خيارات داعش بعد الموصل والرقة: تهجير الأقباط واستراتيجية داعش(2-4)

الإثنين 08/مايو/2017 - 11:23 ص
طباعة خيارات داعش بعد الموصل
 
إبراهيم نوار

استعرضنا في المقال السابق المبررات التي قد تؤدي إلى زيادة وتيرة عمليات العنف في مصر خلال الفترة الممتدة حتى الإنتخابات الرئاسية المقبلة، ومستهدفات العنف من أقباط وكمائن أمنية ومؤسسات أمنية، واحتمالات بناء تحالفات جديدة بين الجماعات المتطرفة المسلحة، وما يرتبط بذلك من تحديات على أصعدة الأمن والفكر والسياسة وغيرها. وسوف نتناول في المقال التالي الظروف الحالية التي يمر بها الآن تنظيم الدولة الإسلامية (كان التنظيم قد أعلن رسمياً على لسان متحدثه الإعلامي في 29 يونيو 2014 تغيير اسمه إلى "الدولة الإسلامية" بدلاً من "الدولة الإسلامية في العراق والشام")، بعد أن تمكنت القوات العراقية النظامية والميليشيات المساندة لها من دخول مناطق شرق الموصل بدعم جوي ولوجيستي أمريكي كثيف والإستعداد لتحرير المناطق الغربية بما فيها المدينة القديمة في الأشهر المقبلة، فأصبح مقاتلوا الدولة الإسلامية محاصرين تقريبا من الشرق والجنوب، بينما القوات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة تستعد للإقتراب من الرقة داخل الحدود السورية. ومن المعروف أن تنظيم الدولة الإسلامية لا يعترف بالحدود القائمة بين الدول العربية، ويتحرك داخل أراضي المنطقة على أساس أن أي شبر يتم تحريره من قبضة الكفار أو الفاسقين "الذين لا يحكمون بما أنزل الله" (حسب الايات الواردة في سورة المائدة بهذا الشأن) تقام عليه دولة الخلافة الإسلامية.

الاستراتيجية الأمريكية ضد داعش

لن ندخل هنا في تفاصيل تكوين التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ولكننا سوف نشير إلى استراتيجية الولايات المتحدة والسياسات التي تتبعها واشنطن وحلفاؤها لإضعاف التنظيم وهزيمته عسكريا في المناطق التي يسيطر عليها. ومن المعروف أن إيران اشترطت ألا تتدخل في العراق أي قوات من دول الخليج العربية بدعوى الإنضمام للتحالف الدولي المضاد لتنظيم الدولة الإسلامية. ومن المفيد بهذه المناسبة أن نذكر أن الخطاب السياسي والإعلامي الإيراني يطلق مسميات أخرى على داعش أهمها "تنظيم الدولة" ولا يضيف كلمة "الإسلامية" إلى التسمية وذلك نظراً لأن الاسم الرسمي لإيران هو "الجمهورية الإسلامية". ولذلك فإن الإيرانيين مهتمون أشد الإهتمام بعدم إضافة لفظ "الإسلامية" إلى أي من أسماء تنظيم "الدولة الإسلامية" التي يتم تداولها رسميا في إيران أو في العراق أو في الأوساط المرتبطة بالنفوذ الإيراني سواء كانت رسمية أو غير رسمية. ونتيجة للموقف الإيراني فإن القوات المشاركة في العمليات ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق إلى جانب القوات والميليشيات الإيرانية تضم القوات الأمريكية، خصوصا الطيران، وقوات الدول الأوروبية المشاركة في التحالف، بينما لا تقوم القوات الروسية بدور رئيسي ضد داعش أو تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، مكتفية بالدور القيادي الذي تقوم به في سورية، وبالتنسيق القريب جدا مع القوات الإيرانية والميليشيات التابعة لها في داخل العراق.

وتقوم الإستراتيجية الأمريكية ضد تنظيم الدولة الإسلامية أو دولة الخلافة أو داعش على أساس واضح وضعه الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، وتهدف هذه الإستراتيجية طبقا لما وضعه أوباما إلى "تقليص قوة التنظيم وإضعافه وهزيمته هزيمة تامة"، ويتم ذلك طبقا لاستراتيجية أوباما من خلال "العمل باستخدام قوات شركاء محليين، ومع هذه القوات، ومن خلالها" لتحقيق الهدف، مع تجنب أن تشترك القوات الأمريكية بصورة مباشرة في القتال الدائر على الأرض، وذلك لتجنب وقوع خسائر بشرية. ومع ذلك فإن أوباما إضطر خلال خلال عامي 2015 و2016 وحتى انتهاء مدته الرئاسية الأخيرة إلى زيادة عدد قواته ومستشاريه العسكريين في العراق وسورية لتحقيق افضل النتائج العسكرية الممكنة. وقد زاد عدد القوات الأمريكية خصوصا في قطاع القوات الخاصة عالية المهارات وفي قطاع التدريب المتقدم على الأعمال القتالية المضادة للإرهاب. وتقدر الحكومة الأمريكية أن عدد العسكريين الأمريكيين في العراق وسورية إرتفع من بضع مئات في العام 2014 إلى ما يقرب من 20 ألف عسكري يعملون في مجالات توجيه الضربات الجوية وتنظيم عمليات الإمداد والتموين، وجمع وتبادل المعلومات، والتدريب، والأعمال القتالية التكتيكية الحساسة المتعلقة بعمليات الإقتحام (القوات الخاصة) حتى يناير 2017. 

ومن الضروري الإشارة هنا إلى أن الضربات الأمريكية ضد داعش أو تنظيم الدولة الإسلامية أو دولة الخلافة لم تقتصر على العراق وسورية، وإنما امتدت إلى ليبيا واليمن. ففي ليبيا شنت الطائرات الأمريكية غارات لمساندة جماعات مسلحة محلية أو القوات الليبية ضد مواقع يعتقد إنها كانت لتنظيم الدولة الإسلامية في أجدابيا ودرنه وصبراته وسرت. وقد رفض أوباما زيادة قوات التدخل الأمريكي في ليبيا ووجه قيادات القيادة الأفريقية للولايات المتحدة بالإعتماد أكثر على الحلفاء المحليين في ليبيا بدلا من زيادة عدد القوات. كذلك قامت القوات الأمريكية بعمليات عديدة ضد من يعتقد إنها جماعات مرتبطة بتنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية في مناطق حضرموت وأبين والمكلا واستهداف قيادات هذه الجماعات بشن هجمات باستخدام طائرات بدون طيار.

وعلى الرغم من الحديث عن تغير الإستراتيجية الأمريكية تجاه تنظيم دولة الخلافة أو داعش بعد مجيئ الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب، فإن الشواهد كلها تشير إلى أن مثل هذا التغيير هو مجرد رغبة لا أكثر لدى بعض شركاء الولايات المتحدة في سورية. ومن الناحية العملية لم يظهر الرئيس الأمريكي الجديد حتى الآن أي مؤشر على تغيير استراتيجية الولايات المتحدة في سورية والعراق، باستثناء إنه وسع دائرة المنظمات الإرهابية المستهدفة ليشمل كل الجماعات الإسلامية المتطرفة وليس داعش فقط. وقد وجه الرئيس الأمريكي إلى قيادات وزارة الدفاع الأمريكية طلبا بوضع استراتيجية لمكافحة الإرهاب تهدف إلى "هزيمة الدولة الإسلامية" وهو الهدف النهائي نفسه الذي تضمنته استراتيجية أوباما. ومع ذلك فإن الرئيس الأمريكي الجديد يسعى إلى إقناع بعض حلفائه في الشرق الأوسط بأنه سيضرب المنظمات الإرهابية بعصا غليظة على العكس من سلفه المتهم بالتخاذل في الحرب ضد الإرهاب. ومن أجل أن يدلل ترامب على نهجه الجديد فإن قوات المارينز قامت بعملية إنزال كبيرة في مدينة البيضاء اليمنية وتمكنت من قتل عدد من المتهمين بأنهم من قيادات تنظيم القاعدة في اليمن، وهي العملية التي راح ضحيتها عدد كبير من المدنيين الإبرياء منهم أطفال.

وفي الحقيقة، فإن التغيير الذي يتحدث عنه ترامب يمثل مجرد تغيير "شكلي" في الأداء أو في "أسلوب الأداء" ولا يمتد إلى عصب ومكونات الإستراتيجية التي تبناها من قبله أوباما ولا إلى أهدافها، فما تزال الإستراتيجية كما هي تهدف إلى تقليص قوة التنظيم سعيا إلى هزيمته، وما يزال دور القوات الأمريكية فيها هو مجرد إسناد الحلفاء المحليين لتحقيق هذا الهدف والبعد عن التورط المباشر في القتال بشكل عام. وتقدر وزارة الدفاع الأمريكية أن الهجمات بالطائرات ضد قوات تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسورية حتى يناير 2017 (أي حتى نهاية فترة الرئيس أوباما) أسفرت عن قتل أكثر من 11 ألفا من قوات التنظيم (ما يقرب من ثلث القوة البشربة المقاتلة للتنظيم) إضافة إلى تدمير جزء كبير من بنيته الأساسية المادية والتنظيمية.

الوضع الحالي لداعش على الأرض

تختلف تقديرات الوضع على الأرض بعد العمليات العراقية ضد داعش في العراق، والعمليات العسكرية الكردية والحكومية السورية والتركية والروسية في سورية. وسوف نعتمد هنا على تقارير وشهادات المؤسسات الرسمية الأمريكية المقدمة للكونجرس، وكذلك على تقارير أهم مراكز الدراسات المتخصصة في معلومات ودراسات مكافحة الإرهاب على مستوى العالم. ونشير هنا بشكل خاص إلى شهادات وزير الخارجية الأمريكية الحالي ريكس تيلرستون أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي (11 يناير 2017) وبيانات وزارة الدفاع الأمريكية، ودراسة مقدمة إلى الكونجرس الأمريكي في 2 فبراير 2017 إضافة إلى دراسات وتقديرات المركز الأوروبي لتحليل (دراسات) الإرهاب وتقارير "مجموعة سوفان" الدولية وتقارير المركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب. وتتوقف هذه التقديرات زمنيا عند نهاية يناير من العام الحالي، وربما إلى النصف الأول من فبراير2017.

خسارة الأراضي: كان تنظيم داعش قد بلغ أوج قوته بعد استيلائه على الموصل ثاني أكبر مدن العراق في يونيو عام 2014. لكن سيطرة التنظيم على الموصل كانت بمثابة نقطة انقلاب في مصير التنظيم، إذ بدأت قوات التحالف الدولي والقوات العراقية والميليشيات بما في ذلك قوات الحشد الشعبي (الشيعية) وقوات الحشد الوطني (السنية) التحضير لخطة لتقليص نفوذ التنظيم في كل أنحاء العراق. وخلال الفترة بين عامي 2015 وفبراير عام 2017 خسر التنظيم عددا من مواقعه الرئيسية والمهمة من الناحية الاستراتيجية والمعنوية، وشمل ذلك ومدن تكريت والفلوجة والرمادي وبيجي وسنجار وشرق الموصل (بما في ذلك مطار الموصل الرئيسي) في العراق وكوباني والباب في سورية إلى جانب مواقع مهمة خسرها جزئيا في الرطبة على الحدود العراقية الأردنية ومناطق في شمال غرب حلب في سورية ومدينة تدمر وبعض المناطق الأخرى في شرق سورية حيث كانت توجد اهم مواقع ابار البترول والغاز.

وتشير التقديرات الموثوقة إلى أن تنظيم الدولة الإسلامية خسر خلال العام 2015 ما يقرب من 14% من المساحات المأهولة بالسكان التي كان يسيطر عليها. وفي العام التالي تضاعفت نسبة الخسارة إلى 30% تقريبا، إذ انخفضت المساحات الكلية التي كان التنظيم يسيطر عليها في كل من العراق وسورية إلى نحو 60 ألف كم2 في ديسمبر 2016 مقابل 78 ألف كم2

في يناير من العام نفسه. وطبقا لتقديرات الكونجرس الأمريكي فإن تنظيم الدولة الإسلامية خسر ما يقرب من 60% من المساحات المأهولة بالسكان التي كان يسيطر عليها منذ ذروة سيطرته في عام 2014 حتى يناير 2017. وكانت خسائر التنظيم أقل في سورية حيث خسر مقاتلوا التنظيم نحو 30% من المساحات التي كانوا يسيطرون عليها. ولم تتوقف خسائر التنظيم على الرقعة التي يسيطر عليها في سورية والعراق وإنما امتدت هذه الخسائر إلى ليبيا حيث تم طرد التنظيم (تقريبا) من مدينة سرت الاستراتيجية في ديسمبر عام 2016.

وعلى الرغم من الخسائر التي تعرض لها التنظيم (داعش) فإن مقاتليه ما يزالون (حتى 20 أبريل 2017) يتمتعون بالسيطرة على مساحات مهمة في كل من العراق وسورية. ففي العراق يسيطر التنظيم على معظم أراضي قضاء الحويجة على الرغم من خسارة مركز بيجي (حيث توجد مصفاة النفط)، كما يسيطر على مساحات من كركوك، ومنطقة الرطبة المتحكمة في الطريق الدولي بين بغداد وعمان، ومنطقة البوكمال المتحكمة في الطريق الدولي بين بغداد ودمشق، ومناطق المدينة القديمة في الموصل (غرب الموصل) وغيرها من مناطق الأنبار وصلاح الدين. وفي سورية ما يزال تنظيم داعش يسيطر على مساحات واسعة في الوسط بما في ذلك مدينة تدمر والمناطق المحيطة بها، ومحافظات حماة ودير الزور وأجزاء من محافظتي حمص واللاذقية ومدينة الرقة والمناطق المحيطة بها، وأجزاء متفرقة من ريف دمشق ومناطق منعزلة بالقرب من الحدود السورية مع الأردن ولبنان وإسرائيل.

ومن أهم التغيرات التي طرأت على طبيعة المساحة التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية في كل من العراق وسورية أن الإتصال الجغرافي للمناطق التي يسيطر عليها التنظيم قد تعرض لخلل شديد وباتت معظم هذه المناطق منعزلة عن بعضها البعض وهو ما يزيد من صعوبة التنقل والإتصالات والعمليات اللوجيستية وعمليات الإسناد والمناورة العسكرية. وسوف تترك هذه الإنقطاعات والعزلة الجغرافية أثرا خطيرا على مواقع داعش الصغيرة في بعض المواقع الإستراتيجية مثل كركوك والرطبة وشمال وجنوب سورية، حيث إنه سوق يسهل على القوات المناوئة حصار وعزل تلك المواقع وتصفيتها بدون التعرض لمخاطر حصول تلك المواقع على إسناد عسكري ولوجيستي من المراكز العسكرية الكبيرة للتنظيم في المناطق الممتدة من غرب الموصل إلى شرق ووسط سورية.

خسارة الموارد: ترتبط خسارة داعش للأراضي بخسارة مماثلة أو أكبر في الموارد؛ فالمناطق التي كان يسيطر عليها التنظيم كانت تقلل حاجته إلى التمويل من الخارج، لكنه مع تقلص المساحات التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام خسر التنظيم ما يقرب من ثلث إيرادات تصدير النفط والغاز والفوسفات والاسمنت. وكان التنظيم يحصل على ما أكثر من 3 مليارات دولار سنويا من الصادرات النفطية وغير النفطية في ذروة نفوذه في العراق وسورية، لكن هذه الإيرادات تتقلص يوما بعد يوم بسبب خسارة الموارد التي يسيطر عليها التنظيم مثل مصفاة نفط بيجي في العراق وبعض آبار البترول والغاز في سورية التي كانت تدر على التنظيم دخلا كبيرا يعادل ما يقرب من نصف الإيرادات الكلية. كذلك تتضمن خسارة الموارد تراجع إيرادات الضرائب والرسوم المفروضة على السكان في المناطق الخاضعة لنفوذ التنظيم. وقد تراجع عدد السكان في تلك المناطق من 10 ملايين نسمة في ذروة نفوذ التنظيم إلى ما يقرب من 6 ملايين نسمة في يناير 2017.

ونستطيع تقدير إيرادات داعش في الوقت الحاضر (إستنادا على تحليل تقارير مؤسسات الرقابة المالية على تمويل التنظيمات والعمليات الإرهابية) بما يتراوح بين 1.8 مليار إلى 2 مليار دولار. ويقوم التنظيم بتحصيل إيراداته من مصادر رئيسية تتضمن الصادرات النفطية وغير النفطية، وضرائب الخراج والرسوم والأتاوات المفروضة على السكان وعلى البضاعة العابرة من مناطق داعش إلى غيرها، بما في ذلك رسوم العبور على الشاحنات المارة من بوابة البوكمال (العراق- سورية) وبوابة الرطبة (العراق- الأردن). وقد لجأ التنظيم إلى زيادة الضرائب المفروضة على السكان وعلى الأنشطة الإقتصادية وعلى رسوم العبور للأفراد والبضائع، وأيضا لجأ إلى تخفيض رواتب الموظفين بما في ذلك رواتب الخبراء والمهندسين الأجانب العاملين في قطاع النفط والغاز. ومن المعتقد أن حصيلة الرسوم والضرائب تمثل حاليا ما يقدر بنسبة 45% من الإيرادات الكلية للتنظيم، مقابل 33% في العام 2015  و12% فقط في العام 2014 وذلك بسبب تراجع إيرادات الصادارت النفطية. وتأتي الإيرادات المتبقية من حصيلة الصادرات (نفط وغاز وفوسفات وأسمنت ومواد بناء ومنتجات زراعية) والأتاوات ومتحصلات عمليات خطف الرهائن وطلب الفدية لتحريرهم ومبيعات المفتنيات الفنية والأثرية والمخطوطات وغيرها. إلا إننا نتوقع إنه مقابل التراجع في قيمة الموارد المحلية سوف تزيد إيرادات التنظيم من الخارج سواء من التبرعات القادمة من الغرب (الأفراد والجمعيات المتعاطفة مع داعش) أو من الدول العربية خصوصا دول الخليج العربية التي تقدم جمعيات وأفراد تنتمي إليها معونات غير محدودة إلى داعش.

خسارة المقاتلين: أسفرت العمليات القتالية ضد تنظيم داعش خصوصا عمليات تحرير الموصل عن خسائر بشرية هائلة في صفوف المقاتلين. وتقدر الحكومة الأمريكية ومؤسسات مكافحة الإرهاب في واشنطن أن عدد مقاتلي داعش في العراق وسورية بلغ ما يتراوح بين 12 ألفا إلى 15 ألف مقاتل في فبراير 2017 مقاارنة بعدد يصل إلى نحو 36.5 ألف مقاتل في فبراير 2016 طبقا للمصادر نفسها، أي أن خسائر داعش البشرية في العمليات القتالية أي أن عدد القوات الحالية يترواح بين 33% إلى 41% مقارنة بما كان عليه قبل عام.

ومن المتوقع مع استمرار العمليات العسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسورية أن ينخفض عدد مقاتلي التنظيم في سورية والعراق ربما إلى نصف ما هو عليه في الوقت الحاضر. وسوف يتعرض التنظيم على الأرجح لخسائر بشرية فادحة في المناطق المنعزلة والمكشوفة جغرافيا والمنقطعة عن بقية التنظيم بما في ذلك المقاتلين المتمركزين في كركوك وفي غرب الموصل، وربما في مدينة الرقة أيضا التي ستزداد فيها وتيرة القتال في الأشهر المقبلة مع اقتراب صيف العام الحالي. 

ويمثل مقاتلوا تنظيم الدولة الإسلامية خليطا من الجنسيات والأعراق توحدهم معا أيديولوجية داعش المتطرفة. لكن قيادات تنظيم الدولة الإسلامية أدركت منذ وقت أن هذا الخليط من أوروبا الغربية (ما يقرب من 6600 مقاتل) ومن روسيا ودول وسط آسيا (ما يقرب من 7000 مقاتل) ومن شمال أفريقيا بما في ذلك مصر (نحو 9000 مقاتل) ومن الشرق الأوسط بما في ذلك تركيا (6000 مقاتل) ومن دول شبه الجزيرة العربية (3500 مقاتل) الأغلبية الساحقة منهم من السعودية، إلى جانب مئات من الولايات المتحدة ودول جنوب شرق آسيا ودول أفريقيا، من شأنه أن يؤدي إلى خلق مشاكل في المعاملات اليومية بين كل هؤلاء. ومن ثم فقد إتجهت قيادة تنظيم الدولة الإسلامية إلى تنظيم المقاتلين في كتائب ومجموعات قريبة من بعضها البعض، فهناك كتائب أو مجموعات يغلب عليها الطابع الفرانكوفوني، وأخرى يغلب عليها الطابع الآسيوي- الروسي وهكذا. وتتولى ما يسمى "المفرزة الأمنية" مراقبة هؤلاء إستعدادا لتجنيد البعض منهم للقيام بعمليات قتالية أو إنتحارية في الخارج. وقد لاحظ العالم في السنتين الأخيرتين زيادة في عدد الهجمات التي يقوم بها تنظيم داعش في الخارج، خصوصا في أوروبا الغربية (فرنسا مستهدفة على وجه الخصوص) وفي روسيا والولايات المتحدة وأفريقيا.

ويخضع من يتم اختيارهم لتنفيذ عمليات في الخارج لاختبارات وتدريبات خاصة تتم في العادة خلال مدة قصيرة من الزمن تتراوح بين شهر إلى ثلاثة أشهر على الأكثر. ومن خلال التدرييات يتم تقسيم المجندين لتنفيذ عمليات في الخارج للقيام بأدوار متعددة مثل جمع المعلومات والمراقبة والتأمين وتنفيذ العمليات بما في ذلك العمليات الإنتحارية. وتتضمن التدريبات أيضا تصميم واستخدام الرسائل المشفرة عبر برامج إليكترونية شائعة مثل برامج التصوير واستخدام وسائط التواصل الإجتماعي، كما تتضمن أيضا إستخدام خرائط المواقع إليكترونيا والبحث عن الطرق البديلة ومحاولة استكشاف المنافذ والنقاط الحدودية بقصد تحديد النقاط الأسهل التي من الممكن اختراقها أو عبورها بأمان.

ومن الملاحظ أن أعداد المقاتلين الأجانب العائدين من سورية والعراق إلى دولهم الأصلية شهدت تزايدا مستمرا خلال الأشهر الأخيرة. وتشير تقديرات موثوقة إلى أن نسبة العائدين من سورية إلى بلدانهم الأصلية تتراوح في الوقت الحاضر بين 20% إلى 30% من جملة أعداد المقاتلين. وفي هذا ما يشير إلى أن انخفاض أعداد مقاتلي داعش في سورية والعراق بنسبة تزيد على النصف تقريبا لا يعود فقط إلى خسائر في أعداد المقاتلين في المعارك الدائرة في سورية والعراق، وإنما يضاف إلى ذلك اتساع نطاق إعادة المقاتلين إلى بلدانهم الأصلية للقيام بعمليات هناك، متخفين وسط صفوف اللاجئين الذين يستخدمون طرقا عبر تركيا واليونان والبلقان إلى غرب أوروبا، أو عبر تركيا إلى ليبيا أو إلى السودان ومنها إلى ليبيا ثم إلى بقية بلدان الشرق الأوسط. وتظهر العمليات الأخيرة التي تبناها تنظيم داعش في فرنسا وروسيا ومصر إستمرار تدفق المقاتلين الأجانب العائدين إلى بلدانهم الأصلية. ومع ذلك فإن تدفق متطوعين أو مقاتلين جدد من روسيا وبلدان الإتحاد السوفييتي السابقة ودول غرب أوروبا والولايات المتحدة وغيرها للإنضمام إلى داعش لم يتوقف أيضا. وتسهم العمليات التي نفذها التنظيم في بريطانيا وفرنسا وروسيا ومن قبلها في بروكسيل وألمانيا، في إزكاء حماس الراغبين في التطوع للقتال في صفوف داعش، أي أن العمليات الخارجية لداعش تؤدي إلى زيادة قدرة داعش على التجنيد واستقبال المتطوعين.

الوضع العملياتي في الموصل القديمة

يتمتع مقاتلوا تنظيم الدولة الإسلامية بوضع استراتيجي شديد الصلابة في داخل مدينة الموصل القديمة إلى الغرب من نهر الفرات. وتتمثل المزايا التي يتمتع بها المقاتلون في وجود حاجز مائي يحد من قدرة القوات العراقية وميليشيات الحشد الشعبي وغيرها على الحركة في اتجاه الغرب عبر النهر خصوصا بعد أن تم تدمير الجسور التي كانت تربط شطري المدينة، كما يتمثل في وجود شبكة كثيفة من الإنفاق تحت الأرض تربط المراكز القيادية وغرف العمليات وطرق الإمدادات الموجودة تحت سطح الأرض، وتعتبر شبكة الأنفاق في الموصل القديمة بمثابة ميزة استراتيجية دفاعية وهجومية في آن واحد، كذلك يتمتع مقاتلوا تنظيم الدولة الإسلامية بقرب وأمان طرق الإمدادات من غرب العراق وشرق ووسط سورية وبعض مناطق الشمال، وهو ما يوفر ميزة لوجيستية للقوات المقاتلة ضد محاولات اقتحام المدينة بواسطة قوات تعاني من وجود حاجز مائي وبعد مسافة طرق الإمدادات. ولا شك أن توقف القوات العراقية وقوات الحشد الشعبي عند الضفة الشرقية للنهر بعد السيطرة على شرق الموصل له ما يبرره من الأسباب العملياتية التي تصب في مصلحة داعش.

وتقوم القوات العراقية حاليا بالإستعداد للتقدم نحو المدينة القديمة خلال الأسابيع المقبلة وربما مع بداية فصل الصيف. وقد تقدمت القوات العراقية فعلا عبر رأس جسر عائم إلى جنوب الموصل في الأسبوعين الأخيرين. ومن المرجح أن تعتمد القوات العراقية وميليشيات الحشد الشعبي على ضربات جوية كثيفة بواسطة الطيران الأمريكي، وباستخدام المروحيات العراقية،  لكن مثل هذه الضربات ستتعرض لانتقادات دولية واسعة النطاق نظرا لحجم الخسائر المتوقعة بين المدنيين وفي المرافق المدنية. ولن يكون من السهل على الطائرات الأمريكية أن تحدد أهدافا سهلة للضربات نظرا لكثافة المباني وتحصن مقاتلي داعش داخل الأنفاق وفي داخل وفيما بين المنازل المتراصة في شوارع ضيقة جدا. وربما يؤدي ذلك إلى تأخير الهجوم على غرب الموصل (خصوصا قلب المدينة القديمة في الشمال الغربي) لفترة من الوقت. ومن المرجح أيضا أن تحاول القوات العراقية استخدام ميليشيات الحشد الشعبي ككتائب انتحارية ضد قوات داعش عن طريق التسلل إلى غرب الموصل من أماكن بعيد والتغلغل في شوارع المدينة وتنفيذ هجمات انتحارية ضد أهداف رئيسية يتحصن فيها مقاتلوا داعش. لكن ذلك أيضا يحمل في طياته مخاطر كثير تصل إلى حد الإبادة المتبادلة بين الطرفين. ولذلك فإن قدرة القوات العراقية على اقتحام الموصل القديمة تعتبر قدرة محدودة، وتنطوي على احتمالات التعرض لخسائر بشرية هائلة، بما قد يؤدي بالمعارك إلى أن تتحول إلى حرب إبادة وتدمير المدينة القديمة بكل فيها بشكل كامل.

وإذا لم تنجح القوات العراقية في اقتحام مدينة الموصل القديمة بما في ذلك مسجد النوري الذي أعلن منه أبوبكر البغداد قيام خلافته حتى نهاية صيف العام الحالي فقد يفتح ذلك الباب لحدوث صفقة يتم ترتيبها بواسطة طرف ثالث تسفر عن تسوية ما قد تشمل مقايضة أراضي بين الطرفين في داخل العراق قد يكون من بينها كركوك التي يتنازع عليها الشيعة والأكراد ويحتل تنظيم الدولة الإسلامية بعض أطرافها، لكن قوات التنظيم هناك تعتبر مكشوفة من الناحية الاستراتيجية. ومع أن ذلك الإحتمال بعيد جدا من الناحية العملية، إلا أن التبدلات الشديدة في مواقف القوى الدولية والإقليمية بشأن الصراع في العراق وسورية قد لا تستبعده.

الوضع العملياتي في الرقة

يواجه تنظيم الدولة الإسلامية أزمة مصيرية في الوقت الحاضر، فقد أصبح التنظيم مخيرا بين الإحتفاظ بالأرض وبين المحافظة على المقاتلين. وبسبب الظروف العسكرية الراهنة فإن التنظيم قد ينتهي به الحال إلى الإنتحار، فلا هو سيقدر على الإحتفاظ بالأرض، ولا هو سيقدر على المحافظة على حياة مقاتليه. وعلى الرغم من أن الوضع العملياتي في الرقة يختلف إختلافا كبيرا عما هو عليه في الموصل القديمة، فقد بدأ التنظيم بالفعل في إخلاء بعض مواقعه في الرقة، ونقل عددا من مؤسساته الإدارية إلى أجزاء حصينة من محافظة دير الزور السورية تحسبا لاحتمالات اجتياح عاصمة ما يطلق عليه "دولة الخلافة الإسلامية". ومن المهم أن نشير هنا إلى أن عمليات الإخلاء تمت بالترتيب مع "هيئة تحرير الشام" التي تقودها جبة النصرة، وهو ما يككشف عن وجود اتصالات وتفاهمات بين القاعدة وبين داعش في سورية. وقد تم بالفعل تسليم بعض القرى المحيطة بالرقة إلى النصرة خلال الأسابيع الأخيرة. وجاء في شهادة لأحد المصورين الصحفيين المرافقين للقوات الكردية التي تتقدم نحو الرقة أن شعارات وأعلام النصرة كانت واضحة في أماكن كثيرة في قرى كان يعتقد من قبل إنها تخضع لسيطرة داعش.

وسوف يخضع مصير داعش في الرقة إلى حسابات سياسية أكثر من ارتباطه بموازين القوى العسكرية على الأرض. وقد تجد الولايات المتحدة فجأة أن من مصلحتها بقاء داعش بقصد استنزاف الأسد والروس، وفي هذه الحالة فإن الأكراد لن يتقدموا جديا باتجاه الرقة بدون موافقة الولايات المتحدة. ومن المرجح كذلك أن يحصل التنظيم على مساعدات سخية مباشرة أو عبر طرف ثالث (مالية وعينية قد تشمل أسلحة) من أطراف إقليمية (منها قطر وتركيا) ومن الخارج (الولايات المتحدة) في الأشهر المقبلة. كذلك من المرجح إعلان تحالفات جديدة يكون تنظيم الدولة الإسلامية طرفا فيها، تهدف إلى المحافظة على جسم التنظيمات السنية المسلحة والجماعات المرتبطة بها في سورية. ولذلك فإن وجود تنظيم الدولة في الرقة يرتبط أكثر ما يكون بطبيعة الأوضاع السياسية في سورية، التي لم تحسم بعد وقد تستغرق وقتا أطول على العكس مما هو الحال قي العراق. 

وليس من المتوقع أن تؤدي الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسورية إلى اقتلاع جذور التنظيم هناك، فلا الإستراتيجية الأمريكية ولا الروسية تتضمن القضاء نهائيا على التنظيم واجتثاثه من الأرض، ولا الدول التي لها مصلحة أكية في بقاء داعش سوف تتوقف عن مساندتها له، بل إن هناك الكثير من المؤشرات تؤكد أن التنظيم الذي أعلن أنه وجد لكي يبقى ويتوسع، سوف يستمر وجوده في كل من البلدين على الرغم من تراجع نفوذه هناك. ومن المرجح أن تنتقل التنظيمات الإسلامية النشطة في سورية والعراق بما فيها تنظيم الدولة الإسلامية إلى مرحلة جديدة من العمل السياسي والعسكري، وهو ما ستكشف عنه الأشهر المقبلة. وسوف يقابل تراجع نفوذ داعش في سورية والعراق حتى في حال هزيمته عسكريا، توسعا بالغا في نشاطه في الخارج سواء في الشرق الأوسط أو روسيا أو أوروبا الغربية والولايات المتحدة. لقد أصبحت سورية بحق "أفغانستان" الشرق الأوسط، وطالما أن داعش لن يستطيع الإحتفاظ بالأرض والمقاتلين معا، فإن اختياره سيميل إلى المحافظة بقدر الإمكان على المقاتلين وخسارة أجزاء من الأرض، وهو ما سيتيح له توسيع نطاق عملياته في الخارج، لكننا هذه المرة لن نكون في مواجهة عمليات تنظيم داعش، بل في مواجهة عمليات منسقة أو موحدة تشترك فيها مجموعات مقاتلة إسلامية متطرفة ترفع لواءاً واحداً.

شارك