تحديات في الأفق: الاستراتيجية الاقتصادية الأمريكية تجاه العالم

الأحد 08/يناير/2017 - 03:01 م
طباعة تحديات في الأفق:
 
إبراهيم نوَّار

بعيدًا عن الصخب الإعلامي الذى كان يغلف معركة الانتخابات الرئاسية الأمريكية، عملت بعض مراكز التفكير الاستراتيجي الأمريكية على صياغة رؤى واستراتيجيات للإدارة الأمريكية الجديدة التي ستخلف الرئيس باراك أوباما، وطبقًا لمعطيات التفكير في هذه المراكز فإن الرئيس المنتخب للولايات المتحدة «دونالد ترامب»، منذ اليوم الأول لتوليه مهام مسئوليته سيجد على مكتبه عددا من الملفات المهمة العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تتعلق بالقضايا الملحة التي تواجه الإدارة الأمريكية الجديدة في الداخل والخارج، التي سيتعين على الرئيس بمساعدة مؤسساته ومستشاريه، اتخاذ قرار فيها.

وستواجه الإدارة الأمريكية الجديدة بكل تأكيد تحديات كبيرة يتعين التغلب عليها من أجل المحافظة على وضع الولايات المتحدة في العالم، وتكتسب هذه التحديات وطرق مواجهتها أهمية متزايدة مع حالة الاضطراب التي تجتاح العالم.

ومع أن الولايات المتحدة لا تزال تملك أكبر قوة عسكرية واقتصادية وسياسية، وأكبر إمكانات للإبداع البشرى في العالم في معظم المجالات بما في ذلك المجالات الرياضية، كما برهنت على ذلك بقوة الدورة الأوليمبية الأخيرة في ريو دى جانيرو، إلا أن القوى الصاعدة التي تملك إمكانات واعدة ولديها طموحات هائلة مثل الصين والهند إضافة إلى القوى التقليدية التي تحاول استعادة مكانتها في النظام الدولي مثل ألمانيا وروسيا، تطرح تهديدات خطيرة للقيادة الأمريكية في السنوات المقبلة؛ فالعالم يتغير بسرعة، ويجب على السياسة الأمريكية أن تجارى سرعة التغييرات، وإلا فإن مكانتها العالمية ستصبح مهددة.

ولسنا هنا في مجال طرح التهديدات الشاملة التي ستواجه القيادة الأمريكية من كافة النواحي، وإنما سنركز بشكل خاص على التهديدات الاقتصادية واستراتيجية الولايات المتحدة للتعامل معها، على ضوء المعطيات الراهنة، وفي هذا السياق فإننا لن نقدم رؤيتنا المستقلة، وإنما سنطرح القضايا المطروحة اقتصاديا على الإدارة الأمريكية الجديدة من وجهة نظر أمريكية كما جاءت في تقرير مهم أعده الاقتصادي الأمريكي هاوارد شاتز (Howard J. Shatz) أستاذ الاقتصاد في مؤسسة راند الأمريكية بعنوان (U.S. International Economic Strategy in a Turbulent World)، والذى تم إصداره أخيرًا ضمن مبادرة لإعادة التفكير في القضايا الاستراتيجية التي تهم الولايات المتحدة والتي ستواجه الإدارة الأمريكية الجديدة منذ اليوم الأول

ويقع التقرير الذى كتبه شاتز في ١٥١ صفحة وخلال ثمانية فصول تتناول على التوالي: القضايا الاقتصادية المتعلقة بدور الولايات المتحدة في العالم، حالة الاقتصاد الأمريكي في الوقت الحاضر، كيف يرتبط الاقتصاد الأمريكي مع العالم، مكانة الولايات المتحدة الاقتصادية على المستوى العالمي، ثم الخيارات الاقتصادية الخارجية التي تواجه الولايات المتحدة، وخيارات التعامل مع الصين ومع الدول الحليفة والصديقة، ثم يتناول الفصل الثامن الاستنتاجات الرئيسية التي خلص إليها شاتز من تقريره الاقتصادي الشامل.

تحدید طبیعة الدور الأمریکی

يقول هاوارد شاتز: إن الإدارة الأمريكية الجديدة ستجد نفسها أمام اختبار مهم لتحديد طبيعة دور الولايات المتحدة في عالم يموج بالتغيرات والاضطرابات، إنه من وجهة نظره اختبار، إما لتأكيد التعريف القائم للدور، أو لتطوير التعريف أو لإعادة تعريف دور الولايات المتحدة في العالم. وفي هذا النطاق فإن القوة الاقتصادية الأمريكية ستلعب دورًا محوريًا في تحديد مفهوم أو تعريف الدور الذى تقوم به الولايات المتحدة.

إن وجود اقتصاد قوى قادر على مواصلة النمو الخالي من الاضطرابات والمستمر يمثل عاملًا من العوامل الضرورية لسداد تكاليف السياسة الخارجية والاستراتيجية الأمريكية تجاه العالم، وبدون وجود اقتصاد قوى قادر على توفير المزيد من الرخاء لمواطنيه وعلى مستوى العالم، فإن قدرة الولايات المتحدة على قيادة العالم ستضمحل.

لقد نجحت الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بالتعاون مع حلفائها في خلق نظام اقتصادي عالمي يقوم على أسس حرية التبادل، وبمقتضى هذا النظام فإن الدول المشاركة فيه تتمتع جميعًا بحرية نسبية في أن تتاجر وأن تستثمر كل منها مع الأخرى، ويكمن التحدي الحالي الذى يواجه هذا النظام في أنه على الرغم من أن الولايات المتحدة لا تزال هي أكبر اقتصاد في العالم، إلا أن القوة النسبية للدول التي لا تدخل في عداد الحلفاء تنمو بمعدلات سريعة وتحقق تقدمًا واسع النطاق، في الوقت الذى تعانى فيه الدول الحليفة للولايات المتحدة مثل دول الاتحاد الأوروبي واليابان من معدلات نمو بطيئة أو ضعيفة، إن هذه المفارقة في موازين القوى الاقتصادية إذا استمرت فإنها ستعنى أن القوة الاقتصادية المجمعة للولايات المتحدة وحلفائها ستتراجع مع الوقت، وهو ما يهدد الدور القيادي للولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي.

ويفحص هاوارد شاتز بعناية مؤشرات أداء الاقتصاد الأمريكي حاليًا ليخلص بنتيجة تدعم وجهة نظره التي تقول إن دور الولايات المتحدة يتوسع ولا ينكمش على المستوى الاقتصادي، وهو بذلك يعارض الفريق الذى يرى أن قوة الولايات المتحدة في تراجع، وأن قدرتها على الاحتفاظ بدور القيادة تقل يومًا بعد آخر، وطبقا للإحصاءات التي يقدمها شاتز فإن حصة الولايات المتحدة من التجارة العالمية زادت من ١٩.٢٪ من إجمالي الناتج المحلى في عام ١٩٩١ إلى ٢٩.٩٪ في عام ٢٠١٤، كذلك زاد نصيب الاستثمارات الخارجية للولايات المتحدة من ٧.٦٪ من إجمالي الناتج المحلى إلى ٢٨.٤٪ في الفترة المذكورة، وفي الوقت نفسه فإن نصيب الولايات المتحدة من الاستثمارات الأجنبية على المستوى العالمي زادت من ٦.٨٪ في عام ١٩٩١ إلى ١٦.٧٪ في عام ٢٠١٤.

الإحصاءات إذن تؤكد أن الاقتصاد الأمريكي لا يزال يتمتع بحيوية كبيرة في التفاعل مع العالم سواء من حيث التجارة أو من حيث الاستثمارات، كذلك فإن الدولار الأمريكي يمثل أحد مصادر قوة الولايات المتحدة في النظام الاقتصادي العالمي، فهو منذ عام ١٩٩٦ يستحوذ وحده على ما يقرب من ٦٠٪ من الاحتياطي النقدي العالمي، كما أنه يساهم بالنسبة الأعظم في تسوية معاملات التجارة العالمية.

أما بالنسبة لتوقعات النمو في المستقبل المنظور، فإن الولايات المتحدة تعتبر أفضل من غيرها من الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة، ومن الملاحظات المهمة التي أوردها شاتز في تفسيره لقوة أداء الاقتصاد الأمريكي هي تلك المتعلقة بدور المهاجرين الأجانب والتأثير الإيجابي لسياسة الهجرة التي تتبعها الولايات المتحدة الأمريكية، وطبقا لشاتز فإن الهجرة تعد واحدًا من أهم محركات النمو في الولايات المتحدة، وتفسر الهجرة إلى الولايات المتحدة ما يقرب من ثلث إجمالي معدل الزيادة السكانية بين عامي ١٩٩٠ و٢٠٠٠ بنسبة ٣٤.٧٪ وبنسبة ٣٣.٦٪ في الفترة من ٢٠٠٠ إلى ٢٠١٠ وبنسبة ٢٣.٥٪ في الفترة من ٢٠١٠ إلى ٢٠١٤، ويحمل المهاجرون القادمون إلى الولايات المتحدة معهم ثروة هائلة من رأس المال البشرى والخبرات العملية والتكنولوجية، وهو ما يضع الاقتصاد الأمريكى في مكانة عالمية مرتفعة من حيث إنتاجية العوامل الاقتصادية مجتمعة.

الأهداف الرئيسية للاستراتيجية الاقتصادية

لكن هذه المؤشرات التي تدل على قوة الاقتصاد الأمريكي ومكانته الرفيعة على المستوى العالمي لا تكفي للمحافظة على الدور الذى تقوم به الولايات المتحدة على مستوى العالم، ويحدد شاتز التحدي الاقتصادي الرئيسي الذى يواجه الولايات المتحدة في حقيقة أن القوة الاقتصادية النسبية للدول غير الحليفة تزيد بمعدلات أسرع، بينما القوة الاقتصادية المجمعة للولايات المتحدة وحلفائها تتدهور نسبيًا.

ويقترح هاوارد شاتز على الإدارة الأمريكية الجديدة أربع مهام رئيسية لمواجهة التحدي الاقتصادي لدور الولايات المتحدة في العالم، وتتمثل هذه المهام في الآتي:

1.    المحافظة على قوة النظام الاقتصادي الحر في العالم وتطويره.

2.    دمج الصين في الاقتصاد العالمي

3.    تعزيز قوة الحلفاء والأصدقاء ومساعدتهم.

4.    استخدام الوسائل والأدوات الاقتصادية لردع السلوك غير المرغوب فيه من جانب الدول غير الحليفة.

وفيما يتعلق بمهمة تطوير النظام الاقتصادي الحر والمحافظة على قوته يقترح شاتز ضرورة أن تقوم الإدارة الأمريكية الجديدة بالعمل على إنجاز اتفاقية عامة للتجارة والاستثمار بين الدول المطلة على المحيط الهادي، واتفاقية مماثلة لتنظيم التجارة والاستثمار بين دول المحيط الأطلنطي، إلى جانب العمل على تحريك أولوية القواعد المتفق عليها في هذه الاتفاقيات، لتتقدم عما عداها من قواعد في النظام الاقتصادي العالمي وهو ما سيساعد على تقليص التعقيدات التي يمكن أن تنشأ عن تعارض أو تفاوت مسارات قواعد تنظيم التجارة والاستثمار بين ما تفرضه الالتزامات العالمية متعددة الأطراف وما تلزمه الاتفاقيات الجماعية المتقدمة بين مجموعات مختلفة مثل دول المحيط الهادي أو المحيط الأطلنطي.

وينوه شاتز كذلك إلى أهمية تعزيز وتطوير دور مؤسسات التمويل والتنمية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد، والإقليمية مثل بنك الاستثمار الأوروبي والآسيوي والإفريقي، وضرورة صياغة استراتيجية واضحة المعالم للتعامل مع المؤسسات الموازية خصوصًا تلك التي نشأت مؤخرًا مثل مؤسسات اتفاقية شنغهاى.

کیفیة التعامل مع الصین

أعطى هاوارد شاتز أهمية خاصة لوضع الصين في الاقتصاد العالمي وتطور دورها خلال السنوات الأخيرة لتصبح المصدر الأول في العالم قبل الولايات المتحدة، وثاني أكبر مستورد في العالم بعدها، وقال إنه من المرجح أن يستمر الاقتصاد الصيني في النمو بمعدلات مرتفعة خلال السنوات المقبلة، وأعتبر أن ذلك لا يمثل خطرًا يهدد مكانة ودور الولايات المتحدة إذا نجحت الإدارة الأمريكية في احتواء صعود الصين داخل النظام الاقتصادي العالمي الذى يقوم على أساس حرية التبادل، ويعتبر دمج الصين في النظام الاقتصادي العالمي من المهام التلقائية التي تقوم بها المؤسسات الصناعية والتجارية حتى بعيدًا عن الحكومات، وفي الوقت الذى تعتبر فيه الولايات المتحدة من أهم المستثمرين الأجانب في الصين، فإن الصين في الوقت نفسه تعتبر من أهم المستثمرين الأجانب في الولايات المتحدة، ولا يتوقف الأمر عند ذلك الحد، بل إن دول الاتحاد الأوروبي والصين تقومان معًا بجهود كبيرة لتنشيط حركة التجارة السلعية والخدمية وزيادة الاستثمارات في الناحيتين، وأكد شاتز أهمية أن تكون اتفاقية تحرير التجارة والاستثمار بين دول المحيط الهادي فرصة لتعزيز العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين في كل المجالات.

وقد استطاعت الصين خلال السنوات القليلة الماضية أن تقدم للعالم رؤية جديدة للنمو والتعاون، خصوصًا بعد أن أعادت بعث طريق الحرير من جديد بغرض تعزيز التجارة بين دول قارات العالم القديم، آسيا وإفريقيا وأوروبا.

ومن أهم التحديات التي ستواجه الولايات المتحدة خلال السنوات المقبلة إذا فشلت في جهود احتواء الصين داخل النظام الاقتصادي العالمي الحر، بروز دور عدد من المؤسسات المالية والتنموية التي خلقتها وتساندها الصين مثل البنك الآسيوي لاستثمارات البنية الأساسية، وبنك التنمية الجديد، وغيرهما من مؤسسات اتفاقية شنغهاى، وعلى الرغم من أن دور هذه المؤسسات لم يتطور بعد كدور بديل أو مناوئ لمؤسسات مثل صندوق النقد أو البنك الدولي، إلا أن عودة الحرب الباردة من جديد وتكريس الانقسام العالمي بين نظامين مختلفين، قد يسفر عن مخاطر هائلة لا تهدد فقط دور الولايات المتحدة وحدها، وإنما تهدد استقرار النظام الاقتصادي العالمي بأكمله.

ويعتقد شاتز أن بقاء صورة الولايات المتحدة بوصفها «الدولة النموذج» في بناء نظام يقدم لمواطنيه أعلى مستويات الرفاهية والاستقرار ويقدم لحلفائه أفضل شروط ومزايا التعاون المتبادل هو الذى سيقرر بقاء وتطور دور الولايات المتحدة في مركز القيادة العالمي

أما عن علاقة الولايات المتحدة بحلفائها وأصدقائها، فإن وجهة نظر شاتز تتمثل في أن الإدارة الأمريكية الجديدة يجب أن تحافظ على نهج سياسي يقلل من السياسات التي تحقق نفعًا للولايات المتحدة على حساب أصدقائها، ويوسع من نطاق السياسات التي تحقق نفعًا أكبر لأصدقاء الولايات المتحدة، وفي مواجهة الخلافات الطارئة التي قد تنشأ بين واشنطن وحلفائها فإن التقرير يوصى بأن تتمتع السياسة الخارجية الأمريكية بدرجة عالية من اليقين والمصداقية.

إن معالم الاستراتيجية الاقتصادية للولايات المتحدة تجاه العالم التي يرسمها شاتز، ترتكز على قدرة الولايات المتحدة على مواصلة النمو ومساندة حلفائها واحتواء القوى الصاعدة وتعزيز قوة ومشروعية مؤسسات النظام الاقتصادي العالمي الحر وممارسة سياسات مرنة تجاه بقية دول العالم لا تستبعد اللجوء إلى استخدام الأسلحة الاقتصادية السلبية مثل المقاطعة المالية والتجارية وفرض القيود الاقتصادية المختلفة، ولكن إذا عجزت الولايات المتحدة عن تحقيق ذلك فإن دورها في العالم سيصبح مهددًا، وسيكون مصيرها بعد عقود وليس بعد سنوات مثل مصير الإمبراطوريات العالمية التي صعدت وانهارت من قبل مثل الإمبراطورية البريطانية والعثمانية والسلجوقية والفاطمية والعباسية والأموية وغيرها.

وتعتبر إشارة شاتز إلى قياس القوة الاقتصادية الأمريكية، بالقوة الاقتصادية المجمعة لكل من الولايات المتحدة وحلفائها في أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية ذات مغزى شديد الأهمية، لأن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تقوم بمفردها بحماية النظام الاقتصادي الحر في العالم أو بحماية النظام الدفاعي الذى كرسته منذ نهاية الحرب الباردة والذى يقوم على هيمنة حلف شمال الأطلنطي، إن ملاحظة شاتز تنطوي على الاعتراف بعدم قدرة الولايات المتحدة وحدها على القيام بذلك الدور، كما إنها تتضمن أيضًا اعتراف بأن بعض محددات الدور الأمريكي ليست من صنع الولايات المتحدة وإنما هي من صنع دول وحكومات خارجية، قد لا تستطيع تقديم ما تسعى إليه الولايات المتحدة من المحافظة على دورها القيادي في العالم.

احتواء الدور الصینى

ومن المهم كذلك الإشارة إلى أن الدور العالمي للصين لا يزال في طور التشكل، وهو يتمتع بقوة دفع هائلة سياسية وعسكرية واقتصادية تبرهن على نفسها كل يوم، لكن الصين تعلم في الوقت نفسه أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تزال تتمتع بقدرات لا يمكن منافستها في الكثير من المجالات المتقدمة، ولذلك فإنه من غير المطروح في الوقت الحالي أن تنشأ حالة من التحدي العالمي بين قوة الصين وقوة الولايات المتحدة على النفوذ في العالم. ومما يلاحظ في كثير من الأحيان أن السياسة الخارجية الأمريكية تهتم إلى حد كبير بترتيب دور عالمي للصين يضمن حتى الآن استمرار القيادة الأمريكية، لكن نشأة مؤسسات اقتصادية صينية ذات طابع عالمي من شأنه أن يطرح علامات استفهام كبيرة حول دور الصين العالمي في المستقبل وهو ما قد يفرض قيودًا على الدور العالمي للولايات المتحدة الأمريكية، وقد كانت زيارة أوباما للصين في عام ٢٠١٥ بمناسبة قمة منتدى دول آسيا والمحيط الهادي، ودعوته للتعاون بين الطرفين في مجالات واسعة النطاق، من التكنولوجيا المتقدمة إلى المحافظة على البيئة والحد من الانبعاثات الحرارية، ثم زيارته الأخيرة «٢٠١٦»، بمناسبة قمة الدول العشرين، ولقاءاته مع القيادات الصينية مؤشرات على الأهمية التي توليها الإدارة الأمريكية للتقارب مع الصين واحتواء إمكاناتها الضخمة في نطاق النظام الاقتصادي العالمي الحالي.

وعلى هذا الأساس فإن دراسة شاتز، تتوقع أن تولى الإدارة الأمريكية الجديدة أهمية قصوى لإدماج الصين في النظام العالمي في كل المجالات بقدر الإمكان والحد من التهديدات التي يمكن أن يخلقها ابتعاد الصين عن النظام العالمي أو لجوئها إلى وضع أسس نظام عالمي جديد، ومع ذلك فإن نجاح أي استراتيجية للولايات المتحدة تجاه الصين أو تجاه الدول الصديقة أو الحليفة سيتوقف على قدرة الولايات المتحدة على تنفيذ سياسة داخلية نشطة وفعالة في مجالات تحقيق النمو ورفع مستويات الرفاهية لمواطنيها والتعاون مع أصدقائها وحلفائها على أساس النفع المتبادل، باختصار إن استمرار الدور القيادي العالمي للولايات المتحدة يتوقف على أن تستمر الولايات المتحدة بمثابة الدولة النموذج في العالم أو الدولة الحلم الذى تتطلع إليه بقية دول العالم، لكن علينا أن ندرك في كل الأحوال أن الولايات المتحدة لن تستطيع وحدها توفير هذه القدرات، وإنها لا بد أن تتعاون من غيرها من دول العالم، وأن تقدم كل ما من شأنه أن يشجع الدول الصاعدة على الاندماج في النظام العالمي الذى تقوده.

وتتضمن مظاهر ضعف الدور الأمريكي الملامح التالية:

العجز عن مواصلة الإنفاق الدفاعي بالمستويات السابقة.

التشقق المؤسسي وضعف الثقة في المؤسسات "ظاهرة ترامب".

ضعف الحلفاء.

ظهور طموحات جديدة بين الحلفاء.

ظهور قوى جديدة تميل للتحالف مع خصوم الولايات المتحدة.

الدور الصيني لا يزال في طور التشكل.

روسيا وتطوير أسلحة الحروب التكتيكية

الصين وتطوير حروب شبكات المعلومات (Cyber War).

تأثير الصورة السلبية عن دور الولايات المتحدة في صراعات العالم 

اختيارات دونالد ترامب.

على ضوء الدراسة التي أعدها شاتز، يتبين لنا أن تكوين الإدارة الجديدة، وميول الشخصيات التي تم الإعلان عنها سواء للخارجية أو للتجارة أو الدفاع ربما ستؤجج أزمة الدور الأمريكي في العالم.

صحيح أننا لم نر بعد المسار الرسمي لسياسة دونالد ترامب مع حلفاء الولايات المتحدة ومع خصومها في العالم، لكن الميل لإثارة أزمات مع الصين بدلًا من العمل على احتوائها، والتقليل من أهمية دور حلفاء الولايات المتحدة بما في ذلك دول حلف شمال الأطلنطي، وعدم وضوح سياسة الولايات المتحدة المقبلة تجاه النظام العالمي القائم بمؤسساته المختلفة، يضع شكوكًا قوية حول قدرة الولايات المتحدة على الاستمرار في قيادة العالم على نفس المنوال السابق خلال فترة الحرب الباردة، ثم خلال فترة ما بعد انهيار سور برلين وسقوط حلف وارسو.

إن دونالد ترامب الذى شكك أكثر من مرة خلال حملته الرئاسية في قدرة حلفاء الولايات المتحدة في الدفاع عن أنفسهم، وأظهر انحيازًا إلى فكرة زيادة الإنفاق الدفاعي لدول حلف شمال الأطلنطي بحيث يقترب من نسبة الإنفاق العسكري الأمريكي ربما يجد صعوبة في إقناع الحلفاء بفكرة زيادة إنفاقهم الدفاعي مع بقاء الحلفاء في الوقت نفسه تحت هيمنة السياسة الخارجية والدفاعية الأمريكية خصوصًا تجاه كل من الصين وروسيا، ويبدو من متابعة تصريحات ترامب خلال الأسابيع الأخيرة إن إدارته ربما تصبح مقبلة على «اختبار» صدامي مع الصين، سواء على الصعيد التجاري أو على الصعيد الدفاعي. وإذا بدأ ترامب عهده بتهديد الصين، فإن ذلك سيضع إدارته الجديدة في صدام ليس مع الصين فقط، ولكن الأخطر من ذلك مع مؤسسات صنع السياسة في الولايات المتحدة، وستكون نتيجة ذلك المزيد من ضعف الدور الأمريكي وليس تقويته على المستوى العالمي.

شارك