روشتة مقترحة: نحو خارطة طريق للهيئات الإعلامية المٌشكَّلة

الثلاثاء 25/أبريل/2017 - 02:29 م
طباعة روشتة مقترحة: نحو
 
د. شريف درويش اللبان

إن الإعلام المصري عانى طوال السنوات الست الماضية، ولم يجد له طبيبًا يحدد مواطن الداء ولا يشير بإصبعه إلى الدواء لعلاج مواطن الداء. ولعله آن الأوان الآن لكتابة وصفة طبية "روشتة" لهذا الإعلام المريض، وذلك في إطار تشكيل الهيئات الإعلامية الثلاث، والتي نُعول عليها في ضبط المنظومة الإعلامية الراهنة، ومعالجة ما لحق بها من تشوهات خلال السنوات الست الماضية منذ ثورة 25 يناير 2011، والتي أدت لحالة غير مسبوقة من الفوضى، بفعل استغلال البعض لحالة الانفلات الأمني، والتي أدت بدورها إلى انفلات الشارع وحالة غير مسبوقة من الانفلات الإعلامي لا زلنا نعيش تجلياتها حتى الآن.

إن الإعلامَ هو انعكاسٌ لحالة المجتمع بكل دقائقها وتفاصيلها، وبالتالي فانفلاتُ الشارع والمجتمع والمؤسسات أدى إلى أمريْن نستطيع أن نتبينهما من على شاشات السينما والتليفزيون، وهما طُغيان أفلام ومسلسلات البلطجة والعشوائيات، وذلك في تجسيدٍ لانفلاتٍ أخلاقي وسيادة منطق القوة في إدارة أمور الحياة اليومية، وسُرعانَ ما انتقلَ ذلك إلى شاشاتِ التليفزيون في برامج التووك شو، التي ذخرت بمشاداتٍ كلامية وعباراتٍ مُسيئة استهدفت رموزًا وشخصياتٍ ودولاً نحترمُها، وانتقلت هذه البرامج إلى "الحارة" وسلوكياتها، وبدلاً من أن تقدم إعلامًا أصبحت تقدم وصلاتٍ من "الردح" وفقراتٍ مثيرة عن الجن والعفاريت وحالات اغتصاب الأزواج لزوجاتهن مع وضع عبارة "للكبار فقط" أعلى يسار الشاشة، وكأن هذه العبارة سوف تمنع الأطفال والمراهقين من مشاهدة البرنامج الذي يٌعرض في ساعات ذروة المشاهدة، ويتم رفعه على موقع "يوتيوب". 

أولاً- إعلام التسلية والترفيه

إن الإعلامَ المصري يعاني من حالة من الفُصَام؛ فهو إعلامٌ يقدم الترفيه والتسلية والموضوعات المثيرة بُغْيَةَ زيادة أرقام توزيع الصحف وزيادة معدلات المشاهدة للبرامج وزيادة المرور للمواقع الإخبارية على شبكة الإنترنت وزيادة العائدات الإعلانية تبعًا لذلك، دون أن يدركَ أننا في دولةٍ تحاولُ أن تنهضَ بعد أن مرت بثورتيْن أثرتا على حجم الناتج القومي وزيادة البطالة وتراجع الاستثمار والسياحة وتوقف المصانع وتعطل عجلة الإنتاج. وباستثناء إعلام الدولة ،الأقل تأثيرًا في الوقت الراهن، فإن الإعلامَ الخاص باختلاف وسائله تتمُ إدارتُه وفقًا لهذه المنظومة باستثناءاتٍ نادرة.

إن مِصْرَ تواجه ثلاثةَ حروبٍ في وقتٍ واحد، وهى حروبٌ متعددةُ الجبهات، حروبٌ تجعل من اصطفافِ كلِ مقدراتِ وقوى الدولة الخشنة والناعمة على خط النار فرضَ عين، حروبٌ بكل معنى الكلمة وليست حروبًا مجازية بل حروبًا حقيقية مستعرة. وتتمثلُ هذه الحروب حاميةُ الوَطيس التي تخوضُها الدولة المصرية في الحرب ضد الإرهاب والحرب ضد الفساد والحرب من أجل التنمية، وهى حروبٌ لم تواجهها الدولة المصرية بهذه الحدة واتساع الجبهات وتعدد الأهداف والمقاصد منذ عصر الدولة القديمة ومرورًا بالدولة الحديثة حتى وقتنا الراهن.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: أين الإعلام "المصري" من هذه الحروب التي تخوضها الدولة "المصرية"، لماذا انشغل عن مساندة الدولة في حروبها المستعرة، والتي تكادُ نيرانُها تلتهمُ الجميع وتحولُ شبهَ الدولة إلى أنقاضِ دولة، وساعتُها نصرخُ في أسى وحسرة: "كانت لنا دولة"؟. لماذا نجدُ لسانَ حالِ الإعلامِ "المصري" يقولُ للرئيس "المصري" عبد الفتاح السيسي كما قال اليهود للنبي موسى عليه السلام: " فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ"؟، لماذا رضى الإعلامُ المصري أن يكونَ مع الخَوالف الذين تخلفوا عن المشاركة في حروبِ مصر، كما تخلفَ الأعرابُ المنافقون عن نُصرةِ رسولِ الإسلام عليه صواتُ الله وسلامه؟. 

ثانيًا- أين الإعلام من الحرب ضد الإرهاب والفساد؟

 في الحرب ضد الإرهاب لماذا كان الإعلامُ يسارعُ بهدف السَبْقِ والإثارة واجتذاب الزائرين للمواقع الإخبارية بالاعتماد على المعلومات التي يكون مصدرها الإرهابيون والجماعات الإرهابية دونَ انتظارِ بياناتِ القوات المسلحة المصرية؟، لماذا ركزَ الإعلامُ على فِرار العائلات المسيحية من سيناء إلى الإسماعيلية ووصف ذلك بالتهجير القسري ولم يركز على عودة عددٍ غير قليل من هذه العائلات إلى منازلها في سيناء مرةً أخرى بعد استقرار الأحوال الأمنية؟، لماذا لم ترافق كاميراتُ برامج التووك شو دون استثناء الفريق أول صدقي صبحي وزير الدفاع واللواء مجدي عبد الغفار وزير الداخلية عندما ذهبا إلى شمال سيناء لتفقد الحالة الأمنية لكي يرسلا رسالةً للعالم مؤداها أن مصرَ آمنةٌ ومستقرة وأنها تقفُ بالمرصاد للمخططاتِ الإرهابية التي تُحَاكُ ضدَها في عَتْمَةِ الليلِ الأسود؟.

وفي الحرب ضد الفساد لماذا التركيز على الإثارةِ فقط من خلال حجم الأموال التي تم ضبطُها أو من خلال التركيز على شهرة العناصر المقبوض عليها أو من خلال نشر التفاصيل المثيرة للمكالمات الجنسية التي تتحدث عن "قميص النوم الأحمر"؟، وكأننا بصدد "صحافةٍ صفراء" أو "حمراء" أو صحافةٍ ترفعُ راياتٍ متعددةِ الألوان تجعلَ الناسَ يتركون الموضوع الأصلي وهو الفساد وتُلهيهم بموضوعاتٍ وَضيعة وساقطة تخاطبُ الغرائز في تجسيدٍ منحطٍ لصحافةِ الإثارة والصحافة الشعبية. لماذا لا يتم التركيز على الرسالة الأساسية التي يريد جهاز الرقابة الإدارية توصيلها إلى الفاسدين وهى أنه لا نجاةَ لفاسد، وأن كلَ الفاسدين ستتمُ ملاحقتهم إلى عُقر ديارهم. 

ثالثًا- غياب شبه كامل للإعلام التنموي

وفي الحرب من أجل التنمية التي تخوضُها الدولة رغم عِظَم ما تنفقُه في الحرب ضد الإرهاب من الرجال والعتاد والأموال، ورغم عائدات التنمية التي تتآكل بفعل الفساد، فإننا نجد غيابًا شبهَ كامل لمفهومِ "الإعلام التنموي" الذي يسعى بكل ما لديه من طاقة للتركيز على مجهوداتِ الدولة التنموية من رصفِ طرقٍ وإنشاءِ كباري وأنفاق وتشييدِ جسور وقناة سويس جديدة ومشروعاتٍ قومية كبرى في كل مكان على أرض مصر. ويكتفي الإعلامُ في أغلب الأحوال بتغطية زياراتِ الرئيس لهذه المشروعات دون أن يتابعَ التقدمَ الذي تُنجزهُ هذه المشروعات على أرضِ الواقع، ودون أن يحاول أن يُشرك المواطنين في مجهوداتِ التنمية، فلا تنميةَ تنجح دون أن تتبناها جموعُ الشعب.

ولعل ما ذكرناه لا يمثل إلا جزءًا يسيرًا من تشخيص حالةِ الإعلام المصري "المريض"، فهناك مشكلاتٌ أخرى يعاني منها هذا الإعلام منها على سبيل المثال الديون المتراكمة على إعلام الدولة سواء في ماسبيرو أو الصحافة القومية، وكذلك حالة الترهل الإداري لديناصورات إعلامية منقرضة لا تصلح في عصر المايكرو كمبيوتر والفيمتو ثانية، والمال السياسي الذي يعبث في بعض الوسائل الإعلامية وسيزيدُ تأثيرُه في الفترة القادمة مع استحقاق الانتخابات الرئاسية القادمة عام 2018، وتلاعب الإعلام بالمِزاج العام للشعبِ المصري من خلال بثِ الشعور باليأس والإحباطات وعدم جدوى أية سياسة إصلاحية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

إذا كانت هذه هى أدواءُ الإعلامِ المصري في المشهدِ العامِ الرَاهن، فكيف السبيل إلى وصف دواءِ هذه الأدواء وتقديمها في روشتةٍ وافية نابعة من تشخيص حالة هذا الإعلام، ومن خُلاصة رؤيتنا للحال المتردية لهذا الإعلام على مدار السنوات الست الماضية التي انفلت فيها كل شيء: الشارع .. الأمن .. الاقتصاد.. العلاقات الخارجية .. الإرهاب، ولم يكن الإعلام بأحسن حظ من كل هذه المجالات في درجةِ الانفلات وحجمه. 

رابعًا- إعادة قاطرة الإعلام للعمل

ولعل أول مايمكن البدء فيه لعلاج الإعلام، هو أن نُعيد النظر إلى إعلام الدولة على أنه يجب أن يكون قاطرة الإعلام في الدولة المصرية الجديدة لأكثر من سبب، وهو أننا جربنا الإعلام الخاص الذي يسعى إلى الربح والتسلية والترفيه وحجم المرور إلى المواقع الإخبارية، وبالتالي لا يهمه سوى الربح، كما جربنا إطلاقَ إعلامٍ موازٍ لإعلام الدولة، وهو إعلامٌ لم يحقق المنتظرَ منه رغم ضخامة الصرف عليه، بل من الواضح أن هذا النوع من الإعلام تاه وسط صخب إعلامي ضخم، ولم يقدم شيئًا ذا بال. لذا يجب أن نعودَ إلى الأصول والجذور المتمثلة في إعلام الدولة، ونبحث عن صيغة وصياغة جديدة لهذا الإعلام لكي نضعه في صدارة المشهد الإعلامي تارةً أخرى. وأعتقد أنه من العيب أن دُوَيْلَة مثل قطر نجحت في أن تجعل قناة "الجزيرة" على هذا المستوى من الذيوع والانتشار وتوفر لها الدعم المادي والمعنوي، في حين أن إعلام الدولة المصرية يعاني الأمريْن، رغم أنه الإعلام الرائد في المنطقة العربية منذ بداية عقد الستينيات من القرن الماضي.

ومن هنا، يجب إيجاد صيغة جديدة للإعلام المصري تستلزم تبني الدولة لهذا الإعلام والقيام بسداد ديونه أو إسقاطها، وإتاحة مزيد من الحرية في إداراته للهيئة الوطنية للإعلام بعيدًا عن الأوامر والتعليمات التي تُكبل هذا الإعلام. وبعبارةٍ أخرى محاولة فصل الإدارة عن الملكية، بمعنى أن الدولة تمول والهيئة الوطنية للإعلام تتولى الإدارة، على أن يكون الهدف الأول هو المهنية الإعلامية وتقديم إعلامٍ رصين غيرِ مُسف أو متهافت بتقديم منافسةٍ متدنية للإعلام الخاص لا يُجيدها ولن يُفلح فيها.

وقد تكون هذه الصيغة هى أن تتخلى الدولة عن التمويل الكامل لهذا الإعلام، على أن تكون إدارته اقتصادية، وهو ما يستلزم قيام مؤسسات الدولة ووزارتها ومصالحها والجهات الأخرى بسداد مديونياتها لماسبيرو، والتي تصل إلى قُرابة ملياريْ جنيه، وإعادة هيكلة ماسبيرو بما يسمح بالاستغناء عن بعض القنوات التي لا تحقق ربحًا أو على الأقل لا تغطي نفقاتها، وضغط أعداد العاملين بعدم تعيين إعلاميين جدد وفتح الباب واسعًا للمعاش المبكر بمكافآت مجزية لنهاية الخدمة، والاستغناء عن الذين وجدوا لهم منافذ إعلامية بديلة يعملون فيها.

وقد تكون هذه الصيغة هى تحويل ماسبيرو إلى شركاتٍ للمحطات الإذاعية والتليفزيونية والإنتاج الإعلامي والتوزيع، وطرح أسهم هذه الشركات في البورصة مع تخصيص جزءٍ منها للعاملين، مع الحفاظ على نمط الملكية كما هو دون تغيير.

الأمر الثاني في هذه الروشتة هو أنه لا بد من وجود سياسة لإدارة المحتوى، سواء المحتوى المقدم على شاشات القنوات التليفزيونية أو موجات المحطات الإذاعية أو صفحات الصحف أو المواقع الإخبارية أو الصحف الإلكترونية، فالمحتوى يبدو سيئًا ويعاني من قلة التنوع أو ندرته، وعدم تداول المعلوات بشكلٍ جيد، كل هذا يحتم إصدار قانون تداول المعلومات ليتيح مصادر معلومات متعددة أمام الإعلاميين بدلاً من أن تصبح الوسائل الإعلامية المصرية نسخاً من نشرات إخبارية دعائية، لأن هذا أدى بالفعل إلى انصراف الناس عن الإعلام بصيغته الحالية وتحولهم إلى السوشيال ميديا التي تتيح هذا التنوع المفقود ولكن بشكلٍ يفتقر إلى المهنية ولا يخلو من التهويل إو التهوين أو انتشار الشائعات أو الكتائب الإلكترونية التي تستهدف من تدويناتها أجندة معينة.

خامسًا- سياسة إعلامية وطنية للدولة المصرية

الأمر الثالث أنه لا بد أن نضع سياسة إعلامية للدولة المصرية يتم التوافق عليها بوجود ممثلين لإعلام الدولة بما يضمه من وسائل إعلامية مختلفة والإعلام الخاص والإعلام الحزبي، وتكون هذه السياسة الإعلامية مُلزمة للجميع، ويكون هدفُها الأول الالتزام بدعم الدولة المصرية في حربها الضروس ضد الفساد والإرهاب، وتبني مفهوم الإعلام التنموي الذي يعمل على توعية المواطنين بأهمية المشروعات القومية الكبرى وتنمية الدولة المصرية وإعادة بنائها، وأهمية إصلاح الاقتصاد كخطوة أساسية للانطلاق نحو آفاقٍ أرحب في مجالات الاستثمار والسياحة وتوفير فرص العمل، علاوة على كبح جماح إعلام الإثارة والتحريض والدجل والشعوذة والتلاعب بالمزاج العام للشعب المصري وبث الإحباط في النفوس، وضرورة قيام المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بدوره في هذا الصدد.

الأمر الرابع هو أن يتم تحجيم هذا الكم الهائل من التسلية والترفيه والإثارة في الإعلام المصري، والتي يتم صرف مليارات الجنيهات عليها، وتستهدف إثارة انتباه الجمهور لموضوعات غير مفيدة. نحن نعلم أن الترفيه والتسلية صناعةٌ ضخمة في العالم الغربي الذي وصل إلى مرحلة التقدم منذ أمدٍ بعيد، ولكننا في مصر لا زلنا في مرحلة النمو التي تتطلب تسخير كل الجهود في بناء الدولة، لا بأس أن يكون لدينا قدرًا من الترفيه، ولكن يجب أن نستجمع طاقاتنا وجهودنا في الإعلام والدولة والحكومة والقطاع الخاص والشباب من أجل بناء الدولة؛ فهذه الدولة لن يبنيها سوى شبابها ورجالها الذين يغويهم الإعلام بتمضية معظم ساعات الليل فيما لا يفيد.

سادسًا- تجديد المنصات الإعلامية

الأمر الخامس هو ضرورة تجديد المنصات الإعلامية المصرية، والتي تُطل علينا منها نفس الوجوه طيلة السنوات الأخيرة من حُكم مبارك والسنوات التي تلت ثورة 25 يناير 2011، وشهدت آراءَها قدرًا كبيرًا من التلون والتحول، لدرجة أن هذه الوجوه لم تعد تجد من يتطلع إلى مشاهدتها، ولا يصدق أي كلمة من أفواهها، بل إن هذه الوجوه أصبحت تنفر الكثيرين من سياسات الحكومة وتعمل على تسريع عَداد المعارضين لسياسة الرئيس، لا لشئ إلا لأنها أصبحت وجوهًا إعلامية مستهلكة آن الاوان لتغييرها والإتيان بإعلاميين على مستوى مهني محترم بعيدًا عن الصراخ والضجيج وحديث المؤامرة.

إن هذه بعض بنود الوصفة الطبية "الروشتة" التي أصفُها للإعلام المصري، قد تكون الروشتة مؤلمة من حيث تكاليفها، إلا أن الدواء رغم مرارة طعمه، ورغم ارتفاع سعره، فإنه السبيل الوحيد للشفاء. 

شارك