بدأت منها المظاهرات المطالبة بالتغيير .

    انتقلت المظاهرات بعد ذلك إلى معظم أنحاء سوريا وقابلها النظام بعنف بالغ أملاً في وأد تلك الموجة من الاحتجاجات إلا أن الأمر ازداد سوءً وتبع ذلك انشقاق العديد من أفراد الجيش السوري وتكوينهم لمجموعات قتال ضد قوات النظام تكون منها بعد ذلك ما يسمى بالجيش السوري الحر الذى بدأ في أغسطس 2011 مهاجمة القوات الحكومية السورية .

    وينتمى الأسد والنخبة في سوريا إلى طائفة العلويين ( شيعة ويمثلون قرابة 12% من إجمالي عدد السكان البلغ 23 مليون نسمة ) وهم أقلية في بلد معظم سكانها من المسلمين السنة. وقد انقسمت تلك القوات إلى مجموعات تبعاً لفكرها وأيدولوجيتها الحاكمة ثم طرأ طرف جديد على طرفي النزاع وهى المجموعات الإسلامية المتشددة المتمثلة في تنظيم القاعدة والدولة الإسلامية وجبهة النصرة المنشقة عن القاعدة وكثير غيرهم الذين بدأوا في التحالف مع بعضهم البعض ضد بعضهم البعض طبقاً لسير المصالح وسعياً لكسب مزيد من النفوذ تبعاً لمساحة الأرض التي يسيطرون عليها وهو ما أضفي نوعاً من الفوضوية على ساحة النزال السورية ففي سبتمبر 2013 قام تنظيم الدولة الإسلامية بمهاجمة الجيش السوري الحر وفي يناير 2014 انضمت جبهة النصرة إلى الجيش السوري الحر في قتاله ضد تنظيم الدولة الإسلامية وفي فبراير 2014 قام تنظيم القاعدة بسحب تأييده لتنظيم الدولة الإسلامية لرفضه الانضمام لجبهة النصرة ، وهو ما نتج عنه حتى الآن مصرع ما يقرب من ربع مليون سوري إضافة إلى تشريد قرابة 9 ملايين سوري نزحوا من ديارهم في مناطق القتال منذ بداية الأزمة وحوالى 2.5 مليون سوري هربوا إلى خارج البلاد .

   

    إلا أن وصف الحرب الأهلية لا ينطبق بدقة على الوضع في سوريا حيث أن القتال الدائر هو في الأصل بين منشقين من الجيش وبعض المؤيدين لهم ضد قوات النظام ولا يوجد مثلاً مسلمون ضد مسيحيين أو دروز ضد علويين أو علويين ضد سنة حيث أن النزاع في جوهره بين طرفين يسعيان للحكم أحدهما ينادى بالحرية والديمقراطية والآخر ديكتاتوري متسلط وهو النموذج المعتاد للنزاعات في الدول الشمولية . وما نجده في سوريا الآن كثير من المجموعات الإسلامية ضد بعضها البعض وبعضها انشق عن القاعدة أو تنظيم الدولة الإسلامية تبعاً لمصلحته وهو ما يمكن أن يجعل البعض يطلق على الصراع الدائر في سوريا أنه " حرب أهلية " فالجيش الأيرلندي الذى كان يعمل على استقلال أيرلندا عن بريطانيا لم يطلق أحد على ذلك حرباً أهلية كما أن متمردي إقليم الباسك الإسباني لم يطلق أحد على عملياتهم ضد الجيش والدولة الإسبانية أنها حرب أهلية ربما لأنه لم تكن لهم عمليات متواصلة مثل الوضع في سوريا أو لأنه لم تكن هناك مجموعات متعددة تقاتل بعضها.

    والوضع القائم الآن أن كل طرف يسيطر على أجزاء صغيرة من الأرض السورية ولا يستطيع معها أن يعلن أنه صاحب الكلمة العليا على الأرض ومع دخول القوى العظمى في دائرة الصراع على النفوذ تضاءلت فرص الوصول لحل يرضى أطراف النزاع المحليين أو الخارجيين فروسيا تريد الإبقاء على نفوذها في الشرق الأوسط والولايات المتحدة تعمل على فرض واقع جديد لمصلحتها ومصلحة إسرائيل أملاً في وجود شرق أوسط جديد أما تركيا فقد وجدت نفسها في موقف فُرض عليها وهى لا تريد ظهور دولة للأكراد في المنطقة الحدودية المتاخمة لها مع سوريا ولذلك فهي متواجدة بقوة في المشهد من الجانب العراقي المتداخل مع الوضع في سوريا بسبب الأكراد وتعلن أنها ستتدخل في معركة الموصل ووضعت قوات لها داخل الأراضي العراقية للتدخل إذا دعت الحاجة، أما قطر فقد زجت بنفسها في خضم بُؤر من النزاعات والصراعات أملاً في القيام بدور أكبر من حجمها الديموغرافي اعتماداً على تقديم مساعدات مالية ضخمة إلا أنها في كل ما تقوم به لا تخرج عن المدار الأمريكي الذى يرسم لها المجال الذى يجب أن تتحرك فيه مع ضمان عدم تعرض إيران لها التي دائماً ما تتحرش بدول الخليج الأخرى وعلى الأخص البحرين.

    وقد أدت الحرب الأهلية في سوريا إلى تقسيم البلاد إلى ثلاث مناطق ففي الغـرب يسيطر الأسد (العلويين الأقلية) وعـدد مـن الميليشيـات الشيعيـة التي تمولها وتدربها إيران، وفي الوسط يوجـد السنة المعتدلين والمجموعات الجهادية المتشددة مـثل تنظيـم الــدولة الإسلامية، وجبهة النصرة المنشقة عن تنظيم القاعدة، ويسيطر تنظيم الدولة الإسلامية أيضاً على مساحات كبيرة في شمال شرق سوريا وأيضاً في العراق المجاورة وحالياً يقوم التنظيم بقتال جبهة النصرة التي تعترض على تكتيكاته، كما يقاتلون الأكـراد والقوات الحكومية السورية ، وفي الشمال الشرقي توجد وحدات الحماية الكردية التي تحاول توسيع كردستان الغربية وبينما تقوم إيران وروسيا بدعم نظام الأسد تقوم تركيا والسعودية وقطر والأردن والإمارات العربية بدعم قوات المعارضة السنية كما يقوم حزب العمال الكردستاني بدعم قوات الحماية الكردية أما مصر فتدعم الحفاظ على وحدة الأراضي السورية سواء بقى الأسد أو رحل لأن زوال الأسد سيكرس تقسيم سوريا وهذا ما تريده الولايات المتحدة إلا أن روسيا وقفت لها بالمرصاد تبعاً لمصلحتها ولأن تفتيت سوريا سيلقى بظلالٍ قاتمة على الوضع في دول الخليج العربي وستتواجد إيران بشكل مكثف في مناطق نفوذها في سوريا مستفيدة من نفوذها في العراق المجاورة وستعمل على قلقلة الأوضاع في المناطق الشيعية في السعودية والبحرين والإمارات العربية المتحدة كما ستجد الجماعات الإسلامية المتشددة مناخاً خصباً في المناطق التي تسيطر عليها وستجد متسعاً للتمدد وخاصة في السعودية حيث الفكر الوهابي ولن يتمكن المسلمون السنة من دعم مواقفهم على الأرض إلا بمساعدة قوية من الأنظمة السنية الداعمة لهم بالمال والسلاح وبموافقة من القوتين العظميين وعلى ذلك فالوضع في سوريا يعد بالغ الخطورة على الدول العربية وخاصة الخليجية وأمامنا الوضع في اليمن الذى لم يحسم بعد رغم الغطاء الجوي المكثف الذى توفره السعودية للحكومة اليمنية في مواجهة الحوثيين الذين تدعمهم إيران.

    هذا في الوقت الذى تعانى فيه مجموعات المعارضة من الانقسام فيما بينها ولا يحظى أي منهم بنفوذ قوى على أرض الواقع مما يترك البلاد دون بديل مقنع للنظام السوري القائم. وحالياً فالوضع في سوريا مرشح لمزيد من التعقيد أو فرض وضع تبعاً لرغبة روسيا أو الولايات المتحدة تبعاً لمصالحهما فالولايات المتحدة تركت روسيا في السابق تعمل لمصلحتها المتمثلة في بقاء الأسد وحالياً ابتعدت روسيا بالاتفاق مع الولايات المتحدة وعلى ذلك فالأمر ليس في يد أطراف النزاع السوريين وفي النهاية سيتم التخلص من كل تلك الجماعات الدينية المتطرفة بأيدي بعضهم البعض وبدعم من الولايات المتحدة التي ربما تستخدمهم في مواقع أخرى، ويظل الوضع في سوريا متأزماً حتى إشعار آخر. وحتى بعد معركة حلب، الأمور باتت أكثر تعقيداً، لكنها أضحت أكثر انحساراً في فاعلين أساسيين، خاصة روسيا وإيران وتركيا.

شارك