العصبية العائلية والمشاركة السياسية: دراسة حالة فى قرية مصرية

الأربعاء 24/مايو/2017 - 12:12 ص
طباعة العصبية العائلية
 
د. وفاء سمير نعيم – عرض: محمد عبد الهادى

إن المشاركة السياسية من الموضوعات البينية التى تتفاعل فيها المحددات وتتداخل فيها الأنماط وتثور بشأنها العديد من القضايا والإشكاليات، وفى محاولة لفهم ديناميكيات هذه العملية التى تختلف من منطقة جغرافية إلى أخرى، من الريف إلى الحضر، ما بين وجه قبلى ووجه بحرى ومناطق حدودية فى مصر، أصدرت الهيئة المصرية العامة للكتاب فى 2016 كتاباً بعنوان "العصبية العائلية والمشاركة السياسية: دراسة حالة فى قرية مصرية" للباحثة د. وفاء سمير نعيم – خبير علم الاجتماع السياسى بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية. وهى دراسة تقدمت بها الباحثة إلى قسم الاجتماع بكلية الآداب بجامعة بنها للحصول على الإجازة فى درجة الماجستير فى يناير 2009.

يقع الكتاب فى (272) صفحة من القطع العادى، وتناول العصبية العائلية وعلاقتها بالمشاركة السياسية في الريف المصري وكانت قرية "الحصة" نموذجًا للدراسة. وينقسم إلى أربعة فصول: الفصل الأول منها يتناول البناء التصورى لدراسة العصبية العائلية والمشاركة السياسية، والفصل الثانى يتناول المحددات الإجرائية والأساليب المنهجية، أما الفصل الثالث فيعنى بتحولات بنية المجتمع المصرى، وأخيرًا الفصل الرابع بعنوان العصبية العائلية والمشاركة السياسية ويحتوى كل فصل مقدمة وخاتمة تستلخص أهم النتائج، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة وملاحق الدراسة وتشتمل على دليل دراسة الحالة، وجداول الدراسة.

فكرة العصبية عند ابن خلدون وماركس وهابرماس

     فى الفصل الأول وعنوانه (البناء التصورى لدراسة العصبية العائلية والمشاركة السياسية) قد حدّدت الباحثة الأفكار الأساسية التي تستند إليها دراسة العصبية وعلاقاتها بالمشاركة السياسية عند كل من "ابن خلدون" و"كارل ماركس" و"هابرماس" كإطار تصورى تعتمد عليه الباحثة فى تفسير النتائج وفى تحديد متغيرات العصبية والاستفادة منها فى تصميم دليل دراسة الحالة، وبذلك جمعت الباحثة بين الاتجاه الكلاسيكى والاتجاه المعاصر فى دراسة العصبية والمشاركة السياسية وحتى تتمكن الباحثة من وصف الصورة كاملًا بما يتلائم مع طبيعة فترة الدراسة، حيث بينت أن "ابن خلدون" الذى ما زالت مفاهيمه تحتفظ بأهميتها التحليلية وكفاءتها التفسيرية عند تطبيقها على الواقع الاجتماعى والسياسى قد استند في دراسته للعصبية إلى فكرة التحالف والانتماء إلى جماعة معينة والدافع الأساسي لتلك العصبية يتمثل في فكرة المصلحة المشتركة للجماعة، وتتمثل العوامل التي أثرت في العصبية في: عوامل مادية اقتصادية، وعوامل معنوية ثقافية، الأولى تتمثل في فكرة المصلحة عند " ماركس"، والتي عبر عنها في الصراع الطبقي وجوهره (اقتصادي، سياسي، أيديولوجي). أما الثانية العوامل المعنوية فتتمثل في فكرة المصلحة عند "هابرماس"، وتتجسد فكرة العصبية في صورتها المعاصرة.

وهكذا يتحدد الإطار التفسيرى لدراسة العصبية الذى ينشأ من خلال فكرة المصلحة المشتركة، فكلما زادت الصلات الاجتماعية بين الجماعات وانتماء الفرد إلى الجماعة التى ينتمى إليها باعتبارها تحقق للفرد مصلحته التى هى مصلحة الجماعة تبلورت فكرة المشاركة السياسية.

المحددات الإجرائية والأساليب المنهجية

    كان لزاماً على الباحثة بعد أن حددت الإطار التصورى للدراسة التوصل إلى المحددات الإجرائية والأساليب المنهجية التى اتبعتها من أجل تحقيق أهداف الدراسة والإجابة عن تساؤلاتها، وذلك فى الفصل الثانى الذى تناول (المحددات الإجرائية والأساليب المنهجية)، وبدء باستعراض للدراسات السابقة، ويليها المفاهيم الأساسية للدراسة ومفاهيمها الإجرائية التى تساعد فى توضيح الإطار التصورى والمنهجى وهى مفاهيم: العصبية والمصلحة والمشاركة الاجتماعية والمشاركة السياسية، ثم عرضت الباحثة للإجراءات المنهجية التى بدأتها باختيار قرية (الحصة) التابعة لمركز طوخ بمحافظة القليوبية مجالًا لدراسة الحالة، وذلك بشكل عمدى على اعتبار أنها تمثل قرية شبه تقليدية تتوافر فيها الظاهرة مجال الدراسة، وقد تم اختيارها فى ضوء معايير محددة تتمثل فيما يلى: تتوافر فيها ظاهرة العصبية، وأن بها قيادات من عائلات عريقة (ذات عصبية) ولها سلطة ونفوذ بالقرية، وأن تلك القيادات مسيطرة على مراكز القوة داخل القرية وخارجها. وعن كيفية اختيار القرية اعتمدت الباحثة على الإخباريين وبعض المسئولين والذين استطاعت الباحثة عن طريقهم أن تحدد قرية الدراسة.

استخدمت الدراسة عددًا من الأساليب المنهجية كالمعطيات التاريخية المقارنة الأسلوب الإحصائى والإخباريين وطريقة دراسة الحالة كطريقة لجمع البيانات كما قامت الباحثة بإعداد دليل دراسة الحالة لاستخدامه كأداة رئيسية للدراسة.

كما أن هذه الدراسة أخذت ثلاث فئات أو أجيال مختلفة تمثل العصبية وهى: جيل كبار السن وهم من كبار العائلات وقيادتها، وجيل متوسطى السن، وجيل الشباب وراعت الباحثة فى اختيارها للنوع (ذكورًا وإناثًا) وذلك حتى تتمكن من وصف صور المشاركة السياسية للمرأة داخل القرية.

تحولات بنية المجتمع المصرى

يمثل الفصل الثالث (تحولات بنية المجتمع المصرى)  دراسة حالة المجتمع المصرى فهو محاولة من جانب الباحثة للكشف عن أثر التحولات التى أحدثتها سياسات الانفتاح الاقتصادى والإصلاح الاقتصادى والعولمة على بناء العصبية وطبيعة المشاركة السياسية.

     قد استلخصت الباحثة من دراستها للتحولات التى حدثت ببنية المجتمع المصرى بعض النتائج الأساسية التى تتعلق بطبيعة العلاقة الجدلية بين العصبية والمشاركة السياسية على مستوى المجتمع المصرى بصفة عامة والريف المصرى بصفة خاصة.

فلقد أدى انتهاج الدولة لسياسة الانفتاح الاقتصادى والإصلاح الاقتصادى والعولمة إلى إضعاف سلطة الدولة وتضاؤل دورها، مما أدى إلى إحياء أطر كانت سابقة على الدولة كالقبيلة والعصبية والعائلية، وأثرت تلك التحولات كذلك على بنية المجتمع المصرى وأصابته بالتعدد والانقسام وعدم التجانس، والتى أفرزت بدورها ظاهرة التشابكات والتحالفات العائلية ليس على المستوى الاقتصادى فحسب بل على مستوى منظمات المجتمع المدنى كالجمعيات الأهلية والنقابات المهنية والأحزاب السياسية بالإضافة إلى المستوى السياسى، حيث أثرت على الحياة السياسية بصفة عامة والعملية الانتخابية بصفة خاصة.

    ورأت الباحثة أن الديمقراطية ليس لها مستقبل مشرق فى مصر فالحياة السياسية وصلت إلى أكثر فتراتها فقرًا واضمحلالًا، وليس أدل على ذلك من تفكيك خريطة السياسة فى مصر حيث إن الأحزاب السياسية فى مصر تواجه أزمة حادة وتتفاعل تلك الأزمة مع نتائج الانتخابات التى توجد فيها سيطرة العناصر التقليدية وظهور الاحتكار السياسى من قبل العصبيات لعائلات لها امتدادات أسرية عريقة التى توفر لها ضمانات النجاح والفوز بعضوية مجلس الشعب (كما كان يسمى حينها).

أثر تحولات المجتمع على القرية المصرية

أما فى الفصل الرابع (العصبية العائلية والمشاركة السياسية دراسة حالة فى قرية الحصة مركز طوخ – محافظة القليوبية) فقد أوضحت الباحثة بأنه يرتبط ما يحدث فى الريف المصرى بما يحدث فى المجتمع المصرى كله لما شهده المجتمع مع تحولات تمثلت فى تبنى الدولة لسياسة الانفتاح الاقتصادى والإصلاح الاقتصادى والعولمة مما أثر على القرية المصرية.

    وقد خلصت الباحثة إلى أن: للعصبية تأثيرها الواضح فى طبيعة المشاركة (الاجتماعية والسياسية) واتسامها بالطابع العائلى والشخصى داخل قرية الدراسة، واستنتجت الباحثة أنه ستظل العصبية والعلاقات القرابية الداعم للسلطة السياسية الحاكمة (الدولة) والمهدد الفاعل لها وذلك فى حالة إخفاق العصبية المتمثلة فى علاقات القرابة والنسب والمصاهرة وجماعات المصالح القيام بمهامها تجاه العائلة والمجتمع، ومن هنا فإن العصبية يمكنها أن تتعايش وتتكيف كما يمكنها تشكيل نفسها من جديد لتتلاءم مع ظروف أكثر تطورًا يشهدها المجتمع المصرى بصفة عامة ومجتمع القرية بصفة خاصة.

تتفق هذه الدراسة مع بعض الدراسات السابقة فى أنها اهتمت بدراسة العصبية (سواء أكانت العلاقات القرابية المباشرة وغير المباشرة أم المصاهرة حيث تبدلت علاقات الدم إلى علاقات نسب) وتأثيرها فى المشاركة السياسية حيث إنه: تتفق بأن القوة ترتكز فى دائرة صغيرة (أى قلة فاعلة) والتى يمتد سيطرتها إلى الإدارة المحلية والدولة، وتتفق أيضا فى أن العائلة السياسية يمكن أن تكون مصدر قوة إذا استطاعت الأحزاب والقوى السياسية الأخرى الاستفادة منها، وكذلك تتفق فى أن أهم الأسباب التى تدفع المرشحين للانتخابات كانت للحفاظ على أمجاد العائلة فى مقدمة دوافع الترشيح للانتخابات، وإنه لا توجد مشاركة من أجل المشاركة وإنما المصلحة تحكم كل شئ.

بينما تستمد هذه الدراسة أهميتها من إنها تناولت العلاقة بين العصبية العائلية والمشاركة السياسية، فكثير من الدراسات تركز على العصبية القبلية وخاصة فى الوجه القبلى فى حين القليل منها من يهتم بموضوع العصبية العائلية. حيث درست الباحثة العصبية العائلية كعنصر حاكم ومحدد لعملية المشاركة السياسية واختيار المرشحين ذوى العصبيات العائلية سواء في الانتخابات البرلمانية أو المحلية وتأخذ هذه الظاهرة الطابع المؤسسي فى كثير من الأحيان فى انتخابات وتشكيل الأحزاب السياسية والنقابات المهنية والجمعيات الأهلية.

فى ضوء ذلك يمكن للأحزاب السياسية فى مصر أن تستفيد من هذه الدراسة لبناء قدرات أعضائها خاصة فى المحافظات التى يغلب عليها الروابط العصبية العائلية مما يعد فرصة لبناء منظومة القيم والممارسات التى تستند إلى أنماط تفكير منفتحة وثقافة الديمقراطية والمواطنة فى المجتمعات المحلية هذا من ناحية، وفرصة لزيادة تأثير الأحزاب عبر المحافظات المختلفة من خلال أنشطة تأهيل الكوادر وتوسيع القواعد الحزبية من ناحية أخرى.

شارك