مقدمة في ضرورات الإصلاح: النظام القانوني والنظام القضائي المصري

الأحد 05/فبراير/2017 - 12:28 م
طباعة مقدمة في ضرورات الإصلاح:
 
نبيل عبد الفتاح

النظامين القانوني والقضائي، كليهما ينتمي إلى سلطة متمايزة وظيفياً عن الأخرى، الأول إلى السلطة التشريعية، والثاني إلى السلطة القضائية، وكليهما نظرياً وتطبيقياً منفصلان عن بعضهما، في ظل الفصل المرن بين السلطات الثلاث في بنية وتشكيل النظام الدستوري في الدولة المصرية.

في الحالة التاريخية المصرية وسياقاتها ومحمولاتها الدولتية، ثمة مواريث تاريخية لكل نظام من النظامين، وبعض من التأثير والتأثر المتبادل بين كليهما، ومن ناحية أخرى ثمة مشكلات هيكلية يعاني منها كلا النظامين، وتتطلب أعمال المقاربة الإصلاحية التي تحاول معالجة بعض الاختلالات، بهدف إضفاء الديناميكية والفاعلية لكليهما، لاسيما في ظل تراكمات عديدة للمشكلات النوعية الوظيفية، وأخرى ذات تماس مع النظامين السياسي والاجتماعي، ومن ثم أنتجت بعض المشكلات النوعية الأخرى على نحو ما سوف نبين في موضعه من هذه الدراسة الوجيزة جداً.

سون نتناول مشكلات كلا النظامين،  ثم تقديم بعض المقترحات الإصلاحية في مقال آخر على النحو التالي:

أولاً: مقاربة منهجية وجيزة للنظامين القانوني والقضائي المصري: من الشكلانية القانونية إلى السوسيو – سياسية والسوسيو قانونية.

ثانيًا: في أزمات النظام القانوني المصري.

ثالثا: مشكلات النظام القضائي المصري.

أولاً- مقاربة منهجية وجيزة للنظامين القانوني والقضائي: من الشكلانية القانونية إلى المقاربة السوسيو- سياسية، والسوسيو- قانونية.

الخطاب القانوني المنهجي المسيطر على الدراسات القانونية عموماً – والاستثناءات جدُ محدودة جداً – تميل إلى المقاربات المنهجية الشكلانية الطابع، التي تركز على سرد النصوص، والشرح على المتون، ووصف النظام في عمومياته، وذلك على نحو تجريدي، دون درس تحليلي لأصوله التاريخية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أو تحليل للأطر الاجتماعية، وطبيعة المصالح المتصارعة والمتنازعة والمتنافسة لحظة صياغة ووضع مشروعات القوانين، ومناقشاتها البرلمانية ومواقف أعضاء البرلمان من المشروع بقانون وتحليلها سياسياً واجتماعياً، ومن ثم كشف انحيازاتهم في هذا الصدد.

المقاربة الشكلانية في تناولها لتواريخ النظام القانوني وتطوراته، غالباً ما تدور في المدارات الوصفية والوقائعية، ولا تنزع إلى التأصيل السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وإلى المرجعية الثقافية القانونية المستعارة، وظلالها وتضميناتها في التشريعات التي تشكل مكونات النظام القانوني الكلي وأنساقه الفرعية، من ثم نحو إزاء سردية نصية تاريخية ذات طابع وقائعي، يدرس القانون عموماً والنظام القانوني الكلي معزولاً عن أطره وصياغاته الفنية، والماع في المتن حينا وإشارات في الحواشي / الهوامش غالباً إلى بعض المبادئ القانونية التي استقرت عليها محاكم النقض، أو الإدارية العليا، أو الدستورية العليا، وذلك في مجال شرح النصوص التقليدي.

في سرد النظام القضائي، غالباً ما يتم من خلال سردية تاريخية وقائعية تتناول رقم وسنة صدور القوانين الخاصة بالسلطة القضائية وتطورات التعديلات عليها، ثم تتناول هياكلها من حيث ترتيب المحاكم والاختصاصات، ثم يختص قانون القضاء المدني / المرافعات بالنصوص المنظمة للدعاوى القضائية، وأطرها الإجرائية، وهو ما يتم أيضاً في تناول قانون مجلس الدولة وإجراءاته ومحاكمه من القضاء الإداري والإدارية العليا، وقسم الفتوى التشريع ..إلخ.

والسؤال الذي نطرحه هنا، هل هذه المقاربة الشكلانية قادرة على الكشف عن الاختلالات البنيوية / الهيكلية للنظامين القانوني والقضائي؟

قصارى ما يمكن أن تؤدي إليه المقاربة الشكلانية هو بعضُ من الانضباط والأحكام اللفظي والاصطلاحي في تحليل بعضُ الأنساق القانونية المتفرعة من النظام القانوني الكلي، لأنها تدرس القانون لغوياً وشكلانياً ومعزولاً عن سياقاته المختلفة من ثم لا تؤدي إلى كشف المشكلات الأساسية التي تمسُ السياستين التشريعية والقضائية، وانعكاساتهما في التطبيق، أي حركة التشريع وأحكام القضاء في الواقع الموضوعي ومدى تحقيقهما للاستقرار القانوني والقضائي والاجتماعي، ومن ثم احترام "المواطنين" لدولة القانون تشريعاً وقضاءاً.

ثانياً- مشكلات النظام القانوني الكلي:

النظام القانوني الكلى وأنساقه الحديثة، يشكل واحداً من أعرق النظم القانونية الحديثة والمعاصرة في إطار العالم القانوني خارج الإطار السياسي والاجتماعي للثقافة القانونية اللاتينية، وشكل أحد أهم أدوات التحديث السلطوي في إطار عمليات بناء الدولة المصرية الحديثة حول محمد علي وإسماعيل باشا، والانتقال من نظام المكانة وقوانين الأعراف والدين إلى نظام العقد في إطار بناء هندسة قانونية حديثة تتوافق مع دمج الاقتصاد المصري، وتجارة القطن ضمن النظام الرأسمالي الدولي. من ثم الانتقال من العرفي إلى المكتوب على نحو شامل ومن النظام الديني والعرفي إلى القانون الحديث في كافة فروعه.

شكلت الثقافة القانونية اللاتينية – الإيطالية والفرنسية ثم البلجيكية – الإطار المرجعي التاريخي لمنظومات القوانين المصرية على تعدد مجالاتها وأنساقها، والتي أعدها مانوري المحامي الإيطالي السكندري أمام المحاكم القنصلية من المصدرين الإيطالي غالباً والفرنسي على نحو جزئي ثم المبادئ التي استقرت عليها المحاكم القنصلية، وذلك لتشكل القوانين التي تطبق في المحاكم المختلطة. المحاكم الوطنية قبل اتفاقية مونتريه 1937، اعتمدت على قوانين استمد غالبها من ذات المصدر التاريخي مع تعديلات جزئية، مع استمرارية قوانين الأحوال الشخصية التي ارتكزت على أحكام الشريعة الإسلامية وشرائع المصريين غير المسلمين.

مع اتفاقية مونتريه 1937، وتوحيد جهات القضاء، ووضع التقنيات القانونية التي تطبق أمام القضاء الوطني، تم إدخال بعضُ التنقيحات على القوانين التي كانت سارية من قبل سواء في القوانين المدنية والمرافعات، والتجاري، والعقوبات والإجراءات الجنائية .. إلخ. مع الأخذ بتعدد جهتي القضاء المدني والإداري في نهاية الأربعينيات من القرن الماضي.

يلاحظ الكاتب عديد الملاحظات في هذا الصدد:

1- تشكل الجماعة القانونية المصرية الحديثة، من مُشرعين وقضاة وفقهاء ومحامين، وهي التي استطاعت أقلمة النظم القانونية الحديثة مع الواقع الاجتماعي المصري.

2- تطورت اللغة القانونية المصرية من خلال تعريب المصطلحات القانونية الفرنسية واللاتينية إلى اللغة العربية، وشيوعها في صناعة التشريع والأحكام القضائية، وفي التأليف الفقهي في فروع القانون المختلفة، وفي المرافعات أمام المحاكم، وهو ما أدى إلى إنتاج بلاغة قانونية رفيعة في ظل المرحلة شبه الليبرالية وفوائضها في ظل نظام ثورة يوليو 1952، التي استمرت ديناميكيتها حتى منتصف عقد السبعينيات من القرن الماضي، وأخذت في التدهور.

3-   تأسس ورسوخ المهن القانونية وتقاليدها والعاملين في أطرها المختلفة.

4- تراكم تراث قانوني، يمكن أن نطلق عليه الرأسمال القانوني الذي تشكل من الخبرات التشريعية والقضائية والفقهية وفي مجال الدفاع القانوني، وهو الأكثر عراقة في النظم القانونية وجماعاتها ومهنها في المنطقة كلها.

5- يلاحظ تراجع تدريجي في مستويات التكوين والأداء القانوني في كليات الحقوق وفي المهن القانونية منذ منتصف عقد السبعينيات، وحتى اللحظة التاريخية الراهنة، وهو ما انعكس سلباً على النظام القانوني ودولة القانون الحديث.

يمكن لنا تحديد مشكلات النظام القانوني المصري فيما يلي:

1- غياب رؤى وفلسفة قانونية واضحة المعالم ترتكز عليها سياسة تشريعية يقوم بها البرلمان، أو مشروعات القوانين التي تتقدم بها السلطة التنفيذية في غالب مراحل تطور نظام يوليو 1952، وحتى الآن، ومن ثم بروز تناقضات وفجوات في بنية النظام الكلي وأنساقه الفرعية.

2- هيمنة النظرة الآداتية للقانون في معالجة وتنظيم المصالح الاجتماعية المتنازعة والمتنافسة والمتصارعة، وشيوع إدراك لدى النخبة المصرية الحاكمة، إن القانون يشكل أداة لحل المشكلات، أو تنظيم الظواهر، أو الأطر السلوكية، وأنه كافٍ بذاته بعيداً عن حزمة متكاملة من السياسات الاجتماعية الأخرى التي تشكل حاضنة للقانون وداعمة لفعاليته وتحقيق الأهداف المبتغاة من وراء إصداره.

3- سرعة إصدار القوانين دونما درس اجتماعي واقتصادي وثقافي لنفقاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولأسباب الظواهر والمصالح المتنازعة والسلوك الاجتماعي التي يصدر القانون لتنظيمهم.

4-   انفجار الآلة التشريعية وتضخم النظام القانوني ومنظوماته الفرعية التي وصلت إلى أكثر من ستة آلاف تشريع.

5- تراجع الجسور الفقهية والقانونية مع تطور الاتجاهات المعاصرة في القانون المقارن، ومن ثم غلبة الرؤى المحلية الضيقة، من ناحية أخرى بروز بعض الفجوات بين النظام القانوني الكلي وفروعه، وبين بعضُ الاتفاقيات الدولية في المجال القانوني لاسيما في التكامل مع أجيال حقوق الإنسان. من ثم يبدو النظام القانوني مستمراً في سياسة التعديلات الجزئية في ظل أفق من التفكير القانوني المحلي.

6- تفاقم مشكلة العلم بالقانون لدى المخاطبين بأحكامه، ولدى بعض رجال القانون نظراً لسرعة إصدار القوانين، وضعف المتابعة لما تصدره السلطة التشريعية على الرغم من الثورة الرقمية الاتصالية.

7- تراجع دور التشكيلات المتعاقبة لغالب أعضاء البرلمان – مجالس الأمة، والشعب، والنواب – في المناقشات الموضوعية والجادة لمشروعات القوانين، وميل الأغلبيات الساحقة في كل مرحلة للموافقة على المشروعات بقوانين المقدمة من الحكومة.

8-   تزايد دور نظام القرار الجمهوري بقانون في النظام القانوني المصري في ظل الدساتير المصرية المتعاقبة، وفي عديد الأحيان في المجال المحجوز لسلطة التشريع، وغالباً ما تم تمريرها دون مراجعة، لاسيما قبل وبعد دستور 1971.

9- تفاقم الفجوات بين قانون الدولة ومنظوماتها التشريعية، وبين التغير الاجتماعي على نحو أدى إلى تشكل قانون الواقع على الأعراف والمساومات ومجالس الصلح، وقانون القوة والمكانة الاجتماعية في حسم المنازعات التي تشجر فيما بين الأفراد، بديلاً عن قانون الدولة والقضاء الرسمي.

10-  عدم التكامل والتناغم بين إمكانيات أجهزة الدولة، وبين ظاهرة الانفجار السكاني وقصور فعالية الأجهزة المنوط بها تطبيق القانون، وبين التزايد المفرط في النمو السكاني، وتركيز هذه الأجهزة على القوانين ذات الطابع السياسي، وحول أمن النظام التسلطي.

11-  بعد وصول جماعة الإخوان المسلمين، والسلفيين إلى السلطة، سعى كليهما لتديين وأسلمة النظامين الدستوري والقانوني، في ظل غياب رأسمال خبراتي حول الدولة الحديثة وتقاليدها المؤسسية، وثقافة الدولة وطبيعة العلاقة بين السلطات الثلاث، وهو ما ظهر من نمط أداء الأغلبية الإخوانية والسلفية. وهو ما ساهم في اعتداء بعضهم على مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث، وتجاوز اختصاصاتهم التشريعية والرقابية إلى التدخل السافر في حدود سلطتي القضاء والتشريع على نحو أدى إلى اتساع الاضطراب في أداء سلطات الدولة خلال المرحلتين الانتقالية الأولى والثانية.

من مجمل أداء جماعة الإخوان والسلفيين نستطيع القول أن النزعة إلى الأسلمة وتديين القوانين تُعد استمرارية للنظرة الآداتية للقانون التي سادت في ظل التسلطية السياسية لنظام يوليو، بمراحله المختلفة، وإن كان سعي كلا المجموعتين إلى تسلطية سياسية وقانونية ذات أقنعة ومسوغ ديني إسلامي!.

ثالثاً- مشكلات النظام القضائي المصري

لعبت الجماعة القضائية والقضاء المصري أدواراً تاريخية هامة في تطور الهندسات القانونية والاجتماعية والدستورية الحديثة، من خلال عملهم في تفسير وتأويل نصوص القوانين الوضعية الغربية، وفي تطبيقها في مجالاتها على المنازعات القانونية المختلفة التي طرحت عليهم منذ تأسيس النظام القانوني الحديث، من المحاكم المختلطة والمحاكم الأهلية، حتى توحيد القضاء المصري في أعقاب اتفاقية مونتريه.

يمكن إيجاز هذه الأدوار تمثيلاً لا حصراً فيما يلي:

1- توطين وأقلمة المنظومات القانونية اللاتينية مع أوضاع البيئة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية المصرية، وبنجاح كبير قلت نظائره في مجتمعات عربية وإسلامية أخرى.

2-   إنتاج المبادئ القانونية العامة، ومعها أدب قضائي متميز وبلاغة قانونية رفيعة لاسيما في المرحلة شبه الليبرالية.

3-   حماية الحقوق والحريات العامة والشخصية إزاء اعتداءات السلطات أو الأفراد أو الجماعات في المجتمع المصري.

4-   تكريس وتأسيس تقاليد قضائية ومهنية وأخلاقية في تطبيق العدالة.

5- المساهمة في إنتاج المعرفة القانونية النظرية والتطبيقية من خلال الدراسات والبحوث والكتب الفقهية والقانونية التي أجراها بعض من القضاة، وأثرت المكتبة القانونية المصرية والعربية، وساهمت في تطوير الثقافة القانونية الحديثة بين أبناء الجماعات القانونية من القضاة والفقهاء والمحامين ورجال الإدارة ذوي الخلفية التكوينية القانونية.

ساعد القضاة على أداء هذه الأدوار الهامة، التكوين القانوني المتميزة لطلاب المعرفة القانونية في كلية الحقوق، والمستوى الرصين والجاد لغالبُ أساتذتها، منذ مدرسة الحقوق إلى كلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول "كلية الحقوق بجامعة القاهرة" ثم في جامعة عين شمس، والإسكندرية فيما بعد. من ناحية ثانية إجادة غالبهم للغة الفرنسية يسر عليهم متابعة أحكام المحاكم الفرنسية وعلى رأسها محكمة النقض، وأحكام مبادئ المحكمة الإدارية العليا الفرنسية بعد الأخذ بنظام تعدد جهتي القضاء إلى عادي / مدني، وإداري.

من هنا كان تكوين وأداء الجماعة القضائية والمحاكم في المرحلة شبه الليبرالية من أفضل المستويات خارج نطاق مركز الثقافة القانونية اللاتينية في فرنسا، وإيطاليا، وبلجيكا. هذا التكوين التاريخي للمبادئ القضائية والقانونية، والمساهمة في إنتاج المعرفة القانونية، وبناء التقاليد داخل الجماعة القضائية، شكل فائضاً تاريخياً استمر إلى منتصف عقد السبعينيات من القرن الماضي، يرفد أعمال الفقه والقضاة والمحاكم بالأفكار والتقاليد والأدب القضائي.

في ظل نظام ثورة يوليو 1952، ظهرت بعض المشكلات التي واجهت القضاء والجماعة القضائية يمكن إيجازها تمثيلاً لا حصراً فيما يلي:

‌أ-  أزمة قوانين السلطة القضائية – ومجلس الدولة – التي انطوت على بعضُ من القصور، والقيود، وتدخل السلطة التنفيذية في شئون القضاة، إلا أن غالبهم استطاع مقاومة بعضُ التأثير أو التدخل، ومارس عمله القضائي في حيدة ونزاهة في تطبيق القوانين، وحمى حريات الناس الشخصية والعامة.

‌ب- حدث تمدد في نظرية أعمال السيادة في أحكام مجل الدولة، حتى نهاية حكم السادات، ومع الفصل في بعض قضايا أحداث سبتمبر 1981 وفق بعض الدراسات الرصينة التي قام بها بعض كبار مستشاريه.

‌ج- بروز أزمات نادي القضاة في أوائل نظام يوليو، ثم في عام 1968، والتي أطلق عليها مذبحة القضاة بعد بيان النادي الشهير الذي انطوى على مطالب خاصة بسيادة القانون، واستقلال القضاء، والحريات العامة، وهو بيان هام لأنه ركز على المبادئ الحاكمة لدولة القانون الحديث ومبدأ الشرعية والدولة القانونية، وهي مرجعية ليبرالية بامتياز.

‌د-  التراكم المستمر في أعداد النزاعات القانونية والدعاوى القضائية، مع أزدياد تعقد المجتمع والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية، والانفجار السكاني المستمر، ومن ثم تزايدت المشكلات والمنازعات بين المواطنين بعضهم بضعاً، وبينهم وبين الدولة ومؤسساتها وهيئاتها والقطاع العام والذي أصبح اسمه قطاع الأعمال العام فيما بعد ... إلخ.

‌ه-  تعقد الإجراءات القانونية، ومن ثم البطء في إصدار الأحكام القضائية.

‌و-    بروز مشاكل تنفيذ الأحكام القضائية.

‌ز-  تراجع مستويات التكوين والتأهيل القانوني في كليات الحقوق وانعكاساتها السلبية عموماً على الجماعات القانونية، لاسيما تراجع مستوى الحرفة والصناعة القانونية للتشريعات واللوائح والقرارات الإدارية، وانعكاساتها السلبية على التطبيق القضائي.

‌ح- في أعقاب الانتفاضة الجماهيرية في 25 يناير 2011، وشيوع أشكال مختلفة من الخروج على القانون من بعض الجانحين والعصب الإجرامية والجماعات الدينية السياسية، تم الاعتداء على أرشيفات بعض المحاكم وحرق بعضها تحت مظنة أنها غير موثقة رقمياً، وهو دلالة على بعض من الفوضى التي سادت كنتاج للفجوات الأمنية. من ناحية أخرى قامت بعض المجموعات الإخوانية والسلفية بحصار المحاكم والقضاة بهدف التأثير على الأحكام، أو لمنعهم من نظر بعض القضايا، لأسباب سياسية محضة كما حدث أمام مجلس الدولة. وتم حصار المحكمة الدستورية العليا للحيلولة بينها وبين نظر بعض القضايا الهامة، والمؤثرة على المرحلة الانتقالية وتطوراتها.

‌ط- قام بعض السلفيين وجماعة الإخوان بإنشاء أشكال من القضاء الشرعي العرفي لنظر النزاعات بين المواطنين في المراحل الانتقالية الأولى، والثانية، وتم تدريب 500 قاضٍ شرعي، وبعضهم باشر مهامه "السياسية" / الدينية، في سيناء كقضاء موازٍ لقضاء الدولة.

‌ي-  بعد 30 يونيو 2013 استعادت الجماعة القضائية دورها في إطار من التساند ودعم الدولة وهيبتها.

رغمًا عن محاولة التأثير على الجماعة القضائية إلا أنها تماسكت واستمرت في أداء دورها وساهمت في استعادة قوة الدولة المعنوية والرمزية، مع استمرارية غالب المشكلات التي كانت سائدة تاريخية وتحتاج إلى إيجاد حلول بنائية.

إن نظرة على كلا النظامين القانوني والقضائي تتطلب ضرورة إنتاج رؤية قانونية فلسفية، ترتكز عليها السياسة التشريعية وحل المشكلات التي تواجه القضاء والقضاة في مصر. والرؤيا الإصلاحية ترمي إلى إدخال إصلاحات عديدة لكنها لا تؤدي إلى تغيير راديكالي أو جذري في التشريع أو السلطة القضائية، ويتعين هنا العودة إلى القانون المقارن، وتجارب الدول الأخرى المتقدمة في مجال الإصلاح التشريعي والقضائي، ودراسة هذه المشاكل وأسبابها وتطوراتها لإمكانية مواجهة ناجعة لها، والجماعة القضائية المصرية بتاريخها وتقاليدها العريقة قادرة على إنجاز هذه المهمة الإصلاحية.

شارك