مخاطر الاستعداء: السياسة الأمريكية في مواجهة دول العالم

الخميس 09/فبراير/2017 - 04:43 م
طباعة مخاطر الاستعداء:
 
إبراهيم نوار

اعتقد بعض محللي السياسة الخارجية أن الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب بمجرد أن يحلف يمين الولاء للولايات المتحدة والمحافظة على دستورها، وبمجرد أن يدخل المكتب البيضاوي للرئيس في البيت الأبيض سيتخلى عن وعوده الإنتخابية. ومن وجهة نظر هؤلاء فإن للإنتخابات حساباتها، بينما لرئاسة الدولة في الولايات المتحدة حسابات أخرى. لكن يبدو أن هؤلاء الذين توقعوا تغيراً في خطاب ترامب السياسي وهو في كرسي الرئاسة عن خطابه وهو في ساحات المنافسة الإنتخابية كانوا واهمين، وقد أمطرهم الرئيس الجديد بعدد من الأوامر التنفيذية التي تتسق تماماً مع وعوده الانتخابية. وتعد "الأوامر التنفيذية" سلاحاً من الأسلحة السياسية التي وفرها الدستور الأمريكي للرئيس وضمن له أن يمارسها بدون العودة إلى البرلمان، وهي أسلحة يمكن للرئيس أن يستخدمها في مجالات كثيرة داخلياً وخارجياً، بدون العودة إلى أي من مجلسي النواب أو الشيوخ.

وقد بدأ الرئيس الأمريكي ترامب سيمفونية "الأوامر الرئيسية التنفيذية" الزاعقة بمجرد توليه الرئاسة في عدد من القضايا شديدة الحساسية محلياً مثل نظام التأمين الصحي، أو خارجياً مثل الانسحاب من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي (Trans-Pacific Partnership) ثم أتبع ذلك بإصدار قانون بمنع دخول مواطني ست دول عربية (العراق- ليبيا- الصومال- السودان- سوريا- اليمن) إضافة لإيران إلى الولايات المتحدة، وهو ما أثار شعوراً عميقاً بالاستياء على مستوى العالم باعتبار أن ذلك القرار يمثل تنفيذاً لشعار انتخابي مستهجن طرحه ترامب خلال حملته الانتخابية يقضي بفرض حظر على دخول المسلمين للولايات المتحدة.

وقد رد ترامب على اتهامه بأنه يهدر بقراره بخصوص حظر دخول المسلمين واحدة من أهم قيم الديمقراطية الأمريكية والدستور (حظر التمييز) بأنه لم يقصد ذلك أبداً. لكن عمدة نيويورك السابق رودي جولياني قال على شبكة فوكس نيوز الأمريكية مساء السبت 28 يناير ونشرتها صحيفة "واشنطن بوست" في اليوم التالي أن ترامب قد خشي أن يصدر قراراً صريحا بحظر دخول "المسلمين"، ولذلك فإنه شكل لجنة لغرض صياغة أمر رئاسي تنفيذي بطريقة تتفادى عدم الدستورية. هنا يوجد بما لا يدع مجالا للشك دليل على أن ترامب سيمارس سياسة تمييز صريحة ضد المسلمين وأن هذه السياسة سوف تتخذ أشكالاً مختلفة وعلى أسس متنوعة وطنية أو دينية أو غيرهما. وعلى هذا فإن القرار يتخفى فقط وراء أسماء الدول الواردة فيه، ومن ثم فإنه قرار يقوم على أساس واضح بالتمييز وإهدار حق حرية التنقل والسفر.

إن أخطر الشعارات التي طرحها ترامب خلال حملته الإنتخابية قد بدأت تأخذ طريقها لتصبح سياسة رسمية للولايات المتحدة. وعلى ذلك فإننا نرفض فرضية روج لها بعض المحللين مفادها أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيتخلى عن شعاراته الإنتخابية وسيتصرف كرجل دولة يحترم دستور بلاده والتزاماتها تجاه العالم، الناشئة عن معاهدات أو اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف. إن ترامب يسير في طريق تأسيس "إدارة سلطوية" داخل البيت الأبيض ستسعى بكل الطرق لابتزاز المؤسسات والنصوص القانونية والدستورية من أجل دفع الولايات المتحدة في طريق الإنعزالية والحماية تحت شعار "أمريكا أولا".

لقد بدأ الرئيس الأمريكي الجديد عمله في البيت الأبيض بخناقات مع أجهزة الإعلام، ومع قيادات المؤسسة العسكرية، ومع قيادات المخابرات المركزية، ومع بعض قيادات الحزب الذي ترشح عنه للرئاسة. وليس من المستبعد أبداً أن تدير هذه المؤسسات خلال فترة من الوقت "انقلاباً دستورياً" على ترامب، مستغلة الكثير من الثغرات المفتوحة التي يمكن من خلالها توجيه السهام القاتلة إلى سلطة الرئيس.

وفي الوقت الذي يواجه فيه ترامب هجوماً من خصومه في الخارج، فإن حلفاءه وأصدقاءه لا يجدون مبررات قوية للوقوف في صفه، إبتداء من حليفته في ألمانيا إلى صديقه في الفلبين. وتعتبر سياسة ترامب الخارجية حتى الآن مبرراً قويا لعدم الثقة في الإدارة الأمريكية. وإذا استمر انهيار الثقة في سياسة الإدارة الأمريكية، فإن قيادة الولايات المتحدة للعالم ستصبح محل شك كبير. ليس ذلك فقط، بل إن انهيار الثقة سيدعم من باب خلفي الدور الذي يقوم به خصوم الولايات المتحدة في الخارج، خصوصاً تحالف موسكو- طهران- بكين النشط عسكرياً واقتصادياً وسياسياً ويستمد قوة متزايدة من زيادة الشكوك في سياسة الولايات المتحدة الخارجية على مستوى العالم. وإضافة إلى ذلك فإن بعض هذه السياسات ستتقاطع سلباً مع أهداف للسياسة الخارجية وضعها دونالد ترامب لنفسه مثل مكافحة الإرهاب مثل قرار حظر السفر إلى الولايات المتحدة لمواطني إيران وست دول عربية؛ فهذا القرار هو في حقيقة الأمر بمثابة توقيع عقاب جماعي ضد مواطني دول مثل العراق وسوريا واليمن وهي دول محورية في سياسات مكافحة الإرهاب، وربما يقود ذلك إلى تقليل مستوى التعاون مع الولايات المتحدة أو التعاطف معها.

وربما يكون من المفيد هنا أن نقارن بين سياسات ترامب حتى الآن وبين توصيات واحدة من خبراء السياسة الخارجية المرموقين في الولايات المتحدة وهي السيدة بولا دوبريانسكي وكيل وزارة الخارجية الأمريكية لشؤون العلاقات الدولية (2001-2009). وقد لخصت دوبريانسكي في مقال لها في مجلة "ناشيونال إنتريست" (عدد يناير- فبراير 2017) التهديدات الاستراتيجية التي تواجه الولايات المتحدة في العام الحالي 2017 في ست تهديدات رئيسية تتعلق بـ: إدارة العلاقات مع كل من كوريا الشمالية والمخاطر النووية التي يطرحها النظام القائم هناك، وتوسع النفوذ الروسي (ضم شبه جزيرة القرم والحرب في أوكرانيا وسوريا)، والأزمات الإقتصادية والسياسية في أوروبا بما في ذلك احتواء مشاكل استيعاب المهاجرين، والتحدي الصيني العسكري (بحر الصين الجنوبي) والإقتصادي، وتوسع النفوذ الإيراني في الشرق الأسط، وأخيراً تحدي الجماعات الجهادية الإرهابية.

واقترحت دوبريانسكي على الرئيس الجديد للولايات المتحدة اتخاذ أربع خطوات رئيسية كأركان لسياسته الخارجية بغرض النجاح في مواجهة هذه التهديدات. أول الخطوات التي اقترحتها تتمثل في طرح استراتيجية تحدد بصورة واضحة أسس السياسة الخارجية الأمريكية، وتصل إلى إجابات مقبولة على سؤال جوهري يتعلق بأهمية دور القيادة العالمية الذي تقوم به الولايات المتحدة، حيث أصبح هذا الدور محل شك كبير في أوساط أمريكية عديدة منها قاعدة الناخبين الذي صوتوا لاختيار دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة. الخطوة الثانية، وبناء على هذه الإستراتيجية فإن الولايات المتحدة يجب أن تمارس دور القيادة الفعلي بالتعاون مع الحلفاء والأصدقاء، وردع الخصوم، وقالت إنه لتحقيق ذلك فإن الرئيس يجب أن يعلن احترامه للمعاهدات الدولية وأن يؤكد الحرص على تنفيذ التزامات الولايات المتحدة في هذا الشأن. الخطوة الثالثة التي اقترحتها دوبريانسكي تتمثل في ضرورة أن تؤكد الولايات المتحدة إلتزامها بالنظام العالمي القائم على قواعد الحرية وأن تعمل في اتجاه المحافظة عليه وتعزيز قوته، مع أهمية إدراك أن قيم العالم الحر لا يجب التساهل فيها ولا يجب فرضها عنوة. أما الخطوة الرابعة والأخيرة فإنها تتمثل في ضرورة إدراك صانعي السياسة الأمريكية أن قوة الإقتصاد المحلي والقوة الدفاعية هما مفتاح قوة الولايات المتحدة ونفوذها في العالم، ومن ثم فإن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يجب أن يؤكد على تطويرهما.

والحقيقة أن ما تناولته دوبريانسكي في مقالها يشاركها فيه عدد كبير من خبراء السياسة الخارجية في العالم، لكن الواضح الآن أن الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة دونالد ترامب تسير في الإتجاه العكسي لتوصيات الخبراء، وهو ما يعكس سيادة الميول الشخصية لدى ترامب، الذي يحاول تبرير سيادة نزعته الشخصية بتوجيه اتهامات مستمرة إلى المؤسسات الأمريكية، بما فيها المؤسسة العسكرية. وهذه الإتهامات في حد ذاتها ستؤدي إلى إضعاف الأسس المؤسسية لعملية صنع القرار في الولايات المتحدة، مما سيصب في نهاية الأمر في زعزعة استقرار عملية صنع القرار في عصر شديد الإضطراب، قد ينهار فيه النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ليفسح المجال لقيام نظام عالمي جديد. وهذا النظام العالمي الجديد يبدو أن ملامحه قد بدأت تتشكل بالفعل خلال العامين الأخيرين منذ تدخل روسيا في أوكرانيا، وضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا، ثم تدخل القوات الروسية في سورية بالتحالف مع إيران، إلى جانب الدور المتعاظم الذي تقوم به الصين في آسيا وأفريقيا، ومشروعات بكين الطموحه لإحياء طريق الحرير وبناء شبكة عظيمة من مشروعات البنية الأساسية في آسيا وأفريقيا وأوروبا لزيادة عمق ونطاق الإندماج بين الصين والعالم.

إن انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادي يعني مباشرة إفساح المجال تماماً للصين لتوسيع نفوذها في هذه المنطقة التي تساهم وحدها بما يقرب من 40% من الناتج المحلي الإجمالي في العالم. ولا يقف الأمر بالنسبة للصين عند حدود التوسع الإقتصادي، بل إنه يتخطاه إلى نطاق أوسع، بما في ذلك المجال العسكري حيث تقوم الصين حالياً بتنفيذ برنامج واسع النطاق لتحديث قوتها الدفاعية تقوم على أساس تخفيض القوة العددية للقوات المسلحة إلى 3,5 مليون عسكري فقط، مع زيادة كفاءة القدرات التكنولوجية الدفاعية وتكثيف عمليات تطوير القوات البحرية والقوات الجوية بما في ذلك القدرات الصاروخية.

إن أمريكا دونالد ترامب تضع نفسها تدريجياً في مواجهة العالم، بما فيه من حلفاء وأصدقاء وخصوم، بدلاً من أن تعيد تأكيد قيادتها للعالم. ومع زيادة انغماسها في سياسات وأنشطة معادية للقيم الديقراطية والإنسانية، ولقواعد النظام الدولي القائم حالياً، فإن حلفاء وأصدقاء الولايات المتحدة سيتحولون عنها بحثاً عن ملاذ جديد لتأمين الإستقرار والأمان للعالم، ولضمان الحد من الصراعات ومخاطر انتشار الحروب والصراعات المسلحة. وعلينا ومن الآن أن نراقب بعناية وبدقة سلوك دول حلف شمال الأطلنطي، خصوصاً ألمانيا في الأشهر المقبلة. 

شارك