الصراع البائس: تركيا والتعديلات الدستورية

السبت 14/يناير/2017 - 07:20 م
طباعة الصراع البائس: تركيا
 
د. أحمد موسى بدوي

تمر تركيا بمرحلة حرجة فى تاريخها، ملخصها الإدارة الخاطئة للملفات الإقليمية، باعتراف قادة الحزب الحاكم هناك، والتهور والاندفاع الذى يمارسه رجب طيب أردوغان فى استعداء وإقصاء القوى الاجتماعية الفاعلة فى الداخل التركى. وإصراره العنيد على تعديل بعض مواد الدستور، لشرعنة سلوكه الاستبدادى الواقع بالفعل

        الخوف يهيمن على الشعب التركى، اقتصاد يتراجع بشكل سريع بعد عقد من التقدم المذهل، والسلام الاجتماعى يتهاوى، والإرهاب يضرب بلا هوادة. فكيف وصلت تركيا لهذه الحالة، وهل التعديلات الدستورية التى يناقشها البرلمان الآن، تمثل حلًا ناجزًا للمشكلات التى تعانى منها تركيا فى الحاضر والمستقبل.

أولًا: الجذور العرقية والدينية للمشکلات الترکية الراهنة

        يعد العاملان العرقى والدينى من الأيادى الخفية المؤثرة بقوة فى تشكيل النظام السياسى التركى الحديث. كيف ذلك؟ من الناحية العرقية، نجد أن تركيا مجتمع متعدد العرقيات، حيث يمثل العرق التركى ما يقرب من ٦٤٪ والأكراد ٢٣٪ وأقليات عرقية صغيرة من العرب والأرمن والآشوريين، يمثلون حوالى ١٣٪ من جملة السكان

        ومن المعروف أيضا أن العلاقة بين العرقين الكردى والتركي، ظلت لوقت طويل علاقات صراعية، وتعرض الأكراد للاضطهاد الدائم من قبل الحكومات التركية المتعاقبة. ثم حدث تطور كبير فى سياسات دمج الأكراد فى المجتمع التركي، خلال الفترة (٢٠٠٥-٢٠١٥)، فانعكس الصراع بين العرقين إلى ميدان السياسة، يمثلهما حزبان متناقضان هما الحركة القومية، وهو حزب علمانى يمينى متطرف لا يعترف بحقوق الأكراد. وحزب الشعوب الديمقراطي، له توجهات يسارية فضلاً عن أنه لسان حال الأكراد فى تركيا

        أما من الناحية الدينية، أو بالأحرى المذهبية، فعلى الرغم من تركيا تبدو للوهلة مجتمعًا متجانسًا دينيًا، حيث نجد أن ٩٩٪ من الأتراك يدينون بالإسلام. إلا أن المسلمين منقسمون إلى سنة بنسبة ٧٦٪ وشيعة علويين ٢٣٪، مع وجود أقليات صغيرة من اليهود والمسيحيين. وبين الجماعتين السنة والعلوية تناقضات وصراعات تاريخية معروفة، حاولت الدولة الكمالية القضاء عليها، لكنها عادت لتلقى بظلالها على المشهد السياسى فى بداية الألفية الجديدة. وتعبر تركيبة حزبى العدالة والتنمية والشعب عن هذه الثنائية الطائفية بصورة ما، فحزب الشعب يضم أكبر نسبة من العلويين فى الوقت الراهن، بينما يضم العدالة والتنمية أكبر نسبة من الأتراك السنة
ومن المعلوم أن حزب الشعب، طالما رفع الشعار العلماني، وامتلك السلطة ردحًا طويلًا من الزمن، وعانى الأتراك فى الفترات التى حكم فيها تركيا من هيمنة الجيش على الحياة السياسية. وقد حدثت انفراجة سياسية فى الربع الأخير من القرن العشرين، تسمح بوجود أحزاب ذات ميول إسلامية، وقد تلقف الأتراك السنة هذه الفرصة، وعضّوا عليها بالبواجز، ساعد على ذلك ظهور كارزيما نجم الدين أربكان، والتف الأتراك السنة بقوة حول الأحزاب السياسية ذات الميول الإسلامية، التى كانت تتأسس ثم يتم حظرها بحكم المحكمة، إلى أن استقر دعمهم على حزب العدالة والتنمية منذ ٢٠٠٢ وحتى الآن.

        وعليه، فإن المسألتين العرقية والدينية، تؤثران بعمق فى تشكيل النظام السياسى التركي. والباحث المدقق فى معظم الأحداث السياسية التى تمر بها تركيا منذ نهاية القرن العشرين، سيجد أن المسألتين العرقية والمذهبية، تلقيان بظلالهما على هذه الأحداث، فعلى سبيل المثال نجد أن تحالف حزب الحركة القومية وحزب الشعب العلمانيين فى الانتخابات الرئاسية، هو تحالف ضد العدالة والتنمية بميوله الإسلامية، وضد الشعوب الديمقراطى لسان العرق الكردي. وبنفس الطريقة فإن التحالف بين حزب الحركة القومية وحزب العدالة والتنمية فيما يتعلق بالتعديلات الدستورية الأخيرة، يكرس الانقسام الذى بلغ ذروته فى المجال السياسى التركي، فهو تحالف علمانى ضد علمانى (الحركة القومية ضد الشعب)، وتحالف عرقى تركى ضد كردي، (الحركة القومية ضد الشعوب الديمقراطية)، وتحالف مذهبى سنى ضد علوي، (العدالة والتنمية ضد الشعب). ومن هذه الزاوية يمكن أن نفهم كذلك سر النجاح لأى فصيل سياسي، فالذى يضمن الصوت السنى من الناحية المذهبية، والصوت التركى من الناحية العرقية، يستطيع حسم النتائج فى الفعاليات الانتخابية لصالحه

ثانياً- حرب التعديلات الدستورية

        لدينا نوعان من العوامل، يمكن أن نفهم من خلالهما كيف استعرت حرب التعديلات الدستورية منذ أكثر من ثلاث سنوات، العامل الأول يرتبط بالحزب الحاكم الذى يريد تكريس سلطاته، عبر هذه التعديلات، بعد إخفاقات الحزب فى الملف الاقتصادي، وموقفه من محاربة الفساد، ومن الحريات، وعلاقتها بالمؤسسات السيادية وخاصة القضاء والشرطة. حيث تشير الإحصاءات الاقتصادية الكلية، إلى تراجع الاقتصاد التركى منذ عام ٢٠١٤، من حيث انخفاض معدل النمو، ارتفاع نسبة التضخم، تدهور قيمة العملة التركية، ارتفاع نسبة العجز الكلى للميزانية. بينما أخفقت الحكومة فى كسب ثقة المواطن التركي، فى التعامل مع ملفات الفساد، وميلها للتعسف مع مؤسسة الشرطة والقضاء، لإجبارها على غلق الملفات المتهم فيها قيادات من العدالة والتنمية وأبناؤهم. بالإضافة إلى تضييق هامش الحرية التى كانت تتمتع به تركيا فى السنوات الأخيرة، خاصة ما يتعلق بالتعسف الشديد فى ملاحقة عشرات الألوف من المنتمين لجماعة الخدمة، بعد اتهام الجماعة بتدبير الانقلاب الفاشل فى ٢٠١٦

        أما العامل الثانى فيرتبط، بشخص رجب طيب أردوغان نفسه، وطموحاته المثيرة للجدل. وميله الدائم نحو الاتهام والتحقير وتخوين قوى المعارضة التركية. ولم يسلم منه كبار موظفى الدولة. والمشكلة أن أردوغان لا يستطيع البقاء فى الظل، يريد دائما أن يكون فى الصدارة، لكن هذا المسلك المشوش يمكن أن يكون مدمرًا. لا شك أن الرجل امتلك قدرات كبيرة مكنته فى قيادة تركيا والصعود بها إلى مصاف الدول الواعدة. لكنه لم يستوعب أن هذه القيادة لم تكن العامل الوحيد فى هذا الصعود، وأن الشعب التركى هو البطل الحقيقى فى المعجزة الاقتصادية. لقد اختزل أردوغان تركيا فى شخصه. وبعد أن أصبح رئيسًا للجمهورية، شعر بأن البساط يسحب من تحت قدميه، فاتجه للتخلص من الأقوياء المحيطين به، وسعى بإصرار إلى تعديل الدستور لاستعادة زمام القيادة، فورط تركيا فى صراعين داخليين كبيرين، كالتالي:

1- تسميم العلاقة بين العرقين الكردى والتركي، وإنهاء حالة السلام والعودة للصراع المسلح، بدأت هذه المعركة منذ أن تجرأ صلاح ديمرطاش على ترشيح نفسه على منصب الرئاسة، ثم نجاح حزب الشعوب الملفت والمفاجئ فى الانتخابات البرلمانية، بعد حصوله على ٨٠ مقعدًا من ٥٥٠ مقعدًا فى انتخابات يونيو ٢٠١٥. فى هذه اللحظة شعر أردوغان أن حلم تعديل الدستور لاستعادة زمام القيادة يضيع من بين يديه. فسعى إلى تفجير الصراع وإنهاء حالة السلام. والدعوة لانتخابات برلمانية جديدة، محاولًا بكل ما يملك تكسير عظام حزب الشعوب، وفى نوفمبر ٢٠١٥ جرت عملية إعادة الانتخابات البرلمانية، ومرة أخرى يتخطى حزب الشعوب العتبة الانتخابية «الحصول على ١٠٪ على الأقل من أصوات الناخبين»، ويحصل على ٥٩ مقعدًا. فما كان من أردوغان وحزبه إلا أن قاموا بملاحقة البرلمانيين الأكراد بتهمة التحريض على الإرهاب ودعم حزب العمال الكردستاني، والآن يوجد ١١ عضوًا برلمانيًا على رأسهم زعيم الحزب رهن الاعتقال.

        ومن المؤسف أن تكون اللحظة التاريخية التى تمكن فيها الأكراد من الاندماج الناجح فى النظام السياسى التركى ككتلة حزبية كردية، ما يبشر بمزيد من الاستقرار السياسى والسلم الاجتماعي، هى ذات اللحظة التى يحلم فيها رئيس الدولة بالسلطنة العثمانية الجديدة. لقد اختار أردوغان تحقيق أحلامه على حساب الاستقرار السياسي، وقدم الصراع مع الأكراد وأخَّر الحوار والتوافق. كان بإمكان حزب العدالة والتنمية أن يسيطر على الأوضاع ويحول دون تفجر المواجهات فى ربوع تركيا، ولكنه فضل سياسة الدم، من أجل فبركة متغيرات جديدة على المسرح السياسي، تسمح بإزاحة الوافد الكردى الجديد «حزب الشعوب الديمقراطية». لقد أشعل الحزب الحاكم فتيل الأزمة، وأشاع مناخ الخوف والترويع، لكى يضمن الأغلبية فى الانتخابات البرلمانية المبكرة. لقد نجح أردوغان وحزبه فى وضع الناخب التركى أمام خيارين كلاهما مر: إما الفوضى أو العدالة والتنمية، ولكنه لن يستطيع أن يخمد النيران التى أشعلها وقتما يشاء.

2- اضطهاد جماعة الخدمة: معركة أردوغان مع جماعة الخدمة بدأت فى نهاية حكمه كرئيس للوزراء، وتحديدا فى إدارته لأزمة ميدان تقسيم فى شهر مايو من عام ٢٠١٣ وهى الأزمة التى تمثل محطة مهمة فى توتر العلاقة بين أردوغان والقوى السياسية والاجتماعية التركية، وعلى رأسها جماعة الخدمة. ومن المعلوم أن الشرطة تعاملت بعنف مفرط مع المتظاهرين، ما أدى إلى اندلاع المظاهرات فى مدن تركية أخرى، واحتال أردوغان للخروج من الورطة، باستحضار العدو الداخلى مندفعًا إلى اتهام فتح الله جولن مؤسس جماعة الخدمة بتدبير أزمة ميدان تقسيم، مدعيًا أن قوات الأمن التى تعاملت بعنف مفرط مع المحتجين، هم من أنصار جولن، الذين يسيطرون على مواقع هامة داخل قوات الشرطة التركية، وعلى إثر ذلك قام بالتخلص من مئات القيادات الأمنية
        ثم بعد مظاهرات تقسيم بشهور قليلة استطاعت الشرطة التركية وهيئة الادعاء العام الكشف عن مجموعة قضايا فساد كبيرة تورط فيها وزراء ومسئولون وأبناء مسئولين متنفذين فى الدولة وامتدت لتطال أسرة أردوغان. ومرة أخرى يستحضر أردوغان العدو المصطنع مندفعًا نحو اتهام جماعة الخدمة بالسيطرة على القضاء. ولا يمل أردوغان من ترديد مقولة الدولة الموازية. وحاول بشكل سافر، التغطية على هذه الجرائم وعدم الاعتراف بها. وقبيل الانتخابات البرلمانية الأولى يونيو ٢٠١٥، شن هجوما ضاريا على الجميع، طمعا فى الحصول على أغلبية مطلقة تتيح له تغيير الدستور والتحول إلى النظام الرئاسى متهمًا حزب الشعب وجماعة الخدمة وحزب الشعوب الديمقراطي، بالتواطؤ معًا من أجل تدمير الهوية الإسلامية لتركيا، ووقف مشروع تركيا المستقبل
        وبلغت الأزمة ذروتها فى أعقاب الانقلاب الفاشل الذى قامت به مجموعات من القوات المسلحة التركية فى ٢٠١٦، ولم يجد أردوغان وقيادات العدالة والتنمية سوى جماعة الخدمة، لكى يحملها المسئولية الكاملة عن هذا الانقلاب، وفى صبيحة ليلة الانقلاب، قامت قوات الأمن التركية بعمليات اعتقال وتوقيف ضخمة، طالت جميع مؤسسات الدولة بما فيها ديوان رئيس الجمهورية، وديوان مجلس الوزراء. متهمين أعضاء جماعة الخدمة بالتواطؤ مع الخارج لهدم الدولة التركية. وتم إقصاء أعداد غفيرة من مناصبهم ووظائفهم، وإغلاق مؤسسات الخدمة الاقتصادية والخيرية والإعلامية والتربوية.. إلخ.

ثالثًا: ملامح التعديلات الدستورية

        من المفروض منطقيًا أن تكون هناك حاجات مجتمعية ملحة تدعو لتغيير مواد الدستور فى أى بلد من البلدان، ولا بد أن يمتلك الداعون لهذه التعديلات المبررات الكافية التى يتم عرضها على الرأى العام لإقناعه بأهمية وجدوى هذه التعديلات. لكن الأمر مختلف فى الحالة التركية اختلافًا بينًا، فالمتابع لمواقع حزب العدالة والتنمية، أو موقع وكالة الأناضول، أو بقية المواقع التابعة للحكومة التركية، يكاد لا يجد محتوى واحدًا ذا قيمة، لتحليل نصوص التعديلات الدستورية، وإثبات ضرورتها فى مستقبل تركيا.

        حتى إن المحلل لكلمة رئيس الوزراء التركى فى البرلمان عشية إحالة هذه التعديلات إلى الجمعية العامة للبرلمان. يتأكد دون عناء أن الجميع يسير فى ركاب السلطان، سواء عن اقتناع أو عدم اقتناع. حيث لم يجد رئيس الوزراء ما يدافع به عن هذه التعديلات سوى بعض العبارات الجوفاء من قبيل إن التعديلات الدستورية المقترحة ستحل المشاكل التى قد تواجهها البلاد مستقبلًا، وتزيل المنغصات التى تعترض الحكومة حاليًّا. وأن التعديل سيتم عرضه على الشعب «استفتاء شعبي» عقب مناقشته فى البرلمان، معربًا عن اعتقاده بأن الشعب سيوافق عليه كما هو، ليفتح الطريق أمام تركيا لترتقى إلى مستوى الحضارات الحديثة.

        وفى المقابل ترى المعارضة التركية أن أردوغان أفسد الحياة السياسية فى تركيا، ويريد الآن فرض نظام الحكم الرئاسى فى البلاد، دون الاستعانة أو الاسترشاد برأى مؤسسات المجتمع المدني، أو الجامعات والحقوقيين، أو حتى إعطاء فرصة لشرحه للشارع بشكل واضح. فما هى ملامح هذه التعديلات التى ستزيل المنغصات التى تعترض تركيا حالياً؟

- ينص مشروع التعديل الدستورى على نقل السلطة التنفيذية من رئيس الحكومة إلى رئيس الدولة، كما قد يتيح لرئيس الجمهورية المنتهية ولايته فى ٢٠١٩، التمتع بإمكانية الترشح على المنصب لولايتين أخريين، والبقاء فى السلطة حتى ٢٠٢٩.

- وفى حال إقرار التعديل، لن يضطر الرئيس إلى قطع روابطه بحزبه السياسى عند انتخابه، وتشمل صلاحياته تعيين الوزراء وإقالتهم، وتعيين نائب رئيس أو أكثر، كما سيكون بوسعه إصدار قرارات بقوة القانون.

- ينص المشروع على تنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية متزامنة فى نوفمبر ٢٠١٩، على أن يتم انتخاب الرئيس لولاية من خمس سنوات قابلة للتجديد لمرة. وهذا النص مصنوع على مقاس الحزب الأقوى، بمعنى أن الحملة الانتخابية البرلمانية والرئاسية، ستتيح للحزب صاحب الشعبية حصد كل المكاسب دفعة واحدة.

- ينص التعديل على رفع عدد نواب البرلمان من ٥٥٠ إلى ٦٠٠ وتخفيض سن التأهل للترشح من ٢٥ عامًا إلى ١٨ عامًا. ولم يقترب هذا التعديل من المشكلة الأهم وثيقة الصلة، وهو القانون الذى يسمى «العتبة الانتخابية» الصادر فى عام ١٩٨٠، ويقضى بضرورة حصول أى حزب سياسى على نسبة ١٠٪ من مجموع الأصوات كشرط لدخول البرلمان. ومن المعلوم أن هذه العقبة وضعت فى الماضى بهدف منع الأكراد وقوى الإسلام السياسى من الدخول إلى البرلمان فى ذلك الوقت. غير أن حزب العدالة والتنمية بعد وصوله للسلطة فى عام ٢٠٠٢، لم يبادر بتغيير هذا القانون، ولم يستجب لمطالب المعارضة فى عام ٢٠١٠، بطرحه ضمن التعديلات الدستورية المقترحة آنذاك، ولم يضمنه حزمة التعديلات التى يجرى إقرارها الآن. لأنه الرابح الأول من وجود العتبة الانتخابية، التى تمنحه غالبية أصوات الأحزاب الصغيرة التى لم تتجاوز نسبة الـ ١٠٪.

- فى حال إقرار التعديلات، يصبح من صلاحيات الرئيس تعيين ١٢ قاضيًا فى المحكمة الدستورية من أصل ١٥، وهؤلاء القضاة هم الذين سيحاكمون الرئيس فى حال توجيه أى تهمة إليه. كما سيعين معظم أعضاء اللجنة العليا للقضاة ووكلاء النيابة، وهى اللجنة التى تعين القضاة وترقيهم وتقوم بنقلهم ومحاسبتهم.

- فى حال إقرار التعديلات، يمكن للرئيس حل البرلمان فى حال سعى البرلمان لإصدار قوانين، أو تعديل دستورى يحد من سلطات الرئيس. بينما البرلمان يمكنه حل نفسه وإنهاء فترة حكم الرئيس، لكن من خلال أغلبية ثلثى النواب.

- تنص التعديلات على منح الرئيس صلاحية إعلان حالة الطوارئ دون العودة إلى البرلمان لستة أشهر يستطيع خلالها إصدار قوانين تشريعية.

        ولا يحتاج الأمر إلى دلائل أو توضيح، فالنصوص تتحدث عن نفسها، فهى تعديلات تهدد بتحول تركيا إلى دولة الحزب الواحد الذى يسيطر على جميع الأجهزة والسلطات وتغول سافر من السلطات الرئاسية التنفيذية على السلطة القضائية

ويبقى السؤال الأخير فى هذا المقال، كيف ستجرى عملية إقرار هذه التعديلات، وأهم السيناريوهات المتوقعة.

رابعًا: إجراءات إقرار التعديلات الدستورية

تمر عملية إقرار التعديلات بثلاث مراحل:

١ ـ التصويت على السماح بمناقشة هذه التعديلات بمعرفة الجمعية العامة للبرلمان، ويلزم لهذه الخطوة الحصول على ٣٣٠ صوتا من أصوات البرلمان عبر عملية اقتراع سرية

        وتمت هذه الخطوة بالفعل وشارك فى التصويت السرى عدد ٤٨٠ نائبا، صوّت ٣٣٨ منهم لصالح قبول مناقشة مقترح التعديل، و١٣٤ ضد مناقشة المقترح، فى حين امتنع نائبان عن التصويت، وأدلى ٥ نواب بأوراق اقتراع فارغة، واعتبر صوت واحد باطلا. ومن المعلوم أن حزب الشعوب قاطع التصويت، ولم يتواجد فى البرلمان حال التصويت

        حزب العدالة والتنمية يملك ٣١٦ صوتا من جملة الأصوات الموافقة، أى أنه تلقى دعما من حزب الحركة القومية قدره ٢٢ صوتا، والحركة القومية لديها ٤٠ مقعدا فى البرلمان، ما يعنى أن ١٨ عضوا من أعضاء الحركة القومية لم يصوتوا لصالح التعديلات، وهو رقم معتبر مقارنة بحجم الكتلة البرلمانية لهذا الحزب

٢ ـ تجرى عملية مناقشة التعديلات على كل مادة على حدة، ويشترط لصياغة النص النهائى للمادة الحصول على ٣٣٠ صوتا موافقة

وإلا يتم إلغاء المادة. وهذه العملية تتم خلال أسبوعين من التصويت الأول. فى نهايتها تظهر الصيغة النهائية للتعديلات

ويجرى التصويت النهائى على حزمة التعديلات، فإن حازت على موافقة ٣٦٧ عضوا، أصبحت ملزمة بعد موافقة رئيس الجمهورية عليها ونشرها فى الجريدة الرسمية، دون الحاجة إلى إجراء استفتاء شعبى عليها.

٣ ـ فى حال عدم حصول التعديلات على نسبة ٣٦٧ وحصولها فقط على الحد الأدنى المطلوب لإقرارها برلمانيًا ٣٣٠ صوتا

        يتم عرض التعديلات على الاستفتاء الشعبى بعد موافقة رئيس الجمهورية فى مدة ٦٠ يوما. الأمور تتجه إلى إقرار التعديلات بالحد الأدنى، ثم الاستفتاء الشعبى عليها

        ولدينا قوى حزب الشعب الجمهورى وحزب الشعوب الديمقراطية ونسبة معتبرة من حزب الحركة القومية، إلى جانب قوة اجتماعية كبيرة ممثلة فى آلاف المضارين من أعضاء جماعة الخدمة، كل هؤلاء سوف يصوتون ضد هذه التعديلات فى الاستفتاء على الدستور

        فى مقابل القوى الداعمة للتعديلات، المتمثلة فى تكتل حزب العدالة والتنمية ونسبة معتبرة من حزب الحركة القومية

        وإذا عدنا إلى ما بدأنا به المقال، أثر المتغيرين العرقى والمذهبى إلى المشهد السياسى التركي، فإن كتلة الرافضين لهذه التعديلات، سوف تتكون من: الغالبية العظمى من الأكراد، وجانب كبير من السنة المنتمين لجماعة الخدمة، والغالبية العظمى من الكتلة العلوية العلمانية فى حزب الشعب، إلى جانب نسبة من الحركة القومية. بمعنى أن الأغلبية العرقية والمذهبية لن تصوت لصالح هذه التعديلات. وإن جرت عملية الاستفتاء بنزاهة، فمن المرجح أن أكثر من ٥٠٪ من الناخبين سوف يرفضون هذه التعديلات

        خلاصة القول إن هذه التعديلات التى أصر عليها أردوغان بعناد، بمساندة قوية من الحزب الحاكم، هى تعديلات لا تحتاج إليها تركيا المستقبل، بل على العكس كلفت الشعب التركى خسائر باهظة على جميع المستويات. ولا شك أن لحظة الاستفتاء فى إبريل المقبل، ستكون فارقة فى تاريخ تركيا الحديثة.

شارك