تحالف داعش-القاعدة في ليبيا: تهجير الأقباط واستراتيجية داعش في مصر(3-4)

الثلاثاء 23/مايو/2017 - 09:13 م
طباعة تحالف داعش-القاعدة
 
د. إبراهيم نوار

استعرضنا في الجزء الأول من هذه الدراسة المبررات التي ترجح زيادة وتيرة عمليات العنف والإرهاب بواسطة الجماعات الإسلامية المتطرفة المسلحة في الفترة حتى الإنتخابات الرئاسية المقبلة في مصر في يونيو من العام المقبل 2018. وذكرنا أن تهجير الإقباط يمثل أحد الأهداف الرئيسية في استراتيجية تلك الجماعات وعلى رأسها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الذي يمارس مقاتلوه أعمال عنف واسعة النطاق في محافظة شمال سيناء وفي بعض أنحاء مصر بما في ذلك المدن الكبيرة. وقلنا إن أهداف الإرهاب في الأشهر المقبلة ستتوسع لكن في نطاق استهداف المؤسسات والكمائن الأمنية والعسكرية والأفراد العسكريين والأقباط أفرادا ومؤسسات، والمدنيين الذين قد تتهمهم تلك الجماعات بالتعاون مع الأجهزة الأمنية في عمليات مكافحة الإرهاب.

وفي الجزء الثاني من الدراسة إستعرضنا الخسائر التي تعرض لها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسورية خلال الأشهر الأخيرة على صعيد الأراضي والموارد والمقاتلين، وطرحنا إستنتاجنا الرئيسي بخصوص الأوضاع الحالية التي يواجهها تنظيم الدولة الإسلامية، مؤكدين أن السؤال الرئيسي الذي يواجه التنظيم الإرهابي في الوقت الحاضر يتعلق بالإختيار بين أمرين، إما الإحتفاظ بالأرض أو المحافظة على المقاتلين. وطبقا لشهادات مسؤولين غربيين ولتقارير الهيئات الرسمية الأوروبية والأمريكية ومراكز دراسات الإرهاب في دول العالم فإن هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) عسكريا في سورية والعراق لا تعني نهاية داعش، وإنما سيكون ذلك بمثابة محطة يتوقف عندها تنظيم الدولة الإسلامية بغية التحول إلى تبني أشكال تنظيمية وأساليب عمل مختلفة، مثلها في ذلك مثل الميكروب أو الفيروس الذي يواجه الظروف المتغيرة بالتحور وإعادة التشكل بما يتلاءم مع احتياجات البقاء. ورصدنا في الجزء الثاني أيضا ظاهرة "العائدون من داعش" إلى دولهم أو مواطنهم الأصلية. وقد رصدت التقارير الأمنية والإعلامية تناميا في ظاهرة العائدين من سورية والعراق مع الخسائر التي يتعرض لها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسورية.

بقاء داعش مصلحة لإسرائيل وأمريكا

لكن نهاية داعش في العراق وسورية قد لا تكون الهدف النهائي لبعض القوى الإقليمية والدولية، خصوصا إذا كانت ملامح الخريطة النهائية لإعادة تقسيم منطقة شرق البحر المتوسط لم تتضح بعد. ومع زيادة تورط القوات الروسية في سورية، فربما يكون من مصلحة الولايات المتحدة ودول حلف الناتو أن تطول الحرب في سورية وأن يظل تنظيم الدولة الإسلامية عنصرا فاعلا في إعادة تشكيل المشهد العام في سورية والعراق بغرض زيادة إنهاك القوات الروسية وتوريط روسيا أكثر وأكثر في الحرب الدائرة في المنطقة. إن هناك مقومات حقيقية متوفرة في سورية على وجه الخصوص ترجح إمكان تحويل هذا البلد إلى "أفغانستان" جديدة شرق البحر المتوسط، تتسبب في إنهاك الروس واستنزافهم عسكريا، ربما بأكثر مما حدث خلال ورطة الروس الأولى في أفغانستان. وإذا كان الأمر كذلك فسوف يظل من مصلحة بعض القوى الإبقاء على الحد الأدنى من الوجود لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسورية بما يحقق ثلاثة أهداف في آن واحد، الأول إضعاف قوة التنظيم على شن هجمات في الخارج، والثاني استخدامه كقوة لاستنزاف الروس، والثالث إستخدامة كورقة تصحيح أو تعديل موازين القوى في عملية إعادة تشكيل الخريطة النهائية للشرق الأوسط. 

وسوف يكون من مصلحة إسرائيل على وجه الخصوص الإبقاء على تنظيم الدولة الإسلامية في سورية والعراق من أجل استخدامها في إنهاك الإيرانيين وحلفائهم بما في ذلك حزب الله، وعدم الإكتفاء بفصيل واحد فقط على الجبهة السنية يتمثل في جبهة النصرة وحلفائها للعمل ضد إيران وحلفائها في سورية. وقد كشف وزير الدفاع الإسرائيلي السابق موشى يعلون في تصريحات صحفية أذاعتها القناة العاشرة للتليفزيون الإسرائيلي وصحيفة إسرائيل تايمز (23أبريل 2017) عن وجود اتصالات بين الأجهزة الإسرائيلية وبين قيادات تنظيم الدولة الإسلامية بشأن العمليات التي يقوم بها التنظيم في سورية، وقال إنه حدث في مرة أن أطلق مقاتلوا الدولة الإسلامية قذائف بطريق الخطأ في اتجاه سورية، لكن التنظيم قام بالإعتذار عن ذلك. كما كشف مدير مكتب مكافحة الإرهاب الملحق برئاسة الوزراء في إسرائيل إيتان بن ديفيد أن إسرائيل تجري محادثات مع التنظيم بشأن استعادة ما يقرب من مئة مقاتل من فلسطينيي 1948 الذين التحقوا بتنظيم الدولة الإسلامية ويقاتلون في صفوفه.

 

وكانت دورية من مقاتلي ما يسمى "جيش خالد بن الوليد" وهو إسم لتنظيم سابق كان يدعى "كتيبة شهداء اليرموك" موالية لداعش، قد أطلقت عددا من قذائف المورتر على دورية استطلاع إسرائيلية في الجانب الآخر من الحدود داخل إسرائيل (في منطقة المثلث الحدودي بين سورية والأردن وإسرائيل)، لكن القوة الإسرائيلية إستدعت الطيران فورا للتدخل الأمر الذي أسفر عن مصرع المقاتلين الأربعة، وذلك صباح يوم 27 نوفمبر 2016. ويبدو أن إطلاق النار بواسطة المقاتلين المنضمين إلى داعش قد تم بدون ترتيب مع قيادة التنظيم، ولم تتكرر مثل هذه الحادثة منذ ذلك الوقت، وهو ما يرجح صدق تصريحات يعلون وبن ديفيد. ومن المعروف إن إحدى القواعد العملياتية داخل داعش هو عدم شن أي هجوم بدون موافقة القيادة، بعد موافقة "المفرزة الأمنية"، وعدم الإعلان عن أي هجوم بواسطة منفذيه، ولكن بواسطة القيادة.

العوامل المغذية والمعرقلة لداعش

وإلى جانب العوامل الخارجية فإن آلية بقاء تنظيم الدولة الإسلامية على قيد الحياة ونموه تتضمن أيضا مقومات ذاتية ترتكز على استراتيجية التنظيم في تقديم أولوية "محاربة العدو القريب" على ماعداها من أولويات. ومن أجل الإستمرار في محاربة العدو القريب، وهو الأنظمة الحاكمة في الدول العربية والإسلامية، فإن تنظيم الدولة الإسلامية يسعى إلى تأكيد وجوده خارج العراق وسورية لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسية: الأول هو تأكيد قدرة التنظيم على البقاء والنمو والتوسع، الثاني هو توفير موارد جغرافية وبشرية ولوجيستية لاستيعاب قدرات التنظيم خارج العراق وسورية، الثالث هو التوسع والتمدد إلى مناطق جديدة لم يوجد فيها التنظيم من قبل، مستفيدا من قدرات المقاتلين الأجانب الذين انضموا للتنظيم خلال السنوات الماضية في العمليات المتنوعة داخل العراق وسورية. وفي هذا السياق تأتي أهمية عدد من المواقع الإستراتيجية التي قد يتمدد إليها تنظيم الدولة الإسلامية، التي تتمثل في شمال لبنان (طرابلس ومناطق الشمال) واليمن (حضرموت وعدن) والصومال (الشمال) والسودان (غرب) ومصر (سيناء والصعيد) وليبيا. وسوف تحتل ليبيا مكانة خاصة في استراتيجية "البقاء والتمدد" التي يقوم عليها داعش.

وفي التقرير المعنون "الدولة الإسلامية وسياسة الولايات المتحدة" الذي تم تقديمه للكونجرس الأمريكي في 2 فبراير 2017، تمت الإشارة إلى عدد من المتغيرات والعوامل التي من المرجح أن تلعب دورا إيجابيا (محفزات) لصالح تنظيم الدولة الإسلامية في السنوات المقبلة، إلى جانب تلك التي يمكن أن تلعب دورا سلبيا (معرقلات) ضد احتمالات بقاء التنظيم وتوسعه.

وقد تم تحديد العوامل الإيجابية (المحفزات) التي يمكن أن تغذي نموتنظيم الدولة الإسلامية على النحو التالي:

-         إستمرار النزاعات والصراعات ذات الطابع المذهبي أو العرقي أو السياسي في المنطقة

-         وجود شبكة مترابطة وأساليب قوية ومبتكرة لتجنيد المقاتلين والأنصار وإعدادهم وتسفيرهم إلى مناطق الصراع التي يعمل فيها تنظيم داعش

-         ضعف مستويات الأمن والإستقرار ونفوذ الدولة في المنطقة العربية بشكل عام

-         وفرة وتنوع سبل الحصول على الأسلحة لمقاتلي داعش سواء عن طريق التهريب، أو الغنائم العسكرية من الخصوم أو عن طريق المساعدات المباشرة وغير المباشرة من دول أو أطراف أخرى في داخل المنطقة أو خارجها

-         محدودية التعاون الدولي والإقليمي وضيق نطاق تبادل المعلومات بشأن مكافحة الإرهاب في المنطقة

-         توفر الإغراءات المالية واللوجيستية التي يستطيع تنظيم الدولة الإسلامية تقديمها إلى الأفراد والجماعات من تنظيمات أخرى بغرض جذبهم للإنضمام إلى داعش.

بينما تم تحديد العوامل السلبية أو العراقيل التي يمكن أن تحد من نمو داعش على النحو التالي:

-         أيديولوجية داعش المتطرفة لا تلقى ترحيبا لدى العامة من المسلمين السنة الذين يميلون غالبا إلى الوسطية وإلى عدم تفضيل العنف

-         أساليب داعش الوحشية في استهدداف المدنيين والتنكيل بهم إلى درجة القتل ذبحا أو حرقا

-         السلطة الإستبدادية التي يمارسها تنظيم الدولة الإسلامية في المناطق التي تخضع لنفوذه

-         وجود خصوم أقوياء لتنظيم الدولة الإسلامية يسعون إلى إزاحة قوة التنظيم من طريقهم كما هو الحال بالنسبة لجبهة النصرة (هيئة تحرير الشام) في سورية

-         وجود تنافر وتنازع في الهويات والولاءات والأجندات المستهدفة بواسطة مقاتلي داعش بسبب تنوع أصولهم الجغرافية والعرقية واللغوية، وهو ما قد يسهم في إضعاف بنية التنظيم من الداخل.

ويعني ذلك بوضوح أن مكافحة الإرهاب هي عملية أشد تعقيدا من مجرد المواجهة العسكرية للتنظيمات الإرهابية أو الجماعات المقاتلة، لأن استمرار المحفزات والعوامل المغذية للإرهاب من شأنه أن يمد التنظيمات الإرهابية دائما بموارد جديدة تعوضها عما تخسره عسكريا أو بشريا. كما تعني التقديرات المقدمة للكونجرس أن استمرار الأوضاع غير المستقرة في المنطقة العربية وانتشار الصراعات ذات الجذور المتنوعة السياسية والعراقية والمذهبية، هو الخطر الأكبر الذي يهدد تلك المنطقة بأسرها. ومن ثم فإن أي استراتيجية لمكافحة الإرهاب تظل استراتيجية عرجاء إذا هي اقتصرت على الضربات الجوية وعلى العمليات العسكرية.

أهمية ليبيا لداعش

تمثل ليبيا بيئة نموذجية لتنظيم الدولة الإسلامية نظرا لما يجتاحها من حرب أهلية متعددة الأطراف، وتورط العديد من القوى الإقليمية والدولية في هذه الحرب، إلى جانب اتساع مساحة ليبيا وطبيعتها الصحراوية، وقربها من مناطق عمليات تنشط فيها جماعات موالية لداعش سواء في مصر أو تونس أو الجزائر أو في الصومال وبعض دول أفريقيا.

وفيما يلي أهم العوامل التي يمكن أن تجعل من ليبيا هدفا ثمينا لتنظيم الدولة الإسلامية سواء في حال هزيمته في العراق وسورية، أو في حال استمرار قدرته على التوسع من قواعده هناك، باستخدام طرق الإتصال القائمة حاليا وتطويرها، وهي الطرق التي تساعد التنظيم على إرسال واستقبال مقاتلين إلى ليبيا ومنها بعد تدريبهم هناك، كما تساعد على نقل الأسلحة والمعدات اللازمة لاستمرار عمليات التنظيم:

-         إنعدام النظام والقانون والأمن في ظل الحرب الأهلية، وغياب وجود الدولة في البلاد بشكل عام

-         الأهمية الإقتصادية لليبيا كبلد نفطي يمكن أن توفر موارده النفطية لدولة الخلافة إمكانات اقتصادية هائلة، تعوض الخسائر التي لحقت بها في العراق وسورية

-         وجود عدد كبير من المقاتلين المنتمين إلى داعش أو الجماعات القريبة منه في داخل ليبيا نفسها وفي الدول المجاورة مثل مصر وتونس والجزائر والسودان (في حدود ستة آلاف مقاتل تقريبا)

-         وجود هيكل تنظيمي إداري لتنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا يتضمن تقسيمها إلى ثلاث ولايات هي ولاية برقة في الشرق، وولاية طرابلس في الغرب، ثم ولاية فزان إلى الجنوب

-         الأهمية الجيوبوليتكية حيث إن ليبيا تمثل مفصلا جغرافيا بين المشرق العربي والمغرب العربي، فهي قد تكون نقطة الإتصال أو نقطة الإنقطاع بينهما، ومن ثم فإن السيطرة عليها تصبح جوهرية في إطار مخطط إقامة دولة الخلافة الإسلامية. كذلك فإن ليبيا تمثل نقطة الإنقطاع أو الإتصال بين أفريقيا الساحل ومنطقة القرن الأفريقي الكبير وبين شمال البحر الأبيض المتوسط حيث تبعد الشواطئ الليبية ما يقرب من 300 كم من شواطئ شمال المتوسط وجنوب أوروبا.

-         أهمية ليبيا على خريطة طرق تهريب السلاح والبشر والمخدرات على مستوى العالم، حيث تلتقي في مناطق الجنوب والجنوب الغربي الليبي طرق التهريب والتجارة غير المشروعة من أمريكا اللاتينية إلى المحيط الأطلنطي (عبر قناة بنما)، ثم عبر الأطلنطي إلى دول الساحل الأفريقي على المحيط، ومنها إلى ليبيا عبر الصحراء، ثم من ليبيا إلى بقية أنحاء الشرق الأوسط وإلى أوروبا.

-         إمكان استخدام الصحارى الليبية في إنشاء معسكرات للتدريب والإيواء ومخازن للأسلحة والعتاد لخدمة مقاتلي الدولة الإسلامية بشكل عام وليس في ليبيا فقط.

 

الجماعات المقاتلة في ليبيا

على التوازي مع الضغوط التي يتعرض لها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسورية فإن التنظيم يتعرض أيضا لضغوط شديدة في ليبيا منذ أن فقد مركز قيادته في سرت في أواخر العام 2016. ويتعرض التنظيم بقياداته ومعسكراته ومواقعه الرئيسية في شرق ووسط وغرب وجنوب ليبيا لهجمات الطيران الأمريكي، حيث تعتبر الولايات المتحدة أن داعش هي عدوها الأول هناك. كما يتعرض التنظيم أيضا لهجمات من جانب قوات محلية منافسة سواء في الشرق أو في الغرب. ومن ثم فإن طريق داعش إلى ليبيا سواء من حيث البقاء أو التوسع ليس طريقا معبدا أو سهلا، وإنما تحوطه الصعوبات من جوانب كثيرة.

ومن أجل توضيح الصورة أكثر بشأن الأوضاع في ليبيا فإننا سنعرض فيما يلي خريطة للقوى المقاتلة وقدرات كل منها. ويجب أن نوضح هنا إلى إننا سنعني أساسا بخريطة القوى المقاتلة وليس بخريطة القوى السياسية، ومن ثم فإن مركز اهتمامنا سينصب على ما يتعلق أساسا بالعمليات القتالية وليس بالعملية السياسية. وكل من العمليات القتالية والعملية السياسية يجري على التوازي في إطار شديد التعقيد، وفي ظل شبكة من التعقيدات والتغيرات المتصلة في كل من المشهدين القتالي والسياسي. وعلى الرغم من إننا قد نشير بين وقت وآخر إلى الترابط بين كل من العمليات القتالية والعملية السياسية إلا أننا نعيد التأكيد على أن مركز اهتمامنا ينصب على الجماعات المقاتلة في ليبيا، ونعتقد أن التوازنات بين هذه الجماعات هي التي ستحسم في نهاية الأمر شكل وموضوع الصراع الحالي في ليبيا.

ويتألف المشهد العسكري العام من القوى التالية:

-         حكومة الوفاق الوطني في طرابلس (المؤتمر الوطني العام والمجلس الرئاسي)، وتتبعها تشكيلات من الجيش الليبي الرسمي في إطار "القيادة العامة للقوات المسلحة" أهمها الفرقة العسكرية الأولى (تنتشر في شرق ووسط العاصمة طرابلس) والقوة الثالثة في الجنوب المتمركزة في قاعدة تمنهنت العسكرية، وقوة الردع وهي ميليشيات سلفية تقوم بدور الشرطة في العاصمة خصوصا في الشرق حيث تهتم بمكافحة المخدرات والتهريب والمشروبات الكحولية إضافة إلى مطاردة الأشخاص المشتبه في انتمائهم لتنظيم داعش، وكذلك كتيبة ابو سليم التي تسيطر على حي أبو سليم الشعبي جنوب طرابلس. كما تضم القوات الموالية لحكومة الوفاق تشكيلات حرس المنشآت النفطية الذي يتولى حماية الحقول النفطية والمنشآت وموانئ التصدير، وميليشيات مصراته التي تضم مقاتلين من جماعات إسلامية متعددة إضافة إلى مقاتلين من بعض القبائل. ومن وجهة نظر حكومة الوفاق فإن أي قوة لا تتبعها "هي ميليشيات خارجة عن الشرغية يجب محاربتها."

-         مجلس النواب، وتتبعه تشكيلات الجيش الوطني الليبي بقيادة الجنرال خليفة حفتر، وميليشيات من رجال القبائل ومن جماعات سلفية غير جهادية.

-         تنظيم القاعدة، وتتبعه جماعة أنصار الشريعة، وهي جماعة تتمتع بنفوذ كبير في شرق ووسط وغرب ليبيا، واستطاعت في السنوات الماضية منذ بدء الحرب الأهلية تشكيل عدد من الإئتلافات العسكرية المهمة في مناطق الصراع الرئيسية في ليبيا مثل مجلس شورى ثوار بنغازي ومجلس شورى المجاهدين في إجدابيا، ومجلس شورى مجاهدي درنة وغيرها.

-         تنظيم الدولة الإسلامية، وترتبط به جماعات مقاتلة في شرق ووسط وغرب ليبيا وكذلك في الجنوب، لكن التنظيم تعرض لضربة قاسية بخروجه من سرت ومن بني غازي ومن مواقع أخرى في الجنوب. ومع ذلك فإن التنظيم (داعش) منذ خسارته في سرت يقوم بإعدة تجميع مقاتليه للإستعداد لمرحلة تالية من الصراع.

أهم التشكيلات المقاتلة

على الرغم من تنظيمها وتسليحها فإن التشكيلات المسلحة في ليبيا هي بشكل عام منظمات فضفاضة، يسهل الإنتقال منها وإليها، وتتغير ولاءاتها طبقا لمقتضى الحال. والأهم من ذلك أنه على الرغم من ارتباط معظم هذه التشكيلات بأطراف سياسية، إلا إنها تسعى في نهاية الأمر إلى تأكيد نفوذها الخاص وتغليب مصالح قياداتها على ما عداها. وقد مرت العمليات القتالية في ليبيا منذ الثورة بأربعة مراحل رئيسية، الأولى منها كانت خلال العملية الثورية لإسقاط نظام القذافي واستمرت حتى سقوط النظام ومقتل القذافي نفسه، والثانية هي مرحلة "الدروع" وهي الفترة التي تلت إعلان اللواء متقاعد (في ذلك الوقت) خليفة حفتر الدعوة إلى تشكيل مجلس رئاسي لقيادة المرحلة الإنتقالية وعلى الإنتخابات التشريعية وتعطيل الإعلان الدستوري والدعوة إلى توحيد جيش ليبيا تحت قيادة "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" الذي شكله حفتر برئاسته وحكومة طوارئ، فأنشا المؤتمر الوطني العام الذي كان يقود ليبيا بعد الثورة مع الميليشيات المختلفة ما سمي "دروع ليبيا" وهي عبارة عن ميليشيات محلية في كل منطقة من المناطق تهدف أساسا إلى مواجهة الجنرال حفتر والتصدى له، أما المرحلة الثانية فكانت مرحلة "فجر ليبيا" وهي المرحلة التي أعقبت الإنتخابات البرلمانية عام 2014 وخسارة الإخوان لصالح القوى المدنية والقبائل وغيرها، وكان هدف فجر ليبيا هو المحافظة على نفوذ الإخوان بالسلاح، وكانت المرحلة الرابعة هي مرحلة "البنيان المرصوص" وهي العملية التي كان هدفها إخراج داعش من سرت. وربما يكون ما تشهده ليبيا في الوقت الحاضر من صراعات بشأن السيطرة على الهلال النفطي والقواعد العسكرية وإيرادات تصدير النفط، مرحلة جديدة لم تكتمل ملامحها بعد.

 

وفي كل تلك المراحل لم تتغير المكونات العضوية الرئيسية العسكرية كثيرا ولكن تغيرت الأسماء واللافتات التي تعمل تحتها الميليشيات المقاتلة. ونوضح فيما يلي أهم التشكيلات المقاتلة في ليبيا:

قوات البنيان المرصوص (موالية لحكومة الوفاق)

تشكلت "قوات البنيان المرصوص" بمبادرة من حكومة الوفاق الوطني مع الإعداد لعملية تحرير مدينة سرت الليبية من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وهي العملية التي تم إطلاقها في 5 مايو 2016.  وتخضع قوات البنيان المرصوص لرئاسة الأركان العامة للقوات المسلحة الليبية الموالية الموالية لرئاسة حكومة الوفاق الوطني في العاصمة طرابلس. وتضم هذه القوات المكونات الرئيسية التالية:

-         القوات العسكرية النظامية التابعة لرئاسة الأركان، وتضم الفرقة الأولى المسؤولة عن الدفاع عن العاصمة، والقوة الثالثة المتمركزة في الجنوب في قاعدة تمنهنت العسكرية، والكتيبة 45 مشاة وغيرها

-         كتائب الثوار الموالية للحكومة وعلى رأسها "ميليشيات مصراتة". وتعتبر ميليشيات مصراتة من أقوى التجمعات العسكرية في ليبيا حيث تملك أعدادا كبيرة من المقاتلين وتشكيلات من الدبابات والطائرات والمدفعية ومضادات الطيران كانت قد استولت عليها منذ سقوط نظام القذافي خلال ثورة فبراير 2011

-         قوات جهاز حرس المنشآت النفطية بقيادة العميد إدريس بوخمادة

-         قوة العمليات الخاصة في جهاز مكافحة الإرهاب 

-         قوات قبلية من أهمها تلك التابعة لقبائل الطوارق

ويضاف لها في الوقت الراهن قوات "الحرس الرئاسي" الذي تم البدء في تشكيله في 9 مايو 2016 لكي يصبح فيما بعد نواة الجيش الليبي الموحد، وتم تعيين العميد نجمي الناكوع قائدا له. وقد نجحت قوات البنيان المرصوص في تحرير سرت من سيطرة داعش في الإسبوع الأول من ديسمبر 2016 بعد قتال إستمر نحو 7 أشهر بمساندة جوية من الطائرات الأمريكية. وكانت حكومة الوفاق قد طلبت رسميا من الولايات المتحدة (30 يوليو 2016) التدخل بإمكاناتها المختلفة للمساعدة على هزيمة داعش في سرت، وبدأت الضربات الجوية الأمريكية فعلا على مواقع داعش في سرت في أول أغسطس 2016. ولم يقتصر دعم القوات الأمريكية على الضربات الجوية فقط، وإنما شمل أيضا تقديم المعلومات والخرائط بشأن تحركات الأفراد والمعدات، والإستخبارات.

ميليشيات مصراتة

تعتبر ميليشيات مصراتة مكونا رئيسيا من مكونات قوات البنيان المرصوص، وتزعم الميليشيات أن الفضل في تحرير سرت من داعش يعود إلى مقاتليها بالأساس. وقد تشكلت ميليشيات مصراتة بعد خسارة الإخوان المسلمين في الإنتخابات البرلمانية التي جرت في العام 2014، فاتجه الإخوان إلى تبني أسلوب العمل العسكري ضد الدولة بغرض بسط نفوذهم بالقوة على أوسع نطاق ممكن في ليبيا. لكن مكونات هذه الميليشيات كانت موجودة بالفعل وشاركت في العمليات العسكرية خلال فترة الثورة ضد القذافي. وتضم ميليشيات مصراتة عددا كبيرا من الجماعات والتنظيمات المسلحة منها "كتيبة البتار" التابعة لجماعة أنصار الشريعة الموالية للقاعدة.  كما تضم ميليشيات مصراتة "كتيبة الفاروق" وهي من أكثر الميليشيات دموية في ليبيا، وقد انشقت أخيرا وبايعت الخليفة المزعزم أبو بكر البغدادي وانضمت لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش). وقد شكلت الجماعات المسلحة "إتحاد ثوار مصراتة"، وتحاول ميليشيات مصراتة السيطرة على المنطقة الوسطى من برقة إلى طرابلس، وعدم السماح للجنرال خليفة حفتر بالتقدم في اتجاه العاصمة طرابلس.

ويعد عبد الحكيم بلحاج زعيم "الجماعة الليبية المقاتلة" من أبرز قيادات ميليشيات مصراتة، التي حصلت في بداية تأسيسيها على تأييد المفتي الليبي صادق الغرياني، كذلك تضم قيادات الميليشيات هيثم التاجوري قائد كتيبة ثوار طرابلس، وعبد الغني الككي قائد ميليشيات غنيوة التي تسيطر على حي أبو سليم الشعبي في طرابلس، إضافة إلى قيادات محلية أخرى مثل صلاح بادي الذي قامت ميليشياته بإحراق مطار طرابلس الدولي.

وتعتبر ميليشيات "فجر ليبيا" مع بعض الإستثناءات هي العمود الفقري لميليشيات مصراته الموالية لحكومة الوفاق في طرابلس. وقد تأسست قوات فجر ليبيا في يوليو 2014 خلال عملية عسكرية ضد مقاتلي قبيلة الزنتان، وبعد هزيمة الزنتان وانسحاب المقاتليين القبليين إلى زنتان (170كم جنوب غربي طرابلس) سيطرت ميليشيات فجر ليبيا على العاصمة الليبية وانضمت إليها العديد من الميليشيات الأخرى مثل ميليشيات طرابلس، تشكيلات من مقاتلين قبليين مناوئين للزنتان ولقوات خليفة حفتر مثل الإمازيج، ميليشيات مدعومة من تنظيمات الإخوان المسلمين، وميليشيات ثورية تتألف من مقاتلين حاربوا من قبل لإسقاط نظام القذافي مثل "درع ليبيا الوسطى"، و"غرفة عمليات ثوار طرابلس"، وميليشيات محلية من مدن ونواحي غريان والزاوية ومصراتة. وأتاحت هذه القوة لميليشيات فجر ليبيا فرصة السيطرة على عدد من المدن في الغرب الليبي وحتى الحدود التونسية بما في ذلك مناطق القبائل الأمازيجية. كما سيطرت قوات فجر ليبيا والميليشيات المتحالفة معها على نفوذ في بعض مناطق الجنوب في ولاية فزان.

        وقد لعبت المكونات السابقة ضمن أو بالتعاون مع "قوات البنيان المرصوص" الموالية لحكومة الوفاق الوطني في طرابلس، مدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية بالدور الرئيسي في تحرير مدينة سرت من داعش في أواخرعام 2016.

 

وتسعى قوات "البنيان المرصوص" إلى التصدى لمحاولات إعادة ليبيا إلى ما كانت عليه قبل ثورة عام 2011، ولذلك فإن تحالفاتها السياسية والعسكرية تتسم بصفات العداء للقذافي ونظام حكمة والعداء للجيش الوطني الليبي باعتباره من وجهة نظرها صورة أخرى لنظام القذافي، إضافة إلى العداء لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش). وتبني الميليشيات أو الجماعات المكونة لقوات البنيان المرصوص (غير النظامية) تحالفاتها العسكرية والسياسية والقبلية على هذه الأسس. وفي حقيقة الأمر فإن التطورات العملياتية تشير بوضوح إلى وجود قدر كبير من التنسيق بين "قوات البنيان المرصوص" وبين ميليشيات الجماعات السلفية الجهادية وتنظيمات القاعدة في ليبيا بما في ذلك "جماعة أنصار الشريعة". وعلى الرغم من ذلك فإن "قوات البنيان المرصوص" تعاني من العديد من التناقضات والشروخ التي قد تتسبب في ضعفها وانقسامها، فهناك التناقض بين أهدافها وبين أهداف حكومة الوفاق ، حيث تسعى الميليشيات إلى تكريس نفوذها هي في المناطق التي تسيطر عليها وليس نفوذ الحكومة، كما أن توجهات القوى الموالية لقوات البنيان المرصوص في شرق البلاد تختلف عنها في الغرب، خصوصا فيما يتعلق بالإستعانة بالولايات المتحدة وحلف الناتو.

ويتمثل الخطر الحالي الذي يهدد "قوات البنيان المرصوص" في الصراع بين القوات النظامية القديمة والجديدة بما في ذلك قوات الحرس الرئاسي، وبين قوات الميليشيات المختلفة التي تسيطر فعليا على العاصمة طرابلس وعلى المدن الرئيسية الممتدة على طول الساحل الليبي من سرت إلى الحدود التونسية. ولن تقبل الميليشيات بإضعاف نفوذها في طرابلس وغيرها لصالح القوات النظامية. وتشهد طرابلس في الوقت الحالي صراعا مكتوما تقوده الميليشيات ضد قائد الحرس الرئاسي العميد نجمي الناكوع بعد أن أعلن أنه يهدف إلى إخلاء طرابلس من الميليشيات المسلحة. وفي حال بقاء العميد الناكوع في موقعه فإن هذا الصراع بين القوات النظامية وبين الميلشيات سوف يشتعل، وهو ما سيضعف موقف حكومة الوفاق أمام العالم وفي مواجهة خصمها اللدود الجنرال خليفة حفتر.  

حرس المنشآت النفطية

هو عبارة عن تشكيلات عسكرية مهمتها حماية حقول النفط وغيرها من المنشآت النفطية إضافة إلى موانئ تصدير النفط. وهو قوات اتحادية تابعة لحكومة الوفاق الوطني (المؤتمر الوطني العام والمجلس الرئاسي). ويتولى قيادة جهاز حرس المنشآت النفطية الإتحادي في الوقت الحالي العميد إدريس بوخماده. وتعتبر قوة الحرس في المنطقة الوسطى، وهي المنطقة الممتدة من حوض السدرة على ساحل البحر المتوسط (من أجدابيا شرقا وحتى أبو قرين غربا) إلى حدود تشاد جنوبا هي منطقة العمليات الرئيسية لجهاز حرس المنشآت النفطية. 

 

وتخضع قوات الحرس في المنطقة الوسطى لقيادة إبراهيم الجضران، وهو أحد القيادات الثورية المعادية لنظام القذافي.وكان الجضران في صيف 2013 قد انشق عن قوة حماية المنشآت النفطية التابعة للمؤتمر الوطني العام، وسيطر مع قوات موالية له على مينائي تصدير النفط في راس لانوف والسدرة، وحاول تصدير النفط إلى شركات غير متعاقدة مع المؤسسة الوطنية للنفط بدون موافقة الحكومة، لكن قيادة الأركان العامة للقوات المسلحة الليبية في طرابلس أصدرت أمرا بإقالته في 18 أغسطس 2013  بدون أن تسمي قيادة بديلة. وقد انحاز الجضران إلى الجنرال حفتر لكنه إنشق عنه أخيرا وقبل العودة إلى الوضع الذي يقضي بتبعية حرس المنشآت النفطية في المنطقة الوسطى لحكومة الوفاق في طرابلس. ويتسم سلوك الجضران دائما بالتقلب بين الولاء للمؤتمر الوطني العام أولحكومة الوفاق في طرابلس وبين الولاء للمجلس النيابي والجيش الوطني في طبرق أو اللعب لمصلحة نفسه والقوات الموالية له. ويقود الجضران أيضا ما يسمى بـ "قوة برقة" التي تضم شباب الثوار وعددا من الكتائب والميليشيات المحلية، وأعلن المنطقة الوسطى إقليما فيدراليا عند إقالته من قيادة حرس المنشآت النفطية في وسط ليبيا. وقد عاد الجضران مرة أخرى إلى ولائه لحكومة الوفاق الوطني في طرابلس.

وخلال الفترة التي سيطر فيها الجنرال خليفة حفتر على الموانئ النفطية في منطقة الهلال النفطي، فإنه هو الآخر شكل قوة لحراسة المنشآت النفطية بقيادة العقيد مفتاح المقريف الذي أكد أخيرا (في 11 مارس 2017) على وقوف قواته صفا واحدا مع الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر.

وقد نجحت قوات الحرس الفيدرالي لحماية المنشآت النفطية في الدفاع عن موانئ التصدير والمنشآت النفطية ضد الهجمات التي شنها تنظيم داعش للسيطرة على راس لانوف والسدرة والزويتينة، ولكنها تعرضت لخسائر فادحة في هذه العمليات. ويعتبر دور حرس المنشات النفطية (الفيدرالي) محوريا في تأمين إنتاج وصادرات النفط وتوفير الظروف الأمنية الملائمة لزيادة الإنتاج النفطي الذي يتقلب من وقت إلى آخر طبقا للحالة الأمنية وطبيعة القوى المسيطرة على مقاليد الأمور في منطقة الهلال النفطي.

الجيش الوطني الليبي

يعتبر الجيش الوطني الليبي بمثابة ائتلاف عسكري بقيادة الجنرال خليفة حفتر وهو قيادي عسكري سابق في جيش القذافي لكنه انشق عليه، وعاد إلى ليبيا بعد الثورة وبدأ في تشكيل قوة عسكرية تشارك في الصراع الجاري في لبيبا منذ سقوط نظام القذافي ومقتل معمر القذافي نفسه على أيدي الميليشيات المسلحة. ويضم الجيش الوطني الليبي تشكيلات من الجيش الليبي منها تشكيلات من القوات الخاصة (الصاعقة والمظلات) بقيادة العميد ونيس بوخماده، واللواء 12 المدرع بقيادة محمد بن نايل،  واللواء 16، وتشكيلات جوية في قاعدة بنينا الجوية في بني غازي، وتشكيلات بحرية، كما يضم مقاتلين من جماعات قبلية معادية للجماعات الإسلامية المسلحة مثل قبائل الزنتان.

ويتلقى الجيش الوطني الليبي دعما ماديا ومعنويا من مصر والإمارات وإيطاليا وفرنسا. وقد أكد الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند (يوليو 2016) أن أرسلت قوات خاصة تم نشرها في بني غازي لمساندة الجيش الوطني الليبي، وذلك بعد انتشار أنباء عن مصرع ثلاثة عسكريين فرنسيين كانوا على متن مروحية تابعة للجيش الوطني الليبي أعلنت "كتائب بنغازي" مسؤوليتها عن إسقاطها. كما تقوم إيطاليا بتقديم مساعدات عسكرية ولوجيستية وإنسانية للجيش الوطني. ويتمتع الجيش الوطني الليبي الذي يقوده الجنرال خليفة حفتر بشرعية مستمدة من ولائه للمجلس النيابي المنتخب برئاسة المستشار صالح عقيلة.

ويعتبر الجيش الوطني الليبي الخصم الأول للجماعات الإسلامية المقاتلة في ليبيا، ويسعى إلى توحيد البلاد، وإعادة إقامة سلطة مركزية قوية تحفظ الأمن والنظام وتقوم بتطبيق القانون في كل أنحاء البلاد وتوحيد الأجهزة العسكرية والأمنية. وقد أعلن قائد الجيش الوطني الليبي خليفة حفتر عملية عسكرية كبرى لتحقيق برنامجه العام أطلق عليها إسم "عملية الكرامة". وبدأت هذه العملية في16  مايو 2014 بحملة لاستعادة مدينة بني غازي، بهدف تصفية الميليشيات العسكرية في المدينة وضواحيها بما في ذلك الميليشيات الموالية للحكومة الليبية "حكومة الوفاق الوطني" المعترف بها بواسطة الأمم المتحدة التي تتخذ مقرها في العاصمة الليبية طرابلس.

وقد انحصرت عمليات الجيش الوطني الليبي حتى أواخر العام 2016 في مناطق شرق ليبيا خصوصا في المناطق الساحلية الممتدة من درنة وأجدابيا وبني غازي. لكن قوات الجيش الوطني الليبي لم تلبث أن وسعت جبهات القتال ضد الجماعات الإسلامية المقاتلة لتمتد هذه الجبهة إلى مناطق كثيرة في شرق ليبيا وفي الجنوب ولا سيما في الجفرة وسبها، إضافة إلى استهداف قاعدة تمنهت الجوية، كما توجد في غرب ليبيا قوات قبلية متحالفة مع الجيش الوطني مثل ميليشيات قبائل الزنتان التي كانت تسيطر تقريبا على حقول النفط في الجنوب الغربي وتتولى مسؤولية الدفاع عنها.

وخلال الفترة من يونيو 2014 وحتى ديسمبر 2016 قام الجيش الوطني الليبي بعمليات عسكرية على جبهات متعددة في إطار استراتيجية لمنع تمركز الجماعات الإسلامية المقاتلة، وللحد من توسع حكومة طرابلس، ولتأمين استمرار انتاج البترول خصوصا في منطقة الهلال النفطي. وقد نجح الجيش الوطني في توجيه ضربات موجعة للميليشيات الإسلامية، واستطاع انتزاع أجدابيا، وشارك في طرد داعش من درنة، ووقف حائلا دون عودة مقاتلي تنظيم الدولة إليها مرة أخرى لتأسيس قيادة "ولاية برقة" التي كان التنظيم قد أعلنها.

ويسيطر الجيش الوطني على الجزء الأكبر من شرق ليبيا والهلال النفطي حتى خط الحدود مع مصر، باستثناء درنة التي ما تزال معقلا للميليشيات الإسلامية بما فيها جماعة أنصار الشريعة وكتيبة شهداء أبوسليم على الرغم من طرد داعش. كما تتمتع قوات الجيش الوطني الليبي بوجود مؤثر في بعض مناطق الجنوب خصوصا في الكفرة وسبها. وقد عزز الجيش الوطني الليبي نفوذه في الجنوب اعتبارا من ديسمبر 2016 عندما تمكنت قوات اللواء 12 المدرع من السيطرة على قاعدة "براك" الجوية، وهي قاعدة يوجد بها الكثير من مخازن الأسلحة والذخيرة، وكانت تعتبر مركزا من مراكز إمدادات "القوة الثالثة" الموالية لحكومة السراج في طرابلس. وفي الجنوب يسعى الجيش الوطني للسيطرة على "بوابة قويرة المال" التي تعتبر المدخل الشمالي إلى سبها وقاعدة تمنهنت الجوية.

وشهد شهر مارس 2017 تصعيدا بالغ الخطورة في العمليات القتالية متعددة الأطراف في منطقة الهلال النفطي. واستطاع تحالف ميليشيات بقيادة "سرايا الدفاع عن بنغازي" التي يقودها مصطفى الشركسي المتحدث السابق باسم القوات الجوية التابعة للمؤتمر الوطني العام، وإسماعيل الصلابي قائد كتيبة رأف الله السحاتي ، وهي ميليشيات مدعومة من قطر وتركيا والسودان في 3 مارس خلال عملية خاطفة السيطرة على موانئ ومنشآت تصدير النفط في راس لانوف والسدرة والبريقة ومطار راس لانوف من الجيش الوطني الليبي، وتعهدت هذه الميليشيات بإعادة تلك المرافق النفطية إلى سلطة حكومة الوفاق الوطني والمؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس. لكن سيطرة كتائب أو سرايا الدفاع عن بنغازي على الموانئ النفطية لم تستمر إلا عدة أيام حيث تمكنت قوات الجيش الوطني الليبي في 18 مارس 2017 تصفية آخر معاقل منافسيها في مدينة بني غازي بعد نحو ثلاثة أعوام من انطلاق عملية "الكرامة"، واستعادت السيطرة على المرافق والموانئ النفطية. وقد تعهد رئيس البرلمان الليبي المستشار عقيلة صالح بأن يحول إلى البنك المركزي في طرابلس إيرادات تصدير النفط على أن يتم تخصيص الإنفاق من هذه الإيرادات طبقا لاحتياجات البلاد التنموية والتوزيع الجغرافي اعتبارات الكثافة السكانية في المناطق المختلفة.

تنظيم القاعدة "جماعة أنصار الشريعة"

جماعة أنصار الشريعة هي الذراع العسكري الرئيسي لتنظيم القاعدة في ليبيا. وتعمل الجماعة على تثبيت وجودها وتوسيع نطاق نفوذها في المناطق التي تسيطر عليها في شرق ووسط وغرب ليبيا، والتصدي لنفوذ داعش ومحاولات توسع قوات الجيش الوطني. وتشارك أنصار الشريعة في أعمال مساندة شبكة تنظيمات القاعدة على مستوى العالم، خصوصا جبهة النصرة في سورية، وتنظيمات القاعدة في المغرب (الإسلامي)، وشبه الجزيرة العربية ودول الساحل والقرن الأفريقي. ومع ذلك فإن جماعة أنصار الشريعة تمارس إلى جانب القتال أشكالا متعددة من العمل الدعوي والإجتماعي والخيري بغرض تنشيط جهود التعبئة والتجنيد والتبرعات إلى جانب الحصول على الدعم الشعبي. كذلك تشارك أنصار الشريعة الليبية في أعمال الإغائة الإنسانية كما حدث في سورية والسودان وقطاع غزة بين عامي 2012 و2013. 

كما تقوم جماعة أنصار الشريعة الليبية بدور قيادي في تجميع تنظيمات القاعدة والجماعات الموالية لها في شمال أفريقيا، وتنسيق العمليات القتالية لهذه التنظيمات والجماعات، إضافة إلى تنسيق المجهود العسكري مع الجماعات السلفية الجهادية القريبة من القاعدة.

ويعود تأسيس تنظيم القاعدة في ليبيا إلى الجماعة الليبية الإسلامية المقاتلة. وقد لعب أعضاء هذه الجماعة دورا رئيسيا في التمكين لتأسيس القاعدة في ليبيا في العام 2011 بعد إطلاق سراح أعضائها وقيادييها من سجن أبوسليم، فأعادوا التجمع مع من سبق أن أفرج عنهم من القيادات أثناء حكم القذافي في العام 2010. وأسهموا جميعا في إنشاء "جماعة أنصار الشريعة" وأعلنوا مبايعتهم لتنظيم القاعدة، كما تعاونوا مع غيرهم من الجماعات الإسلامية المتطرفة والميليشيات المعادية للقذافيوإنشاء معسكرات التدريب وتسهيل الإعداد والتسليح لهذه الجماعات والميليشيات في كل أنحاء ليبيا.

وفي عام 2011 كلف زعيم القاعدة الحالي أيمن الظواهري واحدا من مقاتلي التنظيم في أفغانستان هو أبو أنس الليبي بالتوجه إلى ليبيا وتأسيس فرع للتنظيم القاعدة هناك بالتعاون مع أنصار الشريعة وغيرها من الجماعات السلفية الجهادية. و شارك في تأسيس تنظيم القاعدة في ليبيا عدد من المقاتلين في أفغانستان الذين كانوا معتقلين في سجن جوانتانامو، وسجناء سابقون في سجن أبوسليم الليبي بعد أن تم إطلاق سراحهم ومن هؤلاء سفيان بن قمو وأبو خالد مدني الذي يعتقد أنه قائد تنظيم أنصار الشريعة في بني غازي، ومحمد الزهاوي الذي كان واحدا من رفاق أسامة بن لادن خلال فترة إقامته في السودان في التسعينات من القرن الماضي، ثم عاد إلى ليبيا واعتقل في سجن أبو سليم بسبب مشاركته في عمليات الجماعة الليبية المقتالة. وقد قتل الزهاوي في يناير2015 ونعاه زعيم القاعدة في حينه.

وقد استفادت جماعة أنصار الشريعة من الصراع الدائر في ليبيا بتوسيع نطاق نفوذها من بنغازي إلى درنة وسرت وتمكنت من تطوير علاقات تعاون وثيق مع جماعات سلفية في أجدابيا وصبراته وجنزور، مع استمرار تعاونها مع الجماعات السلفية الجهادية على طول الساحل الليبي ومع تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، ومع تنظيم "المرابطون"، ومع جماعة أنصار الشريعة في تونس وغيرها. 

وفي إطار الدور القيادي الذي تلعبه جماعة أنصار الشريعة بادرت الجماعة إلى عقد أول مؤتمر للجماعات الإسلامية في ليبيا في يونيو عام 2012، ونجح المؤتمر في اجتذاب مندوبين من معظم الجماعات في كل أنحاء ليبيا. وفي سبتمبر من العام التالي وسعت الجماعة نطاق الدعوة لتعقد مؤتمرا لكل منظمات القاعدة والجماعات الموالية في بلدان المغرب العربي. وشارك في المؤتمر تنظيم القاعدة في بلدان المغرب الإسلامي وجماعة أنصار الدين في مالي وتنظيم المرابطون التي يتزعمها الجزائري مختار بلمختار وجماعة أنصار الشريعة في تونس. وقد أكد ذلك المؤتمر دعم التنظيمات والجماعات المشاركة فيه للجماعات الجهادية في مالي وفي سورية. وتم  الإتفاق في المؤتمر على إرسال مقاتلين إلى سورية، وفتح معسكرات التدريب التابعة لها لاستقبال المتطوعين للجهاد في سورية، على أن يعود المقاتلون بعد ذلك للمشاركة مع زملائهم في ليبيا. وعندما برز تهديد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) دعت جماعة أنصار الشريعة إلى عقد مؤتمر للتنسيق بين تنظيمات القاعدة وغيرها من التنظيمات الجهادية للوقوف معا ضد مخاطر انتشار نفوذ داعش في ليبيا. وقد عقد ذلك المؤتمر في أجدابيا في يونيو 2015 وأسهم إلى حد كبير في تعزيز جهود التنسيق المشترك فيما بين تنظيمات القاعدة ضد داعش.

وتتميز جماعة أنصار الشريعة الليبية حتى الآن بقدرتها الملحوظة على بناء تحالفات عسكرية مع أطراف أخرى، وتشكيل مجالس للتنسيق بين المقاتلين بهدف رفع مستوى القدرة على كسب المعارك. ومن أهم الإئتلافات التي نجحت أنصار  الشريعة في تشكيلها مجالس شورى المجاهدين في كل أنحاء ليبيا تقريبا ومنها : "مجلس شورى المجاهدين في بنغازي" من خلال الإندماج مع ميليشيات بنغازي الإسلامية المسلحة (2014)، و"مجلس شورى المجاهدين في درنة" من خلال الإندماج مع ميليشيات درنة الإسلامية المسلحة. ويعتبر هذا المجلس بقيادة سفيان قمو من من أقوى مراكز تنظيم القاعدة في ليبيا في الصراع ضد داعش وضد قوات الجيش الوطني. كذلك فإن أنصار الشريعة تشكل جزءا من "مجلس شورى المجاهدين في أجدابيا". وقد خسر هذا المجلس السيطرة على المدينة لصالح الجيش الوطني الليبي في 22 فبراير 2016.

وتنظر جماعة أنصار الشريعة إلى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على إنه المنافس الرئيسي لها في ليبيا وتعمل بكل قوتها من أجل الحد من نفوذ التنظيم. وعلى الرغم من ذلك فإن الصراع بين التنظيمين أسفر عن انشقاق داخل جماعة أنصار الشريعة رحل نتيجته عشرات من المقاتلين للإنضمام إلى صفوف تنظيم داعش في سرت وبنغازي ودرنة وأجدابيا.

داعش في ليبيا

تعتبر تنظيمات الدولة الإسلامية في ليبيا ثاني أقوى تنظيمات ما يسمى بدولة الخلافة الإسلامية التي أعلنها "الخليفة" أبو بكر البغدادي في العراق والشام. ومع تطور العمليات القتالية في العراق وسورية وخسارة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) أكثر من نصف المساحات التي كان يسيطر عليها هناك، وفقدان أكثر من نصف مقاتليه؛ فإن ليبيا قد تصبح الملاذ الأمن لمقاتلي التنظيم، بسبب حالة الحرب متعددة الأطراف والفوضى العسكرية وانعدام القانون والنظام في بلد مترامي الأطراف ينقسم بين ساحل مأهول نسبيا وبين صحراء شاسعة تمتد إلى حدود 6 دول هي مصر والسودان وتشاد وتونس والجزائر والنيجر، إضافة إلى مالي القريبة جدا من الحدود الليبية.

ولا تخفي داعش أطماعها في هذه الدول وتحاول زعزعة النظم القائمة فيها ونشر العنف بغرض تمكين التنظيم من إقامة قواعد مستقرة وقوية في هذه الدول أو "الولايات الإسلامية" كما تدعوها قيادات الدولة الإسلامية. كما تمثل ليبيا بصحاريها الواسعة وطرق التهريب التي تمثل نقاط التقاء لعمليات التهريب المنظمة عبر القرن الأفريقي والساحل والبحر المتوسط أرضا جيدة لإقامة معسكرات التدريب والحصول على الأسلحة والعتاد وتخزينها. وقد أوضحنا من قبل بالتفصيل أهمية ليبيا بالنسبة لتنظيم الدولة الإسلامية. والأمر هنا لا يتعلق بتنظيم الدولة الإسلامية فقط، بل إن كلا من داعش والقاعدة يسعيان لاستخدام ليبيا بوصفها مركزا رئيسيا للجهاد العالمي في مناطق حوض البحر المتوسط وشمال أفريقيا والقرن الأفريقي ودول الساحل.

ويعود نفوذ داعش في ليبيا إلى العام 2014 عندما قامت جماعات إسلامية مسلحة بمبايعة أبو بكر البغدادي، منها "مجلس شورى شباب الإسلام" في درنة و"تنظيم مجاهدي ليبيا"، إضافة إلى عناصر من "الجماعة الليبية المقاتلة" التي كانت قيادتها قد انقسمت على نفسها وتحولت إلى العمل السياسي. وشهدت مدينة درنة مظاهرة تأييد لداعش في ربيع العام 2014 أي قبل سيطرة داعش على الموصل. وقررت قيادة الدولة الإسلامية في الرقة في يونيو 2014 إرسال قوة مؤلفة من نحو 300 مقاتل من شرق سورية إلى ليبيا للمساعدة في إقامة فرع التنظيم هناك. ومن المرجح أن هذه القوة وصلت إلى سرت في أوائل أغسطس من العام نفسه. وكان لوصول المقاتلين إلى ليبيا تأثير كبير في رفع الروح المعنوية للجماعات المحلية التي بايعت داعش. وفي 13 نوفمبر 2014 أعلن أبو بكر البغدادي تأسيس فرع الدولة الإسلامية في ليبيا تحت إشرافه بعد أيام قليلة من تلقيه رسائل مبايعة وولاء من الولايات الليبية الثلاث، ولاية برقة وقيادتها في درنة، وولاية طرابلس وقيادتها في سرت، وولاية فزان في الجنوب الغربي. وتم تأسيس قيادة مركزية لداعش في سرت في أوائل العام التالي (2015).

وقد اعتمد توسع داعش التنظيمي على شق الولاءات داخل الجماعات الإسلامية الجهادية المتطرفة بما في ذلك "جماعة أنصار الشريعة" الذراع الرئيسي للقاعدة في ليبيا. وقد إنشق الشيخ أبو عبد الله الليبي أحد قيادات أنصار الشريعة عن الجماعة الموالية للقاعدة، وانضم إلى داعش في مارس 2015 وهو ما أعطى قوة إضافية للتنظيم في سرت، واستطاع أبو عبدالله أن يجذب إلى داعش العشرات من مقاتلي جماعة أنصار الشريعة.

 

واستطاع مقاتلوا تنظيم الدولة الإسلامية التقدم شرقا وغربا وجنوبا مستغلين حالة الصراعات والإنقسامات بين الأطراف المتقاتلة لمصلحتهم، وامتد نفوذ داعش لمسافة تقرب من 200كم بطول الساحل الليبي. وسيطر مقاتلوا تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا على مدينة سرت تماما في 12 مايو 2015 ، واستمرت سيطرة التنظيم هناك حتى أوائل ديسمبر 2016، عندما بدأت عملية "البنيان المرصوص" لاستعادة المدينة وطرد داعش. أي أن التنظيم أمضى في سرت عامين تقريبا، يمارس الحكم وإدارة شؤون الحياة للمواطنين، بما في ذلك إدارة التعليم والصحة والنقل والضرائب، وكذلك إدارة العمليات القتالية في المناطق الأخرى، حيث اعتبرت سرت هي عاصمة التنظيم في ليبيا. وقد استمرت عمليات توسع داعش إلى خارج سرت شرقا وغربا حتى نهاية مايو عام 2016 عندما سيطر مقاتلوا تنظيم الدولة الإسلامية على مدينة بن جواد وبعض القرى في شرق سرت منها قرية هراوة حتى أخرجهم منها حرس المنشآت النفطية الفيدرالي.

وفي الوقت الذي كانت فيه العمليات القتالية بين القوى الليبية المتصارعة تتركز في مناطق على طول الساحل الليبي حتى أوائل العام 2017، فإن تنظيم داعش وجد في ذلك فرصة ذهبية خلال الفترة من 2014 حتى 2016 للتحرك بحرية كبيرة والتوسع في مناطق الجنوب والغرب بعيدا عن مسرح العمليات بين القوى المتصارعة على الساحل، وهو الصراع الذي كانت تحركه أساسا مصلحة كل من هذه القوى في السيطرة على موانيء تصدير النفط. وقد حاول داعش هو الآخر محاولة السيطرة على الموانئ النفطية في راس لانوف والسدرة والزويتينة، لكن حرس المنشآت النفطية تصدى لهم واستطاع رد الهجوم. وفي مواجهة حملة داعش للسيطرة على موانئ تصدير النفط، رفض الرئيس الأمريكي باراك أوباما طلب القيادة العسكرية الأمريكية بالتدخل العسكري المباشر، مفضلا الإستمرار في القيام بضربات جوية لقتل قيادات داعش وضرب معسكرات التدريب والمنشآت التابعة لها كما حدث في 19 فبراير 2016  (في ذلك الوقت كان عدد مقاتلي داعش يقدر بنحو خمسة آلاف مقاتل.

وخلال المعارك التي اندلعت لاستعادة سرت واجه ما يتراوح بين ألفين إلى ثلاثة آلاف مقاتل من داعش هجوم "قوات البنيان المرصوص" بمكوناتها المختلفة وأهمها ميليشيات مصراتة عالية التسليح. وانتهت استراتيجية داعش هناك ليس إلى الإحتفاظ بسرت والتضحية بالمقاتلين، ولكن بالتضحية بالأرض والمحافظة على المقاتلين. وكانت مهمة القوات المدافعة عن سرت هي توفير الحماية الكافية لبقية قوات داعش للإنسحاب بهدوء إلى أماكن أخرى خارج سرت، إضافة إلى محاولة تقليل الخسائر الناجمة عن هجوم قوات البنيان المرصوص المدعومة من الطيران الأمريكي. وقد استمرت هجمات الطيران الأمريكي ضد داعش في العراق بعد تحرير سرت، وشنت الطائرات الأمريكية غارات على أحد معسكرات التدريب التابعة لداعش في غرب ليبيا في 18 يناير 2017 وقالت أن هذا الهجوم أسفر عن إضعاف القدرات القتالية للتنظيم، خصوصا على شن هجمات في الخارج.

قيادة داعش في ليبيا

يعتقد ان القائد الحالي لداعش في ليبيا هو السعودي عبد القادر النجدي، وهو يقوم حسب بيان اصدره بمهام المفوض لادارة "الولايات الليبية". وتشمل تلك الولايات حسب التقسيم الإداري لداعش ولاية برقة في الشرق وقيادتها كانت في درنة، وولاية طرابلس في الغرب وكانت قيادتها في سرت، ثم ولاية فزان في الجنوب. ولكن من غير المعروف من هو القائد الحقيقي لداعش في ليبيا، وتضم قائمة القيادات الكبيرة هناك أسماء قياديين تم إرسالهم من سورية والعراق إلى ليبيا ومنهم: اليمني أبو البراء الأزدي، الذي كان يعتقد بأنه أمير داعش في درنة، والسعودي أبو حبيب الجزوري، الذي كان يعتقد بأنه أمير سرت، والسعودي حسن الصالحيان صالح الشعاري، الذي تم إطلاقه من السجن في العراق في منتصف العام 2012 وشارك في عمليات داعش في العراق، ثم تم إرساله لتنظيم عمليات داعش في ليبيا في مدينة درنة، إضافة إلى العراق أبو نبيل الأنباري الذي قتل في غارة أمريكية على درنة في 13 نوفمبر 2015.

وعلى الرغم من انسحاب داعش من مواقعها الاستراتيجية الرئيسية في شرق ووسط وغرب ليبيا وفشل عملية بوقردان الحدودية (على الجانب التونسي من الحدود) فإن تنظيم الدولة الإسلامية يحاول اعادة تنظيم صفوفه والتجمع في عدد من النقاط بالقرب من سبها والحدود الليبية المصرية والسودان وجنوب غربي ليبيا. والحقيقة أن تراجع داعش وانسحاب مقاتليه من مواقعهم سبق بكثير خروجهم من سرت. ففي مناطق غرب ليبيا تحركت القوى القبلية والميليشيات المحلية في صبراته ضد مقاتلي داعش والسعي لطردهم من المنطقة بعد تعرض أحد معسكرات التدريب التابعة لهم في المنطقة لضربات جوية أمريكية في فبراير 2015. وبعد ذلك تزايدت الضغوط على مقاتلي داعش في درنة من كل من الجيش الوطني والميليشيات المنافسة خصوصا أنصار الشريعة، وهو ما أسفر في نهاية الأمر عن انسحاب مقاتلي داعش من درنة في 26 ابريل 2016. ثم جاء الإنسحاب المدوي من سرت في الأسبوع الثاني من ديسمبر 2016. وهذا يعني أن تنظيم الدولة في ليبيا قد استقبل العام 2017 بدون أي من قواعده الحصينة السابقة خصوصا في درنة وسرت.

ويجب أن نسجل هنا إنه خلال فترة اتساع نفوذ داعش في ليبيا  إستمر في مارسة سياسته المتشددة تجاه الأقباط والمسيحيين بشكل عام. وكانت استعراضات ذبح الأسرى والمخطوفين من الأحداث الدموية البشعة التي صبغت سلوك داعش ضد أصحاب الديانات الأخرى في ليبيا بالدموية، تماما كما فعل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسورية ضد المسيحيين والأيزيديين. ولن ينسى العالم الصور البشعة التي بثها التنظيم في تسجيل وقائع ذبح 21 رهينة من الأقباط المصريين في 16 فبراير 2015، والعملية التي تمت بعد ذلك بأسابيع قليلة (19 أبريل 2015) بإعدام 28 مسيحيا إثيوبيا.

وتقوم قيادات داعش الموجودة داخل ليبيا في الوقت الحاضر باتصالات مع الميليشيات المسلحة وقيادات الجماعات الإسلامية الكبيرة من أجل تنسيق المجهود المشترك في مواجهة العدو المشترك. وتشير تحقيقات أجرتها الأجهزة الأمنية في ليبيا وتونس والجزائر إلى اتصالات تجري بين قيادات داعش وبين قيادات التنظيمات الأخرى بشأن ترتيبات لعودة مقاتلي داعش إلى بعض مواقعهم السابقة خصوصا في سرت، وذلك في مسعى من تنظيم الدولة الإسلامية لتحويل ليبيا إلى قاعدة رئيسية للجهاد العالمي بالإشتراك مع بقية الميليشيات والجماعات الجهادية. وسوف نشير في المقال القادم إلى الجهود المبذولة حاليا لبناء تحالفات عسكرية بين الميليشيات والجماعات الإسلامية المتطرفة ومنها داعش والقاعدة، بغرض تحويل ليبيا إلى قاعدة رئيسية للجهاد العالمي، والإستراتيجيات المعمول بها لمواجهة داعش والقاعدة.

شارك