السؤال الصعب: رحيل رفسنجاني وصراعات "الخلافة السياسية" في إيران

الأحد 29/يناير/2017 - 04:07 م
طباعة السؤال الصعب: رحيل
 
د. محمد السعيد إدريس

تعيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ تأسيسها رسمياً (11 فبراير 1979) هاجس التربص العالمي بنظامها السياسي الذي جرى تأسيسه ضمن منظور المقومات الأساسية للفقه الشيعي الاثنى عشري الذي يعتمد مبدأ "الإمامة" كأساس للحكم، وهو المبدأ الذي استطاع الإمام الخميني مؤسس هذه الجمهورية أن يجري تعديلات جوهرية عليه تجعله ملائماً للتطبيق في غيبة الإمام، من خلال الأخذ بقاعدة حكم "ولاية الفقيه". فوفقاً للمذهب الاثنى عشري "اثنى عشر إماماً من آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أولهم الإمام علي بن أبي طالب ثم ابنه الحسن، ثم ابنه الحسين، ثم علي بن الحسين (زين العابدين) وينتهوا بالإمام الثاني عشر الإمام محمد بن الحسن (العسكري) الغائب وينتظرون ظهوره ليكون إماماً للمسلمين"، لا يجوز أن يكون لمن يعتنقون هذا المذهب أن يكون لهم إماماً بديلاً عن إمامهم الغائب، لذلك فإن قاعدة حكم "الولي الفقيه" الذي تتوافر فيه صفات ضرورية منها امتلاكه درجة فقهية عالية ومواصفات القيادة والإلمام بالشئون العامة للسياسة والحكم، قدمت الحل السحري للقوى الإسلامية في الثورة الإيرانية التي تفجرت ضد الشاه عام 1978 كي تتقدم وتسيطر على السلطة ولا تتركها للقوى "العلمانية" سواء كانت ليبرالية أو يسارية، فبفضل هذا الحل السحري استطاع الإسلاميون أن يسيطروا على السلطة في طهران، وأن يفلتوا من عقبة "غيبة الإمام"، فقد اتفقوا على اختيار نائب للإمام يحكم في غيبته لحين ظهوره "المنتظر" وهذا النائب حمل اسم "الولي الفقيه" واسم الزعيم، وكلها مترادفات وردت في دستور الجمهورية الإسلامية، وجعلت من إيران أول جمهورية إسلامية في العالم الإسلامي، ومن ثم وضعتها موضع التربص والعداء، كما جعلتها رهينة لسؤال لم يغب لحظة هو متى ستسقط هذه الجمهورية "غريبة التكوين السياسي"؟

هذا السؤال رغم أنه لم يفارق إيران منذ تأسيس جمهوريتها الإسلامية إلا أنه الآن وبعد الوفاة المفاجئة لرجلها الثاني علي أكبر هاشمي رفسنجاني يكتسب معان أكثر جدية، فالأمر الذي لا شك فيه أن إيران بدون علي أكبر هاشمي رفسنجاني هي إيران أخرى، فرحيل هذا الرجل له أكثر من معنى، أبرزها وأهمها أنه إيذان بنهاية عصر "الجمهورية الثانية" التي أعقبت "الجمهورية الأولى" أي جمهورية الإمام الخميني، والتي ظلت معتمدة على ركيزتين، أولهما ركيزة موقع "الزعامة" أو "المرشد الأعلى" أو "الولي الفقيه" وكلها تدل على شخص واحد هو آية الله علي الخامنئي، وثانيهما هاشمي رفسنجاني. كان يكفي أن تنطق الاسم مجرداً "هشمي رفسنجاني" أو "رفسنجاني" فقط كي تتداعى عشرات الدلالات، أبرزها أنه "العقل الحكيم" للأمة، أو "ضابط الإيقاع" في أداء كل مؤسسات الحكم في إيران وأداء كل القوى السياسية، هو محور ارتكاز أداء كل هؤلاء، هو الرابط أو همزة الوصل بين مؤسسة الزعامة وبين كل من رئاسة الجمهورية ومجلس الشورى (البرلمان) ومجلس صيانة الدستور، لأنه هو "مجمع تشخيص (تحديد) مصلحة النظام، كمؤسسة هو عنوانها، وكدور لم يقم به أحد قبله، ولا يعرف من في مقدوره أن يقوم به بعده، وهو أيضاً الرابط بين التيارين السياسيين الكبيرين، تيار المحافظين بتنوعاته من تقليديين أو أصوليين (ثوريين- متشددين)، وتيار الإصلاحيين من معتدلين، وليبراليين ويساريين، فهو المحافظ المعتدل القادر على الحوار المسئول مع المحافظين، وهو الإصلاحي الوسطي أو المعتدل، القادر أيضاً على ضبط إيقاع هذا التيار، لذلك ظل محور الانضباط في أداء التيارين وعنوان التيار الجامع لهما تحت عنوان "المصلحة" كما يعبر عنها الإصلاحيون، وتحت عنوان الأيديولوجية، كما يعبر عنها المحافظون، فهو الذي استطاع أن يوثق ببراعة الثقة والرابطة بين المصلحة الوطنية والأيديولوجية الإسلامية للنظام، لهذا كله، كان رفسنجاني هو القائد وهو المسئول الكبير الذي لا غنى عنه بالنسبة للمرشد الأعلى السيد على خامنئي، فهما معاً وجهان لعملة واحدة اسمها "الجمهورية الإسلامية الإيرانية". قد يكون رفسنجاني ثورياً إسلامياً لكنه الأقرب انحيازاً إلى المصلحة الوطنية، وقد يكون خامنئي عنواناً للمصلحة الوطنية لكنه الأكثر انحيازاً إلى ثورية الجمهورية وأيديولوجيتها الإسلامية ودورها القيادي إقليمياً وعالمياً. هما معاً استطاعا أن يملأا فراغ غياب الإمام الخميني مؤسس وعنوان هذه الجمهورية الثورية الإسلامية الإيرانية.

أسس الإمام روح الله الخميني هذه الجمهورية، وكان الزعيم والقائد وملهم المؤسسات والزعامات كلها، وعندما أدرك أن موعد الرحيل عن الدنيا قد اقترب حدد اختياراته لقيادة جمهوريته، ولأنه ثوري دون انتقاص لوطنيته ومصالح بلده، ولوعيه أن الجمهورية الوليدة لم تكمل بعد مرحلتها الثورية فقد اختار علي الخامنئي ليكون الزعيم القادر على إكمال المشروع الثوري للجمهورية الإيرانية، ووضع على يمينه هاشمي رفسنجاني ليكون حامي المصلحة وضابط الإيقاع الثوري، وحمَّله مسئولية إنجاز مهمة تولية خامنئي، لكن الأهم هو تحميله مسئولة ديمومة العلاقة الوفاقية معه، حسب ما نقله محمد باقر قاليباف، أحد أبرز قادة الحرس الثوري والمرشح الأسبق لرئاسة الجمهورية (محافظ طهران الحالي).

يروي قاليباف "مشهد الوصيّة التاريخية" من الخميني لرفسنجاني فيقول: "مسك الإمام الخميني إبهام رفسنجاني وأوصاه باثنتين: أن يدعو الناس إلى أن يتقبله الله، والثانية كانت لمسار أمة تعب في بنائها" فقال له: "لا قلق عندي على مستقبل إيران، سوى أن يقع خلاف بينك وبين السيد خامنئي". وعى رفسنجاني الوصيّة بحذافيرها وكان أميناً عليها. وعى أن الإمام وضعه "موضع هارون من موسى"، ما يعني أن الولاية الكبرى والعليا للبلاد هي من نصيب خامنئي، وليست له، وأن دوره أن يكون الوفي الداعم والمخلص بإيجابية لهذا الزعيم المختار، وألا يدع شيئاً يبعد بينهما. وكان رفسنجاني وفياً بوعده، فعندما رحل الإمام الخميني، دخلت البلاد مفترق طرق صعب، إما أن تصمد وتواصل مشوار إكمال مهمة الثورة والجمهورية وإما السقوط، وكان الأمر كله منعقداً حول إجابة سؤال واحد هو: من الذي بمقدوره أن يخلف الإمام الخميني، وكيف تكون له الولاية، وكيف ستدعم الأمة الاختيار؟ كانت كل الإجابات على هذه الأسئلة منعقدة بيد رفسنجاني، الذ تصدى للمهمة بجدارة فائقة، فعندما اجتمع "مجلس خبراء القيادة" للبحث في المهمة المنوطة به وهي اختيار "الزعيم" أو "الولي الفقيه" الذي سيخلف مؤسس الجمهورية الإسلامية، بادر رفسنجاني، باعتباره عضواً بمجلس الخبراء، وكان في ذات الوقت رئيساً لمجلس الشورى والقائم بأعمال قائد القوات المسلحة، بالكشف عن وصية الإمام الخميني التي كان نجله "السيد أحمد" شاهداً عليها وآية الله مشكيني وآخرين، بأن يكون السيد الخامنئي هو من يخلف الإمام في زعامة الأمة، وبادر بقراءة خطاب داخلي أبرز فيه الإمام في أكثر من مناسبة وصيته بانتخاب الخامنئي مرشداً للثورة.

كان هذا الدور الذي قام به رفسنجاني في تنصيب خامنئي مرشداً للثورة (وهي المهمة الأهم والأصعب التي قام بها رفسنجاني) هو اللبنة الأولى في إعلان الجمهورية الثانية التي كان عنوانها هو السيد الخامنئي وكان دعامتها هو هاشمي رفسنجاني الذي خلف خامنئي في منصب رئاسة الجمهورية لدورتين (من 3 أغسطس 1989 إلى 2 أغسطس 1997)، ثم تولى رئاسة مجمع تشخيص مصلحة النظام، وهو المؤسسة المعنية بحماية المصلحة الوطنية في تنافسات وصراعات مؤسسات الحكم: التنفيذية (رئاسة الجمهورية والحكومة) والتشريعية (مجلس الشورى ومجلس صيانة الدستور)، وظل رئيساً لهذا المجمع الذي نجح في تحويله إلى مؤسسة موازية لمؤسسة الزعامة أو "موازنة لها" إلى يوم رحيله المفاجئ مساء الأحد (8/1/2017).

التعجيل بصراعات الانتخابات الرئاسية

هذا الرحيل المفاجئ لرفسنجاني أحدث إرباكاً مزدوجاً لدى التيارين الكبيرين المتصارعين في إيران؛ تيار الإصلاحيين الذي يعتبر رفسنجاني أحد أهم رموزهم رغم أنهم لم يعتبروه أبداً زعيماً لهم لمواقفه الوسطية وغير الحاسمة في دعم القضايا الإصلاحية، هؤلاء كانوا يعتبرون أن رفسنجاني سيكون عاملاً قوياً في دعم إعادة ترشيح الرئيس حسن روحاني لدورة رئاسية ثانية في الانتخابات الرئاسية المقبلة (مايو 2017) في مواجهة مرشحي تيار المحافظين، كما أنهم كانوا يعولون عليه في أن يكون الرجل الذي سيقوم بالدور المحوري في معركة "الخلافة السياسية" القادمة مع رحيل السيد علي خامنئي المرشد الأعلى، وأن يكون الرجل الذي سيحدد معالم الجمهورية الثالثة، أي جمهورية ما بعد كل من خامنئي ورفسنجاني، وأن يلعب دوراً في تزكية مرشد أعلى جديد أكثر استنارة ووعياً بأولوية الأخذ بالقضايا الإصلاحية والمزج بين عملية التنمية السياسية جنباً إلى جنب مع عملية التنمية الاقتصادية، من هنا فإن رحيله المفاجئ وضعهم في موقف صعب انعكس على أدائهم المبالغ فيه أثناء جنازة رفسنجاني.

أما التيار المحافظ الذي ربما يكون قد تنفس الصعداء برحيل رفسنجاني، اعتقاداً منهم أن معركة رئاسة الجمهورية باتت أقرب إليهم في ظل غياب رفسنجاني الداعم القوي للرئيس حسن روحاني، كما أن معركة "الخلافة السياسية" ستكون ميسرة وأن المرشد الجديد سيكون حتماً من معسكرهم ومن زعماء التشدد في إيران. لكن موقف المرشد الأعلى السيد علي خامنئي كان مختلفاً عن ذلك، فقد عبر الرجل عن تأثره البالغ لغياب رفسنجاني المفاجئ رفيق مسيرة النضال الطويلة.

فمسيرة طويلة وشاقة خاضها رفسنجاني إلى جانب خامنئي سبقتها سنوات طويلة من النضال السياسي الصعب ضد نظام حكم الشاه إلى جانب أستاذه في الحوزة العلمية بـ "قم" وقائده في النضال الثوري الإمام الخميني، ثم نضال آخر لا يقل صعوبة ومشقة في تفجير الثورة وعضوية مجلس قيادتها، وانتصارها وتأسيس الجمهورية الإسلامية، ومواجهة تحدياتها خاصة الحرب العراقية- الإيرانية (1980- 1988) التي كانت عنواناً بارزاً لتحالف واسع لإسقاط الجمهورية الإسلامية، وكانت ثمرة كل هذه النضالات التي امتدت حتى عام 1989، عند رحيل الإمام الخميني، هي "الجمهورية الأولى" جمهورية الإمام الخميني، الذي تولى خلالها رفسنجاني رئاسة مجلس الشورى "البرلمان" لدورتين، إلى جانب منصب وكيل القائد الأعلى للقوات المسلحة وكان له الدور الأبرز في إقناع الإمام الخميني بقبول القرار 598 الصادر عن مجلس الأمن الدولي في أغسطس 1988 الذي أنهى الحرب الطويلة مع العراق، ثم جاءت نضالات بناء الدولة في الجمهورية الثانية عقب وفاة الإمام الخميني.

خلال هذه المسيرة الطويلة لم يفترق رفسنجاني عن خامنئي، رغم مرارات الخلاف والصدام بينهما بسبب حرص رفسنجاني على أن يكون أميناً على دوره كموازن بين السلطات وبين القوى السياسية من أجل "مصلحة البلاد" والحفاظ على أيديولوجيتها الإسلامية. ولذلك كان رثاء خامنئي لرفسنجاني ونعيه له هو الأكثر تعبيراً عن عمق الثقة والوفاء بين الرجلين.

في نعيه ورثائه لرفسنجاني قال السيد الخامنئي كلاماً شديد الأهمية ليس فقط من منظور الوفاء بين الصديقين، والنظر إلى ما مضى من سنوات عمل هائلة في إنجازاتها ومشقاتها، ولكن من منظور ما هو قادم وما ينتظر إيران من دون رفسنجاني.

قال خامنئي بحق رفسنجاني ما لم يصدر على لسانه بحق أي إنسان آخر على مدى عقود مضت عاشها خامنئي في قلب السياسة والحكم في إيران. من أبرز وأهم ما قاله فقرتين مهمتين من منظور ما هو قادم لإيران بدون رفسنجاني: "أن فطنته الوافرة (رفسنجاني) وإخلاصه الفريد في تلك السنوات كانا سنداً موثوقاً لكل الأشخاص الذين تعاونوا معه لاسيما أنا. وأن اختلاف الآراء والاجتهادات المختلفة في مراحل من هذه الفترة الطويلة، لم تتمكن أبداً من قطع أواصر الصداقة التي كانت بدايتها بين الحرمين في كربلاء، ووسوسة الخناسين الذين كانوا يسعون خلال الأعوام الأخيرة الاستفادة من هذه الاختلافات بقوة وجدية، لم تتمكن من الإخلال في الود العميق للراحل بالنسبة إلينا".

"كان نموذجاً نادراً من الجيل الأول من المناضلين ضد النظام الملكي، ومن المعذبين في هذا الطريق المليء بالمخاطر والفخر، وأن سنوات السجن وتحمل تعذيب السافاك (جهاز الاستخبارات الشاهنشاهي) والمقاومة في وجه كل هذا، والمهام الخطيرة في الدفاع عن المقدس، ورئاسة مجلس الشورى الإسلامي، ومجلس الخبراء، وغيرها، هي أوراق ناصعة من حياة هذا المناضل القديم المليئة بالتغيرات".

ما أراد خامنئي قوله هو "الفقدان" للصديق والرفيق الوفي الأمين، لذلك ختم رثائه بالقول: "ومع فقدان هاشمي لا أعرف شخصية أخرى كان لي معها تجربة مشتركة، وبهكذا مدة طويلة من متغيرات هذه المرحلة المصيرية". وقع كلام "الفقدان" و"المرحلة المصيرية" له تماس شديد الخصوصية مع خامنئي الذي يدرك أن مرضه العضال كان يرشحه هو للمغادرة وليس رفسنجاني، وربما كان مطمئناً على إيران وجمهوريتها وثورتها في وجود رفسنجاني، وربما أيضاً كان طامعاً في أن يكون لرفسنجاني وحكمته الدور الأبرز في العبور بإيران، بأمان، إلى جمهوريتها الثالثة عندما يأتي موعد رحيله، وأن يقوم بالدور نفسه الذي قام به بالانتقال السلمي للسلطة من جمهورية الخميني إلى جمهورية خامنئي، وأن يشرف ويدير ولاية الزعيم الجديد.

فريق كبير من تيار الإصلاحيين لم يثق أبداً في هذه الرؤية، بل أن الإصلاحيين كانوا واعين بأن رفسنجاني قد افترق عن خامنئي من الناحية الفعلية وبالذات منذ أزمة الانتخابات الرئاسية عام 2009 التي كانت دافعاً لتفجير ما سمى بـ "الثورة الخضراء" عندما انحاز رفسنجاني إلى الإصلاحيين وتأييدهم في موقفهم الرافض لنتائج تلك الانتخابات التي أعلنت فوز الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد بولاية ثانية على منافسه الإصلاحي مير حسين موسوي رئيس الوزراء السابق، وأكدوا أن هذه النتائج مزورة، وفاقم من موقف رفسنجاني ودفعه لتأييد هذا الاعتقاد أن المرشد الأعلى السيد علي خامنئي استبق الإعلان الرسمي لتلك النتيجة عن طريق "مجلس صيانة الدستور" المكلف دستورياً بالإشراف على الانتخابات، وبادر بإعلان فوز أحمدي نجاد وأعلن سعادته ودعمه لهذا الفوز.

حدث الافتراق بين الرجلين منذ ذلك الوقت، ولذلك حرص الإصلاحيون على أن يجعلوا من جنازة رفسنجاني تأكيداً لهذا الافتراق من ناحية، وتأكيداً آخر بأن جنازة رفسنجاني تخصهم وليس للمرشد أو جماعته من الحرس الثوري أو المحافظين الأصوليين أي صلة.

فعلى الرغم من مشاركة رموز المحافظين الأصوليين والحرس الثوري في جنازة رفسنجاني إلا أن حضور الإصلاحيين كان طاغياً. فقد أم المرشد الإيراني السيد علي خامنئي الصلاة على جثمان رفسنجاني في جامعة طهران قبل نقله لدفنه بجوار مرقد الإمام الخميني في جنوب العاصمة، وكان على رأس المشيعين الرئيس حسن روحاني ورئيس البرلمان علي لاريجاني ورئيس جهاز القضاء شقيقه صادق لاريجاني، وكبار القادة العسكريين وقادة الحرس الثوري خاصة رئيس الأركان محمد باقري، وقائد الحرس الثوري علي جعفري، وقائد "فيلق القدس" بالحرس الثوري قاسم سليماني، لكن على الجانب الآخر كان أكثر من مليونين ونصف من جماهير الشعب الإيراني يشاركون بقوة في جنازة رفسنجاني وفي القلب منهم قادة وكوادر الإصلاحيين، الذين حملوا صوره وحاولوا اجتياز الحواجز الأمنية ودخلوا في مواجهات مع قوات الأمن بعد ترديدهم هتافات تندد بمنع الرئيس السابق محمد خاتمي من حضور الجنازة، وتطالب بفك الحصار عن الزعيمين الإصلاحيين مهدي كروبي ومير حسين موسوي. كان من بين الشعارات التي رفعها الإصلاحيون قولهم: "وصيّة هاشمي.. دعم خاتمي"، و"وداعاً هاشمي.. سلاماً خاتمي"، و"رسالتنا واضحة.. يجب رفع الحصار"، و"يا حسين.. مير حسين"، شعارات تعجلت الصدام مع المرشد وتيار المحافظين الأصوليين المتشددين والحرس الثوري، ووضعت بالتالي علامات استفهام قوية حول مستقبل إيران مع غياب رفسنجاني، من منظور الصدام وليس التفاهم بين التيارين.

من سيحكم إيران؟

هذا الذي حدث في جنازة رفسنجاني يؤكد ذلك الإدراك المترسخ عند الإصلاحيين أن رفسنجاني كان مستبعداً عن أن يكون طرفاً يعتد به في الخلافة السياسية الجديدة عندما يحين أوانها برحيل خامنئي، ويستدلون على ذلك بالصدامات التي وقعت بين رفسنجاني وخامنئي منذ انحيازات رفسنجاني للثورة الخضراء عام 2009، فقد رفض رفسنجاني جنوح المحافظين الأصوليين والحرس الثوري بالحكم على حساب الديمقراطية، والإمعان في تأزيم علاقات إيران مع كل دول العالم، ودعم خامنئي لهذا الجنوح تحت مزاعم "حماية الثورة والجمهورية" الأمر الذي رآه رفسنجاني خطراً على الثورة والجمهورية معاً، ودفعه للتحالف مع الإصلاحيين والمعتدلين، واختار حسن روحاني عنواناً لهذا التيار الوسطي وفاز به في انتخابات رئاسة الجمهورية عام 2013 متحالفاً مع الإصلاحيين المدعومين من الرئيس الأسبق محمد خاتمي الذي لعب دوراً محورياً مع رفسنجاني في فوز حسن روحاني بعد أن تم إقصاء رفسنجاني عن خوضها، ثم في إعادة التيار الإصلاحي مجدداً، وبقوة إلى مجلس الشورى في انتخابات 26 فبراير 2016، على الرغم من الفوز الذي حققه المحافظون في انتخابات مجلس خبراء القيادة التي أجريت في نفس التاريخ، وهي الانتخابات التي تم إبعاد حسن الخميني (حفيد الإمام الخميني) عن خوضها، واستطاع كل من رفسنجاني وروحاني الفوز بعضوية هذا المجلس.

وإذا كان هاشمي رفسنجاني بوسطيته وبرجماتيته وحرصه الدؤوب على تحقيق المصالح الوطنية الإيرانية وتعظيمها قد استطاع مع علي خامنئي بصلابته الثورية أن يؤسسا معاً معالم الجمهورية الإيرانية الثانية بعد انتهاء الجمهورية الأولى بوفاة الإمام الخميني عام 1989، ونجحا في تحقيق "الانتقال الآمن" لإيران من "الثورة إلى الدولة"، دون إفقاد هذه الدولة رسالتها الثورية، فإن رحيل رفسنجاني المفاجئ، وتوقعات رحيل خامنئي عاجلاً أم آجلاً تطرح تساؤلات مهمة حول معالم الجمهورية الإيرانية الثالثة هي ستكون امتداداً للجمهورية الثانية التي نجحت في المواءمة بين المصلحة وبين الأيديولوجيا، وأعطت كل الأولوية لبناء إيران اقتصادياً وعسكرياً قوة إقليمية كبرى قادرة على الصمود أمام التحديات والمقاطعة الدولية، والانطلاق من الصمود إلى التوسع والتمدد الإقليمي ونشر النفوذ، دون تفريط في الأيديولوجيا الثورية بل وجعلها عنواناً لهذا التمدد والتوسع، أم ستكون الأولوية لبناء الدولة على حساب الأيديولوجيا والأهداف الثورية والدخول في مساومات وتحالفات إقليمية، على نحو ما يحدث الآن مع روسيا وتركيا، بعيداً عن الرسالة الأيديولوجية من أجل حماية الدولة وبناء إيران قوة اقتصادية – عسكرية كبرى اقتداءً بالنموذج الصيني، أم سيحدث العكس، سوف تطغى الأيديولوجية على المصلحة وتدخل إيران في مخاطر الصراعات العسكرية مع قوى وأطراف دولية وإقليمية متربصة، خاصة مع الإدارة الأمريكية الجديدة للرئيس دونالد ترامب وانحيازه المطلق للكيان الصهيوني الذي يدفع باتجاه إنهاء التزام واشنطن بالاتفاق النووي مع إيران، وما يمكن أن يحدث من تداعيات لمثل هذه الخطوة إن حدثت.

ترجيح أي من هذه المشاهد أو السيناريوهات المستقبلية لإيران يتوقف بالطبع على من سوف تؤول لهم السلطة بعد رحيل خامنئي، وتداعيات الرحيل المفاجئ لهاشمي رفسنجاني ضابط إيقاع المحافظة على التوازن بين المصلحة والأيديولوجي ومن سيخلفه في منصبه، ولا نقول في دوره.

إذا حاولنا قراءة المشاهد المحتملة لمرحلة ما بعد رحيل رفسنجاني سنجد اتجاهين مختلفين الأول يرجح أن يؤدي رحيل رفسنجاني إلى إعادة التماسك بين تياري الإصلاحيين برموزهم المعروفة: محمد خاتمي ومير حسين موسوي ومهدي كروبي والزعامات الجديدة وتيار الاعتدال الوسطي الذي كان رفسنجاني أهم رموزه مع الرئيس حسن روحاني، في محاولة لملء فراغ غياب رفسنجاني، من خلال مبايعة حسن روحاني زعيماً للتيارين بعد تقاربهما، وأن يتقوى موقف روحاني ويخوض بقوة معركة الانتخابات الرئاسية التي سوف تجرى في مايو المقبل.

الثاني، وهو الاتجاه الأقوى، يرى أن غياب رفسنجاني سيؤدي إلى إنهاء كل تقارب بين الإصلاحيين وتيار الوسط المعتدل لسببين أولهما ضعف حسن روحاني وعدم وفائه بالتزاماته وتعهداته الإصلاحية وخاصة رد الاعتبار لزعماء الإصلاحيين الخاضعين للإقامة الجبرية منذ أحداث عام 2009 (مير حسين موسوي ومهدي كروبي)، وإنهاء الحصار الإعلامي والسياسي المفروض على الرئيس الأسبق محمد خاتمي، ثانيهما أن حسن روحاني أظهر في الأشهر الأخيرة ميلاً للتباعد عن رفسنجاني والتقارب مع المرشد السيد خامنئي والمحافظين الأصوليين، حيث تعمد في الأشهر الأخيرة أن يرجع فوزه بالانتخابات الرئاسية إلى الإرادة الشعبية في إنكار ضمني لدور كل من رفسنجاني وخاتمي في ذات الوقت سوف يتفرد المحافظون الأصوليون والحرس الثوري بالسيطرة على مقاليد السلطة سواء تحالفوا مع حسن روحاني في الانتخابات الرئاسية المقبلة، أو نجحوا في فرض رئيس بديل أكثر ثورية من منظورهم.

هذا الاتجاه له ما يدعمه من أحداث وتطورات فرضت نفسها خلال السنة الماضية في أعقاب توقيع الاتفاق النووي الإيراني مع "مجموعة 5+1" وظهور تحذيرات على لسان المرشد الأعلى السيد علي خامنئي ورموز المحافظين الأصوليين وقادة الحرس الثوري من أن يؤدي الانفتاح الاقتصادي على الاقتصادات الغربية والولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص إلى انفتاح سياسي وثقافي يهدد التماسك الثوري والأيديولوجية الثورية للجمهورية الإسلامية، ومع الاستعدادات لخوض انتخابات مجلس الشورى ومجلس خبراء القيادة، حيث كان المرشد والحرس الثوري والمحافظين الأصوليين أكثر تحفزاً لمنع فوز الإصلاحيين وأكثر حرصاً على احتكار الفوز بالمجلسين لضمان وجود قيادات ثورية قادرة على أن تدافع عن الجمهورية الإسلامية، الأمر الذي يعني، أن المرشد ورجاله مع إعطاء الأولوية للأيديولوجية الثورية، الأمر الذي يعني أن رحيل رفسنجاني وغيابه عن المشهد السياسي سيكون فرصة مواتية لسيطرة المحافظين الأصوليين والحرس الثوري على السياسة والحكم في إيران.

كان رفسنجاني أكثر انحيازاً للخيار الآخر الوسطي والحيلولة دون سيطرة المتشددين على الدولة، وقام بدور أساسي في إنجاح حسن روحاني كرئيس للجمهورية وكان يخطط لسيطرة المعتدلين والإصلاحيين على "مجلس خبراء القيادة" في انتخابات 26 فبراير 2016، طامحاً لتجديد الدعوة إلى إجراء تغييرات جذرية في "ولاية الفقيه" حيث عاد ليطرح فكرة "الولاية الجماعية" بدلاً من "الولاية الفردية" خشية جنوحها وفرديتها. وهي الدعوة التي أطلقها عقب انحياز المرشد لإعادة انتخاب الرئيس محمود أحمدي نجاد عام 2009 في انتخابات وصفت من جانب قادة الإصلاحيين بأنها "انتخابات مزورة" وبسببها نزلوا إلى الشوارع وأطلقوا، ثورتهم الخضراء، فقد اعتبر رفسنجاني وقتها أن تورط المرشد في إعلان فوز أحمدي نجاد قبل أن يعلن مجلس صيانة الدستور المختص بالأمر هذا الفوز رسمياً، على أنه "خروج عن الحيادية" ما دفعه إلى الذهاب إلى "قُم" واللقاء بأعمدة "الحوزة العلمية" والدعوة إلى "الولاية الجماعية" أي اختيار عدد من كبار قادة الدولة ممن تنطبق عليهم شروط الولاية للقيام بدور "الولي الفقيه" كقيادة جماعية ومؤتمنة على  المسئولية الكبرى الملقاة على عاتقها بحكم نصوص الدستور.

رفسنجاني الذي دفع أثماناً غالية لهذا الجرؤ طالت سمعته الشخصية وأبنائه على  مدى السنوات الماضية، جدد الدعوة تلك مرة ثانية قبيل إجراء انتخابات مجلس القيادة الأخيرة في تمهيد له مغزاه لانتخاب أشخاص يكون في مقدورهم إحداث التغيير المطلوب الذي تحتاجه البلاد عندما يحين موعد اختيار "الولي الفقيه" الجديد. فقد عاد رفسنجاني للحديث عن "الولاية الجماعية" عندما فتح ملف "الخلافة السياسية" المغلق بقوله: "سيتحرك مجلس الخبراء عند الحاجة لتعيين زعيم جديد، أنهم يستعدون لذلك الآن، ويدرسون الخيارات"، وأوضح أنهم في مجلس الخبراء "عينوا مجموعة إعداد قائمة بالمؤهلين للمنصب، وستطرح للتصويت في المجلس حين يحدث أمر (ويعني رحيل خامنئي)"، كما أوضح أن مجلس الخبراء مستعد لاختيار "مجلس زعماء" إذا دعت الحاجة بدلاً من المرشد الأعلى الوحيد الذي يحكم مدى الحياة.

لم يكتف رفسنجاني بذلك، لكنه قاتل من أجل فرض حسن الخميني (حفيد الإمام الخميني) مرشحاً لعضوية مجلس الخبراء مع حرص أكثر على إنجاحه. لذلك كان التصدي بقوة وحزم ضد هذا التوجه المزدوج من جانب رفسنجاني، بإبعاد حسن الخميني أولاً عن الترشح لعضوية مجلس الخبراء وذلك بقرار إقصائي من مجلس صيانة الدستور بحجة "قلة خبرته الفقهية"، وثانياً بالحيلولة دون فوز عدد كاف من الأعضاء المقربين من رفسنجاني وتياري الإصلاحيين والمعتدلين بعضوية المجلس، وهو ما حدث، وتأكد عندما فاز أحمد جنتي برئاسة هذا المجلس بدلاً من إبراهيم اميني مرشح رفسنجاني، وهو الفوز الذي كان مثار تقدير المرشد علي خامنئي وعبر عن ذلك في رسالة مهمة قائلاً: "إن أهمية مجلس الخبراء تكمن في الحراسة الدقيقة والشاملة والرفيعة".

وجاءت رسالة خامنئي لمجلس الشورى لتكمل المعاني التي أراد تأكيدها في رسالته إلى مجلس خبراء القيادة حول أولوية الدفاع عن الهوية الإسلامية والثورية للدولة الإيرانية. فقد دعا خامنئي النواب إلى "دعم الاقتصاد المقاوم ونشر الثقافة الإسلامية وتعميقها"، كما طالب المجلس أن يكون "ركيزة الشعب المؤمن والثوري وخندقاً حصيناً يتصدى لأطماع الاستكبار الوقحة".

هذه المعاني تلاقت مع ما سبق أن حذر منه خامنئي مبكراً قبيل إجراء انتخابات مجلس الشورى ومجلس خبراء القيادة (26 فبراير 2016)، عندما أعرب عن تخوفاته من أن يحدث تحالف بين الأمريكيين وقيادة التيار الإصلاحي داخل إيران لتوظيف الانفراج المحدود الذي كان حدث في العلاقات الأمريكية – الإيرانية في أعقاب التوقيع على الاتفاق النووي (مايو 2015)، لإحداث تحولات داخلية درامية تريدها واشنطن، وتحقق أطماع الرئيس الأمريكي باراك أوباما في احتواء النظام الإيراني وتمكين الإصلاحيين من السيطرة على السلطة والانحراف بالنظام السياسي للجمهورية الإسلامية. فقد حرض خامنئي (4/1/2016) على "ضرورة رفض المرشحين غير الصالحين لانتخابات مجلس خبراء القيادة ومجلس الشورى"، وتعمد بأن "يحبط الشعب الإيراني العظيم تربص الولايات المتحدة بالاقتراع".

كل هذا يعني أن كل المؤشرات كانت تقول، وفي حياة رفسنجاني، أن إيران تتجه إلى تغليب تيار التشدد في الداخل والخارج، والآن بعد رحيل رفسنجاني الذي كان يجاهد من أجل الاعتدال وانضباط الأداء ومع مجيء إدارة أمريكية جديدة أكثر عدوانية ضد إيران، فإن الاتجاه الأرجح بعد غياب رفسنجاني هو سيطرة الحرس الثوري والمحافظين الأصوليين على عملية هندسة معالم الجمهورية الثالثة في إيران بعد غياب خامنئي، وربما يكون خامنئي نفسه هو المهندس الأهم في تحديد معالم هذه الجمهورية دون شريك منافس.

فالاعتقاد السائد الآن أن وفاة رفسنجاني ستفتح صفحة جديدة من تعامل المتشددين من محافظين أصوليين وقادة الحرس الثوري مع قضية "الخلافة السياسية" وربما مع قضية الانتخابات الرئاسية المقبلة قبلها، خصوصاً في ظل قناعة هؤلاء أن الإصلاحيين لن يقفوا إلى جانب الرئيس حسن روحاني، ومن ثم فإن أمامهم (الأصوليين) فرصة سانحة لفرض مرشح أصولي متشدد من نوع أحمدي نجاد ليتولى المنصب كي يكون قادراً على التعامل مع الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب الذي يعتبرونه "صهيونياً حتى النخاع".

هؤلاء يدعمون القناعة القائلة بأن المرشد الأعلى السيد علي خامنئي عندما صرح أمام أول اجتماع له مع مجلس خبراء القيادة الجديد (مايو 2016) بخصوص المهمة التي يضطلع بها مجلسهم لانتخاب المرشد الجديد كان يعني أن يقوموا بهذه المهمة في حياته وتحت إشرافه شخصياً وليس بعد رحيله، خصوصاً وأنه طالبهم بـ "اختيار مرشد ثوري"، على أساس أن يكون الخليفة والنائب في حياة المرشد ويشاركه مسئولياته، على غرار ما حدث مع الإمام الخميني ونائبه آية الله حسين منتظري.

هذه القناعة تؤكد أن المحافظين الأصوليين والحرس الثوري معاً كانوا على ثقة بأن رفسنجاني لن تكون له أي مسؤولية في اختار المرشد الجديد، وأن السيد علي خامنئي هو من سيختار ومن سيرجح المرشد الجديد، وهو ذات الاعتقاد عند الإصلاحيين ولذلك فإن الطرفان باتا يدركان حقيقة المعركة مبكراً، وهي معركة الصراع على السلطة والولاية الكبرى التي عجل بتفجيرها رحيل هاشمي رفسنجاني.

شارك