ضرورات تجديد العقل: حالة الفكر المصري والديني الراهن

الأحد 09/أبريل/2017 - 12:47 م
طباعة ضرورات تجديد العقل:
 
نبيل عبد الفتاح

عديد من الأسئلة البديهية يطرحها العقل المصري منذ نهاية القرن التاسع عشر وتدور في غالبها الأعم حول لماذا تخلفنا؟ ولماذا تقدموا؟ كيف يمكن لنا تجاوز حالة التخلف التاريخي عن التطورات الكبرى في المركز الأوروبي –آنذاك- فرنسا وبريطانيا في الصناعة والزراعة والعلوم الطبيعية والاجتماعية، وتعددت الإجابات على هذه الأسئلة ولعل أهمها ما كتبه المفكر المغربي البارز عبد الله العروي في مؤلفه الهام الأيديولوجية العربية المعاصرة، وقام بتنميط الإجابات والأحرى الاستجابات إجابات الشيخ المجدد محمد عبده، وسلامة موسى، وطه حسين، وحاول تحليل هذه الإجابات وتفكيكها، وإبراز بعض جوانب الخلل في تركيبها. استمر السؤال عابرًا للمراحل التاريخية من دول محمد علي إلى إسماعيل باشا، إلى المرحلة شبه الليبرالية، واستمر طيلة النظام السياسي التسلطي لثورة يوليو 1952.

السؤال لا يزال مستمرًا حتى الآن، بعد لحظات الغليان السياسي والغضب الجماهيري والانتفاضة الثورية في 25 يناير وطيلة المراحل الانتقالية وإلى الآن! استمرارية السؤال تعني أن الإجابات لم تكن ذات طابع تاريخي وموضوعي، وغلب عليها التوفيق، والتلفيق والمناورة بين التقليدي والموروث والمحدث الذي نسعى إلى اللحاق به في ثورة التكنولوجيا، وفي العلوم الطبيعية والعلمية، وفي التراكمات المعرفية والانقطاعات الكبرى في أبنية المعرفة في العلوم الفلسفية والقانونية والاجتماعية واللغوية والأدبية، وفي تطور الثقافات في الدول والمجتمعات الأكثر تطورًا في شمال العالم.

من هنا يعاد بين الحين والآخر عديد الصياغات للأسئلة البديهية القديمة دون الأسئلة الكيفية أو الإشكالية ومحورها ضرورة التغيير أو الإصلاح أو التجديد في الفكر عمومًا والفكر الديني خصوصًا مع شيوع العنف والإرهاب والتكفير والقتل وأنهار الدماء في سوريا والعراق واليمن وليبيا، والإرهاب وجماعاته في مصر وسيناء. ويطرح على الكاتب بين الحين والآخر سؤال لماذا نريد فكرًا جديدًا وما المقصود بالفكر الجديد ولماذا؟

قدمت في عديد من المحاضرات والمؤتمرات بعض الأوراق والمداخلات العلمية، وها أنذا أحاول أن أقدم إجابة أخرى، تربط بين سؤال تجديد الفكر عمومًا والديني خصوصًا الإسلامي والمسيحي الأرثوذكسي، لأن الجمود يشمل بعض التفسيرات التقليدية السائدة التي لم تعد تواكب أسئلة ومشكلات وإشكاليات عصرنا. تجديد الفكر عمومًا في إطار إصلاحات سياسية وتجديد للدولة يساهم في تحريك جمود الفكر الديني عمومًا على نحو ما كان الوضع سائدًا في ظل المرحلة شبه الليبرالية على نحو ما سوف نرى في موضعه من هذا المقال، ومن ثم نبدأ بالأسئلة، لماذا نريد فكرًا جديدًا، وما هو المقصود بالفكر عمومًا والديني الجديد؟ ولماذا؟

لماذا الفكر الجديد؟

ثمة عديد من الأسباب تقف وراء هذا السؤال الكبير والبديهي، يأتي على رأسها ما يلي:

1- اتساع الفجوات بين الفكر عمومًا والديني خصوصًا، وبين تطورات نظم الأفكار والمناهج في عصرنا، وبين الإنتاج الفكري والديني الوضعي في مصر.

2- الفجوة بين الفكر الديني المصري، وبين مشكلات وظواهر وأزمات وأسئلة الإنسان والمجتمع بل وأسئلة ومشكلات الدولة المصرية الراهنة واختلالاتها.

3- هيمنة العقل النقلي التكراري على الإنتاج الديني واللاهوتي، وإعادة إنتاج الموروثات الدينية الوضعية تأويلاً وتفسيرًا وإفتاءً، الأمر الذي كرس جمودًا فكريًا وفقهيًا.

4- تزايد نزعات الغلو والتشدد الدينية ذو النزعة المحافظة، وامتدادها إلى الحياة الاجتماعية ونمط حياتها الحديث، على نحو أنتج ازدواجية بين نمط حياة عصري، وبين قيم تقليدية مهجنة، وذات طابع ريفي، الأمر الذي أحدث ارتباكًا في أنماط السلوك والقيم، والتشكيك في مدى "شرعية" الحياة الحديثة، واتساقها مع العقائد والقيم الدينية، كنتاج لسطوة بعض الفكر السلفي البدوي أو الريفي.

5- انتشار الجماعات الإسلامية، الراديكالية ذات التوجهات العنيفة والإرهابية، وتوظيفاتها للتقنيات الرقمية في جذب وتجنيد عديد من الشباب في مراحل عمرية من 14 سنة إلى 26 عامًا، وانخراطهم في أنشطتها العنيفة، كذئاب منفردة، أو خلايا، أو كجزء من بعض مقاتلي هذه الجماعات كداعش في سوريا والعراق أو النصرة في إطار الحرب الأهلية المشتعلة في سوريا بين النظام وتنظيم الدولة الإسلامية، وفي اليمن، وليبيا، وبوكو حرام في نيجيريا، أو السلفية الجهادية والإخوان في ليبيا وتونس والجزائر والمغرب.

6- ساهم الفكر الديني المؤدلج والجماعات الحاملة له في إثارة النزاعات والصراعات حول هوية الإنسان بما يؤدي إلى نفي الهويات المتعددة التي تتشكل منها الهوية الوطنية، وتشوش هوية الإنسان المصري بين انتماءه الديني والوطني المتعدد والإنساني الأرحب في ظل عالم متغير وهادر بالتحولات وانهارت خلاله الحدود في واقع كوني مُترع بأفكار وقيم أجيال حقوق الإنسان وحركاتها.

7- تشكيك الفكر الديني المؤدلج في شرعية الدولة الحديثة ونظامها السياسي، وسعيه لتقديم الإطار الديني "الشرعي" التقليدي، لهدمها وإسقاطها من أجل تأسيس دولة الخلافة ذات الطابع الديني.

8- التطورات التقنية الهائلة التي تتم في مجال الثورة الرقمية، وانعكاساتها على العقل والسلوك وطرائق التفكير والمقاربات للظواهر الإنسانية والطبيعية، وانعكاساتها على اللغة وأساليب التعبير والاتصال الإنساني. هذه التطورات النوعية لا تزال بعيدة عن اشتغالات العقل والفكر العربي الذي لا يزال يجتر أفكاره القديمة والإصلاحية المعطوبة منذ نهاية القرن التاسع عشر.

9- اتساع الفجوات بين الأجيال الأكبر سنًا في السلطة، والدولة وبنية الأسرة البطريركية المشروخة، وبين الأجيال الأصغر سنًا في التفكير، واللغة، والهموم والتطلعات، وهي مشكلات جيلية لم تجد لها درسًا وبحثًا تحليليًا يؤدي إلى ردم هذه الفجوات، أو تجسيدها بين الأجيال المختلفة، وذلك لهيمنة فكر يتجاوزه واقعه الوطني والكوني.

10- بروز ظاهرة التحول من الإيمان إلى الإلحاد أو الحياد الديني لدى بعض الشباب، وهي ظاهرة تتسع دون بحث أو معالجة، أو سياسة دينية عصرية قادرة على احتواءها، أو تجديد إيمان المتحولين دينيًا.

11- ترييف نمط التدين وتمدده إلى المدن الكبرى، وهوامشها، وقلبها، ناهيك عن ترييف ثقافة موظفي الدولة المصرية.

ما هو الفكر الجديد والفكر الديني التجديدي المطلوبين؟

بداية لا يمكن الفصل بين الفكر الجديد، أو تجديد العقل والفكر المصري، وبين الفكر الديني، لأن ثمة جدل وتفاعل بين الفكر وطرائق اشتغاله وعمله، وبيئته الوطنية والإقليمية والكونية الإنسانية، وبين الفكر الديني داخل المؤسسات الدينية الرسمية أو الطوعية أو الفردي. من ناحية ثانية بين الفكر الديني والفكر السياسي وسماته في مجتمعات لا تزال الاختلاطات والتداخلات والتشوشات بين السياسة والدين، وتوظيف السياسي للديني، بل وبعض الفكر السائد لأداء وظائف سياسية، تمس شرعية الحكم المهيمن، أو في الأطر التعبوية الاجتماعية والسياسية والدينية كتابع أو حليف نسبيًا لأجهزة الدولة الأيديولوجية في نظم تسلطية الطابع تشكل الحالة السياسية المصرية مثالاً هامًا على المقولة السابقة، وذلك على النحو التالي:

1- في ظل المرحلة شبه الليبرالية، تأثر الفكر الديني السائد داخل المؤسسة الدينية وخارجها، بالمجتمع شبه المفتوح والمتعدد وبيئة الحريات العامة السياسية والفكرية على نحو شكل تحديًا لبعض مشايخ المؤسسة الذين شاركوا في الحياة العامة، وقدموا بعض الاجتهادات في الفكر الديني من مثيل المشايخ محمد عبده، وطه حسين، وعلي عبد الرازق، ومصطفى المراغي، وعبد الله دراز، ومحمود شلتوت، ومحمود بخيت.

2- أدت التسلطية السياسية، وأيديولوجيا التعبئة لنظام ثورة يوليو 1952 في مختلف مراحله، إلى فرض قيود على حريات الرأي والتعبير والتدين والاعتقاد، ومن ثم فرضت قيود على الفكر الديني وازداد جمودًا.

3- ساهم تمدد الحركة الإسلامية السياسية والراديكالية في فرض المزيد من القيود على الفكر عمومًا والديني على وجه الخصوص، من خلال استخدام آليات التكفير، والثنائيات الضدية حول الحلال والحرام، وانتشار ظواهر التحريض على مصادرة الكتب والأعمال السردية الإبداعية، أو الفنية الأخرى، من منظور الحلال والحرام والكفر والإيمان، والخلط بين الواقع، وبين الأعمال السردية والفنية.

من هنا نستطيع القول أن ثمة تفاعلات بين البيئة السياسية والفكرية، وبين حرية الفكر عمومًا، والديني على وجه الخصوص على نحو ما أشرنا سابقًا، ومن ثم من الصعوبة بمكان أن يشهد التفكير الديني تجديدًا أو إصلاحًا في ظل هيمنة التسلطية السياسية أو الشمولية، أو القيود على حريات الفكر والإبداع عمومًا والديني خصوصًا. من ناحية أخرى لا يمكن تجديد أو إصلاح الفكر الديني دونما تجديد للدولة والنظام السياسي وتطوره من التسلطية إلى الديمقراطية، فلا إصلاح ديني دون إصلاح سياسي، ولا تجديد ديني دون تجديد سياسي في الفكر والدولة والمؤسسات والقيم السياسية والسلوك السياسي والاجتماعي.

ما هو الفكر الجديد وتجديد الفكر الديني؟

الفكر الجديد ليس أحادي الجانب، ومن ثم ليس إعادة إنتاج أو استعارة من المرجعيات الغربية وفق السنن التاريخية المصرية والعربية منذ نهاية القرن التاسع عشر وطيلة مراحل التطور من الدولة الحديثة إلى المرحلة شبه الليبرالية إلى الناصرية وما بعدها – الساداتية وحكم مبارك -، وحتى الانتفاضة الجماهيرية الثورية في 25 يناير 2011 ومراحل الانتقال السياسي المضطرب.

الفكر الجديد ليس أحاديًا، وهو ما يعني أننا إزاء فكر متعدد المدارس والمقاربات والمنهاجيات ومن ثم ليس قاصرًا على المرجعيات الفلسفية والمعرفية الغربية الحداثية الفائقة – وفق هابرماس- أو ما بعد الحداثة أو ما بعد بعدها، وإنما فكر مفتوح على تعدد مصادره ومرجعياته، ومفتوح على العالم ما بعد المعولم الغربي، وفي آسيا الناهضة، ومشرع على أمريكا اللاتينية وأفريقيا، أي فكر إنساني في توجهاته، ومدني في تعدد مصادره وأهدافه.

- فكر جديد هو نقدي الطابع يساءل ذاته وعالمه ومرجعياته ومجتمعه وإقليمه وعالمه.

- فكر جديد يمارس نقده لموروثه، ومفاهيمه وأفكاره ولغته واصطلاحاته منذ نهاية القرن التاسع عشر، وحتى اللحظة الراهنة، بما فيها الفكر الديني الوضعي الموروث، وحتى بعض، أو كل الاجتهادات الفقهية والإفتائية الإصلاحية أو التجديدية التي جاءت في ظل حركة الإصلاح أو النهضة المصرية والعربية.

- فكر جديد هو مدني الطابع والتوجه يستصحب القيم الدينية الفضلى التي تحملُ في أعطافها القيم الإنسانية الكبرى العابرة للتكوينات الدينية والثقافية على تعددها وتمايزاتها، واختلافاتها.

- فكر جديد يعني أنه يأتي من داخل الثورة الرقمية وفي قلبها، ومن لغتها، ومن مناهجها واصطلاحاتها وهو فكر يستوعب التحول من مركزية الإنسان إلى مآلات الثورة الرقمية، ومركزيتها الصاعدة بكل انعكاسات ذلك على الإنسان. وهو فكر يعي أن مركزية الموت وما بعده في الفكر الديني واللاهوتي، ستتراجع في ظل الثورة الطبية والاستنساخ وما بعده ومن ثم تطرح أسئلة جديدة وغير مسبوقة على الفقه واللاهوت والفكر الديني السائد.

- فكر جديد يستصجب معه الثقافة الديمقراطية والمدنية ومنظومات حقوق الإنسان بامتياز، ويسعى إلى توظيفها في الثقافة الوطنية المصرية.

فكر جديد مركزه الإنسان/ الفرد ومعصومية جسده إزاء الانتهاكات وحرية إرادته ومشيئته في إطار دولة القانون العادل وسيادته على الجميع أيًا كانت مراكزهم ومواقعهم من الثروة والسلطة، وخصوصية الإنسان/الفرد التي تحاط بكافة الضمانات لحمايتها من كافة أشكال الانتهاك.

في إطار هذا الفكر الجديد تتشكل البيئة الملائمة والحاضنة للفكر الديني الوضعي الجديد وحاضنة هذا الفكر هو سياسة وعمليات الانتقال السياسي نحو الديمقراطية كقيم سياسية ومؤسسات وقواعد للعبة التنافس السياسي، وأنماط سلوك اجتماعي مواكبة للسلوك السياسي الديمقراطي، وهي عمليات وتراكمات تاريخية. ومن ثم يستوعب أن العالم دخل إلى بدايات السياسة الرقمية والديمقراطية الرقمية من ثم لسنا إزاء خيارات عقلية ونظرية يمكن ممارستها دونما تطور ديمقراطي وتجديد للدولة وأجهزتها وسياساتها، وعلى رأسها السياسات التعليمية والثقافية والدينية.

ما معنى تجديد الفكر الديني؟

- التجديد هو إعادة النظر النقدية في مناهج التفسير والتأويل الديني وفق المنهج التاريخي ومساءلة هذه المناهج، وفقًا له، من حيث السياقات التاريخية والاجتماعية والسياسية، وطبيعة المشكلات، ونمط الأسئلة والثقافات السائدة، وقت إنتاج هذا الفقه أو اللاهوت، وأساليب ومعايير التفسير والتأويل الوضعي للنصوص الدينية أو تعاليم الآباء في المسيحية.

-هو فكر لا يعادي الدين، وإنما يجدد فهمه وتفسيره وتأويله، ويستصحب معه الجوانب الإيجابية والحيوية في بعض الموروث النقلي ولا يستأصله، ومن ثم التجديد لا يعني استبعاد الموروث، وإنما تجديد النظرات إليه، في ضوء مستجدات عصرنا الرقمي الهادر بالتحولات والأسئلة الجديدة، والتحديات غير المسبوقة في كافة المجالات.

- التجديد هو تجديد الإيمان بالدين والعقائد لبناء توازنات روحية وعقائدية ونفسية واجتماعية وسياسية جديدة في عالم تتغير موازينه وتوجهاته وتطوراته الكبرى المذهلة.

- التجديد هو توظيف منجزات العلوم الاجتماعية وسوسيولوجيا الدين واللغوية/ الألسنيات، ومناهجها في دراسة الموروث الديني/ الثقافي، وفي التفسير والتأويل الديني له، بحثًا شروح ومعانٍ جديدة توائم أسئلة الإنسان المعاصر الوجودية والمصيرية، وقلقه اليقيني، والوعي بذاته، وعلاقته بالطبيعة التي لم تعد طرفًا سلبيًا في علاقتها بالإنسان، والنظر في مآلات التحول من مركزية الإنسان في الوجود والحياة إلى المركزية الرقمية وكائناتها الجديدة، وأثرها في الحياة.

- التجديد يعني توظيف القيم الدينية الفضلى كمحركات للتنمية والتطور ومواجهة المشكلات الراهنة والمستقبلية في الفقر والتهميش والحروب الأهلية وغيرها، والهجرة القسرية والطوعية، وعصر الـ Big Data، والتحول إلى عصر الحب السائل وفق بومان والجنس والصداقة الرقمية .. إلخ. تغيرات نوعية تطرح أسئلة جديدة، وتحتاج إلى إعادة نظر وتكيف مختلف مع واقع جديد وغير مألوف.

شارك